..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سعيد قزاز في كتاب السيد عبد الرحمن البياتي

د. كاظم حبيب

نشرت رسالة الماجستير السيد عبد الرحمن إدريس البياتي في كتاب بعنوان "سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959 م" وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت في العام 2001. ويبدو أن الرسالة قد أنجزت في العام 2000، أي في ظل نظام البعث وصدام حسين. وكان الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر مشرفاً عليها وقدم للكتاب.

تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وشهادة شخصية بحق سعيد قزاز. بحث الفصل الأول في نشأة وثقافة سعيد قزاز والسلم الوظيفي الذ تدرج فيه، واكتسب خبرته الأمنية والإدارية في أجهزة الإدارة البريطانية في أوائل حياته الوظيفية، ثم في أجهزة الدولة العراقية حتى وصوله إلى منصب وزير الشؤون الاجتماعية ومدير عام الموانئ العراقية، في حين بحث الفصل الثاني تبوء سعيد قزاز منصب وزير الداخلية ومواقفه الملوسة في إضراب عمال ميناء البصرة ودوره في درء الفيضان عن بغداد، ثم دوره في انتخابات أرشد العمري في العام 1954 وقبل وصول نوري السعيد إلى رئاسة الوزراء للمرة الثانية عشرة والمرة الثالثة عشرة. أما الفصل الثالث فقد احتوى بشكل موسع ومفيد على المراسيم الاستثنائية التي أصدرتها وزارة نوري السعيد في العام 1954 ودور سعيد قزاز في تنفيذها وموقفه من الحريات الديمقراطية والحياة الحزبية والصحافة ومن العائلة البارزانية، وكذلك موقفه من منع سفر وفد المحامين العراقيين إلى مؤتمر المحامين العرب في نفس العام، إضافة إلى تتبع مواقف سعيد قزاز، كوزير للداخلية، من رفض منح إجازة تأسيس حزب المؤتمر الوطني العراقي الذي تشكل من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، إضافة إلى مواقفه من الحركة الوطنية العراقية، وخاصة في أحداث انتفاضة عام 1956 التي تركز النضال فيها من أجل دفع العراق لدعم مصر بعد تأميمها لقناة السويس والاحتجاج على العدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر، وكذلك دوره السلبي في توتر العلاقات المصرية العربية. أما الفصل الرابع والأخير من هذا الكتاب فقد تتبع الباحث فيه موقف سعيد قزاز من أحداث عام 1958 وقبل ثورة تموز من نفس العام وحياته وسلوكه المتماسك في المعتقل، ثم محاكمته أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب) وموقف القزاز منها. ثم يتطرق الباحث عن الأيام الأخيرة لسعيد قزاز في المعتقل وقبل تنفيذ حكم الإعدام به. ثم يقدم أخيراً شهادة شخصية كتبها السيد محمد سعيد الخفاف حيث يتطرق فيها إلى خصائص الوزير الراحل سعيد قزاز.

من هنا يتبين لنا أن البحث تضمن في فصوله المختلفة الأدوار المختلفة من حياة الشخصية السياسية العراقية موضوع البحث، إذ أفادنا الباحث بالكثير من المعلومات المتوفرة في وثائق وأضابير وزارة الداخلية وفي الصحف العراقية التي كانت تسجل أحداث العراقي في حينها. ولا شك في أن الكتاب يتضمن منهجية مقبولة ومستوى طيباً في البحث والتمحيص والتتبع الجيد. ولكن السؤال المناسب هنا هو: كيف كان محتوى الكتاب ووجهة الباحث في إنجاز رسالته ثم إصدارها في كتاب؟ 

نشير باتداءً إلى أن الباحث قد بذل جهداً طيباً في أن تكون رسالته علمية في منهجها. فقد استند إلى:

• الكثير من المصادر الأساسية والوثائق الحكومية للعهد الملكي؛

• وعقد لقاءات مع شخصيات عرفت أو تعرفت على الوزير العراقي الراحل عن قرب؛

• والتحري والبحث في الصحافة العراقية في العهد الملكي ودراسة محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي حاكمت سعيد قزاز في العام 1959.

• وقد بذل الباحث، كما بدا لي جهدا ملموساً ليكون قدر الإمكان حيادياً في عرض الأحداث والتصورات التي وردت عن الراحل سعيد قزاز، وتتبع حياته طيلة الفترة التي كان فيها موظفاً ضمن أجهزة الدولة العراقية وخاصة في المجالات الأمنية والإدارية.

واستناداً إلى ذلك سعى الباحث إلى تتبع نشاط ودور سعيد قزاز كموظف وكرجل دولة وسياسي ضمن النخبة السياسية البارزة والمتميزة في عهد النظام الملكي من جهة، والشخصية المقبولة والمحبوبة والمقدرة من قبل أجهزة سلطة الانتداب البريطانية على العراق قبل دخول العراق عصبة الأمم ثانياً، كما تتبع سلوكه الشخصي وتصرفاته الاجتماعية وعلاقاته المحتلفة ثالثاً، إضافة إلى تطرقه إلى المحاكمة والموقف منها وموقفه فيها. والسؤال الذي يدور في البال هنا أيضاً، هو: هل توفق الباحث في دراسته التي استغرقت حوالي 170 صفحة من القطع الكبير في أن يقدم لنا دراسة محايدة إلى حدود بعيدة وموضوعية في حكمها على من رحل عنا ولمي عد قادراً الدفاع عن نفسه؟

إن الإمعان في الكتاب يسمح لي بتوزيع الإجابة على مستويين وهما:

أولاً: مستوى العرض والتحليل لحياة سعيد قزازً

ثانياً: مستوى الاستنتاج والتقدير لممارسات سعيد قزاز، وخاصة حين كان وزيراً للداخلية. 

وبصدد الفقرة الأولى يمكن القول بأن السيد البياتي استطاع أن يستعرض حياة سعيد قزاز ونشاطه ودوره، سواء حين كان موظفاً صغيراً عند الإدارة البريطانية وضمن جهاز القلم السري، أم حين كان موظفاً في الإدارة المحلية العراقية، ومن ثم موظفاً كبيراً في الميناء أو وزيراً للشؤون الاجتماعية، ومن ثم وزيراً للداخلية لعدة سنوات ومع العديد من رؤساء الوزارات، ولكن بشكل خاص مع نوري السعيد، زميله الذي احتضنه ورعاه وسانده في تقدمه الوظيفي، استناداً إلى قدراته الإدارية واتفاق وجهات النظر بين الشخصيتين في أغلب المسائل العراقية الداخلية منها والخارجية، وخاصة مواقفها العدائية المشتركة من اليسار عموماً والشيوعية على وجه الخصوص من جهة، ومواقف الصداقة والتعاون الوثيق مع المملكة المتحدة من جهة أخرى. 

وفي عرضه لهذه اللوحة المكثفة كان البياتي حيادياً في توصيفها والإشارة إلى أبرز المشكلات التي يدور حولها الخلاف مع من يناصر إعادة النظر في الموقف من سعيد قزاز ومن يرى غير ذلك. فلم يتردد في عرض مواقف سعيد قزاز من إضراب عمال النفط في البصرة ومنحه شرطة البصرة هدايا وترقيات بسبب موقفها من الإضراب الذي أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص وجرح عدد آخر من المضربين. كما لم يتردد في شرح مواقف سعيد قزاز السلبية والمعادية للحركة الكردية المسلحة وموقف العداء للبارزاني، سواء حين كان متصرفاً في أربيل أم فيما بعد، وكذلك مواقفه السلبية من الحركة الوطنية العراقية ورفضه لاتجاهات التطور في مصر من ناحية الموقف من تأميم القناة ودعوته بريطانيا لضرب مصر لكي لا تنتصر الحركة وتشتعل المنطقة بالنضال ضد الهيمنة البريطانية على سياسات دول منطقة الشرق الأوسط. كما شرح بتوسع موقف سعيد قزاز من المراسيم الرجعية الاستثنائية التي أصدرتها وزارة نوري السعيد في العام 1958، رغم قوله بأن سعيد قزاز لم يكن موجوداً حين صدرت تلك المراسيم، ولكن سعيد قزاز ايدها تأييداً كاملاً وأصدر التعليمات لتنفيذها وسبل التنفيذ وعمل جاهداً على أن تنفذ بإبداع، وخاصة فرض التوقيع على نص البراءة من الشيوعية، وشرح ما نشأ عن تنفيذ تلك المراسيم الرجعية. وطرح بوضوح لا لبس فيه موقف سعيد قزاز من الحزبية والأحزاب السياسية حتى تلك التي لا تعرف بكونها يسارية، كما في الموقف من حزب الاستقلال أو الحزب الوطني الديمقراطي أو حزب المؤتمر الذي تشكل منهما، أو الموقف من بقية القوى السياسية العراقية، دع عنك موقفه الكاره والمليء بالحقد لليسار والشيوعية. وإذا كان من حقه أن يكره هذا التيار أو ذاك وهذا الحزب أو ذاك ويحقد عليه، فليس من حقه بأي حال أن يمارس الكراهية والحقد فعلياً بأساليب قمعية معروفة للعراقيين، وخاصة من عاش تلك الفترة أو تلظى فيها.

ولا شك في أن سعيد قزاز تمتع بشخصية نافذة ورؤية واضحة لما كان يريد أو يهدف، وبالتالي فأنه قد دافع عن تلك المواقف أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة بجرأة رغم الأجواء المعادية له التي رافقت جلسات المحكمة إزاء حكام العهد الملكي، وخاصة إزاء سعيد قزاز باعتباره وزيراً لداخلية العراق ومسؤولاً بعد نوري السعيد عن سياسة العراق الداخلية ومقرباً منه ومن البلاط الملكي والإنجليز.

وفي الفقرة الثانية من البحث تلمست بوضوح أن السيد البياتي فقد حياديته التي برزت في عرضه لحياة ونشاط ودور سعيد قزاز وبالنسبة إلى عدد من المسائل المهمة التي يصعب قبولها من باحث علمي موضوعي. وهذا الرأي الذي أطرحه أشير معه إلى عاملين مهمين يلعبان دورهما البارز في كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه، وأعني بهما:

1. وجود البعث وصدام حسين وأجهزتهما في السلطة حين إعداد الرسالة والكتاب، والحدود التي يستطيع فيها الباحث طرح الأمور بصورة مستقلة بعيداً عن تأثيرات الوضع السياسي وممارسات السلطة المباشرة وغير المباشرة، وقدرة الباحث على استخلاص الاستنتاجات أو الأحكام التي بصورة مستقلة، مع عدم نسيان تأثير ودور نهج الحكم وصدام حسين في مسألة إعادة كتابة التاريخ.

2. مدى تأثر الباحث بأراء وتصورات الأستاذ المشرف عليه بصدد الشخصية موضوع البحث ونهجه في إعادة كتابة تاريخ هذه الشخصيات الخاصة بالعهد الملكي. وعلينا أن نقرأ المقدمة التي كتبها الأستاذ المشرف وأن نتابع نهج البياتي في البحث والكتابة والاستنتاج. 

بعد أن انتهيت من قراءة الكتاب للمرة الثانية توصلت إلى الرأي التالي: أن الباحث البياتي (ربما) قد وجد نفسه ملزماً أو طوعاً على الأخذ بنظر الاعتبار الواقع السياسي حينذاك حين كتب رسالته، ولكنه في كل الأحوال لم يكن مجبراً، كما أرى، على الالتزام برأي استاذه المشرف في هذا الصدد، إذ أنه المسؤول أولاً وقبل كل شيء عما يكتبه، كما أني لا أشك بأن الأستاذ مظهر لا يفرض على طلابه وجهة نظره أو وجهة نظر محددة في البحث أو في الخروج باستنتاجات باتجاه معين، إذ عندها يفقد البحث العلمية والموضوعية ويفقد الأستاذ دوره في العملية العلمية أساساً، وهذا ما لا يمكن تصوره عن الأستاذ الفاضل مظهر. لقد كان البحث يتضمن إعارة انتباه شديد لموقف السلطة من البحث أولاً، والتزاماً ملموساً برأي الأستاذ المشرف ثانياً. إذ أن ما توصل إليه الباحث يتناقض مع الاستعراض والتحليل الذي قدمه لناً. وبقدر ما كان واضحاً في الاستعراض كان مرتبكاً في الخروج بالاستنتاجات الصائبة التي يفرضها منطق التحليل الذي التزم به الباحث. 

لقد بذل السيد البياتي جهوداً كبيرة لتبرير السياسات والمواقف التي اتخذها ومارسها سعيد قزاز بثلاث حجج أو مبررات، إذ غالباً ما كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تعتمدها في تبرير سياساته وإجراءاته القمعية القاسية ضد قوى المعارضة أو ضد المتظاهرين أو المضربين أو السجناء السياسيين الذين لم تعترف الحكومة ولا وزارة الداخلية يوما ما بكونهم سياسيين بل كانوا يعاملون على أساس سجناء عاديين! والحجج الثلاث هي: 

• المصلحة الوطنية التي هي فوق كل اعتبار؛

• وتطبيق القوانين السائدة والتي يفترض ممارستها واحترامها لصيانة أمن المواطنين وحرياتهم وأملاكهم؛

• ومحاربة الشيوعية الهدامة التي تريد أن تخرب البلاد وتنشر الإباحية في المجتمع .

ولم يكن السيد البياتي موفقاً في الاستناد إلى ذات التبريرات التي اعتمدتها الحكومات الملكية المتعاقبة ووزارة الداخلية، وخاصة في فترة سعيد قزاز، لتبرير المواقف السلبية والقمعية والمناهضة لحقوق الإنسان إزاء الحركة الوطنية العراقية، خاصة وأن السيد البياتي كان لا يتعامل في بحثه مع موظف صغير في إحدى دوائر وزارة الداخلية، بل كان يبحث في شخصية سياسية كبيرة كانت تحمل حقبة وزارة الداخلية، وكان سعيد قزاز هو الشخصية المعتمدة من قبل الجهات الثلاث المعروفة لنا، البلاط ونوري السعيد والسفارة البريطانية، والأخيرة كانت ترى فيه القدرة والكفاء على مواجهة الحركة الوطنية وبالتعاون مع نوري السعيد. لقد كان سعيد قزاز عرى رأس وزارة الداخلية ملاذاًً مهماً اعتمدته الدولة الملكية في الحفاظ عليها والدفاع عن مصالحها ومصالح الفئات التي بيدها السلطة، كما أن نوري السعيد كان يعتبره اليد اليمنى المساعدة له في كل شيء، ولم يكن سعيد قزاز يرفض للأخير طلباً، ولكن كان في مقدوره رفض طلب من عبد الإله، الوصي على العرش، الذي لم يكن يحظى بتأييد مطلق من جانب البريطانيين. ومن هنا نشأت محاولة عبد الإله التقرب من الولايات المتحدة الأمريكية بأمل الحصول على تأييد أكبر في مواقفه السياسية في العراق وفي الصراع مع نوري السعيد. ولم يترك السيد البياتي أي إجراء يمكن الطعن من خلاله بمواقف سعيد قزاز، إذ أنها كانت كلها تبرر على أنها بحكم الدفاع عن مصلحة الوطن أو تطبيقاً لقوانين سارية.. الخ. فالعرض الذي قدمه لنا السيد البياتي عن السياسات والإجراءات التي مارسها سعيد قزاز، بما في ذلك مشاركته في تزوير الانتخابات، تتناقض حقاً مع التبريرات التي قدمها في نهاية كل فقرة دفاعاً عن سعيد قزاز. وكان على المشرف أن يلاحظ ذلك بوضوح لولا تبنيه نفس النهج الذي سار عليه الباحث والتي تجسد تناغماً مع الأستاذ المشرف على البحث، وبالتالي لم يجد ما يبرر الاعتراض على الباحث.

لقد كان الباحث، ولست معنياً بوجهة نظره الفكرية والسياسية إذ أنه قدم لنا رسالة ماجستير طبعت في كتاب، إذ كان عليه أن يكون علمياً وموضوعياً لا في عرضه لحياة الشخصية موضوع البحث فحسب، بل وفي استخلاص الدروس والاستنتاجات. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان البياتي مجافياً للواقع والموضوعية في بحثه حين كان يتحدث عن الحركة الكردية المسلحة وتسمية المناضلين فيها بأنهم من المتمردين، وأن سعيد قزاز كان يدافع عن العراق ضد المتمردين حين تصدى للحركة الكردية المسلحة. وهذه هي المسألة الوحيدة التي اعترض عليها المشرف في مقدمته على بحث السيد البياتي، وكان محقاً في اعتراضه طبعاً. ولكن الأستاذ مظهر لم يكن موضوعياً حين كتب يقول: "مما يؤسف له حقاً إن المثقف العربي إما لا يعرف شيئاً من تاريخ الكرد، أو يعرف، في أفضل الأحوال، نزراً يسيراً مشوهاً منه إلا ما ندر، وهذا أمر متوقع تماماً إذا عرفنا أن مؤرخاً كبيراً منصفاً، غير متعصب مثل عبد الرزاق الحسني لم يتورع، بدوره، عن تشويه جوانب غير قليلة من تاريخ الكرد الحديث والمعاصر ، الأمر الذي لا يمكن أن يخدم الوحدة الوطنية المطلوبة، بل أنه يسهم شئنا أم أبينا، في ترخيب جسور العلاقات التاريخية بين الشعبين العربي والكردي، وإذا كان ديدن معظم الباحثين العرب هكذا، فمن الأفضل لهم ولنا أن لا يقتربوا من تاريخ الكرد لأن ضررهم أكثر من نفعهم بكثير كما بينت صراحة أثناء مناقشة هذه الدراسة في "معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا" ببغداد في مطلع هذا القرن". (المقدمة ص 34-35). لا بد من الإشارة إلى ثلاث ملاحظات، وهي: 

1. لم يكن المؤرخ عبد الرزاق الحسني منصفاً في الكثير من ملاحظاته الخاصة وتعليقاته على مختلف الأحداث في العراق، ويمكن إيراد قائمة كاملة بذلك، إضافة إلى دراساته غير العلمية عن الإيزيدية وغيرهم، وبالتالي فهو لا يشكل حجة أو مثلاً في هذا الصدد.

2. إن الكثير من الكتاب العراقيين العرب يقفون بقوة إلى جانب القضية الكردية ويعرفون تاريخها وتطور صراع الكرد ونضالهم العادل في سبيل حقوقهم المشروعة في العراق وينصفونها في كتاباتهم، وهم لا يعدون على أصابع اليد بل أكثر بكثير. 

3. وأن الكتاب العرب الذين يهاجمون الكرد وحركتهم النضالية في سبيل حقوقهم المشروعة ينتمون إما إلى فكر قومي يميني شوفيني مثل البعث أو المؤتمر القومي العربي أو بعض المعربين من الكرد مثل سعيد قزاز.

وكمثقف عربي أشعر بالحيف إزاء الكثير من المثقفين العراقيين العرب من هذا القول غير المنصف للسيد مظهر، في ذات الوقت يدافع عن سعيد قزاز الكردي الذي اتخذ موقف العداء إزاء القضية الكردية ومطالبها وليس فقط تباين في وجهات النظر وأساليب النضال. 

وفي معرض القضية الكردية أورد السيد البياتي مقاطع مهمة من بيانات أصدرها سعيد قزاز بنفسه حين كان مسؤولاً وفي مواجهة القضية الكردية تكشف أيضاً عن مواقف سعيد قزاز المناهضة للحركة البارزانية والحركة الكردية المسلحة بشكل عام واتهامها بالعدوانية. فقد جاء في رسالة البياتي ما يلي: "وفي كتاب (سري للغاية) أرسله سعيد قزاز إلى وزارة الداخلية في 20/آب/1945، علل فيه فشل الحملات التأديبية ضد البرزانيين خلال عامي 1943 و1944، إلى الشعور السائد لدى أكثرية الناس بأن الشيوخ البرزانيين (مظلومين)، لافتاً النظر إلى أن كل جندي أو شرطي قاتل ضدهم خلال السنتين الماضيتين كان متحسساً لهذا الشعور مما أسفر عن وضع شاذ أكد سعيد قزاز ضرورة إزالته مهما كلف الأمر. ونقل سعيد قزاز إلى وزارة الداخلية بعض الملاحظات التي تتعلق بواقع الحال في المنطقة الشمالية، إذ أشار إلى أن الرأي العام هناك بدأ في هذه المرة يقدّر مدى صبر الحكومة تجاه أعمال البرزانيين العدوانية، ويحبذ وضع نهاية لتجاوزاتهم، كما وجه عدد من الاتهامات إلى معروف جاووك متصرف لواء السليمانية، بخصوص تحريضه الأهلين لاستعطاف الحكومة للتساهل مع البرزانيين، ومن أولئك الشيخ محمود وأولاده، وأن جاووك نظم مناشير سرية يسعى لتوزيعها في بغداد والسليمانية بهدف تثبيط العزائم، ...". (ص 61 من كتاب البياتي). وفي مكان آخر يشير الباحث إلى ما يلي: "استمرت العمليات العسكرية ضد البرزانيين حوالي شهرين أسهمت أعداد من العشائر الكردية التي وقفت ضد البارزاني وتمرده وانتهت الحركات في 14/تشرين الأول/ 1945، بعد أن هرب الملا مصطفى البارزاني وأخوه الشيخ أحمد وأعوانهما إلى إيران. وفي 22/ كانون الثاني / 1946، وافق مجلس الوزراء على منح سعيد قزاز وسام الرافدين من النوع المدني من الدرجة الثالثة، وذلك تقديراً لأعماله الممتازة ضد حركات الملا مصطفى البارزاني وتمرده، فصدرت بذلك الإرادة الملكية بالرقم (89) في 3 /شباط / 1946". (ص 62 من كتاب البياتي).

وفيما عدا عن ذلك لم يتورع الباحث عن اتهام كل ما كان يحصل في العراق بأنه من صنع الشيوعيين الهدامين ناسياً بالتمام والكمال دور القوى الوطنية العراقية الأخرى في النضال الذي كانت تخوضه ضد السياسات القمعية وغير الديمقراطية للحكومات العراقية المتعاقبة، مع اعترافه بأنه كان شديداً وقاسياً في التعامل مع الشيوعيين، (ص 208). حتى المراسيم التي أصدرها النظام حينذاك ونفذها وزير الداخلية بكل قسوة، وجد الباحث مبرراً لتصرفات الوزير باعتبارها كانت مراسيم رسمية كانت تصب في مصلحة الوطن وضد الشيوعيين!

إن دفاع سعيد قزاز عن حكومة نوري الدين محمود العسكرية وإجراءاتها القمعية ضد الحركة الوطنية العراقية (ص 77)، وليس ضد الشيوعيين وحدهم، وجدت تبريراً لها في كتاب السيد البياتي باعتبارها دفاعاً عن أمن المواطنين ومصلحة الوطن والنظام الملكي. 

والموقع الوحيد الذي سكت عن إجراءات الحكومة ووزير داخليتها، سعيد قزاز، برز في الموقف من انتفاضة 1956 حين اشار إلى الرأي التالي: "وكان لحزب البعث العربي الاشتراكي دور فعال في قيادة انتفاضة الشعب انتصاراً لمصر، وقامت الشرطة بالتصدي للمتظاهرين واعتقلت بعض قادة الحركة"، ص 153. ويكشف الباحث عن دور سعيد قزاز في تحريض بريطانيا على ضرب مصر في العام 1956 بقوله "ويشير الدكتور مؤيد الونداوي إلى أن بريطانيا أصبحت مطمئنة على الوضع الداخلي في العراق والذي يمكن السيطرة عليه، بعد أن تسلمت تأكيدات من سعيد قزاز بهذا الشأن، والذي أخذ يحث بريطانيا على ضرورة توجيه ضربة عسكرية ضد مصر لأن نجاح عملية التأميم ستؤدي في المستقبل إلى زوال النظام السياسي في العراق، فضلاً عن زوال النفوذ البريطاني ذاته في منطقة الشرق الأوسط"، (ص 153). 

إن الكتاب يكشف عن السلوك السياسي لسعيد قزاز حين نبعد جانباً تبريرات واستنتاجات الكاتب ذاته المرتبطة بما أشرنا إليه سابقاً، إذ أنها لا تتناغم مع ما ورد من عرض في متن الكتاب لحياة سعيد قزاز السياسية. 

ولا بد في الختام أن أوكد بأن الباحث بذل جهداً ملموساً ومتميزا: 

• من أجل تبرير السياسات أو الإجراءات التي كان يتخذها سعيد قزاز كوزير داخلية باعتباره كان ينفذ القوانين والتعليمات.

• كما كما برز بشكل خاص الجوانب الإيجابية في سلوكه الشخصي إزاء عدد من القضايا الفردية، بما فيه مساعدة ذنون أيوب، الذي كان قد تخلى في حينها عن السياسة في الحصول على جواز سفر مثلاً أو مساعدات مماثلة لأشخاص آخرين. وهي مسألة اجتماعية لا شك فيها وفي جانبها الإيجابي في شخصية سعيد قزاز ومنها نزاهته الشخصية ونظافة يديه. 

• ومع ذلك كان الباحث العراقي السيد البياتي واضحاً في إبراز كرهه الشديد للرأي الآخر، للشيوعية واليسار عموماً، وحقده على من يحملها وتبريره لإسقاط الجنسية العراقية عن مجموعة من المواطنين العراقيين، ومنهم الأستاذ الفاضل والراحل عزيز شريف، أي أنه كان يشير بشكل غير مباشر إلى غياب الديمقراطية في سلوك سعيد قزاز والحكم الذي كان يدافع عنه وعن الانتخابات التي كانت تجري في فترة استيزاره لوزارة الداخلية العراقية.

• كما أجد صواب ما توصل إليه الباحث بشأن سوء معاملة محكمة الشعب لسعيد قزاز، بغض النظر عن الموقف السياسي منه وسلوكه المشين ضد الديمقراطية حين كان وزيراً، إذ كان المفروض أن يتمتع بحقوقه كاملة كإنسان متهم بقضايا كبيرة له الحق الكامل في معاملة إنسانية والابتعاد عن الإساءة له من جانب المحكمة أو الحضور أولاً، وأن حكم الإعدام الذي صدر بحقه لم يكن حكماً عادلاً، ولكن هذا لا يعني بتبرئة ساحته من السياسات التي مورست في العراق حينذاك.


د. كاظم حبيب


التعليقات




5000