..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
حسام برغل
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كم راودتني الأحلام

لمياء الالوسي

امرأة الجن  تصر على إنها راودته كثيرا، وعبثت معه  في كل الأزقة، كانت تلاحقه تحت شرفات المنازل حيث تختبئ، لم  تروضه امرأة، لكنها شرطت لترويضه خلق نوع من الفوضى في افكاره الانسية، ولم تجد أسهل من ذلك فالحب قائم في كل مكان حوله، وقلبه المعطوب المحزون دائما يتلقى ضربات الحب المتخيلة دون ان يعيشها فكان أن اقترب منها، وتذوق الجسد المحرم وعشقه.

كنت أنا طفلتها التي غزلتني بين أصابعها الطويلة المدماة ( ولا ادري لم اختار لها أصابعا طويلة مدماة ؟)  كنت طفلتها النحيلة، الجائعة، بعيون سمراء جميلة، ووجه  فضي، حاولت إسكاتي كي لا توقظ حراسها من الجان،  لكنها بعد أن عجزت ولم تتحمل صراخي الإنسي طويلا، ألقتني في ليلة مقمرة، قارصة البرد، مما جعل سحنتي شاحبة  طوال الوقت، وأحاطتني بين ذراعيها، لم تفلت جسدي حتى صاحت ديكة الحي كلها، لذلك أصبحت ساقاي طويلتين أكثر مما يلزم لفتاة ستبلغ السابعة عشرة من عمرها عندما يستحيل القمر بدرا .

دثرتني بغطاء وبري ناعم، ووضعت بجواري بعضا من ثمار كان لطعمها الغريب أثره على فطنتي في سنوات طفولتي البكر، لتسلمني إلى امرأة بلون البرونز، تتزين بأقراط مدلاة على رقبتها الطويلة، وأساور اسمع خشخشتها دون أن أراها، كانت شفتاها المخضبتان باللون الأحمر القاني، وثدياها المندفعان من شق فستانها الزهري الرائق، وجسدها المضمخ بعطر الياسمين،  ترفعني عن الأرض الرملية، كما لو كنت قطة تائهة، تكاد تموت جوعا، وقد أوسعها الأطفال  ضربا وتعذيبا. حملتني لتضعني معها في مضارب الغجر، مخبأة طوال سنوات طفولتي، لذا تجدني أحب الغناء، والرقص إلى هذه الدرجة من الهوس الذي يستدعي العقاب الصارم من أخوتي، وغضب أمي العاصف .

رغم أنني كنت ارقص مع جمع من الفتيات، لكنني بعد لحظات اغرق في حالة من النشوة العارمة، المخيفة، فيغيب عن ناظري كل شيء، وتدخلني أصوات قادمة من عالم آخر أكثر جنونا، وفي كل مرة  أصحو، أكاد اختنق تحت دثار الأغطية الثقيلة، أرشح عرقا باردا،  وترافقني الحمى أياما طويلة، دون أن أتذكر شيئا، تلاحقني، كومة من الأحلام، تطاردني طوال الوقت. وكأنها حيوانات خرافية، قادمة بكل همجيتها من أعماقي المرصودة بعشرات الايماءات الغائرة في الغرابة، المتأرجحة بين الخوف، والحيرة، تتملكني، وتطوف بي بعيدا حتى أضحت أفكاري معشوشبة بطحالب تلك الأحلام التي سدت منافذ تفكيري المنطقي، تستدرجني إلى متاهات هذا العالم الافتراضي الساحر الذي يجرني إلى خباياه طوال الوقت، ليرفعني بعيدا عن جدران الغرفة الضيقة التي تضمني  تحت سقفها الواطئ، إلى دنيا هي أوسع من أن ادرك كنهها، أو أفهم أبعادها الحقيقية، يسرقني الوقت، اراقب الوجوه التي تطالعني حينا ثم تغادر، كانت تهمس لي بلغة لا اعرفها،  فترعبني هوة أفواهها المفتوحة على سعتها، أصوات زاعقة وكأنها تخفي محاولة أكيدة لإرعابي حتى الموت، كان رأسي يكبر، ويتضخم، ثم يتلاشى عبر تلك الأفواه، ابدأ عندها بالصراخ، صراخ معربد، متواصل .

هذه البنت ستوصلني إلى حافة الجنون - هكذا اسمع أمي - عيناها تخيفانني، أكاد اجزم إنها مسكونة بالعفاريت.

ثم تقرر بعد ان تعجز عن إيقاف صرخاتي المستعرة، المجنونة:

-         سوف احملها إلى المقبرة، لتستعيد وعيها هناك.

وفي كل مرة كنت اسمعها تردد عباراتها تلك، ولكنها لا تفعل شيئا، ولم اسألها ابدا، لماذا المقبرة، لماذا هذا اليقين من أنني سوف أصحو في  المقبرة.

كانت تأسف لي، أعرف ذلك، كما كانت تأسف لي عندما  يرسلني لأقطع كل تلك الأميال للوصول إلى المقهى، لأشتري له مشروبه الذي يحوله منذ الرشفة الأولى إلى رجل رقراق كماء النهر، كان صاحب المقهى يدرك جيدا أن أبي يبتز طفولتي، ويعيث فسادا في حياتي، أتطلع إليها كي تمنعه من إجباري على قطع كل تلك المسافات، بكل الوسائل التي لم تتعلمها جيدا، تحاول أمي أن تردعه، تمارسها بكل ما فيها من رغبة في أن تكون امرأة مرضية، لكنها تقع صريعة ضعفها فلا تتمكن من منعه، أمي المتعبة، كانت تنظر إلي دون أن تقول شيئا، أو تفعل ما يجنبني تلك المشقة.

ولكنني  كنت مخبولة به، مخبولة برجل له كل تلك القدسية التي لكل الآباء في مدينتنا الصغيرة، لذلك كان غيابه  يبث في داخلي رعبا لا حد له، رعبا قد يطال جدران البيت التي غالبا ما كنت اشعر إنها تتفتق لتمتد من خلال شقوقها وجوه لرجال بلا سمات .

رعب يشبه تلك النظرة التي رمقته بها وهي تغطي وجهه الأبيض الشاحب، وعينيه المسبلتين بوشاحها الأبيض وهي تقول بصوتها الهامس:

-          سيدفن هذا الوشاح معك .

 ولأول مرة، وأمامنا جميعا ونحن نختض من الخوف والحزن ، أغرقت وجهه بالقبل، ثم أطبقت بشفتيها على شفتيه، فشعرت بالتقزز،  رغم الدهشة التي لجمت كل الأصوات، وجعلت الصمت يسمعنا صرير شفتيها، لم امنع نفسي من  التقيؤ، ولم يتوقف نفوري منها، وعندما رفعت رأسها لاحت لي بقعا صفراء تندلق من شفتيها ثم تتسع لتغطي عنقها المفتوح، وشق صدرها، ولاحقا جسدها كله .

ركضت وراء جنازته الفقيرة، وعفرت ضفائرها بالتراب، قال الجميع إنها جنت .

لكنها نهضت بعد أيام العزاء بعينين لا تشبها عينيها، كانت تجري هنا وهناك تخرج وحيدة أو برفقة أحد أخوتي، وتعود محمومة تبحث في أركان البيت، بلونها الأصفر الشاحب المتسرب إلى جسدها وعينيها، شيء عجيب يشغلها، كنت ادرك فقط ان هذا الانشغال المحموم هو سبب ذلك اللون الأصفر الغادر والذي تحول بمرور الوقت إلى لون ترابي وليس تلك القبلة الشغوفة الحارقة التي طبعتها على شفتيه . 

قررت امي:

-         لن نتلقى الإعانات من احد، كرامتي، وكرامتكم  لن تتحمل هذا .

 

اعلنت أم علي جارتنا:

-         دائرة  التموين تزود النساء  بالطحين وبأسعار مخفضة، لقد حان موعد تسلم الدفعة الأولى، سنذهب معا لاستلامها، بعدها سنفكر في المكان، لكنني أرى إن الغرفة الجانبية التي على اليسار ستفي بالغرض فجدارها على الشارع ويمكنك ان تفتحي لها بابا خارجيا  .

كانت تتحدث كما لو انه مشروعها هي، على أرضنا وفي بيتنا .

  أمي كانت تقول لنا إن أم علي تمسها بقربى ليست بعيدة :

-         نحن هنا مثل عروق الثيل، جذورنا متشابكة، لا تميز بين الخال وابن الأخت .

 

 

أصبح بيتنا مفتوحا للقادمين، وجودهم لم يتعد الردهة الأمامية والتي كانت تفضي إلى الغرفة الجانبية التي حولتها أمي إلى مخبز بتنوري طين .

حفظ الآخرون وجوهنا المتعبة أنا وأخوتي، بملابس نومنا الرثة نتعثر في صحونا الناعس، حفاة ترهقنا صيحاتها للنهوض مبكرين لمساعدتها  .

 

عندما تضع جبينها على إفريز نافذة غرفتنا، متعبة، لم يعد ذلك الشعور القديم بالانكسار والضعف يطل من عينيها بل كانت تحملق بعيدا، بعيدا جدا ثم   تلملم ثوبها حول ساقيها التي نتأت منهما عروق زرقاء تنقش فوق بيضاهما الشاحب، وملمسهما الناعم، تكتلات من العتمة تتداخل متعامدة مع خطوط ثوبها الأسود، تهمس :

-         كم اكره هذا الثوب  .

وعندما تلمح نظرتي المرتعشة، تشيح بوجهها، هل شعرت بالذنب لحظتها؟ هل أحست إنها لم تحسن الحزن جيدا ؟ هل راعتها نظراتي المتسائلة؟

ثوب أسود لا يبل، قدّ عليها، حتى أصبحت أراها سوداء قاحلة كالأرض البور.

يبدو أن الأحلام كانت تؤرجحها هي الأخرى، ففي لياليها الكئيبة كانت تتقلب كثيرا في نومها، وعندما تصطدم يداها بجسدي إذ كنت احتل مكانه على سريرهما، تتحسسني قليلا ثم تلفني بين ذراعيها، كنت اعرف بفطنتي الغريبة أنها تلف جسده،  تغمغم ببعض الكلمات التي لا أفهمها، فأيقن أنها ليست لي،  فتقتحمني الرؤى التي تصيبني بالهلع، وتتأزم الصرخات في داخلي دون أن أتمكن من إفلاتها،  فبيتنا لا يميزه عن باقي منازل الحي سوى أن المرأة التي فقدت زوجها عليها أن تتحمل وزر مغامرات، ونزوات رجال أدمنوا الحروب، أناخ بها الحزن، وكان عليها أن تبقي ظهرها يافعا، وقويا طوال العمر.

 بسبب هذا الحزن الحرون، بسبب كل الجنون الذي عصف بنا، بسبب الخراب الذي حل فينا، أهرب أنا إلى أحلامي، وأوهامي .. وتهويماتي الخبيئة.

أمي التي عجزت عن منعي من حضور حفلات الأعراس، أو الختان، أو أي حفل من تلك الحفلات التي يبتدعها السكان هنا، لم تتمكن أيضا من منعي، من تتبع خطوات تلك المرأة الغريبة التي تحط في حينا  بملابسها الفضفاضة، البراقة، وشعرها الشارد عن غطاء رأسها الأحمر القاني بزهوره القرنفلية، وهي تحمل حقيبة مملوءة بأشياء تثير في داخلي مزيدا من الأحلام، فأتخيلها تحمل خلخالا فضيا صغيرا، وثوبا سمائيا قديما لطفلة لم تتجاوز السنتين، هي أنا  .

-         إياك أن تقتربي من تلك المرأة، ستضعك تحت عباءتها وترحل بك بعيدا.

-         لكنها تمشي بلا عباءة يا أمي  .

-         حقا ؟

-         اجل ليس سوى فستانها الزهري .

-         وإن يكن .. إياك أن تركضي ورائها  .

ولكنني كنت اتبعها كظلها، اقتربت مني ذات يوم، وعندها شممت عطرا مميزا، جرفني إلى أماكن تخيلت أنني اعرفها، عطرا ليس لأي امرأة في هذا الحي، ولا لأمي أيضا، وسمعت في تلك اللحظة دق طبول شدتني إليها .

جفلت وأنا اسمعها تقول بلهجة الغجري المهاجر الذي يلم مفردات لغته من كل الأماكن التي يمر بها ويبقيها خاصة به : بدك (سن ذهبي) ، أعطيني عشرين فلسا، يالله، وسوف أمنحك اياه، ليعطي ابتسامتك الحلوة هذه بريقا مميزا.

لكنني كنت أعرف حقا، أنني لو فتشت في كل زاويا البيت، فلن أجد فلسا واحدا، أما صندوق أمي الخشبي والذي تدخر فيه كل مبلغ تحصل عليه من المخبز لتأمين مصاريف دراستنا أنا وإخوتي،  كان كعبة بيتنا التي تعزز كرامتنا المتبقية.

أصبح بريق الأسنان الذهبية يزيدني انعزالا وغربة، ويقربني إلى أمي البديلة، الغجرية الشاردة في عالم من الصواعق والمروج ، وشعرها الذي يحصد أضواء القمر البعيد، تترصد هذا الجزء من المدينة القديمة، سكانها  طبقة واحدة من الفقراء العاملين في البناء، أو النجارة، أو الحياكة، ونسائها تكيفن مع مخابزهن الصغيرة، التي تستهلك وقتهن كله وعافيتهن، وانشغالهن أصبح  معفرا بالطحين، حتى صغارهن أمست وجوههم بلون الحنطة، وهم يقلبون أرغفة الخبز الحارة، بين الأكف الصغيرة، لإيصالها إلى بيوت الميسورين .

كان على النساء أن يخبزن، ويعجن طوال الليل والنهار، ينام الحي، وتتعالى أصوات  رتيبة، حزينة، يحدثها ارتطام حوض العجين الكبير بالأرض من وراء الأبواب المغلقة .

يداها الملطختان بالعجين، وجوانب فستانها الأسود الذي لا ترتدي غيره،  تلك المرأة المسحورة بالرغبة في الاتكاء على عرقها، التي لا أريد أن أكون مثلها، تتحمل ثقلنا أنا وأخوتي الصغار، وكل من يدخل بيتنا من الأقارب، كلنا كنا ننام على صدرها، الذي تنبعث منه، رائحة الحنطة، والطحين، المعجون بعرقها، وحزنها، ودموعها.

بعد هذا العمر وقد تجاوزت الأربعين، أصبحت بمرور الزمن، أنا، هي، وكل ذرة في جسدي تفوح برائحة التعب، ودموعي دائما تبلل حوافي فراشي البارد .

انتبهي ..  صوتها الزاجر، يصلني وأنا ارتعد في ذلك الشتاء القاتم، البرد يعشعش في جدران الصف، وفي أرضيته العارية، و المقاعد الخشبية التي تنخر مؤخراتنا الناحلة، وتكز على عظامنا الهزيلة، نضم الأيدي المزرقة في الجيوب الفارغة، وتحت الآباط الدافئة، تشخص عيوننا الدامعة من البرد والجوع، إلى المعلمة المتأنقة الدافئة تحت معطفها الباهظ الثمن، وجوربيها وحذاءيها اللامعين، حتى لنحسبها قادمة من كوكب آخر .

-         انتبهي، وكفي عن هذه النظرات الشاردة  .

 يجعلني صوتها ارتجف في كل مرة، عندما تحاول أن تصطاد الابتسامات الخجلة فوق شفاهنا وهي تشير إلى الأعضاء التناسلية التي تضع صورتها التوضيحية على السبورة،

فالكتب المدرسية يشوبها الكثير من الإبهام مما نحتاج إلى معرفته عما في أجسادنا من خبايا، والمدرسات القادمات من العاصمة للتدريس في مدارسنا النائية، كن يخشين التحدث عن تلك الخبايا، فهن غير قادرات على نزع العباءة السوداء  التي اضطررن إلى ارتدائها، احتراما لتقاليد العوائل المحافظة هنا، كيف لهن التلميح إلى اعضاء الرجل، أو المرأة التناسلية.

لكنني كنت مفتونة بكلام آخر يأتيني من آنسة أخرى، أنيقة، تقف أمامنا كثيرا، ودائما في مقدمة الصف لا تبرحه، وكأنها متأهبة للمغادرة، لم تكن تتجول بين مقاعدنا، كما تفعل بقية المعلمات، تتعلق انظارنا بقامتها المديدة، اشعر الآن إنها ربما كانت مسكونة بنا، أو بشيء غريب آخر، تقف طوال الوقت على قدميها دون أن تتحرك كثيرا، بذلك الحذاء النظيف اللامع أبدا، والمتناسق وبلوزتها المحبوكة بدلال على خصرها الناحل، الآن ربما اشعر إنها كانت مختلة عاطفيا، مكتئبة في بعض الأحيان، هشة، هناك كم من الأشخاص يتحركون فيها وعبرها، لكن فيها جرأة أخاذة في قدرتها على تحريضنا على فهم ما يدور حولنا، كانت تزين حياتي بوجودها، هل كانت تعلمنا معنى أن تكون كل واحدة منا أنثى؟ أم كانت تزرع في داخلنا الإحساس بالفخر، لأننا أساس الحياة، وصنيعتها الأكثر عطاءً؟ تغرقني أفكارها التي أصبحت جزءاً مني، كنت أتشبث بوجهها الذي يتورد كلما حدثتنا عما فينا من أنوثة، وكيف علينا أن نفخر بها، لكنها نحيلة بما يكفي لكي نرى الأشياء من خلالها، لذلك لم تطل البقاء في مدرستنا، لقد غادرتها بهدوء، كما دخلتها.

وتبقى حدود أمنياتي وأحلامي في أن يمر الوقت سريعا، كي تعود تلك الغجرية في موسمها المعتاد، برائحتها الغريبة المنعشة، العابقة بالذكريات، ذكرياتي أنا من ملكوتي الذي جئت منه .

تصعقني ملابسها البراقة حيث تختلط الألوان، ويصبح للفوضى جمال أخاذ على جسدها الممتلئ، والمتدفق حيوية، وصوتها وهي تغني ببحتها الرهيفة، ورقصها المجنون، الذي يباغتني كل ليلة، فتحتجزني جدران الحي العالية، والأكثر قسوة وصلابة، وتقيد خطواتي، ويعاودني الحلم في أن  أتسلقها، وعندها سوف أعود ابنة جاءت بأجنحة الجان على ضوء القمر.

ومرة أخرى تراودني رغبة ملحة - فيما لو جاءت هذه المرة- ان أفتح حقيبتها التي صنعتها من قماش فستاني القديم، فربما أجد خلخالي الفضي الصغير، عندها تحل علي بركة الرب.

في تلك الظهيرة المنعشة، في بداية شهر نيسان، وفي طريق العودة من المدرسة قالت لي ( منى ) ابنة مهدي الحمّال، إن أمها - تلك المرأة التي كنت أقف أمامها متمتعة بسماع لجلجة لهجتها العجيبة، إذ تتداخل فيها الكلمات بطريقة لا يمكننا نحن الصغار إلا أن نضع اكفنا على أفواهنا كي نخفي ابتساماتنا العريضة - منذ عهد بعيد جاءت من بغداد فتداخلت لهجتها البغدادية ولهجة منطقتنا التكريتية - ولا اعرف كيف أن امرأة متمدنة من العاصمة، تطيق العيش مع مهدي الحمال الذي يبدو تائها بجسده الضخم المنحني دائما، و دشداشته المعلقة أطرافها في حزامه المتهرئ الأسود، وساقيه الهزيلتين، اللتان لا تكادان تنتميان إلى قدميه المفلطحتين كخفي جمل .

قالت منى متفاخرة:

-          أمي ستضع سنا آخر من الذهب عندما تأتي الغجرية .

لم أدرك للحظة أني قادرة على حمل كل هذا القدر من الحنق والغضب .

لكنني في هذا اليوم...

أخ، أجل، إنها هنا،  أشم رائحتها التي تبهرني دائما, هي هنا, وفي كل الأزقة، كأن عزفا مجنونا رفعني عن الأرض، الدفوف الرنانة التي اعشق صوتها، تلك الأصوات التي تعلن عن وجودها الرائق، هي هنا .. اجل .. المرأة الغجرية ، السائحة في طول الأرض وعرضها.

رغم أن الوالدة لم تسدد مبلغ القرض، لكنني سوف استحلفها بكل ما تؤمن به أن تدفع لي عشرة فلوس، ثمن لأرخص أنواع الأسنان الذهبية  .

دخلت البيت، لقد أنهت أمي النوبة الصباحية.

 صرخت  ( يا الله..)

 إنها .. هي امرأة الحلم المذهلة، إنها هنا في بيتنا، بذات الثوب القديم لولا إن ذيله غدا مهلهلا، وذات الحقيبة لولا إنها رتقت في مواضع كثيرة، تبدو أكثر تعبا، وفقرا، وشيخوخة من العام الماضي، حذائها ممزق، ورائحتها أكثر نفاذا، وقوة، لكن الطبول، لا زالت تدق في رأسي، لم اقل شيئا لا أريد أن افسد تلك اللحظة، عندها ظهرت أمي تحمل أطباق الطعام وأرغفة الخبز الحارة .  

 كنت أحملق في وجهها خافقة القلب، أحاول أن اختار شيئا مميزا، وفريدا فيها يجعلها أكثر تميزا عن أمي، اقتربت من حقيبتها أردت أن أجد خلخالي، أو بعضا من ذكرياتي، لكنها وضعتها في الفجوة بين ساقيها المعقودين أمامها قبل أن أمد يدي، لم تتحدث إلي، ولو فعلت ذلك لعرفت أنني ابنتها.

لكنها لم تلتفت الي .

  كانت تحدث أمي عن امرأة لا تجد مستقرا، أتعبها التجوال، وأنهكها الترحال من مدينة إلى أخرى،  فقدت أولادها الواحد تلو الآخر في أمراض لم تعد تتذكر أسماؤها.

-         حتى قبورهم ما عدت اعرف مكانها، فلقد التبس الأمر علي، في أي المدن  ضيعتهم، لا أعرف .

انخرطت في بكاء مر في الوقت الذي كانت فيه أمي تقدم قدح الشاي، لكنها سرعان ما مسحت دموعها وبدأت بمحاولة إقناع والدتي في وضع سن ذهبية، وأمي  تعتذر.

-         هل رأيت أرملة تزين فمها بسن ذهب؟

-         رأيت .. رأيت الكثير مما لا يمكن تصديقه، عن أرامل، ومطلقات، ونساء يخاتلن أزواجهن، ويفعلن ما لا يمكن تصديقه .

كنت ارتجف وأنا اجلس مدوخة برائحتها، ورغبتي،  وأمي ترجوني بعينيها أن أبقى صامتة .

لكن الغجرية .. أمي الحقيقية كانت  ترقب ذلك الحوار الخفي بيننا، فاغتنمت فرصة دخولها إلى المطبخ الجانبي لإعادة صينية الطعام.

قالت وهي تسحبني إليها:

-         تعالي أيتها الجميلة .. سأضعه لك، مادامت أمك ترفضه .

ثم أخرجت أدواتها من حقيبتها المتهرئة، وقربتني إليها، كانت لحظة فريدة عندما وضعت رأسي على صدرها الذي كنت أتخيله شهيا، عارما، مثيرا لكل رجال الحي وفتيانه، كانت تفتح فمي وهي تدندن بأغنية ذات وقع حزين ممطوط، تتأوه قربي، وكنت كمن تنتظر حتفها، أراوغ يديها التي ما زالت محتفظة برائحة طعامنا، ودسمه، وروحي هائمة في مكان آخر، مكان لا اعرفه، ولن أتمكن من معرفته، لكن صوتها كان يهدهدني، رأسي على بطنها اللينة، مشوشة كنت وهي تقودني اليها، أحسست أن الأرض هشة حولي، لم تكن حواشي احلامي اكثر من صوتها وضغط بطنها تحت رأسي، وثدييها المتأرجحين فوقي، كنت في خضم ذلك العنفوان كله  أتقوس على روحي وافقد الكثير من ثبات قدمي .

-         ماذا تفعلين ؟

يا الله يا أمي

اعادني صوت أمي متعثرة خائبة، كان اللغط بينهما هامسا، يعلو قليلا، ثم ينقطع،   

-         إنه من ارخص الأنواع، لذا لن أبادله بأي مبلغ.

كانت كلماتها ساخنة حزينة أثارت رعدة خفيفة في جسدي، وجعلتني أطوقها بذراعي، فلمحت وميضا في عينيها يشبهني، يشبه ما كنت احاول ان اكونه .

 

 

 

لمياء الالوسي


التعليقات




5000