.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الحادي والعشرون / مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

 أشرفت الدراسة الإعدادية على نهايتها وصار الانتقال لتحديد المستقبل  مرهونا بما تخبأه الصدفة حالها حال كل خطوة يخطوها الإنسان في حياته كما جاء على لسان شاعر الحكمة عمر الخيام في قوله (غد بظهر الغيب واليوم لي/ وكم يخيب الظن في المقبل)  وإن من الأمور المهمة للمجابهة والتحظير لهذه المرحلة يتطلب صقل الشخصية والتركيز على الأنا المستقلة والاهتمام بما يدور حول المرء من مؤثرات يومية عديدة وتمحيص الآراء المختلفة وقد يكون البعض منها مفيدا والبعض الآخر مضرا وعليه يتطلب اختيار الصالح والمفيد منها وهنا لا أنفي بالنسبة لتكوين شخصيتي وما كان لتأثير والدي وما يتصف به من صفات مميزة أهمها صلابته وحرصه على تربية عائلته بالشكل اللائق والمحترم بين الناس كما وإن لمكانة أخي الكبير علي بيننا أهمية أيضا لما يمتلكه من أدب جم وثقافة عالية وحسن المعشر.

إن أولى خطوات الانتقال لتحديد المصير واكتشاف معالم المستقبل بدأ بأداء امتحان البكلوريا ومن أجل الحصول على معدل يؤهلني الدخول لأحدى الكليات وهي البوابة التي تفضي للحياة العملية وبمناسبة ذكر كلمة البكلوريا فقد أطلق هذا الاسم على امتحانات المراحل النهائية الثلاثة في العراق وهي الابتدائية والمتوسطة والثانوية بينما حقيقة الأمر هي تخص المرحلة النهائية للدراسة الثانوية فقط والتي يطلق عليها في أكثر دول العالم المرحلة التمهيدية لدخول الجامعات وإن كلمة بكلوريا هي قديمة جدا فهي  كلمة لاتينية استخدمت في زمن الاغريق واليونان وتعني التاج المصنوع من ورق الغار وتسمى أيضا تاج العروس وكانت تمنح إلى المبتدئين في الفروسية وقد اعتبرها نابليون بونابرت في عام 1808 كشرط لدخول الجامعة لضمان جودة الخريجين, وقد تداول البعض هذه التسمية كطرفة وهي أن طالبا المانيا اسمه لوريا لم يتمكن من الإجابة في الامتحان فبكى وقيل في حينها (بكالوريا).

لم تكن الظروف التي صاحبت فترة إدائي امتحان البكلوريا جيدة ومريحة ومنها أن فترة الامتحان جاءت في فصل الصيف الحار وفي زمن لا تتوفر فيه سبل معالجة الأمور التي تخص هذه الحالة إضافة لمكان سكنانا خلال تلك الفترة فقد اصبح لزاما علي وعلى من معي من طلاب مدينة الخالص البقاء في بعقوبة طيلة أيام الامتحان وبما أن الفصل هو فصل صيف فقد قررنا  ترك القسم الداخلي وما يصاحبه من فوضى وصخب واللجوء لتأجير غرفة في أحد فنادق بعقوبة من الدرجة المتدنية لرخص سعرها وقد اشترك كل طالبين في غرفة واحدة وتم الاختيار بالطريقة التي جرى فيها في القسم الداخلي فأصبحت واحدة تظم طالبي القسم الأدبي وتخصني مع زميلي فخري جميل مرهج والثانية لطالبي القسم العلمي وهي لعبد الرضا فاضل الحاجم وصافي توفيق الحاجم وهما أبناء عمومة, يقع ذلك الفندق فوق دائرة بريد وبرق بعقوبة وبالقرب من سوقها, لم ينصب اهتمامنا على وسائل الراحة في ذلك الفندق كالحمامات أو المرافق الصحية ونظافة المنامات وكل ما كنا نبتغيه هو أن يؤينا خلال فترة أداء امتحان البكلوريا وأن نتمكن من مراجعة دروسنا ليلا تحت ضوء (الانتريك) الوحيد في الغرفة حتى أننا لم نعر اهتماما لأمر مأكلنا فقد قمنا أحيانا بتوفيره بطبخ وجبة بسيطة وهي مرق طماطم أو بطاطة مع رغيف خبز وقد وفر لنا صاحب الفندق (بريمس) وقدر وبعض صحون معدنية أما المواد الأخرى كالبيض واللحم والفاكهة فلا مكان لها في قائمة غذاءنا أما وجبة الإفطار السريعة فهي دائما ما تكون صمونة وقطعة قيمر عرب مع استكان شاي من أحدى المقاهي القريبة لننطلق بعدها مسرعين إلى المدرسة الكائنة في أقصى المدينة ولنصلها قبل الدخول إلى قاعة الامتحان الواقعة في ممرات الطابق الثاني من بناية المدرسة.

   انتهت أيام الامتحان وانتهت معها المعاناة وحالات القلق والترقب والخوف من أن تأتي الأسئلة صعبة أو من التي هي ليست من المقرر وهي حالة واردة في كل امتحان يدفع الطالب ثمنها وهو الحصول على درجات متدنية وإن أكثر الدروس التي يحصل فيها مثل هذه الحالة هو درس التاريخ الإسلامي والتاريخ الأوربي الذي يعجز طالب القسم الادبي من استيعاب ما يتضمنه الكتابان من حشو وكلام فارغ لا طائلة منه وإن ما نقرأه من مواضيع يرد ذكرها في الكتابين سرعان ما تتبخر ولا تترك أثرا يذكر في ذاكرة القارئ.

      وما أن انتهت فترة امتحان البكلوريا المرعبة عدنا إلى ديارنا بعد أن لملمنا ما تركه الامتحان من كتب وكراريس وقصاصات أوراق لنحتفظ فيها ليوم مشؤوم قد يحصل وهو الرسوب أو أن تظهر النتيجة مكملا وهي الطامة الكبرى ومعناها أن تقضي فترة العطلة لمراجعة الدروس التي أصبحت فيها مكملا أضافة لغياب الأمل في الحصول على كلية مناسبة حيث أن انتظار نتيجة المكمل تتأخر عن نتائج القبول في الكليات وهذا هو ما لعبت الصدفة التعسة مرة أخرى دورها لتحديد مستقبلي و يا لها من صدفة عجيبة وغريبة فقد ظهرت نتيجتي في الامتحان ناجح بجميع الدروس ولكن مكمل في المجموع وهذا القرار كان قد اقرته وزارة المعارف في حينها وهو أن يكون معدل نتيجة الطالب هو420 درجة أي بالمجمل 60 درجة وكانت نتيجتي أو مصيبتي أن يكون مجموع درجاتي هو 419 أي بدرجة واحدة أقل من المجموع المقرر واعتبرت مكملا في المجموع ولو أنني ناجح في جميع الدروس, إن هذه الصدفة اللعينة قد خيبت آمالي في الالتحاق بإحدى الكليات وفرضت علي أن اختار أي درس من الدروس لأرفع معدلي إلى الدرجة المطلوبة  وهي مجازفة قد تكون نتيجتها مخيبة أيضا وارسب في ذلك الدرس الذي اختاره وعلى هذا الأساس فقد ارتأيت أن الوي عنق الصدفة هذه المرة واتحداها فقررت أن اختار ثلاثة دروس بدلا من درس واحد وللمعلومة يحق للطالب الذي كانت نتيجته مكملا في المجموع أن يعيد الامتحان بجميع الدروس, كان اختياري لثلاثة دروس هي أول تجربة لي لاختبار إرادتي والتحدي فقررت أن اجتازها بنجاح وتم اختياري لدرس العلوم والاجتماعيات والاحصاء وطبيعي أن هذه الثلاثة ليست هينة ولا سهلة ولكنها لا تقف حائلا أمام التحدي وبالفعل فقد كانت النتيجة أنني رفعت معدلي إلى 68 % أي أنني حققت في الدروس الثلاثة 56 درجة وزعت على سبعة دروس ولكن هذا الإنجاز لم يحقق ثمرة الفوز فقد حرمت من التقديم الى الكليات لفوات الأوان وأن احتفظ بحقي للعام القادم واتقدم للقبول في أحدى الكليات وخلال الدور الأول من السنة القادمة.  

 بدأت أفكر بالذي سأعمله خلال هذا التوقف وكيف أمضي السنة التي تلت الامتحان هل أنني سأتسكع في الشوارع والمقاهي وبما لا يتفق مع صفاتي واخلاقي ونظرة أهلي لي وأنا صاحب الشأن عندهم وهم من وضعوا ثقتهم بي لما عرفوه عني من تجاوز لكثير من الصعوبات وعندها تركوا الأمر ليكون مرهونا باختياراتي وفعلا لم أخيب ظنهم في فذهبت إلى بعقوبة لأفتش عن وظيفة مؤقتة فراجعت ديوان المتصرفية لعلني اجد عندهم بغيتي فوجدت هنالك اعلانا بطلب معلمين مستخدمين أي ليسوا على الملاك الدائم ومن حملة شهادة الدراسة الإعدادية فوجدت الفرصة مواتية لتنفيذ تلك المهمة فقدمت اوراقي المطلوبة  ومنها عدم دعوتي للخدمة العسكرية باعتباري خريج اعدادية وكان القانون يستثني الخريجين من أمثالي ثم بقي أمر آخر وهو الفحص الطبي والذي يشير بخلوي من الامراض السارية وناجح في فحص النظر وكنت متأكدا من تحقيق ذلك لما امتلكه من مواصفات مقبولة, وبما أنني قد قدمت على وظيفة معلم ابتدائية فإن الفحص الطبي وبضمنه فحص النظر يتم في طبابة المعارف وهنا حدث المفارقة الغريبة واللطيفة فقد اعتبر طبيب المعارف أنني فاشل في فحص النظر ويعاد فحص نظري بالنظارات الطبية وكنت متأكدا من قوة نظري وذلك بقراءتي الحروف الدقيقة ومشاهدة الأهداف عن بعد وكنت اتبارى في هذه المهمة مع أصدقائي فأحقق الفوز ولا اخفي سرا فأن البعض كان يطلق علي صفة (أبو عيون جريئة) التي تطلق سهامها نحو الصبايا والحسان ونقلا عن المرحومة أمي قولها أنها في أحد المرات كانت تحملني وأنا طفل في السنة الأولى من عمري لغرض مراجعة جمعية حماية الأطفال وإذا بامرأة تردد القول عند التطلع إلى وجهي (بيمه شلون عيون عبالك عيون رجال!!), لقد جعل تقرير طبيب المعارف حيرة من أمري فهل اشتري النظارات الطبية والتي لم يحدد درجتها الطبيب المذكور فاعتقدت أن هنالك أمرا آخر لا يتعلق بالفحص وقد أخبرني فراش الطبيب أن اراجعه في عيادته الخارجية مساء مستصحبا معي أي نظارة كانت وعندها وجدت الحل عند صديقي الفنان نور الدين حسن فارس والذي كان في تلك الفترة يداوم في دار المعلمين الابتدائية في بعقوبة وإنه يلبس نظارات طبية منذ أن كان معي في مدينة الخالص فذهبت اليه عارضا الأمر عليه فوافق على الفور وقد اعجبته الفكرة ليحظى على مشهد كوميدي متوقع فذهبنا سوية إلى عيادة الطبيب ودفعت المقسوم ثمن الكشفية نصف دينار وذكرت الطبيب بأنني الشخص الذي طلبت منه جلب نظارات طبية وها أنني قد أمنتها وطلب مني أن ارتديها  وعندها للحقيقة والواقع لم أر فيها أي شيء لا لوحة الفحص ولا الطبيب نفسه لان النظارات لا تلائم عيني وتعيق نظري وكانت نتيجة تلك الكوميدية التي توقعها زميلي نور الدين والذي كان ينتظرني بفارغ الصبر خارج غرفة العيادة هي أنني نجحت بالفحص 6/6 فضحكنا سوية وشكرته على تلك المساعدة الفريدة.

انتهى فصل أول من فصول مهزلة العقل البشري وتم تعيني بوظيفة معلم مستخدم على الملاك الابتدائي وبراتب شهري قدره 14 دينار شهريا على ما أتذكر وتم تنسيبي إلى مدرسة السادة الابتدائية وفي قرية من قرى لواء بعقوبة وبنفس الاسم وتبعد عن بعقوبة حوالي عشرة كيلومترات وترتبط معها بطريق ترابي غير معبد يخترق البساتين الواقعة على طرفي الطريق.

إن لي حكاية أخرى مع هذه المهمة وهذه الوظيفة التي شغلتها لأول مرة في حياتي وإلى الفصل الثاني والعشرين من مرافئ الذكريات. 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000