.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل العشرون مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

كانت الفترة التي مضيتها في الصف الرابع والخامس الاعدادي هي عبارة عن فترة تنامي الأدراك ونضوج الوعي وبلوغ سن الرشد وتكامل البنية الجسدية وصلابتها وأصبحت خلالها أميز الوقائع والأحداث بشكل واضح وأدقق بكل ما يجري حولي من أحداث وأتابع كل ما خفي منها وما هو على العلن, وأصبحت أشعر بقساوة حياة الذين يعانون شظف العيش ممن لا يمتلكون مستوى معاشي يمكنهم من العيش اللائق والمحترم  و منهم الطبقة الوسطى من موظفي الدولة ممن رواتبهم لا تكفي لسد نفقات ايجار دار وخدمات أخرى وقد كان راتب والدي في حينها لا يتعدى ثلاثين دينارا شهريا وعليه أن يأمن منها ايجار البيت وما يتعلق فيها من خدمات وتخصيص مبالغ لسد احتياجات ولدين يدرسان في المرحلة الإعدادية خارج مكان سكناهما وولد في الابتدائية وبنتين في المرحلة الابتدائية إضافة لمبالغ المأكل والملبس لكافة افراد العائلة لذلك وجدت نفسي أعيش في وسط هذه الحالة من قساوة الحياة وشظفها وبالرغم من كل هذا فقد كنت وخلال وجودي في بعقوبة لمواصلة الدراسة في المرحلة الإعدادية أنظر للحياة بمنظار المتفائل واحاول أن أجد لنفسي ما يبعدها عن هموم الدنيا ولو بالقدر اليسير وكان منها على سبيل المثال هو توفير بعض النقود للذهاب إلى السينما أسبوعيا بعد انتهاء دوام المدرسة وكانت في بعقوبة ثلاثة سينمات هي سينما ديالى الشتوي وديالى الصيفي وسينما عبد الإله, إن ارتياد السينما لا يكلف مبلغا كبيرا فقد كان سعر تذكرة الموقع الأول أربعين فلسا وسعر تذكرة الموقع الثاني خمسة وعشرين فلسا ويتحدد اختيارنا للموقع حسب قوة ما نمتلك من نقود وفي حالة وجود ما يكفي أو يزيد فإننا وأقصد الصحبة المفضلة الدائمة من الأصدقاء نختار الجلوس في الدرجة الأولى وهناك سبب أخر مهم إضافة لتوفر النقود هو أن أكثر الفتيات هن من رواد تلك الدرجة فيشجع وجودهن على أن نجمع المبلغ الكافي للجلوس خلفهن ونتبادل النكات بيننا لجلب انتباههن أو سرقة بعض النظرات والابتسامات التي تشفي غليلنا وقد تكون بعض تلك النظرات غير مشجعة وتعكس عن غضب صاحبتها ومن أجل تعزيز تلك الممارسة وهي جلب انتباه الفتيات فقد كانت الشلة المشاكسة والتي هي ودائما ما تتألف من خمسة أصدقاء تتفق على شراء علبة سكائر أجنبية من نوع (كرفن أو بليرز) ذات عشرة سكائر وبسعر خمسين فلسا ويتوزع محتواها وسعرها على عدد الشلة ويكون نصيب كل واحد سكارتين وعشرة فلوس والغرض من ذلك هو أن نعزز محاولاتنا بلفت انتباه الفتيات الينا وذلك بنفث دخان تلك السكائر المعطرة باتجاههن أو فوق رؤوسهن ظنا منا بأن تلك الرائحة ستحقق ما نصبوا اليه وهو الاعتراف برجولتنا ومكانتنا الاجتماعية المزيفة بيد أن تلك التصرفات لم تخرج عن أطار الالتزام بالخلق الحميدة ولم تصل إلى درجة التحرش المريب وقد يكون سبب ذلك يعود لكوننا طلبة مدرسة اعدادية تملي علينا القوانين التقيد فيها والحالة التي يفرضها وجودنا هنا وبما لا يؤثر على مستقبلنا إضافة لما تسببه الاخطاء من إساءة لسمعة عوائلنا التي وضعت ثقتها فينا خلال ابتعادنا عنها , كانت أكثر أفلام تلك الفترة والتي نفضل مشاهدتها هي تلك الأفلام الرومانسية والغرامية التي يكثر فيها حضور الفتيات وخاصة المراهقات منهن اللائي يذرفن الدموع خلال المشاهد العاطفية ومنها أفلام شادية وفريد الأطرش واسمهان وعبد الوهاب إضافة للأفلام الكوميدية التي يشتهر فيها إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي وزينات صدقي وبعض الأفلام الأجنبية الفكاهية مثل أفلام (لوريل وهاردي وبودبوت ولوكستلو) التي تخلق لنا جوا من البهجة والتي كثيرا ما تصاحبها قهقة يطلقها كل على طريقته الخاصة, لقد كانت تلك الأمور البسيطة والتي لا تكلف شيئا يذكر تنسينا ما نحن عليه من ضنك وحرمان وفي بيئة مغلقة ومحكومة بعادات اجتماعية صعبة.

عام 1950 هو العام الدراسي للصف الرابع الاعدادي وفي بداية ذلك العام وفي الحادي والعشرين من كانون الثاني بالتحديد منه توفيت الملكة عالية زوجة ملك العراق حينذاك غازي الأول وأم فيصل الثاني الذي لم يتوج ملكا على عرش العراق لعدم بلوغه السن القانوني وتولى الحكم نيابة عنه خاله الأمير عبد الإله ليكون وصيا عن العرش لحين استلام الملك فيصل الثاني عرش المملكة. لقد توفيت الملكة عالية عن عمر 39 سنة  بمرض السرطان وأقيمت مراسيم العزاء لهذه المناسبة في جميع مدن العراق واستدعي كل  من قارئي القرآن المصريين أبو العنين الشعيشع وعبد الفتاح الشعشاعي لتلاوة آيات من الذكر الحكيم على روح المغفور لها طيلة أربعين يوما وأخذت إذاعة بغداد تنقل تلك التلاوة يوميا ومما أتذكره في تلك المناسبة إنني قد رسمت صورة لوجه الملكة عالية على ورقة من أوراق دفاتر الرسم المعروفة عند الطلاب والصقتها على الجهة الداخلية من باب خزانتي الحديدية المخصصة لي في القسم الداخلي وتركت باب الخزانة مواربة ولم اغلقها ويعود سبب ذلك التصرف لأظهر مشاعري أو بالأحرى مواهبي لطالبات صفي عندما يأتين للاستراحة في القسم الداخلي خلال الفرصة الكبيرة بين الدروس وابتعادهن عن الممر الذي يكتظ بالطلبة خلال تلك الفرصة.

إن أجمل أوقات المرحلة الدراسية تلك هي ما كان يطلق عليه أسبوع المعارف والذي تتعطل فيه الدراسة وتقام خلاله الفعاليات الرياضية والفنية والندوات التي تشتمل الخطابة والقاء الأشعار التي تنظم من قبل الطلبة المتفوقين, في أسبوع المعارف  يلتقي كثير من طلبة مدارس متوسطة أقضية لواء ديالى ومنه يمكن التعرف على بعض الطلبة  المتميزين بالألعاب الرياضية وأداء الأدوار التمثيلية وتخصص بعض غرف الصفوف للوافدين من تلك المدارس, لقد تحقق في أسبوع المعارف لذلك العام ولادة بطل رياضي لم يكن معروفا سابقا وهو طالب في الصف الثالث المتوسط في بعقوبة ويدعى عبد الستار عبد الرزاق وقد اكتشف موهبته عن طريق الصدفة مشرف الرياضة المشهور الأستاذ محمود عيشه, لقد كان تكوين جسم الطالب المتميز بطول ساقيه هي التي دفعت المشرف الرياضي لاختياره للمشاركة في العاب الساحة والميدان وقد حقق أرقاما قياسيا عراقية وعربية في ركض مائتي متر والطفر العريض والطفرة الثلاثية في وقت لم يمارس تلك الألعاب سابقا, لقد حققت دار المعلمين الريفية قصب السبق والحصول على أكثر الأوسمة الذهبية في جميع الفعاليات الرياضية إضافة لما حظيت به من مكانة خلال إقامة التمثيليات الشعبية والنوادر والاغاني الشجية خلال السهرات الليلية ويعود فضل كل ذلك لكون جميع طلاب تلك الدار هم من الطبقة الفقيرة وأبناء الأرياف ومنها استمد اسمها دار المعلمين الريفية ولا غرابة أن نجد بأن أكثرية طلبة تلك الدار ينتمون إلى اتحاد الطلبة العراقي الذي هو أحد منظمات الحزب الشيوعي العراقي والذي اشتهر في مواقفه النضالية والمظاهرات الجماهيرية خلال وثبة كانون الثاني عام 1948 واشهرها مؤتمر الطلبة الذي انعقد في ساحة السباع في بغداد وتحت حماية جمع كبير من الطبقة العاملة وكوادرها, لقد قام نشطاء دار المعلمين الريفية وخاصة من تنظيم اتخاد الطلبة بنشر الوعي بين طلاب المدارس الأخرى وتوزيع نشرات الاتحاد التي تحث على التضامن والاتحاد ضد الظلم والطغيان وكانت تلك هي الباكورة الأولى من الانخراط في العمل الوطني والتعرف على أساليب النضال والتعرف على الأفكار اليسارية التي تدعو لنصرة الفقراء ومقارعة الاستعمار العالمي, لقد تخللت تلك الممارسات والفعاليات بعض المنغصات حيث تم القاء القبض على بعض النشطاء من اتحاد طلبة دار المعلمين الريفية وعدد قليل من طلاب ثانوية بعقوبة لقيامهم بتوزيع المنشورات وتم اطلاق سراحهم بعد فترة وجيزة بعد توجيه تحذير اليهم بعدم تكرار ذلك العمل وبمناسبة ذكر توزيع المنشورات فقد عهد الي مع أحد أصدقائي وهو تغلب أكرام الربيعي أن نأخذ قسما منها ونرميها داخل أسواق بعقوبة ليلا بعد أن تغلق الحوانيت أبوابها وبعد أن تخف حركة المارة فيها وبالفعل ذهبنا سوية في أحدى ليالي تلك الفترة وتمكنا من القاء ما بعهدتنا من نشرات في اطراف سوق بعقوبة على جهتي نهر خريسان وخلال رجوعنا شاهدنا الشرطي السري جليل الابرش المعروف لدى جميع أهل بعقوبة وهو يجوب شوارع المدينة بعجلته الهوائية التي ينبعث منها صرير يسمع  من مسافة بعيدة ولا أدري لماذا خطرت لنا فكرة أن نلعب مع السري لعبة (القط والفار) فاتفقنا أن يأخذ أحدنا طرفا من السوق ويأخذ الآخر طرفا آخر ونقوم بجلب انتباه جليل السري وذلك بإطلاق صفير عالي من فمنا ثم نختبئ في أحد الافرع من السوق وبعد أن نشاهد السري يقترب من مكاننا نركض لطرف آخر من السوق ونطلق صفيرا عاليا  وهكذا قضينا وقتا  ممتعا في لعبة قد تكون عواقبها وخيمة لو أن الشرطي قد تعرف علينا وقد يصعب أمر ذلك عليه بسبب أن كل ما هو موجود من أفراد أمن في بعقوبة في تلك الفترة هم اثنان جليل السري وآخر يدعى ثمين وواسطة تنقلهما هي الدراجة الهوائية مع مسدس وبلي قديم.

بحلول فصل الصيف تم تقليص الدوام المسائي وأصبحت فترة النهار أطول من فترة نهار الشتاء وعلى هذا الأساس قررنا ترك القسم الداخلي والذهاب إلى الخالص بعد انتهاء الدوام المسائي والإياب صباحا إلى بعقوبة للدوام في المدرسة ومن حسن الحظ أن صديقين لي هما فاضل خلف العمر وفخري جميل مرهج قد اشتريا دراجتين نارية (موتورسايكل) كبيرة الحجم نوع (BSA)  واحدة لكل منهما وبما أن بيت فخري جميل يقع بجوار بيتنا فاتفقت أن يقلني خلفه على دراجته في الذهاب والإياب من وإلى بعقوبة وكان ركوب الدراجة النارية ولأول مرة له متعة وروعة لا تقدر بثمن وتختلف كليا عن ركوب أي واسطة أخرى, لم يبخل صديقي فخري من قيادة دراجته وسمح لي بقيادتها أحيانا خلال عودتنا من بعقوبة ولم تقتصر تلك المتعة على ركوبها بل شملت ما تحقق عنها مشاهدة معالم الطريق وما يحيط فيها من بساتين واجتياز القناطر التي تعترض الطريق ومشاهدة الفلاحين والفلاحات الذين يمارسون أعمالهم في زراعة ارضهم وحصاد محاصيلهم الزراعية بأدواتهم البدائية كالمناجل والمحاريث التي تجرها الخيول أو الثيران ومن أروع ما وفرت لنا تلك الواسطة أي الدراجة النارية هي تلك اللحظات الجميلة والمثيرة التي لا زلت أتذكر صورها ووقائعها وهي ما كنا نحظى فيها بلقاء خاطف وسريع مع أحد الفتيات الريفيات ويبدو أنها كانت تنتظر وقت وصولنا واجتيازنا قنطرة نهر (التحويلة) الذي يتفرع من نهر ديالى ويبعد عن مدينة الخالص بأربعة كيلومترات فكانت تلك الفتاة  تنتظر مرور هؤلاء الشباب الأربعة الذين يختلف مظهرهم ولباسهم ورؤوسهم الحاسرة وتسريحة شعرهم وحقائبهم المدرسية عن كل ما تراه في قريتها لذلك فقد كانت تستقبلنا بابتسامة تفتر شفتاها عن أسنان ناصعة البياض ووجه حنطي لوحته حرارة الشمس وتحول إلى لون برونزي يكتسب بريقا أخاذا نتيجة انعكاس اشعة شمس الغروب عليه والتي بدورها تبرز معالم جسمها الممشوق ونهديها البارزين تذكرني بالمثل القائل (رمانتين فرد أيد ما تلزم) و تكاد تشق طريقهما نحو الخارج من خلف غلالة شفيفة سوداء وإن كل ما يجري بيننا في تلك اللحظات هو تبادل نظرات وابتسامات ويد تمتد نحوها في الفراغ علها تلامس ذلك الصرح الجميل ولكن هيهات فقد تكون العاقبة لو تحققت تلك الرغبة  هي ضربة مؤثرة وموجعة من منجلها الذي تلوح به طول فترة اللقاء الذي ينتهي بسكب عبرات الحسرات من قبل الطرفين وتمضي أيام الرحيل على الدراجات النارية وتمضي معها تلك المشاهد وتبقى ذكراها عالقة لأمد طويل, وكما انتهت تلك الممارسة الممتعة بخيبة أمل فقد كادت عملية ركوب (الموتورسايكل) تنتهي بكارثة قد تودي بحياة واحد منا فقد صادف في أحد المرات ونتيجة طيش الشباب واندفاعاته المتهورة دفع كل من صديقي الطالب فاضل خلف العمر ومن ورائه الطالب صافي توفيق والطالب فخري جميل المرهج وأنا استقل في خلف دراجته أن يدخلا في سباق محموم للوصول إلى مدينة الخالص قبل الآخر وعند وصول الدراجتين وبسرعتهما القصوى عند مدخل المدينة وقبل وصول (الفلكة) الصغيرة التي يتفرع عنها طريقين ولمسارين مختلفين لم يتمكن صاحبي خليل من أن يسلك الجهة الصحيحة فذهب بعكس الاتجاه وعندها صادفته سيارة قادمة من ذلك الاتجاه ولغرض تفادي التصادم معها خرج عن الطريق ونزل إلى بستان يحاذي الطريق وخلال نزولنا اعترضنا عجز نخلة وما هي إلا ثواني لم ندرك خلالها ما حصل لنا غير أننا وجدنا أننا نرتفع عن البستان عدة امتار ثم نهبط على الشارع العام والدراجة النارية تستمر بسيرها إلى أمام بانتظام عدا أمر واحد وهو تغير مكان جلوسي من خلف الدراجة إلى امامها وعلى خزان الوقود الذي يكون مكانه امام السائق وبدلا من أن يمسك صديقي مقودها كنت أنا ماسكا المقود وأوجه الدراجة لتسلك الطريق الصحيح وهكذا قد نجوت أنا  وصديقي خليل  مما لا يحمد عقباه وإلى فصل جديد من مرافئ الذكريات.

وأعود وأكرر اعتذاري لما يرد فيها من هنات وأخطاء وطريقة كتابتها بأسلوب مبسط باعتبارها سردية لذكريات زمن مضى وانقضى قبل حفنة من سنين.

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000