.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرافئ الذكريات / الفصل الثامن عشر

لطفي شفيق سعيد

بحلول صيف عام 1949 أكون قد استقبلت العطلة الصيفية للعام الدراسي 1948- 1949 وباستقبالي هذه العطلة كنت قد انتقلت إلى الصف الثالث المتوسط وأثناء ذلك أدى أخي سعيد الذي يصغرني بسنتين امتحان البكلوريا للصف السادس الابتدائي ونجح للصف الأول المتوسط بتفوق واعتبرت نتيجته  من الأوائل على ديالى واستلم هدية تقديرية هي عبارة عن ساعة يدوية  نوع (أولما), وأخذت تلك الساعة تتنقل من يد لأخرى فاستلمها الوالد في أول الأمر ليباهي فيها أصدقائه من الموظفين وليخبرهم بأنها هدية تفوق ولده في الامتحان الوزاري ثم انتقلت ليد أخي علي الذي باشر معلما في مدرسة عبد الإله الابتدائية بعد أن تم نقله من مدرسة دلي عباس وكان الغرض من أخذه الساعة هو لضبط الوقت خلال دوامه في المدرسة وبعدها  انتقلت الساعة إلى يدي بعد أن يتركها أخي علي عند انتهاء دوامه المدرسي فآخذها لأتباها بها أمام أصدقائي وأحيانا اضطر أن أكشف حقيقة  صاحبها عندما يسألني أحدهم عن سعرها ومن أين اشتريتها أما صاحبها  الذي حقق هذا الإنجاز وهو الحصول على الساعة فلم يصله الدور ليتمتع بلبسها وأظن أنها استقرت أخيرا في يد الوالد لكي يتابع ما تبثه الإذاعات من أخبار في الراديو ساعة بساعة ومن ذلك فقد  كانت تلك الساعة خير من يضبط له مواعيد نشرات الاخبار, أما الجنس الآخر من الأخوات والوالدة فلم يكن نصيب لهن في لبس الساعة لكونها رجالية ودائما ما تكون كفة الرجال هي الغالبة.

لقد تخللت تلك العطلة بعض المشاهد الفكاهية ولم أكن طرفا فيها ولم أشارك في فصولها بل كنت مدونا لها في ذاكرتي وبقيت راسخة فيها لحد الآن  تعكس مدى طيبة وبساطة أهل الارياف الذين لم يألفوا ولم يتعرفوا على طبيعة أهل المدينة وأسلوب حياتهم التي تختلف كليا عن حياتهم  ولو أن تلك الاختلافات لم تكن بدرجة كبيرة لأن حالة المدينة  في تلك الفترة وأقصد بها الخالص لم تكن متطورة أو متقدمة بشكل كبير والذي اريد أن أشير أليه بهذا الصدد هو ما صادفته بعض نساء تلك القرى النائية من مفارقات عند مجيئهن إلى مدينة الخالص خلال مواسم جني التمر (الكصاص) لأن غالبية سكان تلك القرى والقصبات هم من الفلاحين فلقد استمعت إلى ما كان يدور من احاديث حول تلك المجاميع من النساء التي تجيء لذلك الغرض وجلهم  أناس فقراء يكدون طوال النهار من جل الحصول على كمية من التمر أو لقاء مبلغ بسيط يمكنهم من شراء بعض الطعام والخام, إن مهمتهن هي   جمع ما يتناثر من التمر على الأرض خلال رمي عذوقها من أعلى النخلة, ويطلق على النسوة التي تقوم بتلك المهمة  تسمية (طواشات), إن وجود الطواشات في هذه الفترة ومكوثهن في البساتين ليل نهار يوفر فرصة مناسبة لأصحاب تلك البساتين وبعض الشباب من إقامة علاقات  مشبوهة معهن بسبب الضائقة المادية وحالة الحرمان الذي يعاني منها الشباب تحت وطأة العادات الاجتماعية الصارمة التي تدفع البعض منهم إلى ممارسة الجنس مع الدواب وهذه الحالة الشاذة شائعة في الريف وفي تلك الفترة من الزمن ولا غبار عليها من أجل اشباع غرائزهم المكبوتة لذلك فإن فرصة وجود  الطواشات في ذلك الموسم يحسب لها الشباب الف حساب وهم  ينتظرونها بشوق وتلهف , أما رجال الطواشات  فيتنشرون في الأسواق من أجل شراء بعض الحاجيات أو تناول وجبة غذاء وكانت الأكلة  المفضلة عندهم هي الكباب وإن  وطريقة تناولها  تختلف عما هو متعارف عليه  فهم لا يفضلون الجلوس في المطاعم  بل يأخذون وجبتهم  إلى مكان منزوي لتناولها بعيدا عن أعين الرقباء, إن المفارقة التي شهدتها في حينها والتي أثارت ضحكي والتي عكست في الوقت نفسه  مدى سذاجة بعض هؤلاء البسطاء قد حدثت في مرة من مرات وجودي داخل السوق فقد شاهدت أحدهم قد ابتاع (بيض القلق) بعد أن اغراه  شكلها وحجمها ولونها ورخص سعرها فضن فيها أكلة دسمة قد توفر له غذاء بدلا من اكلة  الكباب التي يعتبرها غالية الثمن فاشترى رغيف خبز حار بثلاثة فلوس واشترى أربعة من بيض القلق بأربعة فلوس ووضعها وسط رغيف الخبز الحار وذهب إلى مكان منزوي من أجل أن يتناول وجبته الدسمة وعند  فتحه الرغيف لم يجد أثرا لتلك البيضات الأربعة وأقفل راجعا يفتش عنها ضانا بأنه قد اسقطها في الطريق ولا يدري بأن حرارة الرغيف هي التي قد أضاعت عليه التمتع  ببيضاته الأربعة الملونة الشهية وأنها قد ماعت بفعل حرارة رغيف الخبز.

ومن بعض المقالب التي أقدم عليها بعض المشاكسين من أهل الخالص هي ربط خيط عقال رأس أحدهم بسلة الخضار من أجل أن يسقط من رأسه حال نهوضه وبالرغم من نجاح تلك الإساءة المتعمدة فأن الرجل لاذ بالصمت وأعاد عقاله إلى موضعه لشعوره بأنه في مكان غير آمن وأن أي تصرف منه سيسبب له مشاكل هو في غنى عنها وإنه مغلوب على أمره في مدينة غريبة حاله كحال جميع من هم في بلاد الغربة.

بعد اجتيازي الامتحان الوزاري للصف الثالث المتوسط وخلال العطلة الصيفية التي تلته أقدمت على استئجار دكانة قريبة من دارنا وقد اتفقت مع  صديقي نور الدين حسن فارس الذي اشترك معه في هوايات مشابه منها الرسم والخط وقررنا أن نستخدم تلك الدكانة لرسم وجوه من يرغب من الرجال وخط لافتات للمحلات  وبذلك يمكننا أن نوفر بعض المبالغ خلال تلك العطلة وأسمينا تلك الدكانة  (مرسم أخوان الفن) وبدأنا نظهر مواهبنا في الرسم على حيطان الدكان بدلا من اللوحات ( هذه الطريقة اذكرها الآن وليس في وقتها السابق وهي الطريقة التي أقدم عليها الفنان الاسباني فرنشسكو جويا الذي رسم أربعة عشرة لوحة كبيرة ومهمة على جدران غرفته التي لازمها ولم يبارحها في أواخر حياته وقد أطلق عليها اسم لوحات سوداء) لم يتقدم أحد الينا لرسم صورة له وأظن أن سببا ذلك يعود إلى عدم ثقة بمهارتنا أو أن نتيجة الصورة قد تكون مخيبة لصاحبها. إن كل ما أنجزتاه أهو خط لافتة (قطعة) لصاحب دكان حلاقة اسمه هادي وهو والد صديق لنا في المتوسطة اسمه جاسم وقد اسمينا عنوان محله (حلاقة الأخوين) وقدمتها له بدون مقابل أي مجانا لأن صاحب الصالون هو والد صديقنا جاسم وبعد مضي شهر على هذه المهمة الفاشلة اخلى أخوان الفن دكانتهما ودفعا ربع دينار لقاء ايجار شهر واحد.

ومن أجل التنفيس عن الإحباط الذي اصابنا اقترحت على صديقي نور الدين الذهاب للعوم في  نهر الخالص القريب وهو عبارة  ترعة لا يتعدى مستوى مياها فيها إلى ما فوق الركبة وامتطيت دراجتي الهوائية التي اشتريتها بثلاثة دنانير من أحد موظفي جباية الضرائب ويدعى (صالح المهلب) وصفة المهلب اطلقها عليه أهل الخالص بسبب طول شعر رأسه الذي يغطي رقبته من الخلف وأضن أن سبب ذلك يعود لعدم تمكنه من دفع ثمن الحلاقة باستمرار, انطلق (حصاني الحديدي) وهي تسمية يطلقها أهل الريف على الدراجة الهوائية انطلق إلى غايتنا بعد أن ارتقى صديقي نور الدين المصطبة الخشبية الموجودة خلفها وكانت البهجة تغمر نفوسنا خلال انطلاقتنا ونحن نسابق الريح وانا اطلق عقيرتي بأغنية محمد عبد الوهاب ( يا وبور أولي رايحين على فين) ولم ندرك بأننا (رايحين) إلى مكان استقبلنا فيه عندما اعتلينا قنطرة النهر أربعة اشخاص مسلحين بالبنادق وبدأ واحد منهم يطلق عيارات نارية على الأرض مهددا ومتوعدا إيانا بقوله وبلهجته الريفية (حدروا- حدروا) أي بمعنى انزلوا من الدراجة فامتثلنا لأمره وسلمت الدراجة اليهم فأخذوا غنيمتهم حصاني الحديدي المسكين وامتطاه أحدهم دون أن  يصهل أولم يرفس أحدا منهم  بل ذهب معهم  صاغرا إلى داخل البساتين التي تحيط بنهر الخالص وعدنا ادراجنا بخفي حنين والمهم أن ساعة أخي سعيد التي كنت البسها لم يلاحظها  السلابة وأضن أنهم لم يلمحوها في معصمي,  ورجعنا وما  اقسى الرجوع إلى بيتينا حيث سينتظرنا سؤال وجواب عن الدراجة الهوائية وما هو مصيرها وأخذنا نسلك طريق العودة ووجدنا على مبعدة  امتار من مكان الحادثة  سائق سيارة لوري يقوم بتبديل أحدى الإطارات المعطوبة لسيارته وبادرنا مستفسرا عن سبب تلك الاطلاقات التي سمعها قبل قليل فقلت له (أن هناك جماعة من الممثلين تقوم بتصوير مشهد سينمائي يتضمن تسليب اشخاص والاستيلاء على دراجتهم الهوائية وينتهي بإطلاق العيارات النارية وعليه فقد استعاروا دراجتنا الهوائية لذلك الغرض على أن يعيدوها الينا بعد انتهاء التصوير ( وللقصة تتمة كتبتها في المواقع الالكترونية بعنوان بايسكل) .

لم تكن لي علاقات مميزة مع الجنس الآخر اللطيف في تلك المرحلة وقد يكون سببها التربية العائلية والعادات الاجتماعية التي تضع حواجزا وقيودا بين الطرفين لذلك فقد كانت تشوب تلك العلاقات حالة من التوجس والحذر وتقتصر على بعض الممارسات البريئة التي لا تتعدى الكلام والنظرات والاعجاب واللقاءات تحت سمع وبصر الأهل والخلان واقتصرت بالنسبة لي في تلك المرحلة على إبداء اعجابي ببعض الفتيات المراهقات خلال ما أقوم به من رسم وخط وخاصة لطالبات الصف السادس الابتدائي وممن كن في المدرسة القريبة من بيتنا ومما اتذكره أن واحدة منهن كانت تمتلك مسحة لا بأس فيها من جمال إضافة لرقتها ودلالها  وكنت اراقب قدومها من شباك غرفتنا المطل على الزقاق خلال  خروجها من المدرسة مساء كل يوم وقد كان كل ما يدور بيننا وتحت أعين أختي الرقيب هو تبادل عبارات اعجاب بما انجزته لها كخط اسمها وبأشكال مختلفة يتضمن أحيانا بعض الرموز اتي تفصح عن الحب المبطن مثل خط اسمها بشكل قلب أحمر يخترقه سهم آلهة الحب كيوبيد, إن تفوقي في الرسم والخط جعل عدد المعجبات بي  يتزايد لدرجة إنني لم أتمكن من  أن اركز على من هي افضل من الاخرى في نظري وأيهن اكثر تأثيرا على نفسي وكان يراودني شعور غريب وهو أنني كنت  لا أميل إلى من تحاول التحرش بي واقصد منه التحرش بطريقة بريئة ومن تلك الحالات التي لا زلت أحاول أن أجد لها تفسيرا ومبررا هي انزعاجي من تصرف أحداهن من دون صديقاتها عندما كنت مارا بالقرب منهن حيث أقدمت تلك الفتاة على طرطشت ماء بركة  بقدميها كان قد خلفها المطر فابتلت ملابسي بالماء  من جراء فعلتها تلك مما جعلها  ذلك المنظر أن تستغرق بالضحك الذي اثارني في وقتها  ولكنني الآن أتمنى أن يعود الزمن واشارك  تلك الصبية بطرطشة الماء حتى نغرق سوية في لجة الحب العذري, ومقابل تلك الذكريات الحلوة والمنعشة كانت هنالك صورة قاتمة رسمتها شخصية غامضة وغريبة الاطوار لشخص كان يسكن مقابل دارنا مباشرة ويطلق  أهل الخالص عليه صفة (أبو النكيس) وقد جاءت تلك التسمية بسبب طريقة تصرفه وعلاقته مع الناس حتى إن ذلك كان  ينعكس على طريقة مشيته في الشارع فقد كان يجنب نفسه التماس بالناس ويبتعد عنهم قدر المستطاع لدرجة أنه كان  يسير في الشارع و يغطي فمه وأنفه بإحدى كفيه ويبعد الناس عنه  بإشارات من كفه الأخرى خلال سيره الذي  يعطي جانبا من جسمه باتجاه المارة, وعند عودته إلى البيت وحسبما كنا نشاهده فإنه يطلب من ابنة أخية البالغة من العمر عشرة سنوات أن تشعل سعفة نخيل وتقوم بتمريرها حول جسمه  من أجل تعقيمه تخوفا من أصابته  بمكروبات كما  يطلب منها أن تغسل ملابسه يوميا وتنشرها تحت الشمس والغريب في  ذلك الشخص أن مظهره لا يشير بأنه من القرى أومن الأرياف فقد كان يرتدي السترة والبنطلون أي (أفندي) ومما يؤسف له بأن أحدا من اقاربه أو من معارفه لم يهتم بحالته تلك ولم يكشف للناس عن سببها وهل كان بالإمكان معالجة حالته وإن وكل ما يدور حوله من معلومات هو أنه رجل غامض لا يحب الاختلاط ويفضل العزلة لدرجة أنه كان يقسو على ابن وابنة أخيه اللذين كانا يسكنان معه سوية  وكان يكيل لهما الشتائم ويأنبهما بكلمات فاحشة بالرغم من صغر سنيهما ويصل صوت صراخه عليهما أحيانا إلى مسامعنا, ومع كل تلك الصفات والحالة المتأزمة عنده فإننا كنا نظهر له احترامنا ويبادلنا بمثله ولم تحدث بيننا وبينه أية مشكلة وقد يرجع سبب ذلك لمعرفته أننا افندية ولسنا من أهل المدينة, والاغرب من ذلك كله أن أخيه الذي كان  يزوره أحيانا يقف أمامه بكل احترام وأدب ويبقى ساكتا يحني رأسه له عندما يعنفه ويصرخ في وجهه, ويبدو من تصرفاته الغريبة أنه  مصاب بمرض الرهاب نتيجة ازمة نفسية حادة ومن المحتمل أنه كان يحظى بمنزلة مرموقة ومكانة عالية بين عائلته  ومما يذكر عنه بعد حين من الزمن قد ارتكب جريمة بحق أخيه حيث أصابه بمقتل عندما كان يطأطأ له رأسه احتراما له, هذه هي أحدى صور الزمن المر الذي كان فيه الانسان ارخص رأسمال وبقي هذا الحال على حاله واستمر المنوال على منواله تتناقله جميع الأجيال.                 

بعد انتهاء العطلة الصيفية ونجاح اغلب أصدقائي خلال الامتحان الوزاري للصف الثالث المتوسطة تناثروا عني كقول الشاعر (كما تناثر الغنى عن مترب) فقذ ذهب كل من جمال رشيد وحامد شاكر إلى بغداد لإكمال دراستهم فيها وانتقل نور الدين حسن فارس إلى بعقوبة لقبوله طالبا في دار المعلمين الابتدائية كمرحلة أولى أما أنا فقد اخذت طريقي إلى ثانوية بعقوبة للبنين وذلك لعدم وجود ثانوية في مدينة الخالص وللحديث عن ذكريات تلك المرحلة سأخصها للفصل التاسع عشر من مرافئ ذكرياتي  

 

 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000