.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرافئ الذكريات / الفصل السابع عشر

لطفي شفيق سعيد

كان عام 1948 مثقلا بأحداث دامية وعديد من مآسي وإخفاقات مرت على العراق وعلى شعبه الصابر وكما بينت سابقا فإنني في مثل هذا التاريخ لم أكن أدرك بشكل واضح ما يحدث من أمور جسام ولا يمكنني التدقيق فيها ومتابعة مجرياتها والتعرف على ما خفي منها حيث كنت بعمر لم أكمل فيه السادسة عشر ولكن الذين هم  أكبر مني وخاصة من شارك وساهم في جانب من جوانبها وأطلع بشكل مباشر على سير وقائعها كقادة الأحزاب الوطنية والمفكرين والنخبة المميزة من سياسيين وكتاب وشعراء ومؤرخين قد تيسر لهم متابعة تفاصيل تلك المرحلة وما شهدتها من أحداث ومنهم من ساهم بتدوينها ولو بشكل لم يرق إلى كشف الحقيقة الكاملة ولا غرابة في ذلك فهناك الكثير من الوقائع والاحداث التاريخية يجري تدوينها حسب الظروف الخاصة وعلاقتها بنظام الحكم السائد سلبا أو إيجابا.

إن أهم الاحداث التي واكبت عام 1948 بقيت راسخة في اذهان من عاصرها أو من كتب عنها وكذلك ما تم تدوينه في أرشيف الوثائق التي   أزيلت عنها السرية والحظر بعد مرور فترة من الزمن وأذكر في مقدمتها   وثبة الشعب العراقي في 27 كانون ثاني من العام المذكور وما قدمه الشعب خلالها من تضحيات عبر مظاهراته واحتجاجاته ضد معاهدة بورتسموث وتمكنه من اسقاط حكومة صالح جبر واجبارها على الغاء تلك المعاهدة الجائرة.

والحدث الثاني المهم هو ما يتعلق بحرب فلسطين بين إسرائيل والدول العربية والتي شاركت فيها أربعة جيوش من جيوشها وهي العراق وسوريا والأردن ولبنان والسعودية و انتهت بهزيمتها التي أطلق عليها بالنكبة, إن من أهم تفاصيل تلك الحرب التي تناقلها الكتاب والباحثون وأسباب  خسارة الحرب التي اعتبرت أول نكبة حلت بالأمة العربية تلتها نكبات متلاحقة عديدة, يمكن حصرها بما يلي:

 لقد بدأ تدفق يهود أوربا إلى فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل توسيع مملكتهم على حساب فلسطين العربية وقد جرى ذلك  بتشجيع من قبل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانية,  وفي 29 نوفمبر من عام 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرارا بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية, ولم توافق على ذلك القرار  جميع الدول العربية بما فيها شعب فلسطين فأعلنت الحرب على اليهود في 15 مايس 1948 واستمرت تلك الحرب قرابة عشرة أشهر انتهت بإعلان الهدنة الأخيرة في 24 شباط من عام 1949,و صاحبت تلك الهدنة اتفاقية سرية عقدت بين الملك عبد الله الأول ملك المملكة الأردنية وبين بريطانية واليهود لسحب القوات الأردنية لقاء ظم أراضي من فلسطين إلى مملكته وبموجب هذا الاتفاق تم ظم الضفة الغربية إلى الأردن وغزة إلى مصر, كانت معظم قيادات الجيش الأردني من الإنجليز وكان هناك خمسين ضابطا انجليزيا يعملون بوضع الخطط والتحكم بسير المعارك وبناء استراتيجيات المعركة ومن الطبيعي أنها كانت تصب في صالح القوات الإسرائيلية ومن أهم تلك القيادات التي كانت تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في شؤون المملكة الجنرال ( جون باغوت كلوب باشا) والذي كان يكنى (أبو حنيك) واستمر في عمله لغاية معركة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وخلالها رحل إلى بلده بريطانيا.

تلك هي أهم حدثين حدثا في ذلك العام أحدهما داخلي خص الشعب العراقي وهزت مشاعره خلال وثبة كانون الثاني المجيدة والثانية هي نكبة حرب فلسطين التي اصابت شعوب الدول العربية بالإحباط ورفعت من درجة حقدهم على حكامهم الذين ساهموا وخططوا لتلك المأساة المتمثلة بضياع فلسطين.

لقد تلت تلك الحادثين أعمال قمعية وحشية مارستها الحكومة العراقية في ذلك العام ضد الشعب وقواه الوطنية انتقاما لما قامت به من انتفاضة ضدها وقد تبنى تلك الحملة رئيس وزراء العراق المخضرم نوري السعيد بعد سقوط وزارة صالح جبر خلال الانتفاضة واستلامه الحكم وتعهد خلالها على ضرب القوى الوطنية فأصدر قانون مكافحة الأفكار الهدامة وما شابه ذلك وشن حملة شعواء ضد الشيوعيين متعهدا باجتثاثهم نهائيا فأعاد محاكمة قادة الحزب الشيوعي مع خمسة وعشرين آخرين من أعضائه وتم الحكم بالإعدام شنقا على سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد) وعضوي المكتب السياسي للحزب زكي محمد بسيم (صارم) وحسين محمد الشبيبي (حازم) بعد أن كانوا يمضون الحكم المؤبد الصادر بحقهم بديلا من حكم الإعدام الذي صدر في شهر آيار عام 1947 وقد بررت الحكومة متمثلة برئيس وزرائها نوري السعيد  أن غرض تلك الحملة هو لحماية مؤخرة الجيش العراقي الذي يحارب في فلسطين وأعلن في البرلمان بأن هدف حكومته هو تصفية الحساب مع الشيوعيين وإنه سيكافح الشيوعية إلى آخر نفسها,  ليوهم الشعب بأن سبب خسارة الجيوش العربية وضياع فلسطين سببه هو الشيوعية والشيوعيين وليس حكام العرب أذناب المستعمرين, وتم تنفيذ الإعدام بالقادة الثلاثة في 14/ 15  شباط  عام 1949 وجرى تنفيذ إعدام (فهد) في ساحة المتحف العراقي وزكي بسيم في الباب المعظم وحسين الشبيبي في الباب الشرقي لقد اتخذ هذا الاجراء من أجل إرهاب الشعب العراقي وكبت حريته ومنعه من المطالبة بحقوقه المسروقة,  فهل كان يدرك مثل هؤلاء الطغاة بأن كل نار يوقدونها ستترك رمادا من تحته وميض نار؟

إن تلك العملية الإرهابية التي أقدمت عليها السلطة العميلة قد أشرف عليها السفير البريطاني بدأ من سير المحاكمة حتى تنفيذ حكم الإعدام ومصرحا إثرها (سوف لن تقوم قائمة للشيوعيين في العراق لعشر سنوات قادمة) مع أنه قد استمع فعلا إلى كلمات سكرتير اللجنة المركزية لذلك الحزب قبل تنفيذ الحكم فيه وهو يعتلي خشبة الإعدام مرددا بصوت عالي (الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من حبل المشنقة).

 يمكنني أن أدون بعض ما رسخ في ذاكرتي خلال ذلك الحدث حيث لم يتوارد إلى ذهني حينها ما يشير إلى انطلاق مظاهرات تعبر عن الاحتجاج عن تلك الأساليب القمعية في بغداد  ويمكنني أن أعزو ذلك لانشغال الشعب بأمر حرب فلسطين واخبار انتكاستها وخسائر الجيش العراقي خلال ذلك إضافة لأساليب القمع والترهيب والدعايات التي كانت تبثها السلطة ضد الشيوعيين بقولها أن الشيوعيون أخوان اليهود مما جعلت معظم الناس في تلك المرحلة ينأون بأنفسهم من الاقدام على إي عمل يعرضها للاعتقال والتصفية الجسدية واقتصر التعبير عن الاستياء ببعض ما يرد من مقالات  تنشرها بعض الصحف المعارضة العلنية والسرية التي كانت تصدر عن الحزب الشيوعي العراقي وتوزع على نطاق واسع بين أوساط الشعب العراقي, أما تأثير ذلك الحدث على مدينة الخالص والتي كنت اسكنها في تلك الفترة فلم يتعد نقل الأخبار عن طريق الصحف التي تصل إلى المدينة ويجري تداولها بين بعض الناس ويقتصر على طبقة معينة من المثقفين وقد كان للدعاية التي تبثها إذاعة بغداد الوحيدة أثرا في تشويه صورة الشيوعية أمام المواطنين واذكر منها ذلك المنلوج الذي كان يؤديه المغني (حمدان الساحر)  والذي يبدأه بعبارة (الشيوعية حية صفرة كوليرا خطرة الشيوعية ,الشيوعية) ويعاد من الإذاعة عدة مرات يوميا.

إن صورة اعدام إنسان شنقا حتى الموت بقيت راسخة في مخيلتي ولم تبارحها كلما ذكرت تلك العبارة وسبب ذلك يعود إلى ما شاهدته وسمعته في تلك الفترة من الزمن وبعمر المراهقة الذي لم يتجاوز السادسة عشر وعن تلك المناسبات التي شهدتها وسمعت عنها هنالك ثلاثة منها اثنتان سمعتها وواحدة اضطرتني الظروف السيئة  لمشاهدة تفاصيلها وجميعها جرت في مدينة الخالص خلال وجودي فيها في عام 1948 والحادثة الأولى التي سمعت عنها هي تنفيذ حكم الإعدام شنقا بشاب منحرف أخلاقيا اختطف طفلا واغتصبه ثم قتله وقد سبق لي أن رأيت ذلك المجرم قبل ارتكابه جريمته المروعة فقد  كان بشعا يطلق الناس عليه اسم (عبد أصفر) وذلك بسبب سحنته الصفراء وقسمات وجهه التي هي أقرب للسود بشفاهه الغليظة وانفه الافطس وشعر رأسه الأصفر المجعد, إن تلك الصفات الشاذة تعكس حالة الشذوذ لدى ذلك المنحرف إضافة لتصرفاته البذيئة والخبيثة التي تميزه عن بقية الشباب وكثيرا ما كنت أشاهده  مرتديا دشداشة قذرة وحافيا وهو يجوب سوق الخالص وكأنه يفتش عن فريسة ما يشبع غرائزه الخبيثة منها وكان آخرها تلك الحادثة المؤلمة التي راح ضحيتها طفل بريء ونال جزاءه والقصاص منه بإعدامه شنقا حتى الموت في السجن المركزي في بعقوبة, أما الحادثة الثانية والتي سمعتها فلم تكن نتيجة صدور حكم من محكمة بل صدر عن شخص بحق نفسه الذي تمثل بشنق نفسه! والشخص المذكور هو مدير مدرسة ابتدائية كان قد استلم رواتب معلمي مدرسته وبدلا من ان يوزعها عليهم خسرها على مائدة القمار التي كان مدمنا عليها وقد نفذ عملية شنق نفسه مساء ذلك اليوم في غرفة إدارة المدرسة وإن أول من شاهده في تلك الحالة هو فراش المدرسة خلال تفقده الغرفة صباحا كعادته وأخبر الشرطة عنها وأصبح ذلك الخبر حديث الناس وأخذ يتداوله الصغار والكبار ومن ضمنهم طلاب مدرستنا المتوسطة والمؤسف له أن أحد طلابها وهو زميل لي يشاركني الجلوس على نفس الرحلة هو ابن المدير الذي شنق نفسه وقد انقطع عن الدوام عدة أيام ثم عاد ليداوم مرة أخرى وكان في وضع لا يمكننا التحدث اليه لتدهور حالته النفسية فقد تجنب جميع الطلبة  اثارة الموضوع معه أو الاستفسار منه عن تفاصيل الحادثة وذلك لكون الطالب المذكور من الطلبة الاذكياء والمؤدبين ويحترمه الأساتذة والطلبة على السواء.

أما حادثة الإعدام شنقا والمروعة التي شاهدتها بأم عيني والتي كما ذكرت كان للصدفة دورا فيها أيضا و الحادثة تخص شخصا كان قد ارتكب عدة عمليات قتل بسبب نزاع من أجل أخذ الثأر وخلاف حول الحصة المائية التي تخصصها  مديرية الري للأراضي المزروعة والبساتين وقد يصادف أن يتجاوز عليها البعض ويحولونها لسقي أرضهم الزراعية وكان يدعى ذلك الشخص ( ابن بوهيه) وقد فر من وجه العدالة بعد ارتكابه عمليات القتل واصبح مطاردا من قبل الشرطة وخاصة الشرطة السيارة التي كانت تستخدم الخيول بدلا من السيارات وقد تم القاء القبض عليه خلال أحدى مرات مطاردته التي قتل فيها أحد افراد الشرطة الخيالة ويدعى داوود ومما يؤسف له أن أحد زملائي في متوسطة الخالص هو ابن ذلك الشرطي القتيل ويدعى سلمان وحدثنا عن كيفية قتل والده وكيف تمكنوا من إعادة فرسه التي كانت تعود للشرطة السيارة.

في صباح أحد الأيام استيقظت  مدينة الخالص على أصوات اطلاقات نارية وتبين منها بأن الشرطة المحلية قد تمكنت من القاء القبض على (ابن بوهيه) وكانت مفرزة الشرطة التي القت القبض عليه  بأمرة المفوض كامل (الججاني) وتعني الشيشاني والمعروف عنه عند أهل الخالص بشجاعته وتحديه للمخاطر شأنه شأن أكثر (الججان) الذين يسكنون أحد نواحي ديالى القريبة من مدينة شهربان وتدعى (زندان) والججان يتميزون بجمال الوجه إضافة لشجاعتهم واخص بالذكر أحد أصدقائي ويدعى  شامل وهو ابن المفوض كامل فقد كان ولدا جسورا وذا طلعة  بهية كما أن أحدى زوجات الشيخ حبيب  الخيزران شيخ العزة هي من الشيشان ومنحته بعض الأولاد والبنات وأن والدة صديقي الحميم عبد الرزاق آل غصيبه هي من الشيشان ايضا وإن آل غصيبه هم شيوخ عشيرة العزة قبل أن يتسلمها الشيخ حبيب الخيزران.

أحيل ابن بوهيه إلى المحكمة الكبرى في بعقوبة وأصدرت حكمها بإعدامه شنقا حتى الموت لارتكابه جرائم قتل عدد من الأشخاص وبضمنهم افراد من الشرطة وأرسل إلى مدينة الخالص لتنفيذ حكم الشنق بحقه و في صباح أحد الأيام تم نصب مشنقته في ساحة مخصصة لذلك  قريبة من مدرستنا متوسطة الخالص وكنت حينها في الصف الثاني متوسط إن عملية الشنق لم تنته لهذا الحد والمهم فيها كيفية السماح لجمهرة من الناس ومن مختلف الاعمار رجالا ونساء وحتى الأطفال أيضا  لمشاهدة ذلك المنظر الرهيب والمؤثر وخاصة بالنسبة لصغار السن من امثالي فبدلا من أن يشاهدوا المناظر الجميلة والاحتفالات البهيجة وقضاء اوقاتهم في حدائق الحيوانات والتمتع بما تحتويه مدن الألعاب من مسليات وتنظيم الجولات المدرسية والسفرات اليهم يدفعهم الحض العاثر واستهتار الأنظمة الحاكمة بالمواثيق والقيم إلى التطلع  بطريقة  مباشرة لمشاهدة ازهاق روح إنسان بصورة بشعة ومخيفة تبقى راسخة في مخيلتهم لفترة طويلة من الزمن حتى لو كان الغرض منها هو بيان عقوبة من يرتكب جرائم قتل.

لقد جيء بالمحكوم إلى مكان المشنقة البدائية التي تتألف من ثلاثة أعمدة خشبية طويلة مدورة ربطت  بعظها ببعض من الأعلى اشبه ما تكون تلك التي تستعمل لوزن أكياس الحنطة والشعير عند بيعها في العلاوي و يتدلى من وسط تلك الأعمدة  حبل أعد لذلك الغرض وعندها اعتلى المحكوم منصة أشبه ما تكون بمنبر يستخدمه الأئمة في الجوامع والحسينيات وبعدها  تلي على المدان  قرار الحكم وسأل عما يريد أن يقوله فذكر بأنه قد قتل فلان وفلان مبينا أسباب ذلك ومن  ثم بدأ مشهد التنفيذ المريع بوضع كيس أسود في رأسه واحيطت رقبته بالحبل وازيحت المنصة من تحت قدميه المكبلة بالسلاسل  فهوى نحو الأسفل وأخذ جسمه يتأرجح إلى الأمام والخلف لعدة مرات ثم استقر عموديا اعقبتها  بعض انتفاضات من قدميه لفترة قصيرة وأخيرا توقف عن الحركة نهائيا  ثم قامت احدى الممرضات بجس نبضه للتأكد من أنه قد فارق الحياة,  ويستمر مشهد الرهبة بالتصاعد  فخلال انزال الجثة من حبل المشنقة ووضعها في تابوت ازيح عن وجهه الكيس الأسود واصبح عرضة لكل من يريد أن يلقي نظرة عليه فقد كان شكل وجه المشنوق مخيفا وبشعا ورهيبا بعد تنفيذ الحكم بحقه و لم يمنعني أحد من التطلع اليه  بإمعان لدرجة لا يمكنني أن أنسى صورة ذلك الوجه  وأمحيها من ذاكرتي فقد كان لون وجهه ازرقا وخرجت رقبته من كتفه ليصل طولها إلى ما يقارب نصف متر وقد تدلى لسانه المزرق ليصل إلى نهاية حنكه وجحظت عيناه  وخرجتا من محجريهما وصارتا اشبه  ببيضتين مسلوقتين وترك  حبل المشنقة في رقبته  ليأخذه معه للذكرى والعبر.

كان عام 1948 قاسيا وكئيبا على نفوس معظم العراقيين لما شهده من أيام سود وصعبة وفي بيئة لا تعرف سوى العنف والقتل والتخلف الاجتماعي والفكري وكانت حصة الأطفال من امثالي هي الحصة الأكثر والأخطر فكثيرون منهم قد نشأ وتربى على تلك العادات والمظاهر الخاطئة والتي كانت نتيجتها فوضى عارمة وعدم استقرار ودمار اجتاح البلاد على طولها وعرضها لسنوات طويلة جعلته لا يدرك معنى الرفاهية والأمن والسلام                         

كما مهدت تلك الحالة إلى ظهور مجموعة من قادة وحكام طفيليين هوايتهم المفضلة هي اثارة الحروب والاقتتال بدلا من البناء والعمران والتي أودت بمحق أجيال كاملة من خيرة شباب الوطن.

 أتمنى أن يكون المستقبل بعيدا كليا عما قاساه وعاناه الآباء والاجداد من تلك الويلات وإلى الفصل الثامن عشر من مرافئ هذه الذكريات.  

 

 


لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000