.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل السادس عشر مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

كان عام 1948 حافلا بالأحداث والمستجدات على الساحة العراقية وبالأخص في العاصمة بغداد والتي شهدت  منذ بدايته موجة عارمة من الاحتجاجات والمظاهرات بدأت شرارتها خلال احداث عام 1947 التي رافقت مرحلة من مراحل حياتي بوقت مبكر منها حيث كان عمري آنذاك خمسة عشرة سنة ومن الطبيعي أنني في ذلك العمر لا يمكنني أن ألم بما يدور من أحداث بشكل واضح ودقيق ولكن سجل التاريخ وما دونه منها يشير إلى ما جرى خلال تلك الحقبة من الزمن وأهم ما فيها هو موقف الشعب العراقي البطولي إزاء محاولات حكوماته العملية التي دأبت على  ربط العراق بمعاهدات جائرة مع بريطانية ومنحها امتيازات واسعة للتحكم بمقدراته وكان الصراع دائرا آنذاك حول ابرام معاهدة (بورتسموث) التي أرادت بريطانية تمريرها بشتى الوسائل والسبل وخاصة باعتمادها على بعض الشخصيات ممن تسنم مسؤولية رئاسة الوزراء في ذلك التاريخ أمثال نوري السعيد وصالح جبر ومن أجل تنفيذ تلك المهمة فقد قام نوري السعيد بشن حملة شعواء ضد القوى الوطنية وخاصة الشيوعيين والوطنيين ومن تلك الحملة اعدام بعض الضباط ممن التحق بالحركة الكردية في ذلك الحين وأعقبها اصدار حكم الإعدام شنقا بقادة الحزب الشيوعي العراقي البارزين وهم سكرتير اللجنة المركزية يوسف سلمان (فهد) وعضوي المكتب السياسي حسين محمد الشبيبي (حازم) وزكي محمد بسيم (صارم) وتوالت الاعمال القمعية فشملت منع صدور الصحف الوطنية المعارضة واغلاق الكليات والمعاهد وتعطيل الدراسة فيها إلا أن تلك الإجراءات زادت من نقمة الشعب ومطالبته بأسقاط حكومة نوري السعيد وعندها شعرت حكومة بريطانية بحراجة الموقف فأوعزت لنوري السعيد بالاستقالة وتنصيب شخصية شيعية بدلا منه هو صالح جبر والذي هو بالأساس من كتلة نوري السعيد وقد تبنى صالح جبر تمرير المعاهدة بحجة أنها امتداد لمعاهدة 1930 وتجديد بنودها وطلب من وزير العدل جمال بابان عدم نشرها في الجريدة الرسمية لحين ترجمتها للعربية إلا أن جمال بابان نشرها في اليوم الثاني أي في يوم 16 كانون الثاني 1948 وقد أدى ذلك التصرف إلى انطلاق مظاهرات صاخبة اشترك فيها جميع طلبة الكليات والمعاهد طلاب وطالبات دون استثناء واستشهد خلال تلك المظاهرات الطالب (شمران علوان) أحد طلبة دار المعلمين الابتدائية وكذلك الطالب قيس الألوسي وطالب آخر من الكلية الطبية استشهد أمام مبنى الكلية إن استشهاد هذا العدد من الطلاب وطريقة تشيعهم زاد من غليان الشارع مما حدى بالوصي على العرش عبد الإله  أن يدعو قادة الأحزاب الوطنية وبعض الساسة المعروفين للاجتماع في البلاط الملكي وخلاله وعدهم بأن لا تبرم أي معاهدة دون رغبة الشعب وقد استبشر المجتمعون بهذا التعهد وتم أطلاق سراح جميع الموقوفين الذين القي القبض عليهم خلال المظاهرات ,هنا يمكنني أن أعود بذاكرتي إلى ما ترسخ فيها خلال تلك الاحداث وخاصة فيما يتعلق بأخي علي الذي كان في تلك الفترة أحد طلاب دار المعلمين الابتدائية والتي شارك جميع طلابها بالمظاهرات لكونهم من أبناء الطبقة الفقيرة وقد استشهد منهم زميلهم الطالب شمران علوان وكان من ضمن المعتقلين أخي علي وقد تم اعتقاله ليلا مع مجموعة أخرى من الطلبة  عندما داهمت مكان نومهم ثلة من رجال الأمن ومجموعة من عناصر تحيط  أذرعها بشارة بيضاء تحمل عبارة (الله غايتنا) يقودهم السباح المعروف عوسي الاعظمي كان سبب اعتقال أخي هو نشاطه المدرسي وقيامه بأداء أدوار مسرحية ومنها مسرحية ( الاستعباد) ذات التوجه السياسي الانتقادي وكذلك اشتراكه بأدوار أخرى مع الطالب المتألق بأدوار كوميدية المدعو شهاب القصب الذي وافاه الاجل بعد تخرجه من دار المعلمين مباشرة  وكان أخي يردد على مسامعنا بعضا من مقاطع تلك الأدوار الكوميدية التي كان يؤديها مع المرحوم شهاب القصب ومنها قوله (خوش زوج من كلام عفية حلك هيجي در طلعه), لقد شملت حملة الاعتقالات أيضا طلاب ثانوية الملك فيصل الثاني وهذه الثانوية تظم الطلاب المتفوقين من جميع متوسطات العراق واغلبهم من عوائل متوسطة وفقيرة وقد شاركوا أيضا بالمظاهرات, لقد زرت أخي علي في موقف شرطة السراي الذي كان يكتظ بعدد غفير من الطلبة الشباب ومجموعة من السياسيين الشيوعيين والقوميين والديمقراطيين وكانت حالة الموقف تفتقر  إلى أدنى شروط الحياة وحقوق الإنسان وكانت تلك الزيارات المتكررة التي قمت بها  لذلك الموقف قد منحتني مبكرا صورة واضحة عن حالة الظلم والطغيان التي تتصف فيها الحكومات الجائرة  وكيفية قمع كل محاولة  للتعبير عن حرية الفكر والمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب العراقي, لقد أطلق سراح أخي علي مع جميع المعتقلين بعد اجتماع البلاط الملكي المذكور وبعد أن أعطى الوصي عبد الإله وعدا بتنفيذ مطالب الشعب إلا أن ذلك الوعد لم يتحقق فقد أعلن صالح جبر من لندن أن البرلمان العراقي سيصوت على إقرار معاهدة (بورتسموث) كما صرح بأن سبب تلك القلاقل هو ما  أثارته عناصر فوضوية من شيوعيين ونازيين وبعد هذا التصريح تحولت العاصمة بغداد إلى ما يشبه ساحة حرب وخرجت أعداد غفيرة من الشعب من جانبي الكرخ والرصافة معلنة رفضها للمعاهدة والمطالبة بإسقاط حكومة صالح جبر وقد استقدمت الحكومة مفارز من الشرطة السيارة وهي مجموعة لا تمتلك وعيا وطنيا بعكس القوات العسكرية التي رفض رئيس اركان الجيش في حينها اشراك الجيش في ذلك الواجب خوفا من التحاق عناصره  مع المتظاهرين, لقد نصبت مفارز الشرطة أسلحتها الرشاشة على جامع حنان في الكرخ ومنارة جامع (الآصفية) في الرصافة وتصدت للمتظاهرين في كلا الجانبين واستخدمت الرصاص الحي مما أدى إلى سقوط عدد من المتظاهرين بين قتيل وجريح  وخاصة من الذين كانوا يعبرون جسر المأمون من جانب الكرخ إلى جانب الرصافة ولهذا السبب استبدل اسم جسر المأمون إلى اسم جسر الشهداء بعد ثورة 14 تموز المجيدة تخليدا لشهداء وثبة الشعب العراقي في السابع والعشرين من شهر كانون ثاني 1948 إن من أشهر أسماء شهداء واقعة الجسر في وثبة كانون الثاني الخالدة الشهيد جعفر مهدي الجواهري وهو أخو الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي رثاه فورا في قصيدة عنوانها (أخي جعفر) وقد القاها قرب جامع الحيدر خانة اعتلى خلالها سلما خشبيا كان مطلعها هو (أتعلم أنت أو لا تعلم -بأن جراح الضحايا فم) مما زادت من حماس الجماهير واستمرارها بالمظاهرات الصاخبة والتي أدت إلى اسقاط حكومة صالح جبر وتكليف السيد محمد الصدر من أجل امتصاص نقمة الشعب على الحكومة ولكن الأمور سارت على نفس شاكلتها لغاية ثورة الشعب العراقي بقيادة جيشه الوطني وبالتضامن مع قوى الشعب الوطنية في الرابع عشر من تموز عام 1985 .

أعود بالذكريات إلى مدينة الخالص وخلال تلك الأحداث وخاصة بما يتعلق  بانتفاضة الشعب العراقي ووثبته في السابع والعشرين من كانون الثاني عام 1948 فإنني وللتاريخ أبين بأن أحدا لم يتحرك ولم تنطلق أية مظاهرة من المظاهرات في المدينة  سواء من الشعب أو من طلاب المدارس تأييدا أو احتجاجا على الحكومة ويعزو ذلك  ومثلما ذكرت سابقا بأن وعي الجماهير في مثل تلك المناطق لم يصل إلى درجة عالية بسبب غياب تأثير المنظمات والأحزاب الوطنية وإن معظم سكانها يخضعون لسلطة رئيس العشيرة وتأثيره على مجمل حياتهم الاجتماعية وبالأخص ما يتعلق بارتباطهم بأرضه واستغلال جهودهم في زراعتها وتخصيص جزء يسيرا من مواردها  لسد رمقهم وكذلك حرمانهم من حقوقهم الأخرى وابقائهم في حالة من البؤس والحرمان مما يجعلهم لا يفكرون إلا بما يمنحه لهم  شيخ العشيرة من عطاءات ولم يكن  للحكومة وسلطتها أي تأثير عليه ولذلك نجد أن الفلاحين ينصاعون لأمره ولانتمائهم العشائري, إن عشيرة العزة ورئيسها الشيخ حبيب الخيزران هي العشيرة الكبيرة في ديالى ومن ضمنها مدينة الخالص وبالمقابل فإن هناك عشيرة كبيرة أخرى تسكن المناطق القريبة من مدينة كركوك هي عشيرة العبيد وتكون حدود أراضيها محاذية لأراضي ونفوذ عشيرة العزة وكثيرا ما تحدث بينهما منازعات في تلك الفترة بسبب ملكية الارض  تصل لحد الاقتتال بالأسلحة النارية والرشاشات ويسقط خلالها عدد من القتلى والجرحى من الطرفين وفي أحد تلك المعارك وكما أتذكر وخلال اشراف الشيخ حبيب على سير المعارك والتي قتل خلالها ابنه الكبير ثائر جاء اليه مدير الناحية ليرجوه بإيقاف القتال حفاظا على أرواح الناس فنهره قائلا(روح هذا مو شغلك) .

وبمناسبة ذكر الشيخ حبيب الخيزران شيخ عشيرة العزة فقد تم تعيين أخي علي بعد تخرجه من دار المعلمين الابتدائية القسم العالي معلما في مدرسة (دلي عباس) الابتدائية وهي ناحية من نواحي ديالى وفيها مقر سكن شيخ عشيرة العزة وكلمة (دلي) باللغة التركية تعني مجنون ولا اعرف سبب أطلاق تلك التسمية وهل إنها من مخلفات الدولة العثمانية التي كانت تحتل جميع أراضي العراق وبضمنها دلي عباس.  لم يجد أخي مكانا خاصا لسكن المعلمين العزاب الوافدين من خارج الناحية لذلك فقد اختار له غرفة في بيت إمام الجامع الملاصق للجامع وكان اسم ذلك الإمام هو الشيخ عبد الشكور ويذكر أخي أنه من أصول أفغانية حسبما ذكره له الشيخ وكانت لغته العربية غير سليمة وخاصة عند مناداة أخي بعبارة ( سيدو علي), إن سبب اختيار أخي علي بيت إمام الجامع كان بالأساس لابتعاده عن مجموعة موظفي الناحية الذين يجبرهم الشيخ للحضور إلى نادي الموظفين لمشاركته لعب القمار والسماح لهم بشرب الخمر أيضا, قضى أخي في ناحية دلي عباس سنة دراسية واحدة وخلالها كان يعود إلينا كل خميس وجمعة وعند مكوثه هناك كانت الوالدة تهيأ له أكلته المفضل  لأنه خلال وجوده هناك لا يحصل على غذاء جيد, لقد كنت أذهب ظهر كل يوم إلى كراج السيارات وأسلم (سفرطاس) الأكل إلى سائق سيارة موديل الثلاثينيات والتي كان يطلق على اسمها (أم التنتة) وكان اسم ذلك السائق هو (عطية) وهذه الأسماء شائعة في مدينة ديالى تستخدم للنساء والرجال على حد سواء, إن سيارات التنتة متوفرة في مدينة الخالص وتستخدم بين المدينة وبين نواحيها وقرها ولكل واحد من سائقيها قصة ولسائق سيارة التنتة الخاصة بنقل الركاب بين الخالص وناحية هبهب قصة طريفة ويدعى ذلك السائق (حسن أبو الورد) والتسمية تلك الورد قد ورثها من أبيه صاحب مقهى في سوق الخالص يقف دوما أمام المقهى وهو مخمور ويطلق كلمة ورد على كل من يمر من أمام مقهاه سواء كان رجلا أو امرأة ولا ينزعج منه أحد بل يتلقون تلك العبارة الجميلة بكل مرح وترحاب حتى أطلق أهل الخالص على تلك العائلة بيت أبو الورد والسائق حسن أبو الورد خير من مثل أبيه وبزه في شرب عرق هبهب فقد كان يعبأ غالونا من ذلك العرق ويتركه بين قدميه في السيارة ويأخذ منه جرعات خلال ذهابه وإيابه ويقوم (بتفويله) كلما فرغ كما يقوم في (تفويل) خزان سيارته بمادة البنزين,  لقد أطلقت تسمية ظريفة على عرق هبهب (القجق) وهي (عرك أبو الواوي) ويعود سبب تلك التسمية إلى أن بعض أصحاب بساتين هبهب يقومون بتخمير تمر الزهدي في بساتينهم ويتركون اواني العرق مكشوفة في البستان وتأتي الواوية ليلا تقرع ما يكفيها من ذلك العرق يجعلها تنشد (واوي) حتى الصباح, كما أن ذلك العرق لم يبذخ عطاءه على الواوية فقط فقد شمل الدواب أيضا كالحمير والغنم والبقر وقد كنت حاضرا مشهد احتفالية تقوم بها مجموعة من البقر والحمير بعد شربهم عرق هبهب مجانا إذ  كنت حينها في زيارة لأحد أصدقائي من طلاب متوسطة الخالص ومن سكنة ناحية هبهب وخلال وجودي معه مساء ذلك اليوم  جلب انتباهي منظر مجموعة من البقر والدواب  عند عودتها  وهي تترنح في مشيتها وتهز رؤوسها يمنة ويسرة وسألت صاحبي عن سبب ذلك وهل أن تلك الابقار والدواب  مريضة فضحك وقال لي كلا إنها نشوى بعرق هبهب الذي تحصل عليه مجانا وبسهولة دون رقيب أو حسيب حيث  نسمع خوارها الغزلي المتبادل بين بقرة سكرانة وحبيبها الثور السكران طول الليل, لقد قيل بهذا الصدد إن بعض أصحاب البساتين وخاصة من كبار السن  يتبارون فيما بينهم في أي منهم يتمكن من ارتشاف كيلة دفعة واحدة من عرق هبهب الحار وبدون ثلج والكيلة تعادل بطل كامل وهنا اذكر وليس نقلا عن أحد بأن بعض طلاب متوسطة الخالص والذين هم من ناحية هبهب يأتون صباحا إلى المدرسة بواسطة دراجات هوائية والغريب أن البعض منهم وخاصة ممن قد تجاوز عمره عشرين سنة  يأتي إلى المدرسة بعد أن أخذ جرعة من عرق مدينته العريقة بعرقها ليمنحه قوة وسرعة في قيادة دراجته الهوائية لكي  تشعره بأنه يحلق في الهواء.         

 إن البعض يلومني حاليا بقولهم لماذا اتجهت مثل هذا الاتجاه الذي بسببه تعرضت للسجن والاضطهاد والتعذيب والخوف والترهيب لفترة طويلة من عمرك وأقول كيف لا أكون ذلك وإن جميع من عاصر تلك الحقبة من شباب العراق وهم  في مقتبل العمر سلكوا هذا الدرب بالرغم من كونه شائكا وهم يدركون أن ثمنه سيكون باهضا جدا وكيف لا ما دام الثمن هو من أجل حرية الانسان وتحقيق رفاهية الشعوب المضطهدة ونشر مفاهيم العدالة والوئام والسلام في العالم اجمع أضف إلى ذلك ما شاهدته وما تعرفت عليه في تلك الفترة من عمري من ظلم واضطهاد وتعسف في حق من طالب بحرية وطنه لإرساء مفاهيم العدالة والانصاف وتحريره من هيمنة  المستعمر المستحوذ على خيرات وموارد بلاده الغنية , وإلى أسباب أخرى وفصل آخر من مرافئ الذكريات.

                                                                                         

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000