.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الخامس عشر مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

  

في عام 1947 صار عمري أربعة عشرة عاما وأصبح عمر أخي الكبير علي عشرين عاما وأخذ كل منا يتجه أتجاها يتناسب مع عمره وقد يختلف كليا عما هو سائد في الوقت الحاضر لمثل تلك الأعمار, وكنت خلاله قد نجحت إلى الصف الأول المتوسط في متوسطة الخالص التي تظم ثلاثة صفوف فقط من الأول وإلى الثالث, أما أخي علي فبعد نجاحه في امتحان البكلوريا للصف الخامس الاعدادي تم قبوله بدار المعلمين الابتدائية القسم العالي ومدة الدراسة فيها سنتين يتخرج بعدها معلما للتدريس في المدارس الابتدائية أو المعاهد الريفية,  تقع دار المعلمين الابتدائية في منطقة الأعظمية بالقرب من المقبرة الملكية وتشمل أقساما داخلية للطلاب عدا طلاب مدينة بغداد وتؤمن تلك الأقسام المسكن والمأكل مجانا لهم طيلة مدة الدراسة .

كانت الحياة في تلك السنة تجري هادئة في مدينة الخالص ولم تتأثر بما يدور من أحداث وتفاعلات في الوضع السياسي الذي تشهده العاصمة بغداد في تلك الحقبة من الزمن لأن أغلب سكان مدينة الخالص هم  من الأرياف وأكثر رجالها ونساؤها لا يحسنون القراءة والكتابة أي أميين ويعود سبب ذلك لقلة مؤسسات التعليم وانعدام وسائل الاعلام والنشر كالصحف والمجلات والسينمات وقاعات للاجتماعات واقامة الندوات وعدم وجود نقابات عمال بسبب غياب الطبقة العاملة الفعالة وعدم توفر المصانع على اختلاف أنواعها صغيرة كانت أو كبيرة  كما أن غالبية السكان من الفلاحين والمزارعين لا تظمهم نقابة خاصة بهم  ترفع من مستواهم الطبقي ويقتصر الوعي على عدد ضئيل من المثقفين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليدين, لم يطرأ على مدينة الخاص إي تغير منذ ظهورها إلى الوجود وحتى الآن فبقيت تفتقر لكل ما ذكر عدا بعض التغييرات الطفيفة في مجال التربية والتعليم  والشيء الملفت هو أن أكثرية شبابها يلتحقون لسلك الشرطة والقوات العسكرية المسلحة طلبا للرزق, أما بخصوص وضع المرأة فلم يطرأ عليه أي تغيير بسبب العادات الاجتماعية السائدة وتركيبتها العشائرية  منذ مئات السنين, وبعكس ما نجده في العاصمة بغداد التي تتميز ومنذ القدم عن بقية مدن العراق بمعالم حضارية مهمة منها انتشار وسائل النشر والطباعة وعدد لا بأس فيه من سينمات ومسارح ومجموعة  من الصحف والمجلات  العريقة منها صحيفة الاخبار والبلاد لصاحبها الاستاذ رفائيل بطي وصحيفة الزمان لصاحبها الأستاذ توفيق السمعاني وصحيفة الأهالي لصاحبها الأستاذ كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي وصحيفة الاستقلال لسان حال حزب الاستقلال لصاحبها الأستاذ محمد مهدي كبة وكانت تلك الصحف تظم عددا كبيرا من المثقفين والشعراء والكتاب الذين يوافونها بالمقالات الأدبية والسياسية على الدوام  ومنهم  من كان منتميا لأحزاب وطنية معروفة آنذاك , إن أهم المجلات التي كانت تصدر في تلك الفترة مجلة (حبزبوز) لصاحبها الكاتب نوري ثابت ومجلة (قرندل) عن فرقة الزبانية التي تقدم مسرحيات ساخرة ومن أعضائها البارزين  حميد المحل وفخري الزبيدي وإن المجلتين المذكورتين تتميزان بطابعهما الفكاهي والساخر تنتقد السلطة الحاكمة بالمقالات والصور (الكاريكتورية), إن هذا الكم الكبير من وسائل الاعلام والنشر اضافة لنخبة المثقفين والشعراء والكتاب والسياسيين قد تميزت به بغداد عن بقية مدن العراق وخاصة  بحراكها السياسي والذي كان يصب معظمه من أجل تغيير الأوضاع وانتقاد السلطة الحاكمة بشتى السبل والوسائل منها الدعوة للاحتجاجات والمظاهرات التي تقودها وتوجهها أحزاب سواء كانت علنية أو سرية  يتواجد كوادرها وزعماؤها في بغداد, لم يكن تأثير ذلك التوجه مقتصرا على سكنة مدينة بغداد فقط فقد أنتشر أيضا إلى أماكن ومدن أخرى وبنسب  محدودة  وسبب  انتشاره هو وصول أكثر الصحف والمجلات إلى تلك المدن وبما تحمله من أخبار ومقالات تحرض على تعرية الأوضاع الفاسدة والمتدهورة المتمثلة بالثلاثي البغيض (الفقر والمرض والجهل). إنني بدأت في ذلك الوقت وتحت تلك الحياة القاسية أتأثر بما أقرأه من مقالات في الصحف والمجلات وما أسمعه من أخبار محلية وعالمية من الإذاعات ومنها إذاعة موسكو ولندن وبعض الإذاعات العربية المختلفة إضافة لمتابعة (منلوجات) عزيز علي الساخرة التي يلقيها من اذاعة بغداد مساء كل يوم أربعاء بعد نشرة أخبار الساعة الثامنة وكانت غالبية سكان مدينة الخالص ينتظرونها أيضا وإن جميع مقاهيها تكتظ في تلك الساعة بالرجال والشباب لغرض الاستماع اليها فتحرك مضامينها عندهم الروح الوطنية.

 عند التحاقي إلى مدرسة الخالص المتوسطة وجدت أن الأجواء تختلف فيها كليا عما عهدته في المدرسة الابتدائية وخاصة فيما يتعلق بطاقم المدرسين فهم أساتذة أكفاء من خريجي الكليات وإن الدروس التي وجدتها فيها تختلف  عما تعلمته في الابتدائية وخاصة فيما يتعلق بدروس الفيزياء والكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية التي لم نتعلم منها هناك سوى كتابة وقراءة حروفها وأرقامها وأذكر هنا  بمناسبة درس اللغة الإنجليزية في المتوسطة فقد تنسب لتعليمنا إياها الأستاذ طاهر البياتي وعند بداية مباشرته  نصب له بعض الطلبة  المشاكسين شركا خلال  دخوله إلى صفنا وذلك بوضع حصاة كبيرة فوق حافة السبورة بحيث  تسقط على يده بمجرد محاولته الكتابة على السبورة إلا أن فطنة الأستاذ طاهر العالية وتجربته الطويلة مع مثل هذا النوع من المشاكسات فقد  شاهد الحصاة ورفعها من مكانها وألقاها بكل هدوء خارج الصف وتوجه بالقول إلى الصف  بصوته الأجش ( هاي ما نجحت سو غيرها) ومن ذلك الحين وجدنا فيه تلك الشخصية الراقية والمؤدبة والتي يخجل منها جميع الطلاب كما وجدنا في أسلوبه في تعليم اللغة الإنجليزية طريقة مختلفة  مكنتنا أن نتقن كل ما كان يقدمه الينا من مواضيع وكان يستخدم أحيانا سبلا مشوقة للتعليم ومنها  استعمال النكات و((الحزورات) باللغة الانجليزية اضافة لإقامة السفرات خارج المدرسة مما أدخل في نفوسنا البهجة ودفعتنا للاهتمام  بتلك اللغة حيث بقيت راسخة في ذاكرتي إلى الآن واعتبر ما اتقنه حاليا من مفردات انجليزية هي حصيلة الدروس التي علمني اياها  ذلك الأستاذ الكبير طاهر البياتي فشكرا له لكونه قد علمني حرفا وملكني دهرا.

من المتغيرات التي وجدتها في المدرسة المتوسطة هي إقامة بعض الفعاليات التي لم نعهدها سابقا منها دعوة وجهتها إدارة المدرسة لإصدار نشرة جدارية يساهم في كتابة مواضيعها الأدبية والعلمية جميع الطلبة والأساتذة والغرض منها رفع مستوى الطلبة العلمي والثقافي وقد أعلنت الإدارة عن  تخصيص جائزة مهمة لمن يفوز باختيار اسم للنشرة وكعادتي في مثل هذه الحالات ذهبت إلى مكتبة الخالص العامة وأخذت انبش في بطون الكتب والمجلات علني أجد اسما مناسبا وبالفعل فقد اخترت اسم (حديقة الأفكار) ليكون عنوانا لها ولكن الامر الغريب والمحزن هو أنني لم أقدم هذا الاسم إلى  اللجنة المختصة  بل اعطيته لأحد أصدقائي واتذكر اسمه يعرب وعند فرز الأسماء فاز اسم (حديقة الأفكار) وتم منح الجائزة وهي مجموعة من كتب ثمينة للفائز المزيف الطالب يعرب وقدمت له الجائزة خلال احتفالية يوم الخميس لرفعة العلم ولكم أن تتصوروا  مدى الإحباط والأسف  الذي اعتراني وأنا اشاهد جائزتي تذهب إلى غيري في وقت لم يصرح صائدها بأن من اختار هذا الاسم هو لطفي شفيق ولا هي من نصيبه وعلى اقل تقدير كان عليه أن يشكرني عرفانا بالجميل  وهذه هي واحدة أخرى من خيباتي, إن التأثير السيء الذي سببته تلك الحادثة لم يتوقف عند هذا الحد فقد امتد بعد المباشرة بإصدار النشرة فقد تم اختياري ضمن اللجنة الفنية التي تقوم بكتابة وخط عناوين المقالات وانتقاء الرسوم المناسبة لتلك المواضيع وباشرت اللجنة عملها وكان من أعضائها الخطاط المتميز الطالب عدنان محمود والذي كنا نلقبه (أبو عندول) وهو يكبرني عمرا وهي ظاهرة تبدو واضحة على بعض طلاب المتوسطة ومنهم من كان عمره قد تجاوز العشرين سنة, لقد صدر العدد الأول واليتيم من نشرة حديقة الأفكار وكان من ضمن محتوياتها صورة ( كاريكتورية) على شكل معادلة رياضية ابتكرتها تشير إلى عملية حسابية من حاصل  جمع اثنين من المدرسين المتميزين بضعف اجسامهما لتكون النتيجة تساوي أستاذا كبير الجثة والحجم مما اثارت حفيظة  المدرسين الثلاثة ورفعوا شكوى لإدارة المدرسة  وتقرر خلالها فصل أعضاء اللجنة الفنية لمدة أسبوع وبضمنهم (الكاريكاتريست) لطفي شفيق وهكذا اصابني ما أصاب من تلك النشرة  ومن حسن الصدف تم استبدل القرار بمنع صدور النشرة نهائيا وقد صدر القرار الجديد  بتدخل مدير المدرسة الأستاذ فؤاد عباس الحبابة الذي يتميز عن باقي المدرسين بالانفتاح والتطور الحضاري  باعتباره خريج الجامعة الامريكية في بيروت ومن ميزاته  تلك ما كان  يظهر على قيافته فقد كان يأتي إلى المدرسة معتمرا قبعة أجنبية وهي من المظاهر النادرة والغريبة عند أهل الخالص في ذلك الوقت حتى أن الطلبة  قد اطلقوا على قبعته  تسمية غريبة وهي (طبليه) والطبلية في معجم المعاني تعني منضدة صغيرة واطئة ومدورة من الخشب بحجم صينية تقديم الشاي لدرجة أنهم  كانوا يرددون عبارة( (المدير لابس طبليه),  إن ايقاف صدور تلك النشرة ومحاولة توجيه عقوبة لمحرريها هي  ظاهرة أولى من مظاهر كبت حرية  الرأي في ذلك الوقت و الابتعاد كليا عن مفاهيم الديمقراطية التي سبقنا فيها  فلاسفة الاغريق واليونان في تعليمها لتلامذتهم قبل آلاف السنين,  إن من وقف ضد تلك الإجراءات التعسفية  هو مدير المتوسطة الاستاذ الشاعر فؤاد عباس الحبابة الذي كان يعي ويفهم معنى الديمقراطية وقد طبقها على نفسه قبل غيره من الناس و كثيرا ما كان يخرج عن المألوف السائد والمتعارف عليه  في حينه ومن اهتماماته في هذا المجال أن استقدم في أحدى المرات آلة (كرامفون) على شكل حقيبة صغيرة مع عدد من أسطوانات موسيقى كلاسيكية عالمية  أخذ يسمع انغامها لطلبة الصفوف الثلاثة  خلال بعض الدروس الفنية مع شرح واف لكل مقطوعة واسم مؤلفها المشهور, حدث ذلك في عصر لم يكن يعرف أكثرية الناس فيه من هو بيتهوفن أو شوبان وموزارت.

إن مدينة الخالص بطابعها العشائري لا تختلف عن بقية المدن العراقية التي تكون غالبية سكانها من هذا النوع لذلك فإن حالات القتل العمد شائعة بشكل لافت في ذلك الوقت  وخاصة في حالات أخذ الثأر ومن تلك الحالات حالتين وقعتا أمام ناظري واحدة منهما عند خروجي من المدرسة بعد انتهاء الدوام فقد صادف أن أحد الأشخاص كان يمشي أمامي ويتدلى من يده بطل نفط أحكم فوهته بفردة تمر وهي عادة شائعة عند أبناء الريف عند نقلهم  النفط  إلى أهلهم بتلك الصورة وفجأة  وعلى حين غرة اقدم شخص آخر فاطلق نار مسدسه على ذلك الشخص فيرديه قتيلا فيسقط أرضا ويختلط دمه المسفوح مع نفط العرب للعرب, والحادثة الثانية جرت في صبيحة يوم جمعة عندما خرجت إلى السوق من أجل أن اشتري اللحم وخلال وجودي أمام حانوت القصاب انطلقت عدة اطلاقات من بندقية أردت أحد الأشخاص قتيلا من الذين كانوا يرمون شراء اللحم أيضا فسقط  بالقرب مني مضرجا بدمه الذي اختلط بدماء الخراف المذبوحة والمسفوح دمها أمام حانوت القصاب وبعدها  توارى الفاعل بين اعداد الناس الغفيرة التي جاءت للتبضع في السوق وإن المتعارف عليه في مثل تلك الأمور أنه لا يجرأ أحد من الموجودين خلال الحادثة  بألقاء القبض على القاتل  أو الاخبار عنه  مجنبا نفسه من الوقوع  في شرك أخذ الثأر أيضا.

هنالك العديد من الصور الرهيبة والغربية قد شاهدتها بأم عيني في تلك الفترة قد تكون أكثر بشاعة وغرابة من أن يشاهدها من هو في مثل عمري أو أصغر منه بكثير وهو أمر شائع في العراق على مدى قرون طويلة مما تركت أثارا عميقة في نفوس الأطفال على وجه الخصوص وعلى المجتمع عموما ولا يمكن التخلص من آثارها طيلة فترة حياتهم ومن ذلك أيضا ما تركته تلك الصور في مخيلتي واستقر بعضها في ذاكرتي وإنني أتساءل بهذا الصدد (هل أن للماضي المثخن بعادات حيوانية شرسة عبق لدرجة أننا نتوق اليه أم بسبب أن الحاضر أمر وأدهى منه؟ ومن ذلك الماضي ما سأنقله في الحلقة السادسة عشر من مرافئ الذكريات.                              

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000