.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الرابع عشر من مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

تدحرجت السنوات والأيام تباعا ورتيبة والعمر أخذ ينحو نحو البلوغ وذلك بانتهاء العام 1946 وابتداء العام 1947 وخلال هذه الحقبة الزمنية جرت أحداث منها مهمة ومنها ليست بدرجة من الأهمية والمهمة أخذت مكانتها في الذاكرة طيلة مديات العمر ومنها ما كان يتعلق في استقرار الأهل وانتقالهم من بيت السيد (علي الكرادي) المتهالك إلى بيت يختلف جزئيا عنه وخاصة في عدد غرفه ومنها غرفة تهمني بالذات  في مجاز البيت, إن  التغير المهم الذي شعرنا به هو وجود كهرباء وماء في البيت الجديد وبناء على هذا التغيير تمكنت من  أن أحصل على راديو بسيط اشتريته بخمسة دنانير من أحد الأصدقاء  ويشتغل حسب مزاج القوة الكهربائية بالارتفاع والانخفاض لقد  قلت أن غرفة المجاز كانت تهمني فقد امضيت فيها أكثر أوقاتي وخاصة عند حلول وقت المساء وما  تجود به الكهرباء من فولطية عالية  تساعد على تشغيل الراديو لاستمع للأخبار واستمتع  بأغاني الزمن الجميل  من محطاته المعدودة, كانت في مجاز البيت حنفية ماء فوق حوض اسمنتي صغير وقد وفرت لي تلك الحنفية خلسة حلوة لأختلس النظر من غرفتي لشابة في مقتبل العمر مكتنزة وريانة  تأتي لعدة مرات في المساء لكي تملأ سطلا بالماء من تلك الحنفية وخلالها ترتفع عندي الدرجة التي تفرضها حالة المراهقة وأنا اسرق النظر تحت الضوء الخافت الذي ينعكس من غرفتي على جسمها ونهديها النافرين كلما انزاحت عباءتها عنهما إلا أنني أبقى متسمرا على كرسيي وترتعد فرائصي خوفا مما لا يحمد عقباه لسببين الأول خوفي من افتضاح أمري في حالة قدوم أحد من أهلي وثانيا لكون تلك الشابة وقحة جدا  وتتصدى لكل من يتعرض لها من الشباب بالسب والصراخ وإذا تطلب الأمر فإنها تلجأ لاستخدام هراوة (توثية) تكون جاهزة قرب باب بيتها وإن  ذنبها من كل تلك التحرشات أنها كانت جميلة ومثيرة لدرجة تلفت أليها الانتباه ولهذا السببين فقد كنت اكتفي برسم صورة لجسمها في مخيلتي إلا أن تلك الصورة سرعان ما اختفت  بعد أن انتقلنا إلى دار ثالثة شبه حديثة تقع في بداية الزقاق وترتفع عن الشارع بدرجتين وتوجد عند مدخلها غرفتان على يمين ويسار المجاز وإنها مبنية  بالطابوق ومجهزة بالماء والكهرباء وكان يشغله قبلنا الدكتور (عبد الغني الجرجفجي) ولهذا وجدناها نظيفة ومرتبة, لقد اصبح الحصول على جهاز راديو جيد متيسرا وبدأت بعض محلات الخالص تبيعها ولكن أسعارها تعتبر غالية بالنسبة لراتب الوالد و لكن أمر الحصول على راديو جيد قد تيسر عن طريق الصدفة أيضا ففي أحدى زياراتي لدكان أبو صديقي طارق سألته عن كيفية الحصول على راديو بسعر زهيد فأخبرني أن لديه صديق في سوق الهرج ببغداد يبيع (الراديوات) بالتقسيط وزودني باسمه وعنوانه مع رسالة شخصية منه فأخبرت الوالد بالأمر ووافق وطلب مني الذهاب إلى ذلك الشخص بعد أن منحني مبلغ دينارين ونصف وذهبت إلى بغداد وبالفعل وجدت الشخص المعني وعرضت عليه الأمر ورسالة صديقه (أحمد خزعل) والد صديقي فرحب بي وعرض علي عدة أنواع واشكال من (الراديوات) وانتقيت راديو فيلبس كبير الحجم شغله أمامي وذكر أن سعره عشرون دينارا وبقسط شهري قدره دينارين وبمقدمة دينارين أيضا فوجدت ذلك مناسبا وسلمته الدينارين التي اعطاني أيها الوالد وكتب باسمي كمبيالات على أن  أسدد مبلغ كل كمبيالة في رأس كل شهر, أخذت الراديو فرحا بما أنجزته علما أن هذا الإنجاز قد تم وعمري لم يتجاوز الرابعة عشرة سنة  وهو ما يثبت حسن تربيتنا في ذلك الوقت, وصلت إلى بيتنا في الخالص واستقبلت استقبال المنتصرين واعجبهم ذلك الراديو الذي يشتغل حتى لو انخفضت قوة التيار الكهربائي وبدأ يلعلع صوته لسابع جار.

خلال العام الدراسي 1946 -1947 بدأ أخي علي يؤدي امتحان البكلوريا للصف الخامس الاعدادي القسم الأدبي في الثانوية المركزية في بغداد أما أنا فقد أنهيت امتحان البكلوريا للصف السادس الابتدائي وكعادتي أذهب ظهر كل يوم إلى محل السيد( محمد غني) لجلب صحيفتي الأخبار والزمان حسب طلب الوالد وهنا أذكر الحدث المثير والرهيب الذي هز كياني وكدت أفقد صوابي خلاله  فكان من عادتي أن اتصفح عناوين الصحيفتين خلال عودتي إلى البيت وفي هذه المرة  جلب انتباهي عنون مثير في حقل الحوادث في صحيفة الزمان ومفاده كالتالي: (لقد توفي صباح اليوم الخميس الطالب علي شفيق سعيد خلال إدائه امتحان البكلوريا في الثانوية المركزية) ونزل ذلك الخبر على رأسي نزول الصاعقة وأصابني الخوف وأخذت أفكر كيف سأنقل الخبر لأهلي وخاصة والدتي التي لا تتحمله  وعدت إلى البيت  محاولا إخفاء الخبر لحين عودة والدي من الدائرة إلا أن حاتي وارتباكي وما عكست عنه قسمات وجهي  من علامات حزن إضافة  للدموع التي كانت تترقق في عيني جعلت والدتي تنتبه لها وتسألني عما جرى وسبب حالتي تلك وعندها لم اتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء وبينت  بصعوبة بالغة وبصوت متلعثم ما جاء  في الصحيفة  وما هي إلا  لحظات حتى راح كل من في البيت يصرخ ويبكي ويلطم الخدود وخاصة الوالدة التي أغمي عليها من هول الصدمة وعند عودة والدي من عمله عند الساعة الواحدة ظهرا على اعتباره دوام يوم الخميس شاهد الوجوم والحزن يخيم علينا جميعا  وبعده انطلقت الوالدة بالبكاء لتخبره بما جاء في تلك الصحيفة وأخذها وقرأ فحوى ذلك  الخبر إلا أنه لم ينهار ولم يرتعب فقد فكر بروية وهوما عهدناه فيه بمثل تلك المواقف واقترح علي أن أذهب حالا إلى بيت خالتي في بغداد لتقصي الخبر وأن أبعث برقية بعنوان مدير البريد شخصيا السيد (عبد الرحمن) وأنه سيذهب إلى داره ينتظر هناك وصول البرقية ومنحني بعض المال لهذا الغرض وذهبت مسرعا إلى كراج (دلتاوه -بغداد) ومن حسن الصدف وجدت سيارة (الحاج محمد) الصالون الجديدة  تكاد أن تنطلق إلى بغداد وتوسلت اليه وهو يعرفني ويعرف والدي وطلبت منه أن يقلني مع الركاب فأمن لي مكانا على كرسي خشبي صغير أمضيت عليه الوقت كله وأنا لا أشعر بطول الطريق وكل ما كان يدور في ذهني كيف أنني سأتلقى الخبر الرهيب,  وصلت إلى بغداد وتوجهت توا إلى بيت خالتي وعند دخولي اليها وجدت أن كل شيء  هادئ ولا يوجد ما يشير إلى أمر جلل  فبادرت الخالة بالسؤال :(أين أخي علي؟) واستغربت من مجيئي المفاجئ والسؤال عن أخي وشرحت لها السبب وطمأنتني وقالت أن علي الآن في حديقة المعرض القريبة وأنه يراجع درس امتحان يوم السبت وبما أنني اعرف مكان تلك الحديقة فقد انطلقت متوجها اليها لملاقاته  والتأكد من سلامته وفي منتصف الطريق التقيت بأخي وهو يدندن بواحدة من أغنيات محمد عبد الوهاب فحضنته وقبلته واستقبلني بهدوئه المعهود ولم يستغرب من وجودي في هذا الوقت المتأخر في بغداد ضنا منه بأننا قد جئنا جميعنا إلى بيت الخالة وهو أمر عادي يتكرر في كل عطلة ومناسبة, وأخبرته عن سبب مجيئي فاستغرق بالضحك وقال قد يكون ذلك مقلبا من أحد الأشخاص وقلت يا له من مقلب خطير وعندها طلبت منه أن نذهب إلى دائرة البرق والبريد الكائنة بالقرب من الثانوية المركزية وهي دائرة قديمة يعود بناءها وتأسيسها منذ الاحتلال البريطاني للعراق عام 1918  وبالفعل ارسلنا برقية بعنوان مدير بريد الخالص السيد (عبد الرحمن) المعروف عند جميع دوائر بريد العراق باسم (حجي بريد) وكان هذا الاسم يكفي بإرسال البرقية بصورة مستعجلة ووصولها  في وقتها وحسبما خمنه والدي الذي كان ينتظرها في بيت (حجي بريد) وكان مضمون البرقية مختصرا وهو: ( علي في صحة جيدة) ثم أخذني أخي علي بعد هذا المارثون من السفر والخوف والقلق إلى أحدى دور السينما باعتبار أن اليوم الثاني هو جمعة ولا توجد فيه امتحانات  لمشاهدة فلم أجنبي لم اتابعه بسبب انشغالي والتفكير بوضع أهلي في ذلك الوقت وبعدها عدنا إلى بيت الخالة لأقضي فيها ليلة هادئة وأعود صباح اليوم التالي إلى الخالص وكان يوم جمعة ووجدت أن الأفراح والبشائر قد عمت جميع الأهل وأوصى الوالد بشراء خروف لذبحه قربانا لوجه الله وأن يوزع  لحمه على الجيران وبعض المحتاجين وذلك لسلامة أخي علي وتكذيب إعلان خبر وفاته الغامض في الصحيفة الذي لم نتوصل إلى من دسه للآن.         

 ومن الأحداث المثيرة التي لا زال وقعها وصورتها راسخة في مخيلتي وألوم الصدفة أيضا التي جمعتني في مكانها والتي عكست منظرا رهيبا ومؤثرا لموت معلن لإنسان فقير يعمل في ماكنة طحين الخالص الكبيرة التي يسمع دوي دواليبها وصوت اشتغالها من مسافة بعيدة وقد جرت تلك الحادثة عندما قررت زيارة بيت صديقي علي عداي الذي تربطني وأياه أمور مشتركة منها الرسم وتداول النكات والكلمات التي تدور حول جمال  فتاتين يقع سكناهما بالقرب من داره ونكتفي بالتطلع إلى جمالهما وزرقة عينيهما وبياض سحنتهما ويمضي ذلك  بالصمت الرهيب وكل ما نحظى من تلك المغامرة هو أن يرسم كل واحد منا تلك الوجوه ونتبارى أي منا قد اتقنها ومن الطريف أننا قد ابتكرنا مادة لتلوين الصورة وهي مزج معجون الاسنان مع الألوان المائية باعتقادنا أنه يكون بديلا عن الألوان الزيتية ولكن أملنا يخيب عندما تجف تلك المادة المكتشفة وتضيع معالم الصورة كما ضاعت معالم تلك الفتاتين بعد مرور الزمن, أعود للحدث الذي صادفته خلال توجهي إلى بيت صديقي علي عداي وهو ما أن وصلت بالقرب من ماكنة الطحين حتى رأيت جمهرة من الناس تتجمع أمام مدخل الماكنة وتتطلع إلى شيء في الأرض وإن صوت الماكنة قد توقف ودفعني الفضول للتعرف عن ذلك الشيء الملقى على الأرض خارج الماكنة و يا لهول وبشاعة ما شاهدت فقد كان جسد واحد من عمال الماكنة الفقراء وقد تمزق اربا لدرجة أن أضلاع قفصه الصدري برزت خارج جسده بعد أن انفصلت من مكانها في عضم القص ويظهر أن ذلك المسكين كان يروم أن يعبر من فوق حزام دولاب الماكنة الكبير خلال اشتغالها فاشتبكت دشداشته في حزام الدولاب الكبير وأخذه للدولاب عدة مرات وتهشم جسمه بالشكل الذي رأيته به ثم اخراج  إلى (فضاء الحرية) وأسجي جسده فوق (كونية) من كواني الطحين الفارغة ليعلن  للملأ الحاضر الذي يشاهد منظره ( كيف يموت الفقراء بعد صمت وعناء). وبهذا الإعلان الحزين اتوقف إجلالا لأرواح جميع الكادحين الذين يهبون فرق جهدهم وأعز ما يملكون في الحياة للأغنياء الأغبياء من أجل الحصول على زوج نعال أو كسرة خبز يطعمون بها أطفالهم المسحوقين فإلى الفصل الخامس عشر وغد أفضل ينعم فيه أبناء العراق الفقراء الأصلاء.


لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000