.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الثاني عشر مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

مضى العام الدراسي 1945- 1946 وخلاله أنهيت الدراسة في الصف الخامس الابتدائي وانتقلت إلى الصف السادس وبذا فقد بلغت من العمر ثلاثة عشرة سنة وقد امضيت تلك الفترة بين دوام المدرسة الصباحي والظهري وبين بيتنا القديم المتهالك والذي يحتوي على طابق واحد  وغرفة واحدة وطارمة ومجاز ودرج مبني من الطين ولا يحيطه دربزون ويؤدي إلى سطح غير مرصوف ترابي, إن أكثر ما كان يشغلني ويقلقني من ذلك البيت هو حائطه الذي يفصلنا عن الجيران والذي مر ذكر وصفه سابقا, والأمر المخيف هو ميلانه باتجاه بيتنا ويبدو كأنه سينهار بين لحظة وأخرى وأذكر في مرة سمعت أمي تستغيث وتطلب مساعدتي بسبب مشاهدتها أفعى تنام في أحد شقوق ذلك الحائط وقد التقطت فأسا وتمكنت من قتلها بعد أن غرست نصل الفأس في رأسها حتى اجهزت عليها وكانت تلك الافعى رفيعة وبطول متر تقريبا, إن تلك الحادثة قد أثرت في نفسي وشعرت لأول مرة بأن لي القدرة على التحدي وعدم الخوف حتى أنني كنت لا أعبأ بما يحتويه ذلك البيت من خنافس وخفافيش وجرذان لدرجة كنت امسك خنفسة أو جرادة أخيف فيها بعض أخوتي ويهربون من أمامي عند مشاهدتها في يدي وخاصة أختي علية التي تكبرني بسنتين  فقد كانت تخاف من تلك الحشرات وخاصة العناكب.

بدأت العطلة الصيفية الجديدة وبدأت معها أيام اللعب واللهو الطفولي البريء بالإضافة لأيام الجمع وما بعد دوام أيام الخميس خلال الدوام المدرسي وكان لعبي يقتصر مع أصدقائي في محلتنا ومن تلك الألعاب التسابق بالركض حول الأزقة المحيطة بزقاقنا ولعبة كرة القدم وهنا أتذكر نوع الكرة التي تمكنا الحصول عليها وهي (مبولة) خروف غسلناها ونفخناها  بهواء زفيرنا وبدأنا نعلب فيها غير مبالين بما تحمله من مخاطر, ثم تطور الأمر بعد حصولنا على كرة (جبن) صغيرة والتي تستخدم في لعبة كرة  (التنس) أما الحصول على كرة قدم أو طائرة حقيقية فقد كان متعذرا بسبب غلاء ثمنها وعدم توفرها في مخازن مدينة الخالص, ومن بعدها تطورت هواياتي واتجهت لتعلم قيادة دراجة هوائية وتم لي ما أردت وذلك بتأجيرها من صاحب محل قريب من بيتنا يؤجر الدرجات مقابل أربعة فلوس للساعة الواحدة وأتذكر أنه خلال محاولاتي الأولى للتعلم قد حدثت لي مواقف محرجة ومضحكة ومنها عندما لم أتمكن من توجيه الدراجة والسيطرة عليها مما تسبب أن أصدم أعرابيا ودخلت عجلة الدراجة الأمامية  بين ساقي الرجل وما كان منه إلا (سمطني) بضربتين من عقاله ووليت هاربا مع دراجتي والحادثة الأخرى هي أنني وجدت نفسي مع الدراجة داخل مجاز بيت عبد العدوان وهو بيت جيران لنا فهرعوا ليتبينوا مصدر صوت الارتطام وما أن رأوني حتى ضجوا بالضحك علي وأنا ممدد بالأرض مع دراجتي ولكن ثمن تلك المفارقات هو أنني أصبحت متمكنا من قيادة دراجة هوائية لدرجة تمكنت خلالها من القيام بحركات بهلوانية عليها إضافة لقيادتي السريعة والتسابق بها مع أصدقائي, ومن طرائف ما كنت أقوم به من مقالب هو السطو على سطح جيراننا  لا من أجل السرقة بل من أجل الوصول إلى عش لقلق كان قد بنى عشه هناك فأنزلناه منه وقد شاركني في هذه المهمة الخبيثة صديقي المفضل جمال رشيد وأخذنا الطائر المسكين والأليف إلى الشارع وقد أمسك كل واحد منا بطرف من جناحيه وأخذنا نستعرض به داخل السوق وهو يمشي معنا ناشرا جناحيه ويتلفت إلى الناس الذين أصابتهم الدهشة مثلما اصابته هو أيضا, وبخصوص اللقلق الطير المسالم هناك قصة حدثنا بها أمنا ضمن القصص العديدة التي كانت تقصها علينا في ليالي الشتاء إن طير السند وهند (السنونو ذو الجناح الأسود) قد خدع اللقلق وورطه بالقدوم إلى عشه القديم قبل أن ينتهي فصل الشتاء فيبتل بماء المطر مما يدفعه للصراخ واللقلقة بصورة مستمرة ثم يخفي رأسه بين جناحية وإن هذه الحالة هي التي مكنتنا من مباغتته والإمساك به عندما وجدناه يخفي رأسه بين جناحيه.

إن فترة اللعب ومرح الطفولة قد أبعدتني كليا عن الاهتمام بالجنس الآخر إي الفتيات وخاصة من هن بعمري ولم أفكر يومها إلا بأصدقائي من أولاد المحلة وأقضي أوقات اللعب معهم, إلا أن أمرا غريبا قد حدث لي وبشكل مفاجئ ومن دون ممهدات فأثناء لعبي مرة بكرة القدم الصغيرة ومطاردتي وركضي للحصول عليها تسمرت في مكاني وقد اختفت فجأة  جميع المناظر والاشكال من مباني واشخاص والفريق الذي كنت العب معه وحلت أمام ناظري  بدلا عنها منظر عينين واسعتين سوداويتين غطت المشهد كله وبعد أن مرت ثوان معدودات على تلك الحالة أفقت من غفوتي كمن يستفيق من  حلم لينتقل إلى الواقع فقد تبين لي بأن هناك  فتاة كانت تحدق في وترصدني وظهرت لي جلية وواضحة بالقرب مني وكان عمرها  بعمري تقريبا أي ثلاثة عشر سنة وكانت مليحة وجميلة وأكثر ما شدني اليها هو بريق عينيها الأخاذ وكانت ترتدي عباءة سوداء ودشداشة بيضاء, ومن وقتها تغيرت الكثير من تصرفاتي وبدأت أعتني بمظهري وتسريحة شعري ولا أخرج من البيت بدون حذاء ملمع ودشداشة جميلة وجاكيت أضعه فوق كتفي واتبختر في مشيتي وكل ما ابتغيه هو أن أحظى بنظرة خاطفة من الحبيب الأول وتعتريني حالة غامضة من المشاعر تملأ نفسي بالشوق والأماني بتحقيق أمور عديدة غير معلنة وأهم ما فيها بأنني قد أحببت وإن ذلك الحب يختلف عن حب الأم والأب والأخوة والأخوات وأنه من نوع آخر بما فيه من لذة ونشوة ولا يمكن تقديره في وقتها  حتى أنني أحيانا كنت اربطه بما كنت أسمعه من قصص  الحب التي كان أخي الكبير علي يقرأها علينا مثل روميو وجليت والأميرة والأقزام السبعة وسندريلا وغيرها, إن كل ما كنت أتمكن عليه لممارسة تلك الطقوس هو انتظار مرور الحبيبة من أمام دارنا لأبادلها وتبادلني النظرات الخاطفة بعيدا عن أعين الرقباء لأن ذلك يرتقي إلى درجة الحرام وتكون عواقبه وخيمة في تلك الفترة وفي مجتمع يحلل ويحرم كيفما يشاء وكيفما يروق له, إن كل ما كان يشير إلى تصاعد الشوق بيننا يقتصر أمره بأن ترفع طرف عباءتها بيدها إلى أعلى إشارة للتحية وأردها بابتسامة خفيفة من دون همس أو كلام, لقد تمكنت من تطوير العلاقة بيننا بأن صنعت قيثارة من قطعة خشب ثبت عليها مسامير ربطت فيها اسلاك معدنية تطلق انغاما رتيبة وتكون مزعجة أحيانا لبعض سامعيها ودفعتني جرأتي أن جلس على دكة بيتهم وأبدأ بالعزف متصورا بأنني واحدا من الفنانين الكبار وهو يعزف مقطوعة بعنوان (الحب الأول العذري) وأهم ما فيه هو أن تتوج بمعرفة اسم كل واحد منا وبطريق الصدفة أيضا, فحدث ذلك  خلال واحدة من وقفات الانتظار أمام الدار وعند وصولها بقربها  ناداني أبي باسمي بصوت عالي وجهوري لطفي بحيث وصل صوته  إلى مسامعها وفرحت في قرارة نفسها لأن عرفت اسمي الذي  يتطابق مع اسمها وهو لطفية ولكن ما كان يجمعنا في ذلك الوقت من  بهجة وانشغال البال انتهى إلى هذا الحد وانتهت معه ذكرى قصة حب لطفي ولطفية مثلما انتهت قصة مجنون ليلي وجميل بثينة وروميو وجوليت مع فارق النتائج فقد انتقلت لطفية مع أهلها إلى مدينة أخرى وانقطعت أخبارها تاركة لطفي تملأ قلبه الحسرات والذكريات وبهذه المناسبة ألفت انتباه وعناية الآباء والأمهات في أن جميع الأولاد والبنات في مثل هذا العمر حتى وقبل سن المراهقة يمرون بهذا الدور وبمثل هذا الحب النقي الصامت ويكبتونه في قلوبهم خوفا من افتضاح أمرهم لأنه في مفهوم المجتمع والأهل عيب وخزي فعليهم أن يدركوا بأنها سنة الحياة ومن طبيعة الإنسان الذي هو أرقى درجة  من بقية الحيوانات يمارس هذا الدور بشرط أن تكون الممارسة بحدود التجربة التي ذكرتها.

ومن بعد هذه التجربة انشغلت بتدقيق  تصرفات بعض شخصيات المحلة وجيراننا وما تركوه من ذكريات وأثرا في نفسي  ومن تلك الشخصيات سلمان الخياط الذي تقع دكانته البسيطة بالقرب من دارنا و تقتصر على ماكنة خياطة يجري استخدامها بواسطة قدميه الحافيتين المفلطحتين وهو يقبع خلفها بجسمه السمين داخل دشداشة لا يفارقها دائما ويحمل على كتفيه المكتنزين رأسا كبيرة حاسرة على الدوام بعكس عادات أهل الخالص الذين  يعتمرون (الحدرية) دائما ويعيبون حاسر الرأس ويطلقون عليه عبارة (امفرع), كان سلمان يتقن خياطة الدشاديش الرجالية وبطريقته الخاصة المختصرة جدا وهي أقرب ما تكون إلى عمل كيس له فتحة من منطقة الصدر وبلا (ياخات) مع قطعتين في الجانبين على أساس انهما ردنان ويقتصر تعامله على أبناء الريف القادمين من خارج المدينة ولا تستغرق عنده خياطة دشداشة الخام سوى بضعة دقائق لقاء مبلغ عشرين فلسا عن كل دشداشة, والشخصية الثانية هي شخصية الحلاق أبو إبراهيم ودكانته في وسط السوق المجاور لبيتنا و يرتدي أبو إبراهيم (اليشماغ) الأبيض والأسود مع العقال والسترة والدشداشة وهو إنسان مؤدب ويفرض احترامه على الناس وإن  صالونه عبارة عن دكان يشبه بقية الدكاكين وليس فيه باب أو ما يطلق عليها (جامخانة)  ويحتوي على كرسي واحد ومرآة ومقص وموس حلاقة على الطراز القديم الذي يقوم بحده بواسطة قطعة جلد مثبتة في الحائط وإن أجرة حلاقة الرأس عنده هي عشرين فلسا للموظفين وأبنائهم أما عامة الناس من أهل الخالص فهم يتفقون معه بأن يدفعوا له كمية من التمر في موسم القطاف وما يطلق عليه تسمية (الكصاص) وبشرط أن يحلق لكل رجل وابنائه ممن يعطوه حصته من التمر, وهناك حلاقون تختلف طريقتهم عن طريقة أبي إبراهيم وهم يمارسون حلاقة بعض الرجال الوافدين من القرى على وجه الخصوص في الهواء الطلق وفوق صفيحة معدنية (تنكة) بدلا من الكرسي وبدون مرآة, ومن الشخصيات التي شدت انتباهي أيضا شخصية تلك المرأة التي تمتلك دكانة لبيع الأقمشة وكانت جميلة نوعما وممتلئة وتخطت الأربعين من عمرها  ولكونها امرأة تنافس بقية بائعي الأقمشة في السوق فقد أطلقت حولها شائعات والقاب قبيحة منها (أم غميج) وإنني في ذلك العمر لا أعرف ماذا تعني تلك التسمية وكذلك صديقي نور الدين حسن فارس حيث ارسلته أمه لكي يسأل تلك المرأة فيما إذا كان لديها نوعا معينا من القماش وذهب إليها قائلا(خالة أم غميج) وقبل أن يكمل سؤاله انتفضت  تلك المرأة ورفعت سلاحها عليه وهو أداة قياس الأقمشة الحديدي وهمت بظربه لكنه تمكن من الهرب وعاد ليقص الحادثة ويستفسر عن معنى أم (غميج) الذي أغاض المرأة, وهناك أشخاص آخرون لهم أسماء وصفات فرضت نفسها علي وذلك بسبب وجودهم في حدود مكان سكننا ومنهم أبو زعيان وأم زعيان وهما ضريران  يفترشان الأرض في نهاية السوق لبيع الخضار وبطريقة (برايل) التي يمارسها العميان في القراءة, ومن الشخصيات الأخرى والتي أتردد على دكانه كثيرا أبو زميل لي في المدرسة اسمه طارق وهو يحظر بعد الدوام وفي العطل لمساعدة والده في الدكان وقد صادف في أحد المرات أن تأخر طارق عن المجيء وخلال انتظاري له جاءت فتاة بغية شراء بعض الأشياء من أبي طارق ويبدو على تلك الفتاة سيماء الفقر من ثيابها الرثة وعباءتها الكالحة وإن عمرها قد يكون في السادسة عشر أو أكثر وقد جلب انتباهي تصرف قام فيه أبو طارق وذلك بأن قرص حلمة نهد الفتاة الذي كانت تبرز من شق في ثوبها من مكان الثدي وقد لاحظت ما عكسته تلك الفعلة عليه فقد تراجع إلى الخلف وهو يتلمظ وتعلو وجهه ابتسامة تكشف عن اسنان ذهبية صفراء تعكس فعلته  الخبيثة الصفراء.

عند ابتداء هذه العطلة عاد أخي الكبير علي من بغداد بعد أن اجتاز امتحان الصف الرابع الاعدادي ونجح للصف الخامس وبعودته عادت الينا معالم الحياة المتمثلة بأخبار الفن والأدب وما شاهده وعمله خلال وجوده في بيت خالتي ومنها اتوقف للانتقال إلى الفصل الثالث عشر من مرافئ الذكريات.

                                                                          

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000