.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرافئ الذكريات- الفصل العاشر

لطفي شفيق سعيد

إن أمنا العظيمة تضيف فردا جديدا لعائلتنا في كل مدينة نحل بها فهي كالأرض الخصبة فأول الغيث ولادة لثلاثة ذهبوا إلى بارئهم قبل أن يواصلوا مسيرة حياتهم وهم  بنتان (حورية وملاحت) وولد اسمه (فاروق) توفي نتيجة اصابته  بمرض الخناق (الدفتريا) وبعمر أربعة سنوات, ثم توالت الولادات التي تمسك أصحابها  للبقاء في سدة الحياة وأولهم أخي الكبير علي وتلته أختي علية والثالث هو أنا وكانت حصتنا نحن الثلاثة هو مسقط رأسنا في مدينة  بغداد ومن بعدي جاء سعيد ومسقط رأسه مدينة الخالص التي كانت تسمى (دلتاوه) وولادته فيها كانت خلال المرة الأولى التي انتقل اليها الوالد عام 1934  ثم عاد اليها عام 1945 بنفس عنوان وظيفته مأمور نفوس ولهذا كان أهل الخالص يطلقون عليه  اسم (أبو النفوس) لطول المدة التي قضاها هناك والتي بلغت أربع عشرة سنة للمرتين وتلت سعيد سعدية التي ولدت في مدينة القرنة وتلاها سعدون ولد في مدينة الحي وآخر العنقود رابحة التي ولدت في مدينة كربلاء وإن أخي علي هو الذي أختار لها هذا الاسم متأثرا بشخصية رابحة التي مثلته الممثلة المصرية كوكا في الفلم الذي يحمل نفس الاسم, إنني أتذكر ولادة أختي رابحة وما عانته أمنا من مخاض عسير وصعب لدرجة صعد أخي علي وأختي علية إلى سطح الدار وهما ينادون يا قريب الفرج وأستجيب لدعائهما وكان ثمن تلك المعاناة بنتا جميلة وبصحة جيدة وبولادتها انفتحت لنا أبواب الخير وتغير الحال من الضائقة وندرة الغذاء والصمون المر الذي تجرعناه في مدينة الموصل إلى حياة أخذت تسير بشكل هادئ وتيسر لنا ما احتجنا له من مأكل وملبس, فقد كانت مدينة كربلاء عامرة بأهلها الطيبين ولم أشاهد أو أسمع خلال وجودنا  فيها أي شجار أو صراع  طائفي بين ناسها وجلهم من  الشيعة وبين الأخرين من طوائف أخرى كالسنة والصابئة المندائين و(الأثنيات) المختلفة كالأكراد والتركمان وحتى الوافدين من إيرانيين وأفغان وقد كان بعض الإيرانيين والأفغان يمتهنون مهنة الخبازة وكان سعر رغيف الخبز آنذاك هو أربعة فلوس وهناك أنواع من الخبز منها (التفتوني) المصبع والرغيف الثخين  الذي يصل طوله إلى ثلاثين سنتمترا أو يزيد وكذلك خبز العباس الذي يضاف إليه نوع من الخضروات كالكراث وخبز أبو السمسم وخبز (العروك) الذي يضاف اليه اللحم والبصل والتوابل وللخبز أهمية في حياة العراقيين فلا يخلو بيت عراقي منه وقد دخل اسم الخبز في مضرب أمثال العراقيين منها( يركض وره خبزته ومطلع خبزته وأبو الخبزة وغيرها) فشتان بين خبز فترة الموصل المر وخبز فترة كربلاء الأبيض اللذيذ ويعود سبب ا تحسن الأوضاع  إلى انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحول العالم  لحالة من  الهدوء والاستقرار وانتقال حركة الإنتاج من الإنتاج الحربي المكلف إلى انتاج السلع والبضائع الضرورية والمفيدة.

 إن تحسن الأوضاع قد انعكس على حياتنا أيضا فدخل اليها اللحم والخضروات الطازجة المختلفة والمخللات الكربلائية الشهية وأنواع من الحلويات التي كنا نحصل عليها بأثمان رخيصة مثل الزلابية و)البقلاوه( والساهون وحلاوة الجزر إن كل هذه  المطيبات كنا قد فقدنا طعمها منذ مدة أما (المدكوكة) فنعتبرها أفضل من كل تلك الحلويات  و يمكن  تحضيرها من قبل عامة الناس وتصنع من تمر الزهدي الكسب أي اليابس ويخلط مع السمسم ويوضع الخليط في (جاون) و(الجاون) عبارة حاوية من الخشب الصلب تشبه البرميل يدق فيها الخليط (بميجنتين) والميجنة هي أداة من الخشب على شكل حرف ( تي الإنجليزي) وتقوم فتاتان قويتا البنية بهرس التمر مع السمسم وذلك بأن  تقابل أحداهما الأخرى فتنزل الأولى الميجنة بقوة وترفعها وتعود الثانية لتمارس نفس الدور بالتناوب إلى أن يتماسك التمر ويختلط بزيت السمسم المطحون ومن الضروري إبقاء  نوى التمر لكي يساعد على عملية تماسك (المدكوكة), وللأسماك بأنواعها المختلفة مكانة مفضلة لدا العائلة وخاصة عند الوالد الذي تعود على أكلها عندما كان في البصرة  وغالبا ما تجلب تلك الاسماك من سدة الهندية القريبة من كربلاء ولا يخلو أسبوع من وجودها في وجبة الغذاء عداي حيث كنت لا استسيغ أكل السمك لسببين أوله لرائحته وثانيا لكثرة عظامه الناعمة وكنت حينما أعود من المدرسة في فترة الغذاء وأجد مجموعة قطط (بزازين) تحوم حول باب الدار أعرف أن وجبة الغذاء هي سمك  الذي تنبعث رائحته إلى خارج الدار فأعود أدراجي إلى المدرسة لأكمل الدوام المسائي وإن والدتي تدرك ذلك ولا تقلق على تأخري وتنتظر عودتي فتكون قد هيأة لي وجبتي المفضلة وهي تمن أحمر أو تمن وفاصولية يابسة أو (العروك) وهو عبارة عن لحم مع معجون طماطة وبصل مع  قليل من الطحين ويقلى بالدهن على شكل أقراص صغيرة وخفيفة وأحلى ما في العروك هو عندما تقدم أمي واحدة  منها ألي بعد أن تشكها (بسلية) سعف النخيل فما أحلاها وما أطعمها وباعتقادي إن طعم (همبوركر)   اليوم لا يضاهي طعم (عروك) الأمس؟ أوليس أكلات زمننا البسيطة التي كانت ألذ طعما وأرحم من زمن الوجبات السريعة المعززة   بالمنشطات والمواد الكيميائية؟

 إنني لا أتذكر كيف كنا نقضي يومنا خلال حرارة فصل الصيف وبرودة فصل الشتاء حيث كنا لا نشعر بأية مشكلة أو معاناة  وخاصة عند هطول المطر  فقد كانت إيامنا أشبه بربيع دائم فلا نحتاج إلى مبردة أو دفاية كهربائية وما ينتج عنهما من أعباء ومشاكل مادية وفنية  فكنا نكتفي (بالمهافيف) المصنوعة من خوص سعف النخيل لتلطيف الجو وبمنقلة الفحم للتدفئة وتخدير الشاي المهيل, توجد في معظم  بيوت كربلاء القديمة  سراديب يستخدمها ساكنوها في وقت الظهيرة وفي عز الصيف لأجوائها الباردة وكان في بيتنا  سرداب أيضا ولكنه كان  مهملا لوجود المياه الجوفية في داخله فلا يمكن استخدامه وكان مظلما ومخيفا بالنسبة لنا نحن الصغار.

لقد كنا نستحم  صيفا في البيت وكنا نقف وسط الحوش ويرش  أحدنا على الآخر الماء وتنتهي تلك العملية بالضحك والمزاح والجلوس تحت أشعة الشمس كالعصافير لنقوم بتنشيف اجسامنا,  أما شتاء فليس هناك من مشكلة ما دام هناك (بريمس) في البيت يمكننا بواسطته تسخين الماء لغرض الاستحمام أما والدي فقد كان يفضل الذهاب شتاء إلى حمامات (السوك) الشعبية وفي كربلاء عديد منها وهي على الطراز الإيراني القديم وأخرى حديثة تحتوي على مقصورات (كابينات) منفصلة خاصة للعوائل وقد صادف مرة أن أخذنا الوالد معه أنا وأخي سعيد إلى حمام السوك وبمجرد دخولنا إلى الحمام اصبنا بالدهشة والرهبة فكان الإيوان لا يطاق لشدة حرارته وكمية البخار تغطي المكان الذي  يعج برجال وأطفال بمختلف الأعمار ومنهم  من كان عاريا  كما خلقه الله وإنها المرة الأولى التي يقع فيها نظري على أجساد بشر وهم عراة وظهرت لي بشكل يختلف عما اشاهده وهم في ملابسهم  التي تخفي هذا المنظر الغريب الذي يكشف جميع تفاصيل أجسادهم  وبضمنها المناطق المحرمة وعندها توارد لخاطري هيئة النساء في حماماتهن وهن بتلك الصورة المذهلة!! أدخلنا الوالد إلى الكابينة الخاصة بنا بعد أن خلعنا ملابسنا باستثناء الداخلية منها وعندما ذهب الوالد لجلب المستلزمات الضرورية للاستحمام وجدناها فرصة جيدة لننفذ بجلدنا فارتدينا ملابسنا بسرعة وهربنا إلى الخارج ولم نعر اهتماما لنداءات الوالد وتمكنا من العودة للبيت لنقص على الموجودين الصور التي جعلتنا نهرب من حمام السوق.                        

حلت خلال وجودنا في كربلاء مناسبة استشهاد الإمامين الحسين وأخيه العباس عليهما السلام واستشهاد معظم الرجال والنساء والأطفال  التي جاءت معهما إلى كربلاء وذلك في واقعة الطف الرهيبة التي جرت في العاشر من شهر عاشوراء إن مراسيم العزاء وما يصاحبها من شعارات تبدأ في أول شهر محرم الحرام حتى يوم العشرين من شهر صفر الذي يصادف مرور أربعين يوما على الفاجعة, إن مدينة كربلاء في هذا الوقت تتشح بالسواد كليا ويشمل ذلك جميع سكانها والوافدين إليها كذلك وكانت تلك الحالة تشملنا أيضا  فقد كانت أمنا وهي من المذهب السني ترسل ملابسنا وخاصة الدشاديش إلى المصبغة  لصبغها باللون النيلي الغامق فنرتديها ولا نخلعها إلا بعد انتهاء تلك الفترة والبالغة خمسين يوما من أول شهر محرم لغاية العشرين من صفر, لقد كانت مظاهر الحزن ومواكب العزاء التي تصاحب تلك الفترة تشمل انحاء المدينة بأكملها وكانت تبعث في نفسي الخشوع والرهبة والحزن لحد البكاء وخاصة عندما كنت أشاهد (التشابيه) التي تمثل نعوش الشهداء وهي محمولة فوق الرؤوس أو فوق الخيول وكنت أتصورها حقيقية وخاصة وهي تبدو بأكفان بيضاء ومضرجة بالدماء تصاحبها مواكب الرجال وهم يلطمون على صدورهم ويضربون ظهورهم بسلاسل حديدية على أصوات  قرع الطبول والصاجات بإيقاعات رتيبة وحزينة  ويتعالى خلالها عويل النساء والأطفال من كل مكان وصادف وقوع تلك المناسبة في فصل الشتاء خلال وجودنا في كربلاء لذلك قلما كنا نخرج ليلا لمشاهدتها.

بعد انتهاء شهر صفر يقوم الناس بتوديعه برمي (التنك) الجرار من فوق الأسطح بعد ملأها بالماء ووضع قطع من النقود فيها وكانت الوالدة تساهم في هذه المناسبة وكنا نسمع في مساء ذلك اليوم أصوات ارتطام الجرار وتكسرها على ارض الزقاق.

حل فصل الصيف وبحلوله جاءت العطلة الصيفية بعد أن أنهينا الامتحانات النهائية وانتقلت إلى الصف الخامس الابتدائي وانتقل أخي سعيد للصف الثاني أما أخي علي فقد أنهى امتحان البكلوريا للصف الثالث المتوسط وانتقل إلى الصف الرابع الاعدادي وأجمل إيام الصيفية  كنا نمضيها في ممارسة هواية الطائرات الورقية فمعظم أولاد المحلة حتى الكبار من الرجال يمارسون هذه الهواية عند مساء كل اليوم تعج سماء كربلاء بالطائرات الورقية بأشكالها وألوانها المختلفة منها الصغيرة والكبيرة التي يطلق على تسميتها أم (السناطير) ويكون خيطها سميكا بحيث يتحمل نقل جرو كلب أو قطة  إلى الأعلى فتسمع أصواتهم في السماء عند تحليق تلك الطائرات أو ترتفع فيها فنارات تضاء بالشموع تنير أماكن عديدة من سماء المدنية  والطائرات الصغيرة  تسمى العجمية والتي هي بلا أشرطة في الخلف و الجانبين فيتبارى الكبار فيما بينهم بما يشبه معارك الطائرات الحقيقية في السماء وتكون الغلبة لمن يتمكن من قطع خيط الطائرة التي هاجمها ويتم قطع الخيط بواسطة خيوط أعدت سلفا وإن طريقة اعداد تلك الخيوط تكون بسحن قطع من الزجاج وخلطها مع كمية من عجينة التمن المطبوخ بدون دهن وتمرر العجينة على الخيط ليصبح كالمنشار وتسمى تلك الخيوط (خيوط الكزيز) ولهذه المهنة  اشخاص يتقنون صناعتها ومنهم من يشتهر بإسقاط  جميع الطائرات المحلقة بالأجواء ويطلق على هؤلاء المتمكنين (الأستادية)

لم تمض العطلة الصيفية كلها في مدينة كربلاء حتى صدر أمر نقل والدي إلى مدينة الخالص وبعنوان وظيفته مأمور نفوس وتهيأنا للرحيل إلى محطة استراحة وانتظار مرة أخرى في بيت خالتي العتيد أم يونس  في بغداد وإلى هناك والفصل الحادي عشر من مرافئ الذكريات.

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000