.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الحادي عشر مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

 غادرنا مدينة كربلاء المقدسة ووصلنا إلى محطة استراحتنا المعهودة وهي بيت خالتي في بغداد والتي تتكرر في كل مرة ننتقل فيها إلى مدينة جديدة وهذه المرة لم تختلف عن سابقاتها عدا حالة واحدة هي عندما ألقيت نظرة وداع على جدتي حمدية أم عباس والتي نقلها خالي عبدالله من الموصل إلى بيت خالتي بعد أصابتها بكسر عظم الحوض فوجدتها هناك بأسوأ حال ويرثى لها حيث تنام بلا حراك في غرفة من غرف الطابق الثاني لبيت خالتي والأمر الذي حز في نفسي وآلمني هو عوقها وعدم تمكنها من مغادرة فراشها وفقدانها الذاكرة ونسيانها ماضيها البهي التي كانت تعيش فيه ومن تلك الحالة أنها لم تعرفني عندما ناديتها (بيبي شلونج) وبالكاد فتحت عينيها وتمتمت بلغتها التركمانية التي تعلمت بعضا منها بعبارة( كيمدي بو) ومعناها بالعربية(منو هذا) وأنا الولد الذي تعلقت بها وتعلقت بي منذ نعومة أظافري, إنني لم أتمكن من أبداء أية مساعدة لها فليس بيدي حيلة حيث ولا امتلك حق ذلك لكوني آنذاك صغير السن وفي بيت ليس هو بيتنا.

انتهت فترة الإقامة في بيت الخالة وشددنا الرحال للتوجه إلى مدينة الخالص التي نقل اليها الوالد وقد جرى الانتقال اليها بمرحلتين المرحلة الأولى إلى مدينة بعقوبة والثانية إلى الخالص التي تبعد عن بعقوبة مسافة عشرين كيلو مترا وإن أسباب جعل الانتقال لمرحتين هو عدم توفر وسائط نقل بشكل مباشر من بغداد إلى الخالص  وإن جزء من الطريق وهو من بغداد إلى خان بني سعد غير معبد وترابي والمعبد هومن خان بني سعد إلى الخالص ويتفرع  منه طريق إلى بعقوبة في منطقة تسمى (المفرك) وإن وجود خط سكة حديد بين بغداد وبعقوبة يمكن استخدام القطار الذي يطلق عليه العامة تسمية (الجطلة) وذلك بسبب حركته البطيئة التي تستغرق عدة ساعات  وهناك سبب  آخر هو وجود بيت شقيقنا الأكبر فداء الدين في بعقوبة والذي تركناه في بغداد عند انتقالنا إلى الموصل فتبين بأنه قد غادرها  إلى خوزستان الإيرانية والتي يسميها سكنتها من العرب عربستان وكان سبب ذهاب شقيقنا إلى هناك هو لتدريس النجارة التي هي من اختصاصه ثم غادرها لينتقل إلى بعقوبة في وظيفة في بلديتها وخلال وجوده في عربستان رزق بنتا اسماها سارة وولدا اسماه يوسف إضافة لولده يحيى الذي ولد في بغداد. وصلنا بعقوبة بالقطار ظهرا ونزلنا في  بيت شقيقنا فداء الدين ومكثنا هناك أياما معدودات ذهب خلالها الوالد إلى الخالص ليجد دارا نسكنها , وعند عودته سافرنا بواسطة (بس) أي باص خشبي, كانت الدار التي أجرها الوالد بسيطة وتشبه لحد ما جميع بيوت أهل الخالص فهي مبنية من اللبن والطين وسقوف غرفها من جذوع النخيل والحصران وأرضيتها ترابية وغير مرصوفة وفي وسطها حوش فيه جدار من الطين أشبه ما يكون بأسيجة البساتين الطينية (الطوفة) وتتخل ذلك الجدار شقوق عديدة هي مأوى الحشرات والعناكب والنمل والعقارب والحيات.

كانت تلك الدار قريبة من سوق الخالص وحوانيتها المختلفة ومن تلك الحوانيت محل لبيع الأقمشة يعود لمالك الدار وبذلك يسهل علينا عملية التسوق يوميا وتسليم الإيجار للمالك شهريا وقدرها أربعة دنانير, إن أكثر فرد فينا فرح للانتقال إلى الخالص هو والدي فقد سبق له العمل فيها عدة سنوات للفترة من 1934 ولغاية 1938 وكون خلالها صحبة من بعض موظفيها الذين بقوا فيها وصار معروفا عند أهل الخالص بما يتمتع فيه من حسن السيرة والسلوك, أما أكثر من عانى من مشاق السفر المتكرر ولمرات متقاربة فهي أمنا التي كانت  في كل مرة منها تظم  طفلة أو طفلا رضيعا على صدرها طوال الوقت الذي تستغرقه السفرة فعند انتقالنا من أبي الخصيب إلى مدينة الحي كانت تظم طفلة رضيعة وفي سفرة مدينة الحي إلى بغداد كانت تظم طفلا رضيعا وفي سفرة كربلاء إلى الخالص كانت تظم طفلة رضيعة فيا لها من أم شجاعة وحنونة وصابرة.

بدأت الحياة في مدينة الخالص تأخذ نمطا  جديدا ومغايرا عما ألفناه عن سابقتها فهنا تقترب كليا من عادات وطباع أهل الريف حيث كثر سكانها ينحدرون من عشائر نزحوا اليها من القصبات والأرياف المجاورة القريبة منها ومن تلك العشائر الكبيرة عشيرتي العزة والعبيد والغريب إنهما لم يكونا على توافق على الدوام وكثيرا ما تحدث بينهما صدامات مسلحة يسقط خلالها عدد من الأشخاص بين قتيل وجريح, إن لهجة أهل الخالص ومفردات لغتهم تختلف عما عهدناه في بغداد والموصل وكربلاء إن القليل من سكنة أهل الخالص يمتهنون محن حرة وأغلبهم وخاصة أهل المدينة يمتلكون بساتين عامرة بالنخيل وأشجار الفواكه المختلفة كالرمان والتوت.

انتهت العطلة الصيفية وكانت تقتصر على التعرف على معالم وساكني البيوت المجاورة لبيتنا ومن أهمهم والذين بقيت علاقتي بهم إلى أمد بعيد الأخوين نور الدين حسن فارس وشمس الدين حيث كان بيتهما يقابل بيتنا وكذلك جمال رشيد وطارق خزعل والأخير كان يمتلك أبوه دكانا قريبة من بيتنا, وبانتهاء العطلة التحقت إلى الصف الخامس الابتدائي في مدرسة عبد الإله للبنين كما التحق أخي سعيد للصف الثالث الابتدائي أما أخي الكبير علي فقد غادرنا إلى بغداد للالتحاق بالصف الرابع الاعدادي في المدرسة الاعدادية المركزية                 

 وخلالها مكث في بيت خالتنا وبغادرة أخي علي إلى بغداد أضمحل الاهتمام لدينا بالنواحي الأدبية والفنية فقد كان هو العنصر الأساسي

لإدارة مثل تلك الفعاليات وخاصة اقتناء الكتب والمجلات وإقامة التمثيليات وكل ما كان يدور بيننا من أعمال تبعث في نفوسنا البهجة وتنسينا مشاكل الحياة القاسية أحيانا وقد اقتصر تداول المعرفة والحصول عليها في شراء صحيفتين يوميتين تصدر في بغداد هما الأخبار والزمان ويهتم الوالد بقراءتهما يوميا وبعد ن ينتهي منهما يمكننا أن نقلب محتواهما أما الوسائل الأخرى كالراديو خاصة فلم تكون متوفرة لعدم وجود الكهرباء في ذلك البيت.

كانت مدرستنا من المدارس المبنية حديثا وتحتوي على أكثر من صف للمرحلة الواحدة أضافة لغرفة أدوات الرياضة وأخرى للرسم وغرفة للمعلمين وأخرى للمدير الذي كان اسمه الأستاذ إسماعيل الخاصكي وعائلة الخاصكية لها موقع كبير ومعروف في الخالص

إن غرفة المدير قريبة من مجاز المدرسة ومن بابها الخارجية بحيث يتمكن من أن يرصد كل داخل وخارج منها وإليها والويل لمن يتأخر عن الدوام من الطلاب فسيكون نصيبه عدة ضربات على كفه من عصاه الخيزرانة حتى ولو كان المخالف ابن القائم مقام أو ابن مدير الشرطة فالكل عنده سواء ولم انجو من عصاه أنا أيضا فعنده العقاب قبل السؤال والجواب, كان عدد المعلمين في المدرسة يكفي ويغطي جميع الصفوف حتى منها الفعاليات غير المنهجية فقد كانت هناك ساحة واسعة أمام الصفوف للتجمع الصباحي ورفعة العلم يوم الخميس وملاعب جيدة لكرة السلة والطائرة وألعاب الساحة والميدان

وفعاليات الجمباز كالوثب على الحصان الخشبي والمصارعة والملاكمة وكان المعلمين يؤدون واجبهم بكل اخلاص وتفاني وأكثرهم يتحلون بأخلاق حميدة عدا واحد منهم وهو معلم الجغرافيا والتاريخ وهو الأستاذ مظهر العزاوي فقد كان الطلاب يخشونه وذلك لطريقته في معاقبة الطالب الذي لا يجيب عن الأسئلة وهي استخدامه (الجلاق) الذي يرميه إلى خارج الصف, وفي هذه المرحلة الدراسية وخاصة في الصف الخامس والسادس يوجد عدد من الطلاب كبار السن ومنهم من بلغ التاسعة عشر أو تجاوزها وأكثرهم  ينحدر من عوائل عشائرية معروفة ولا يرتضي لنفسه الإهانة وقد صادف أن أحد المعلمين قد أنب واحدا من هؤلاء الطلاب الكبار بكلام جارح فما كان من ذلك الطالب إلا أن يرد عليه بلكمه على أنفه وهرب تاركا المدرسة إلى الأبد, كان أكثر هؤلاء الطلبة من كبار السن  يشاركون في المسابقات الرياضية ويتفوقون على منافسيهم بسبب قوتهم الجسمانية, أما بالنسبة لي فقد كنت ضئيل الجسم ونحيفا وألجأ لممارسة الرسم والخط واتميز فيها واشترك في معارض تقام في مناسباتها وقد دفعتني تلك الحالة أن اعقد صداقات تتفق مع أهوائي فكان لي أصدقاء مميزين في المدرسة منهم حامد شاكر عبدالعال وجمال رشيد وعلي عداي واحتفظت بصداقتهم  لوقت طويل من العمر, لقد كانت تقام في مناسبات معينة مباريات لكرة القدم بين مدارس القضاء ومنها ما كانت تقام في مدينة الخالص وفي ساحة تقع خارج المدينة وفي منطقة واسعة خالية من البساتين والابنية أي بما تسمى بالعماية (الجول) وقد حضرت مرة مباريات مدرستنا مع مدرسة أخرى وكانت نتيجتها ليس فوزا و خسارة أو تعادل بالأهداف بل هزيمة مروعة فقد هاجم المتجمعين خنزير بري مما تسبب عنه هروب جميع من هو موجود في الساحة وبضمنهم أعضاء الفريقين وولوا مذعورين وقد انتهى الامر بعد ذلك بأن حول ذلك الخنزير اتجاهه وتوجه إلى أحد البساتين الموجودة في أطراف المدينة وتعقبه بعض أبناء المنطقة ممن يحملون البنادق الإنجليزية وتمكنوا من اصابته بعدة اطلاقات واردوه قتيلا .

إنني سأتوقف هنا عن سرد مقتطف واحد من تلك الذكريات لأنها ستشمل فصولا عديدة لفترة وجودنا في مدينة الخالص التي استمرت   خمسة سنوات ولبلوغي خلالها سن الرشد تأهلني بأن التقط منها صورا وذكريات كثيرة وإلى الفصل الثاني عشر من مرافئ الذكريات.               

                                                                             

 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000