.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرافئ الذكريات - الفصل التاسع

لطفي شفيق سعيد

ودعنا مدينة الموصل وبوداعها ودعت إنسانة عزيزة علي هي جدتي حمدية وكان وداعا محزنا ومؤسفا فقد تعرضت لحادث خلال عبورها الجسر الحديدي للتوجه إلى بيت خالي في الجانب الأيسر من المدينة فصدمها بغل يحمل أحجارا مما سبب كسرا في عظم حوضها نقلت على إثرها إلى بيت خالي وكانت تلك الحادثة سببا في عدم نقالها معنا في وقت كانت تلازمنا منذ ولادتي وقد تربيت في كنفها وتعلقت بها كم تعلقت بي هي أيضا وكان أهلي يطلقون علي لقب (مدلول بيبيته).

 استقلت العائلة القطار النازل إلى بغداد ووصلنا اليها وكعادتنا هبطنا إلى بيت الخالة المعهود لنمارس مراسيم البقاء للفترة المتبقية من العطلة الصيفية وإثنائها توجه الوالد إلى مدينة كربلاء من أجل أن يستأجر بيتا ولكي لا يحصل لنا ما حصل عند توجهنا للموصل دون أن يهيئ البيت مسبقا, وبعودته من كربلاء لملمنا متاعنا ما خف حمله ورخص ثمنه ولحسن حظنا وجود خط سكة حديد من بغداد إلى كربلاء وهو نفس خط بغداد البصرة ويتفرع منه خط في سدة الهندية في المسيب إلى كربلاء وعند وصولنا إلى ذلك المفرق شاهدنا عددا من النسوة يبيعن القيمر على ركاب القطار وهذا القيمر هو المعروف لدى عامة الناس (بكيمر السدة) اللذيذ الذي تعرضه البائعات بمواعين صغيرة مصنعة من فخار طينية.

وصلنا كربلاء ظهرا ودخلنا البيت المستأجرة والمبنية على الطراز الكربلائي القديم الذي يتألف من مرفقين أحدها لسكن العائلة والثاني للزوار يستخدم غالبا خلال مناسبات زيارة شهري محرم وصفر أو في الأيام الاعتيادية لزيارة مرقدي الإمامين الحسين والعباس عليهما السلام إن ذلك المرفق منعزل تماما عن البيت ويشبه بيت ثاني يتم الدخول إليه من درج في مجاز البيت ويمكن تأجيره للزائرين إلا أبي لا يرغب إلى ذلك.

بعد تكملة ما تبقى من العطلة الصيفية بدأت الدراسة للسنة الدراسية 1944 و1945 وجرى تسجيلي في الصف الرابع الابتدائي وسجل أخي سعيد في الصف الثاني أما أخي الكبير علي فقد باشر في الصف الثالث المتوسط وقد تركت أختي الكبيرة علية المدرسة لمساعدة الوالدة التي كانت على وشك ولادة جديدة.

لقد بدأت الحياة في هذه الفترة أكثر رفاها من سابقتها من ناحية توفير الغذاء والكساء وقد ظهر ذلك جليا بسبب انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط ألمانيا واستسلام اليابان بعد ظرب أميركا مدينتي (هيروشيما ونكه زاكي) اليابانيتين بالقنابل الذرية الرهيبة التي محت معالم المدينتين وقتل من جرائهما ملايين الناس الأبرياء وعانى آخرون من أمراض بقيت آثارها لحد الآن, وبالمقابل عمت احتفالات بهذه المناسبة في ارجاء مختلفة من العالم وبضمنها مدن العراق ومنها مدينة كربلاء وكان ذلك في بداية شهر مايو(الخامس) من عام 1945        

يقع بيتنا في أحدى الأزقة القديمة للمدينة ومما يلفت النظر فيها كثرة من يتكلم اللغة الفارسية حتى ولو أنهم ليسوا من الإيرانيين وتبدوا هذه الظاهرة جلية عند أصحاب المحلات والمخابز وكافة الصناعيين والكثير من نساء ورجال المدينة وإن العملة الإيرانية ( التومان) يتداولها الكل هناك وهناك أمر ملحوظ أيضا وهو كثرة الزيجات الإيرانيات وقد لاحظت ذلك في عدد من بيوت المحلة التي سكناها,  والنساء الإيرانيات جميلات جدا ويلفتن النظر وجميعهن يلبسن العباءة أو الزي الخاص بهن في خارج البيت أما في الداخل فهن متبرجات وكنت أتطلع إلى جمالهن الأخاذ حيث يسمح لي بدخول تلك البيوت لكوني صغير السن ودون سن البلوغ ولم يظهر علي ما يشير إلى مظاهر الرجولة كالشارب واللحية, إن أهم بيت من بيوت جيراننا  أذكره هو بيت الخياط حسون والد الفنانين بدري حسون فريد وكان بدري صديقا لأخي علي ويجمعهما حبهما للفن والغناء, و بمناسبة ذكر موضوع الفن فقد استغل أخي المرفق الثاني من البيت وأنشأ فيه شبه مسرح من صناديق الخشب الفارغة والبطانيات وبعض المواد والملابس للمكياج وما يحتاجه الدور التمثيلي ويقوم بتوزيع الأدوار علينا وكنا سعيدين بهذا العمل البديع وقد تمكن أخي علي مرة من الحصول على ماكنة لعرض أفلام بسيطة وتلك الماكنة أقرب ما تكون إلى الفانوس السحري الذي يعرض الصور المنفردة وكان يحضر لمشاهدة ذلك الفلم الصامت والذي لا يستغرق سوى بضعة  دقائق عدد من أصدقاء الطرف .      

 بعد انتهاء ما تبقى من العطلة الصيفية بدأت الحياة الدراسية والمدرسة التي باشرنا فيها أنا وأخي سعيد هي مدرسة كربلاء الأولى ومما أذكره عنها هو هيئة بعض معلمي المدرسة فقد كان واحد منهم يرتدي الجبة ويعتمر (السيدية) وهي عبارة عن طربوش أحمر يحاط بقطعة قماش خضراء تشير لكونه من السادة الأجلاء كان ذلك المعلم يرسب كل طالب من طلاب صفه لا يؤدي فريضة الصلاة وكان ذلك المعلم مرشدا لصفنا ويدرس اللغة الإنجليزية للصف الخامس وكان يستخدم طريقة مبتكرة في تعليم الحروف الإنجليزية وأذكر منها ( أي- بي- سي- دي- إي- أف- جي- ألله يسويني حجي). ومن الفعاليات التي بقيت راسخة في ذاكرتي هي ما كانت تقوم به المدرسة خلال فترة ما يطلق عليها (أسبوع المعارف) حيث يشترك طلاب المدرسة بمسابقات مع طلاب مدارس اللواء الأخرى وتشمل الخطابة والشعر والفنون الجميلة والاستعراض الرياضي والحفلات الترفيهية ويشترك فيها أحيانا اشخاص من خارج المدرسة وأتذكر منها فعالية إظهار القوى الجسمانية يقوم بإدائها شخص يدعى ( حسين تاجر نجفي) ومنها أنه يضع صخرة كبيرة على صدره ويقوم اثنان من اتباعه بتحطيمها بواسطة مطارق حديدية كبيرة وكذلك فعالية مرور سيارة صالون على جسمه بعد أن يتمدد أرضا وغيرها من الفعاليات بمصاحبة فريق يؤدون حركات (الزور خانة) والكلمة فارسية وكردية ومعنى الزور القوة أو الكثير والخانة تعني المكان أو المحل ومن الفعاليات اللطيفة هي اشتراك فتى أسود البشرة يعمل في خدمة  السيد هاشم الخطيب وهو شخصية دينية  من المذهب السني يرتدي الجبة السوداء و(السيدية) التي يلبسها رجل الدين الكربلائي الشيعي, هذا الفتى الأسود يشترك في مسابقة إيجاد قطعة نقود في داخل صحن ممتلئ بالطحين وقد كان يتمكن من أخرجها بشفتيه الغليظتين بسرعة وينال الجائزة واعجاب وتصفيق الحاضرين وموجة من الضحك بعد أن يتحول لون وجهه إلى أبيض بسبب الطحين وكانت تجري أيضا  خلال التحضيرات لأشراك الطلبة في تلك الفعاليات وكل حسب ما يمتلكه من مواهب فقد طلب مني أن اشترك فيها بإحدى الفعاليات وقد أخبرت الإدارة إنني أتقن أغنية الموسيقار محمد عبد الوهاب وهي (أجري -أجري وصلني) لكثرة سماعي إياها من أخي علي وهو يرددها دوما وعند إدائي بروفة الأغنية لم أفلح فظهر صوتي نشازا إضافة لعدم تذكري كلمات الأغنية ورفضت من قبل اللجنة المختصة وخاب ضني وهي أول الخيبات, وإنني لا أنسى تلك الواقعة التي خلقت الرعب في قلبي وقلوب بقية طلاب صفي والتي حدثت خلال قيام مرشد الصف بإجراء سفرة إلى أحدى بساتين منطقة الحسينية المشهورة بأشجار الحمضيات والنخيل والسفرة تمت بناء على جمع مبلغ من المال تم  الحصول عليه من فلس واحد عن كل غلطة إملائية يجدها المعلم في موضوع الإنشاء في دفتر الطالب وتحقق من جمع مبلغا لا بأس به

من الأخطاء العديدة وكانت وليمة السفرة شهية وتتكون من تمن على باقلاء ولحم ضأن وهي أكلة مشهورة لدى أهل كربلاء ولكن ما حدث في تلك السفرة وعكر صفوها هو نشوب حريق هائل في بستان قريب من جلستنا تصاعدت النيران خلالها إلى أعالي النخيل فأصابنا الفزع والهلع وولينا هاربين وقد تمكن المعلمون والأشخاص المصاحبون لنا من تهدئتنا والسيطرة علينا وأعادتنا إلى المدرسة وإلى البيت لنقص تفاصيل الحادثة على أهلنا.

بدأ أخي علي يهتم كثيرا بقراءة الكتب والمجلات ويقتنيها من المكتبات العامرة في شارع النجفي وكانت أهم مكتبة والتي تصلها كل الكتب والمجلات أسبوعيا من بغداد هي مكتبة السيد عبد الحسين وكنت المراسل الخاص لأخي لجلب الكتب والمجلات من تلك المكتبة أسبوعيا في يوم الأثنين من كل أسبوع حيث تصل من بغداد وكنا نشتري جميع الإصدارات من الكتب والمجلات ويؤمنها لنا صاحب المكتبة ويجعل منها رزمة يكتب عليها اسم أخي علي وقد خصص والدي مبلغ سبعمائة وخمسين فلسا شهريا لأخي لتسديد ثمن الإرسالية, كان يوم وصول الكتب والمجلات يوما مشهودا فالكل كان يأخذ حصته من القراءة أو التطلع إلى الصور التي تحتويها وكان أخي علي يحتفظ بالكتب اليه لأنه يقرأها بشغف ويقص بعض ما يجده مفيدا على مسامع والدتنا أما أنا فقد شغفت بمجلة أخبار الحرب والتي كانت بحجم أطول من المجلات الأخرى وتتخللها صور عن مجريات الحرب الثانية وإن العدد الذي صدر عند سقوط ألمانيا كان يتصدر صفحتها الأولى صورة كبيرة لجنديين أمريكيين يتأبطان فتاتين المانيتين وهم ينزلون من مدرجات الرايخ الألماني مقر الفوهرر هتلر وتحت الصورة وبالخط العريض عبارة (الويل للمغلوب) وهذه العبارة أصبحت لازمة تتكرر مرات عديدة  خلال انتكاسات وخيبات صادفت حياتنا العامة وما جرى من ويلات ومآسي نتيجة تخبط وفشل قادة أغبياء حكموا بلادنا طيلة أزمنة متتالية, لقد كنت الشخص المهم والمفضل لترجمة ما تحتويه مجلة صادرة باللغة الفارسية وبحروف عربية وكانت طريقة ترجمتي تجري عندما يقرأه أخي علي  علينا وهي طريقة كوميدية ومضحكة تصل إلى أن أجعل كل من يستمع إلى تلك الترجمة من اهلي يستغرق بضحك لدرجة تطفر الدموع من أعينهم وطريقتي كانت هي أن أختلق صورا ومشاهد وحركات تلائم ما يلفظه أخي من كلمات فارسية من دون أن أعرف معناها  ومما أذكره أيضا من الحالات التي كانت توفر لنا البهجة والفرح ما تحتويه مجلتا (البعكوكة وآخر ساعة) المصرية من نكات مدعومة بصور كريكاتورية يقرأها علينا أخي فنعج بالضحك وخاصة من مقالب السبع أفندي ضعيف البنية وزوجته رفيعة هانم غليظة الجثة,  لقد كان ذلك الزمن هو زمن الألفة والبساطة والنشوة والتي كانت تتحقق من أشياء بسيطة وبريئة ورخيصة الثمن وأذكر من تلك المتعة أن صديقي المفضل عندي والذي كانت عائلته تسكن بالقرب من سكننا ويدعى عدنان محمد صالح ويكنى عدنان حمودي وكان والده  يعمل حدادا ويمتلك سيارة صالون موديل 1930 ويطلق عليها آنذاك اسم ( أبو اللوكا) ولا أعرف معنى لهذه التسمية وكل ما أتذكره أن سقفها كان من القماش السميك وفي مرة أخذنا والد عدنان بجولة بهذه السيارة وهي أول مرة في حياتي أركب فيها سيارة صغيرة وشعرت خلال ذلك بأنني أطير في الفضاء وإن السيارة لا تلامس عجلاتها الأرض. ومن هذا الموقع الممتع أتوقف عن إكمال هذا الفصل لكيلا يشعر القارئ الكريم بالملل وإلى الفصل العاشر لتتمة إيام كربلاء الحافلة بالذكريات.

                                          


لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000