.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كاظم الحجاج : صولجان القصيدة في مربد 2018

مقداد مسعود

مازال كاظم الحجاج يشعر أن هاوية الضياع تقترب من مدينته،وان انحداره المتسارع نحوها يمنحها نوعا ً من المصداقية، وسيجعلها بنظره تمثل الخاتمة الحية الوحيدة في طنين هذا الفراغ. هذا الشاعر المسكون ببصريته لن يتقاعد قلبه، فها هي البصرة تعود لتوسمه بدورة مربدها هذا العام، ليغدو هو والبصرة والشعر حالة واحدة. صفحة ثقافة أرتأت أن تصدر هذا الملف تزامناً مع انعقاد،، مربد الحجاج،، 2018،، فانبرى الناقد مقداد مسعود وتكفل ..

                                                            طريق الشعب الثقافي

                                                    العدد 124.السنة 83 الاربعاء 7 شباط /فبراير 2018

(*)

بتوقيت مهرجان المربد 2018 وبشاعر هذا المربد أعني الشاعر الكبير كاظم الحجاج أعددنا هذا الملف، الذي اردنا المشاركة الأولى تكون للشاعر القدير مجيد الموسوي وكنت قد فاتحته منذ شهور، وتجاوب مبتهجا.. وحدثني عن ورقته عبر الموبايل وحين زرته في اليوم الثامن من رحيل ولدي مهيار : مصطحبا معي صديقه الحميم منذ الدراسة الجامعية كريم الحجاج والأستاذ ناصح الصفار.. كان الموسوي بالكاد يتكأ على وسادته في سريره، يتقوست أمامه وقبلتُ كفيه ّ وكظمت دموعيّ وعانقته..أمضينا أصبوحة ماتعة، نجحنا في تخليصه من برد كان قد تجاسر على جسده النحيل...ولم اتطرق للورقة التي وعدني بانجازها عن صديقه الشاعر كاظم الحجاج فقد لجمني حدسي الأسود وأنا أرى بعينيّ هاتين إن الزائر الأخير قد ظلل الوديع المسالم، صديقي الحميم واستاذي الكبير  عبد المجيد سلمان السويج الموسوي، لذا آثارت ُ التواصل اليومي معه عبر الموبايل والتزاور معه في بيته ..أو في تناقلاته المتكررة من البيت إلى مستشفى الجمهوري...

(*)

الشاعر كاظم الحجاج .. يعلن :

أنا وجيلي محظوظون بتاريخ ميلادنا..

لماذا تضع النساء حمرة الشفاه والكحل على وجوههن فقط . ولايضعنه على شِعرهنّ؟..

حاورته : بلقيس خالد

حوارنا هذا بتوقيت مهرجان المربد الثقافي الذي يتوج دورته لهذا العام باسم الشاعر الكبير كاظم الحجاج ..وهو شاعر تتقدمه مكانته الشعرية الساطعة التي لا تحتاج تعريفا أو الأسهاب في مقدمة عنه ...

  

 *من خلال تجربتك الشعرية الثرة، ماهي الصورة التي تكونت لدى كاظم الحجاج، حول حاضر القصيدة ومستقبلها في العراق ..؟

- : الشعر مكوّن بارز من مكوّنات حياتنا الشعرية..وهو مكوّن خاصّ وجميل ..والسؤال هو: هل حياتنا مكتملة الآن؟ هل لدينا موسيقى ومسرح وباليه وفن تشكيلي..هل لدينا جمال منزليّ. أعني هل في منازلنا حدائق ولوحات فنيّة في غرف جلوسنا وغرف نومنا؟ هل مازلنا نعني بالمزهريات وأربطة العنق، ونهتّم لانسجام أزيائنا مع بعضها..هل نذهب إلى قاعات المسرح والموسيقى..ثم هل المرأة تثير الجمال من حولنا، كما هنّ نساء العالم..؟ الشعر ليس شيئا نكتبه ونقرأه فقط. بل هو أن نعيشه. الشعر جمال. ولقد تراجع الجمال عن حياتنا كلها.

  

*قصائدك يتذوقها عامة الناس كما تتذوقها النخبة، وهذا أمتيازك الشعري وبصمتك، والسؤال هنا كيف أستطعت مواخاة الطرفين شعريا؟

- أنا وجيلي محظوظون بتاريخ ميلادنا.تربينا في مدارس فيها غرفة رسم وغرفة رياضة وغرفة مختبر علمي..وهناك دور سينما وفرق موسيقية في الأعراس والمناسبات. وهناك حدائق في كل منزل.. والكتب تباع في المكتبات وفي عربات الدفع بدرهم.أعني كان هناك جمهور عظيم يقرأ ويتابع ويتذوّق. وهم(عامّة الناس) كما في سؤالك. وكان هناك نخبة. وعلينا أن نقنع الإثنين لكي نستمر في الكتابة.. أعني لم تكن هناك فاصلة كبيرة بين القارىء والكاتب.. وكان من السهل إرضاء الطرفين. كان لدينا قرّاء كبار. وكان يجب أن نكون بمستوى إرضائهم جميعا، لكي نستطيع أن نستمر.

*هناك مَن يرى قصائدك قريبة من لغة الأعلام، لكن تتغلب عليها بشحنة شعرية عالية ..ماقولك في ذلك؟

- نحن تربّينا تحت إشراف معلّمين وأساتذة أصحاب رأي وأصحاب فكر ثقافي وسياسي. كانوا أتباع أحزاب وطنية وفكرية تقدمية..تعاملوا معنا كونهم معلّمين ومثقفين. كان الشعر سياسيّاً وطنيّاً..وكذلك القصة والرواية ..فربما وقعنا تحت طائلة (الإعلام) أو الإنحياز الفكريّ..أغلب كتّاب العالم ومفكّريه كانوا يساريين ..حتى بيكاسو كان جمهوريا تقدميّا ضد فرانكو اليميني الفاشيّ وتلك الإنحيازات مازالت في كتاباتنا..أشبه بلغة (الإعلام) - كما تقولين -

  

* في نصوصك َ حنين كبير إلى بصرة غير موجودة الآن .. هل هو حنين لصحبتك الغائبين..؟ لزمانك الخاص؟  من نص شعري لك أقتطف الزهرات التالية: (في العام 1975 كان هناك ،، كاظم،، آخر: اسود شعرا، وأكثر جرأة ً وأغنى بحيث يجرؤ على السفر حتى إلى باريس نفسها!)أم الحنين إلى مثل وقيم نبيلة تلاشت الآن؟ فأنت تقول في قصيدة(بالأمس تمنيت الموت : دخلت إلى مقهاي، ولم يعرفني أحدُ.. وأنا لم أعرف أحدا، في مقهاي أكرر: في مقهاي! صرنا غرباء جميعا، والغربة موت ٌ..حيّ).. أنت من الشعراء الكباروتحمل هذا الإحساس بالغربة،؟!

- (الغربة) موجودة لدى حالنا..لقد مات عالمنا الذي تربيّنا في داخله.وكذلك مات ذلك الصنف من الناس الذين عشنا بينهم.أما المدينة فلقد بقيت أطلالا وذكريات دامعة.. والإغتراب هو أننا بقينا في داخل عالمنا الجميل ذاك الذي اندثر.. نعم نحن غرباء الآن.

  

* أنت قارىء دؤوب ومن قراء الروايات ، وفي أحاديثك تؤكد : هذا عصر الرواية..والسؤال هنا ماالذي يمنع أنّ يكون الشاعر كاظم الحجاج الروائي كاظم الحجاج.خصوصا وتجاربك الحياتية غزيرة ووعيك الاجتماعي له عمق خاص؟!

- نعم.لقد ابتدأنا بقراءة الروايات. كما إننا كنّا جمهور سينما مدمن. والأفلام السينمائية هي روايات متحّولة إلى واقع مرئي كذلك. وكنا نشاهد المسرحيات وهي في عرض مسرحي، هي أيسر من كتابتها..وإلى اليوم مازلنا من جمهور الرواية..فمن الصعب التحوّل إليها من قرّاء إلى ..كتّاب. إنه أمر مخيف ويحتاج إلى جرأة.. أو اجتراء !

*ما أكتفت موهبتك بالقصيدة المميزة .فأنت كتبت كتبا سردية منها : (المدينة والمدفع) وكذلك كتاب..(المرأة والجنس بين الأساطير والدين).. ممكن تحدثنا ولو قليلا ً عن دوافع كتابة هذين الكتابين الجميلين ؟!

- الشعر كما تعلمين لايكفي وحده لقول الأشياء كلّها وبتفاصيلها. وكان لابد من كتابة أخرى تسدّ تلك الفراغات. وكما قلت في إجابة سابقة. إننا أبناء فكر سياسي وطني وإنساني..ولدينا آراء في الأشياء كلّها. ولدينا إجابات عن كثير من الأسئلة الإنسانية وحتى الكونية والدينية.. ومن هنا وجدنا الجرأة على أن نقول آراءنا في غير المجال الشعري.

*عمودك الأسبوعي (بهارات) في جريدة (الأخبار) والذي تحوّل بعد ذلك إلى كتاب مطبوع ومرغوب من قبل كافة القراء، يجعلني أسأل السؤال التالي : هل مارست الكتابة الصحفية سابقا ؟! فمن يقرأ مقالاتك الصحفية، يشعر بمتعة القراءة تقارب متعننا في قراءة قصائدك ؟ أعني أنّ مقالاتك أولاً : كانت جريئة ثانية لم تكن محض مقالات جافة ..ذلك الجفاف الصادم لدى كتّاب الأعمدة. ثالثا : حافظت على تفعيل العمود الأسبوعي مدة لايستهان بها ..ثم توقفت !! لماذا توقف هذا العمود الصحفي الذي كانت تنتظره أهالي البصرة بلهفة ؟!

- وهذا الأمر ينطبق كذلك على المقالة والعمود الثقافي.إنه وعينا الذي كان مقموعاً أو مسكوتاً عنه.. كان أهم مانقرأه ُ في الصحف اليومية هو مقالات الكتّاب الكبار ورؤساء التحرير.إنهم أهم دوماً من الأخبار اليومية. كان أولئك الكتّاب هم قدوتنا..إنهم يكتبون مقالة تلقي بهم في السجن.إنه  أمرشديد الإغراء، منذ صبانا.

*منذ كتابك الأول(أخيرا تحدث شهريار) كنت وماتزال من الأسماء الأدبية الكبيرة .بل أزدادت مكانتك علوا ؟! وهذه حاله قليلا الحدوث أعني الحفاظ على المكانة الأدبية، كيف حافظت على ذلك؟

- نحن قرّاء جيدون ومتواصلون لأساتذتنا الشعراء الكبار..وكنّا نحلم بأن نحظي بجزء من نجوميتهم..حظّنا الجيد أننا كنّا قرّاء جيدين لكتّاب عظماء، قرأنا لهم بسحر.أنا متواصل مثلا ً لحدّ اليوم، لأن أستاذي في الشعر سعدي يوسف. مازال يكتب ومازلت ُ أقرأ له..هذا مجرّد مثال على تلك (العدوى).. عدوى الإستمرار.

  

*في قصائدك تتحدث عن أمكنة لايعرفها الشباب الآن مثل ساعة سورين وغير ذلك من علامات البصرة التي للأسف أزيلت، وكذلك تتناول قصائدك أمكنة تعرضت لمتغيرات قاسية .. هل تريد تأثيل ذاكرة المدينة شعريا في ذواكر الأجيال

- عن البصرة وعوالمها وأناسها لديّ كتاب نثري عنونته(البصراويون) ومن أجله أعلنت توقفي عن الشعر، لكي أتفرغ له. فيه كل شيء عن هذه المدينة العجوز الفاتنة .

  

*في أحدى الأماسي الأدبية..قلت َ : (الشاعرات أجمل من قصائدهن، ونحن الشعراء قصائدنا أجمل منا .) ألا يفهم من هذا الكلام أن شعرية المرأة في قصائدها: أدنى مرتبة من شعرية الرجل في قصائده؟ ثانيا ألا توجد قصائد كتبتها شاعرات عراقيات تنافس  أو تتساوى مع قصائد الشعراء: مثلا : قصائد نازك الملائكة، زهور دكسن،  عاتكة الخزرجي، لميعة عباس عمارة..؟

- أرجو أن يصدر العدد الجديد من مجلة(بيت). مجلة بيت الشعرالعراقي. لقد تأخر العدد كثيراً: وفيه مقالة لي عنوانها(الشعر فنّ أنثويّ) : قلت في بدايته إن(الخنساء) فقد أنوثتها الشعرية لأنها عاشت مع شعراء(فحول)! أنا أرى أن الشعر أقرب إلى المرأة منه إلى الرجل.. بشرط أن تكتب الشاعرة شعراً أنثوياً أرق وأجمل وأطرى من شعر الذكور.. لا أن تجاريهم على حساب أنوثتها..

*من خلال تعاضدك مع تجربة منتدى أديبات البصرة، وحضورك الجميل في أمسيتنا.. كيف ترى هذه الخطوة اعني تأسيس منتدى اديبات البصرة ؟

- كنت أحضر ولسوف أستمرعلى الحضور في منتدى أديبات البصرة..متمنياً أن أسمع شعراً يختلف عن شعرنا. وأن أستمع إلى مفردات أبعد عن خشونتنا وعن أغراضنا الشعرية الرجولية.. لماذا تضع النساء حمرة الشفاه والكحل على وجوههن فقط. ولايضعنه على شِعرهن؟ وهذا ماعنيته من أنّ شِعر أغلب شاعراتنا هو أقل جمالا منهن .

* الآن وهذا مهرجان المربد باسمك شاعرنا الكبير كاظم الحجاج ..أي مذاق وإيقاع لهذا المربد عندك؟

- قبل أشهر أخبرت الدكتور الصديق سلمان كاصد بأنني لن أشارك في المربد القادم. لقد أعتزمت التوقف عن المشاركة في المهرجانات. لأنها متعبة..ومن هنا جاءت فكرة تكريمي في هذا المربد..إنه تكريم توديعي. أشبه بإعلان التقاعد

 17/ 1/ 2018

وجوه وأسماء

في شعر كاظم الحجّاج

                          علاء لازم العيسى

 

    من الأسئلة التي طالما طرحتها على نفسي كمتخصّص في كتابة السيرة ، هي : هل بوسعي التعرّف على حقيقة أديب ما ( شاعر ، قاص ، روائيّ ) ؟ وإذا كان ذلك ممكناً فما هو أقصر الطرق لذلك ؟ هل أكتفي بما كُتبَ عنه من قبل الآخرين ، أم يجب عليّ أن أتوجّه إلى ( وثائقه الأصلية ) والمتمثلة بكتاباته (( فإنّ للكلمات الفعلية التي كتبها الإنسان المعني نفسه نغمة معيّنة وظلاً معيّناً من الأهمية لا يحفظهما أي سبك جديد لتلك الكلمات ))([1]) ؟ .

    وبما أنّ هناك ترابط عضوي وحميمي بين مسكن الإنسان والشعر عند العرب ، فبيت الشعر يضمّ الكلام ، كما يضمّ البيت أهله ، لذلك سمّيت مقاطعه بالأوتاد تشبيهاً بأسباب البيوت وأوتادها ، وإنّ كلمة (( القصيدة )) تشير في القواميس العربية إلى    (( العظم ذي المخ )) ، وهو ما يشبّه القصيدة بالنسيج من الكلام المكسو بالمعاني ، وقد يُراد بالقصيدة القصْد أيّ الاتجاه والرغبة الشديدة بالإمساك بالحقيقة ، وربّما الاقتصاد ، أي إلغاء المسافات بين أنا الشاعر وبين التقاط المعاني ، أو بين أنا الشاعر وبين المتلقّي ، يجب عليّ إذاً أن أخوض غمار بحر كلمات الشاعر الإنسان كاظم الحِجّاج ، وأعرض مضموناً واحداً من مضامين شعره ، وهو تنوع الوجوه والأفراد في شعره .

××××××××

    إنّ الذي يقرأ لشاعرنا الحِجّاج يشعر أنه يقف أمام إنسان من طراز خاص ، يشعّ إنسانيةً واحتفاءً بالحياة :

      (( لبّيكَ !

      أطفئ بركانَ الحرب ، وأوقد للخبزِ التنّور !

      لبّيك !

      اجعل عين الصيّاد الأعمى ،

      تخجلْ من عين الحوت !

     واجعلني إنساناً يا ربّي !

     إنساناً : من مسمار النجّار الأول في مهدي ،

     حتى مسمار التابوت )) ( رسالةُ العين )

    فالحِجّاج إنسان رافضٌ للدم ، أو شبه الدّم ، وإن كان من حبّات الرمان :

     (( وطفولتنا ـــ حتى الآن ـــ 

        تبكي من ذبح دجاجات البيتْ

       بل حتى مِن فعْصِ

       كريّات دمِ الرمّان ! )) ( نشيد النخلة )

     وهو خجل من نفسه لأنه لم يدفع الموت عن الناس ـــ في يوم ما ـــ بفعل أو قول :

    (( يا ربُّ !

     أعد أرواحَ القتلى والقديسينَ الشهداءَ

    إلى هذي الدنيا ..

    واجعلنا نخجلْ منّا في المرآة )) ( رسالة العين )

××××××××

      ينقسم أبطال قصائد الحِجّاج وشخوصه إلى أربعة : فرد عقلانيّ حر يمتلك أنا مفكرة واعية ، يتمسك بأصالته أمام مختلف المؤثرات والتيارات ، يتحرك ضمن خلفية تاريخية مدركة ، يتعامل مع الإنسان كإنسان ، ينخرط ضمن اتجاه معيّن واحد اسمه الوطن :

    (( مدّد رجليكَ عروقاً إلى الطين

      وكُنْ أنتَ نخلتكَ ، تكن نخلتنا

     اسمعْ نشيدَ (( موطني )) أوّلاً

     وانظر هل تبكي مثلي ، أو لا تبكي

     تأكد من عراقيّتِكَ بالدّمع !

     ليس عراقيّاً من لم يُبكهِ الحسين

     مَن لم يُبكهِ وهبُ النصرانيّ وأمّه

     مَن لم يُبكه (( موطني ))

     ثبّتْ الدمعِ عراقيتكَ أوّلاً ؛

     ثمّ كُن مَا تكونْ :

     كُن قرمطيّاً . كُن خارجيّاً كُن علويّاً . كُن

     عُمريّاً ..

     كُن كلّ هؤلاءِ ، لكن مكشوفَ الوجه )) ( انظر بعينٍ من نهرين )  

    ففي هذه القصيدة إيمان عميق بـ ( الوطن / الحياة ) ، وبخلود النوع ، فدورة الحياة تأبى السكون ، وبالرغم من نقاط الاختلاف بين الجماعات والأجيال ، واختلاف التجارب والشجون ، لكن يبقى الارتباط بالوطن هو القاسم المشترك ، وهو ملح الأرض ، ولولا هذا الملح لتعفنت الأرض .

    فرد يتخطّى حدود الأنانية ، ويرفض التكيّف مع الواقع ، ويحلم بمستقبل أفضل ، فيضحي من أجل أن ينتشر الحُبّ ، في الأزقة والبيوت والمقاهي :

     (( فرحي قليلٌ في المرايا

       ولأنني أحببتهُ ؛

       كسّرتُ مرآتي

       ليكثر .. في الشظايا )) ( أجزاء المرآة )

××××××××

    وفرد مسحوق مهزوم مستسلم لقوى التسلط الشمولية ، يذكي آلة حربها ، لم يحتجّ ولم يذرف دمعاً ، فراح يكفّر عن فعلته :

     (( لا أزرع من أجل الأكل ،

      ولا للزينة ،

      لكنّي أزرع تعويضاً !

      ـــ ماذا تعني ؟

      إنّي رجلٌ خاض الحرب

      أتذكّر أنّي ــ وأنا أتقدمّ أو أتراجع

      في الأرض الأخرى ــ قد دِستُ وروداً 

      وقطعتُ ، لأجل التمويه ، غصوناً

      لا أدري كم كانت

      ورأيتُ النخلَ يُقصُّ

      ولم أحتجّ ولم أذرف دمعاً )) ( لقاء إذاعي مع العريف ) 

××××××××

    وثالث الوجوه يعدّ جزءً من ذاكرة المدينة ، ورمزاً من رموز الانبعاث والتجدد فيها ومن بقايا الزمن الجميل ، إنّه ( تومان ) ذلك الرجل الأسمر ، الذي كان يمشي ويتلوى ويُضحك المارين في أزقة العشّار والبصرة ، في ساحة أم البروم وسوق الهنود ، وعند مداخل صالات السينما ، وهو يعزف بطريقته الخاصة بناي صُنع من قصبة جنوبيّة بصريّة ، كان فرقة موسيقيّة كاملة ، إذ كان يعزف ويغنّي ويرقص بنفس الوقت ، ويمارس حريّته على أتمّ ما يكون :

     (( الطبلُ يتكتكُ خطوتنا ، نحنُ البصريين ،

      والرقصةُ عدوى ..

     أرأيت الحصبة في مدرسة للأطفال ؟

     ـــــــ ـــــــ ـــــــ

      (( تومانُ )) الحُرُّ الأوحدُ بين البيض

      والأسرعُ عدوى بين السود ،

      عملاقٌ أثبتُ من فحل الكنطارِ

      ولكنْ .. هاتِ العود! )) ( نشيد النخلة )

     (( لأنني أريد هذه المدينةْ

       دائمة الشباب

       فلن أصدّقَ الإشاعة

       التي تقول :

     (( تومان في السبعين ! )) ( تومان البصري )

××××××××

    أمّا الوجه الرابع من أناسي الشاعر كاظم الحِجّاج فهو طارئٌ على المدينة ، عابثٌ ، يدّعي القداسة ولا قداسة ، فيه ما فيه من القبح والشرّ والخواء ، نصب نفسه قاضياً ، وهو أحقّ بالمقاضاة :

    (( يا أيّها الهائجونَ الصغار !

      أتركوا توبةَ الناسِ للناسِ ، لا تقتلوا الخاطئين !

      كانت ( رابعة العدويةُ ) راقصةً ... أو أكثر !

      لكن لم يقتلها أحدٌ ، حتى امتدّ بها العمرُ

      فصارت ( عذراءَ البصرة ! ) .. )) ( صلاة على ما تبقّى )  

××××××××

    أخيراً ، فإنّ الأستاذ كاظم الحِجّاج شاعر عراقيّ كبير ، متعدد القدرات ، صاحب لغة رشيقة ، وصور منتقاة ، وإنّ منتجه الشعري على قدر من الإتساع والتنوّع ، بسبب استفادته من كلّ شيء قرأه ، أو رآه ، أو عاشه ، أو سمعه ، وسيبقى شاعراً مبدعاً ولن يتقاعد يوماً : 

    (( قلبي لم يكبر ، وما زال بحجم الكفّ ،

      قلبي لا شعر له كي يَبْيضّ

      وقلبي لم يتوظّفْ ، منذُ ولادته ،

      ولذا لن يتقاعدَ يوماً ! )) ( في آخر الليل أهذي لأولادي ) 

  

كاظم الحجاج : يرى حُلم الأعمى ..

                            مقداد مسعود

شاعرٌ مثل كاظم الحجاج يحلم على مدار العمر: بمشاعية شعرية، يكون فيها استهلاك الشعر وإنتاجه: فعلا جماعيا.. ربما بالطريقة هذه يريد الحجاج كاظم أنّ يقوم بتعويضنا الجمعي عن مفتقدنا الجمعي الأكبر.ففي ليلة ٍ حالكة الغبار، أفتقدنا سرّ اللغة الكونية فتبلبلت الألسن والأفئدة.وبسبب بصيرته ِ وبصريته المتوجعة ، صار يؤّذن فينا (أنا لاأرى مدينتي الآن..أتذكرها فحسب)..ولم يتوقف عن مناسكه الشخصية، هاهو كل يوم/ كل قصيدة : يلتقط الأشياء المجروحة، ينفخ ُ فيها من غرين روحه، ويدوزنها بطغراءٍ مِن تصنيعه الشخصي.وكل ما يكتبه هذا الكاظم النحيل الجميل، كل مايكتبه : مصنّع في البصرة، وموّقع(إيقاعات بصرية). هو مسكون بزمن البراءة الأولى، وربما قبل أزالة معلم تراثي من معالم البصرة، وبناء فندق شيراتون على كورنيش شط العرب، وهاهي مخلوقته، المنبجسة من حبة قلبه، أعني(غزالة الصبا) تنادي البصرة قبيل آذان كل فجر

(يازمان الشناشيل دار الزمان) ..وغزالته مثله، فالحجاج وبشهادته غير المجروحة طبعا

(فأنا - مذ ولدتُ- أفتشُ عن جسد ٍ

 قد يليق بروحي)..

وشاعرنا الحجاج، هو من المصابين بلوثة التجديد الدؤوب، لذا يوصينا(جدّد عينيك َ دوما) وفي قصيدة(عين الزيتون الأسود)..يعلن إنتسابه العياني ( نحن الدامعين وريثو عيون البكاء)..وهو مرشدنا إلى موجبات الرفض الرصين :

(أرفض!

 بستطيع حتى الكرسي

أن يرفض بدينا - يجلس عليه -

بأن

يكسرَ نفسه)

كاظم الحجاج ليس مصاباً بنعمة/ لعنة النسيان، لكن البصرة بنسختها الأم،أجتاحتها غليانات همجية فلم يبق من النسخة الأولى، سوى (عجوز يُحب مدينته ُ بالأمس )وهو يطالبنا نحن الذين نعرف الأمكنة، أنّ نصونها في ذاكرتنا الجمعية :

(تذكروا حديقة الأمة في الكورنيش،

 تذكروا الأثل َ والكورنيش

في النوروز: تذكّروا حدائق الأندلس.

تذكروا البلم العشاري)

 وأعتمادا على قوة الشاعر التذكرية في أسترجاع الأوقات التي غدت الآن يوتوبيا. لاحل َ لدى الشاعر سوى أستعمال الشعر عقارا ضد النسيان وحين يتناول الحياة الميدانية شعريا

وتحديدا:  اللحظات التي كان الشعر نفسه : نص حياتنا المعيش، لذا يحق للحجاج كاظم أنّ يحاورنا تساؤلياً

(هل نحن موجودون بالشِعر؟ أم في الشِعر؟

    أم هو الموجود فينا؟)

مابين القوسين هي بحق شعرنة الشاعر لمقولة فلسفية تشمل : الوجود والموجود والأنوجاد لكن تفكيك المقولة فلسفيا: يضر بعافية المناسبة. إذن لنتوقف عند تصنيع القصيدة لدى كاظم الحجاج وهنا لابد من مواد خام وهي بالنسبة للشاعر(أشياء الشعر أولاً: الوردة الحمراء،البيضاء، الصفراء..هي شعر الحديقة الصامت، قبل أنّ ننطق: وردة حمراء،وردة بيضاء. وردة صفراء. الشعر جمال. والشعرالمكتوب جمال مسجون)

(*)

كاظم الحجاج من مشعليّ الحرائق الشجعان، فهو يرشقنا بهذه الجمرة الشعرية

(هل يستطيع شاعرٌ في الكون أن يرينا حُلما..أعمى ؟!)

الشاعر القرمطي العراقي المتنبي، تنافس/ تراسل مرآويا مع السلطة في زمنه

(أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي     وأسمعت كلماتي مَن به صمم)

لكن شاعرنا الحجاج،يستفز الشعور واللاشعور في الشعراء ويطالب بإجتراح معجزة فسلجية/ شعرية، ومايطرحه الشاعر ليس تعجيزياً،بل هو محاولة ناصعة تحاول تدريبنا على استجلاب الخوارق لإسعاد الإنسان المحروم بسبب عطل ٍ معين فيه وهنا يستبق/ يستفز علم جراحة العيون وغير العيون ..للمساهمة في جعل الإنسان سويا أسوة بالآخرين .. وفي السياق نفسه نتوقف عند قصيدة(عين الزيتون الأسود) ونقتطف مايخص العين ..

(أرأيت َ عيون الدجاج؟

 تنطفي بعد ثانيتين مِن الذبح؟)

(احذر عين المقتول

  فهي عقابٌ حتى الموت

لمن لم يُنقذ ذبح َ المذبوح )

ولنردد  جميعاً، مع الشاعر كاظم الحجاج، ماجاء على لسان المخطوفة زينب ابنة بائع العصير..

(أبي

جَدّد الشمس َ حتى نرى

وفي الصبح أوقد لنا قمرا

فلا في المساء ولا في النهار نرى

نحن أبناء هذا العراق

تعِبنا من الركض ِ صوب الورا)

*الملف المنشور في صحيفة طريق الشعب / 7 شباط 2018

 

[1]) أوجه السيرة ، اندريه موروا ، ترجمة ناجي الحديثي ص67 .

مقداد مسعود


التعليقات




5000