.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرافئ الذكريات - الفصل السابع

لطفي شفيق سعيد

قبل أن أنتقل إلى تفاصيل سفرنا إلى مدينة الموصل التي نقل أليها الوالد وبنفس وظيفته الإدارية في المستشفى العام في الموصل سأبين أسباب هذا النقل المتكرر والذي لا يستغرق سوى فترة سنه أوسنتين ومن مدينة في أقصى الجنوب إلى وسطها ثم إلى شمالها والعودة إلى الجنوب ثم إلى الوسط وهكذا يمكن اعتبارها كما يطلق عليه في الوقت الحالي سفرات مكوكية, كنا في حينها لا ندرك سببا لها ولكن بمرور الزمن تبين لنا بأن مردها هو صفاته الشخصية التي يتميز بها وبالأخص التربية العائلية  وقيمه التي تربى عليها وانحداره من عائلة عراقية معروفة منهم من كان يشغل  مناصب عالية في الدولة ورغم ذلك فإنه لم يتوسط أحدا منهم عندما يشعر بالغبن الذي يطاله خلال عمله الوظيفي إضافة لعزة نفسه وإبائه التي يفرض عليه عدم قبول المال الحرام كأخذ الرشوة خلال ممارسته الوظيفة علاوة على ذلك ما تسبب عن تصرفه عند استهزائه بمفتش الشرطة الإنجليزي الذي زار البصرة لتفتيش الشرطة العراقية التي أسسها الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1921 والحادثة جرى ذكرها في الفصل الأول فقد تم نقله من سلك الشرطة إلى وظيفة مدنية بعنوان مأمور نفوس, إن من واجبات دوائر النفوس ومنذ تأسيسها هو تسجيل أسماء ومواليد المواطنين في سجلات خاصة  ومنحهم  دفاتر نفوس وما يطلق عليها سابقا (جنسية) لأثبات الشخصية, لقد أصبح لدفاتر النفوس أهمية كبيرة خلال فترة الحرب العالمية الثانية الدائرة في أنحاء مختلفة من العالم انعكس تأثيرها على العراق أيضا مما دفع الحكومة أن تتبع سياسة تقشف لمعالجة حالة الغلاء وندرة المواد الغذائية والكسوة فسنت قانون التموين وبموجبه تمنح كل عائلة كمية من السكر والطحين والخام استنادا لعدد دفاتر نفوس كل عائلة مما دفع بعض موظفي النفوس ومن النفوس الضعيفة أن يقوموا ببيع دفاتر النفوس بأسماء وهمية لمن يرغب شراءها بمبلغ دينار واحد لكل دفتر وبهذه الطريقة تمكن هؤلاء من الحصول على أموال تعتبر في وقتها كبيرة قد تصل إلى آلاف الدنانير سهلت لهم شراء الدور والعقارات وكانت تلك الصفقات تتم بالتعاون مع كبار موظفي تلك المهنة ويتقاسمون المبلغ فيما بينهم, وكان الولد يشكل عقبة أمام من يسلك ذلك السلوك فقد كان لا يوافق على منح دفاتر نفوس إلا لمستحقيها وبعد التأكد منهم شخصيا لذلك فقد وجدوا أن أحسن طريقة للتخلص منه هي ابعاده ونقله إلى مدينة أخرى واستبداله بآخر يمهد لهم ذلك الطريق وفي مرة من المرات أستلم كاتب والدي الوظيفة وعمل بإرشادات مسؤوليه, إن الدليل الواضح على صحة هذا القول أن الوالد بقي طيلة حياته يعتمد على راتبه الشحيح ولم يملك دارا وكنا دائما ما نسكن دارا بسيطة أو قديمة ومستأجرة بسعر زهيد يتفق مع مداخيله, لقد جلبت انتباهي حالة من حالات التزام الوالد بقيمه وظهوره بالمظهر اللائق والمحترم أمام الناس فقد كان يهتم بهندامه وملبسه حتى بتسريحة  شعر رأسه فكثيرا ما كان يقف أمام المرآة من أجل أن يقتنع بتسريحة شعره ووضعية ربطة عنقه ومنديل جيب سترته وكان كل  أفراد العائلة يرصدون تصرفه ذاك ويبدون اعجابهم بمظهره, واذكر أيضا أن بدلته الشتائية ذات اللون الأزرق الغامق قد أصبحت قديمة إضافة لكثرة إرسالها للمكوي فلا يمكن ارتدائها لأنها لا تليق بمظهره الذي يهتم به  فطلب من الوالدة أن تصبغ بدلته الصيفية التي هي من قماش كتان أبيض وجعلها بلون بني غامق لكي يرتديها في الشتاء بدلا من البدلة القديمة فتم له ما أراد وذهب لعمله مرتديا إياها مع بلوزة قد حاكته له الوالدة والمهم أيضا أن يكون حذاءه ملمعا جيدا وكان يقوم بتلك المهمة بنفسه لكي يقتنع من لمعانه.

 تلك هي مشاهداتي وانطباعاتي حول الوالد ومنها توصلت لمعرفة سبب نقله من مدينة وأخرى وبأزمنة  قصيرة ,  لقد جاء والدي إلى الدنيا وحيدا فريدا ولم يكن له أخوة وأخوات وبذلك حرمنا نحن من أن يكون لنا أعمام وعمات وقد توفي والده وهو في السادسة من العمر كما أن والده إي جدي ليس له أخوة أيضا وإنما لديه أربعة خوات واحدة هي زوجة الحاج سليم علي والد الفنان جواد سليم والثانية والدة عبد الجبار محمود الطائي زوج الأميرة راجحة أخت الملك غازي. وبعد هذا السرد سأنتقل إلى سفرة الموصل وما تخللتها من ذكريات وصور.

ففي واحدة من مساءات بغداد توجهت العائلة بطاقمها المتكون من ثمانية أشخاص إلى محطة غرب بغداد لكي تستقل القطار الصاعد إلى مدينة الموصل ولا أتذكر الصورة الواضحة التي كنا فيها خلال وصولنا إلى محطة القطار وكل ما يتراءى لي هو أننا قد انتقلنا إليها بواسطة عربة يجرها حصانان وكالعدة  فقد كان إيقاع حوافرها على اسفلت الشارع تؤنسني كما وأن أضواء الفانوسين الموجودين على طرفي العربة تجلب انتباهي طيلة الوقت أضافة للخشية التي اصابتني عند  عبور جسر الخر الخشبي وما أحدثه من اهتزازات عند عبوره إن هذا المشهد بقي راسخا في ذهني وقد قمت بمحاولة استذكاره في الآونة الأخيرة برسم لوحة اسميتها (عربة  من الذاكرة) تركتها من ضمن ما تركته من لوحات في بغداد بعد الهجرة الاضطرارية.

      لقد استغرقت سفرة الموصل ما يقارب ستة عشر ساعة فقد انطلق القطار في الساعة الثامنة مساء ليصل الموصل في اليوم الثاني عند الساعة الثانية عشر ظهرا, لم تحدث خلال تلك السفرة أية مشاهد فقد أمضى معظم افراد العائلة في نوم تلقائي على مساطب الحافلة الخشبية وعندما أطلق القطار صافرته الأخيرة التي أعلن فيها الوصول إلى الموصل أخذنا نتطلع من نافذة الحافلة حيث أخبرنا مسبقا بأن ابن خالي يحيى عبد الله زكي في انتظارنا بالمحطة علما بأننا لم نلتقي به في حياتنا مطلقا عدا الوالدة عمته فيمكنها أن تتعرف عليه وبالفعل فقد شوهد وهو يتطلع إلى نوافذ الحافلات عله يعثر علينا فتم له ما أراد وصعد إلى الحافلة والدموع تترقق بعينيه وهو يحتضن عمته والدتي وأخبرنا بأنه سيأخذنا لبيت أحد المعارف وذلك بسبب عدم تأجير بيت بوقت مسبق وإنني لا أتذكر جيدا كيف انتقلت العائلة بكامل عددها ذاك إلى بيت تلك المعرفة , كان ذلك البيت كئيبا جدا ويشبه الحمامات القديمة ويسوده  الظلام بالرغم من أن الوقت كان ظهرا لقد تم حشرنا في باحة البيت وجلسنا جميعنا متقاربين لا يتحرك أحد منا لأن شكل صاحبة الدار كان رهيبا ومخيفا وهي امرأة سمينة تجلس القرفصاء في رأس مجاز البيت وتحملق فينا بعينين شزرة لا تبعث على الاطمئنان ومما زاد خوفنا منها ما ذكر عن اسمها وهو(عديلة الخصاية) وعبارة (خصاية) تركت في نفوسنا نحن الذكور صورة مرعبة لما لها من علاقة  تتعلق بأعضاء معينة من جسمنا  وعلى حد قول عادل إمام (كل واحد مسؤول عن لغاليغو).

 بدأت المرحلة الثانية من(سفر التيه) بعد أن لم يجد الوالد وابن خالي يحيى بيتا يأوينا ويمهد السبيل للتخلص من خطر (الخصاية) وتم الاتفاق بأن نرحل إلى بيت زوجة خالي ولا أدري هل هي الثانية أو الثالثة أم الرابعة لأن المعروف عن الخال تعدد زوجاته والمهم أننا توجهنا بكامل عددنا إلى ذلك البيت الواقع في الجهة اليسرى من الموصل المسمى نينوى والذي يتطلب عبور نهر دجلة بواسطة الجسر الحديدي الوحيد الذي يربط جهتي الموصل وهي المرة الأولى التي نشاهد فيها ذلك الجسر العتيد, وصلنا إلى بيت زوجة خالي ولم نجد في استقبالنا الخال ويظهر أنه منشغل بأمور أخرى سيرد ذكرها لاحقا وقد رحبت بنا زوجة خالي أم محمد وكانت تختلف عن سابقتها في المعاملة والترحاب لكونها قريبة لنا أمضينا باعتقادي يوم أو يومين لحين إيجاد (الدار المأمونة) ولكن الأمر لم يتحقق بسهولة فاقترح ابن خالي يحيى أن يأخذنا لبيته في الجانب الأيمن ويبدو أن الكبار قد رضخوا وقبلوا هذا المقترح وللمرة الثالثة شدت العائلة التائهة الرحال إلى بيت زوجة خالي الأخرى أم يحيى, ذلك البيت كان بدائي وشكله أشبه ببيوت الأرياف حيث كانت  أرضيته ترابية وفي وسطها شجرة كبيرة اظن أنها سدرة, بقينا في بيت أم يحيى أياما معدودات وهي امرأة طليقة خالي عبدالله وهي إنسانة تنحدر من أصول كردية أتى بها الخال من مدينة حلبجة حين كان يخدم في الجيش برتبة رأس عرفاء وخلال بقاء أم يحيى فترة طويلة في الموصل تعلمت اللهجة الموصلية ونسيت لغتها الكردية كانت في تلك الفترة تعيل أبنها يحيى الذي كان عمره عند التقائنا به ستة عشر عاما إضافة لابنتها حورية التي كان عمرها ثمانية سنوات, خلال وجودنا في بيت أم يحيى أصبت بمرض النكاف وجعلوا مكان نومي في باحة البيت وتحت الشجرة الكبيرة التي كنت أتطلع اليها ليلا واتخيل أشياء غريبة داخلها بسبب الظلام الدامس الذي يلف الدار لعدم توفر وسائل إنارة, لقد زادت حمى المرض علي  لدرجة جعلتني اقضي الوقت متألما من شدة آلام النكاف في رقبتي وعندها طلبت أم يحيى أن يجلبوا لها (خوقه) وهي كلمة في لهجة موصلية تعني شيئا آخر وكنت اضنها فاكهة وقد تكون مثلا خوخه وبقيت انتظر تلك الخوخه  حتى الصباح فتبين لي بعد ذلك أن خوقه في اللهجة الموصلية تعني خرقة وإن الخرقة قد تم احضارها في حينها ولف رقبتي فيها.

لا أدري كيف كان وضع بقية أفراد العائلة وخاصة الكبار كوالدتي وجدتي حمدية وكيف تقبلوا هذه المعاناة المتمثلة بعدم الراحة والاستقرار حيث لم يظهر عليهم أي بادرة استياء وخاصة الوالدة التي كان كل همها أن تستقر في عشها كالطير المهاجر وتعود لمزاولة اعمالها البيتية التي تتقنها بإخلاص ومحبة وهي التي دائما ما تدخل إلى بيت ولا تخرج منه مطلقا لحين الانتقال إلى بيت آخر فطوبى لمثل هؤلاء الأمهات اللائي يتحملن عبء الحياة القاسية وهن راضيات مرضيات بعيشتهن ولو كانت على حساب صحتهن والمهم أن ينعم أطفالهن بحياة جيدة.          

 لقد جاء الفرج وتم العثور على بيت أهم ما فيه من مواصفات أن قيمة إيجاره تتناسب مع دخل الوالد لذلك كان البيت يقع في محلة من محاليل الموصل القديمة تدعى محلة جامع خزام وهي بالقرب من الجامع الكبير ومنارته الحدباء, دخلنا إلى البيت المذكورة على أن يقوم الوالد بجلب أغراضنا البسيطة من افرشة وأدوات طبخ وبعض الحقائب والحاجيات الأخرى التي تم شحنها بقطار الحمل وهي نفس الأغراض التي كانت تتنقل معنا من مكان لآخر, إن أول ما تبادر إلى ذهننا هو اكتشاف معالم بيتنا السعيد الجديد وأول ما تفاجأنا به هو شكله الغامض والذي يتألف من عدة اسطح ودهاليز تتوزع هنا وهناك وبما يطلق عليها أهل الموصل (علية) ويعتقد أنها مصممة لخزن المؤنة التي دأب عليها الناس خلال أوقات القحط والمجاعة التي توالت على الموصل لمرات عديدة, لقد صادف وقت انتقالنا إلى الموصل  في نهاية فصل الصيف وقبل بدأ موسم الدراسة المدرسية بشهر واحد تقريبا وإن شهر رمضان لذلك العام على الأبواب وإن أحداث وذكريات رحلة الموصل عديدة وطويلة ولو أن فترتها لم تتعد السنة والنصف حيث تم نقل أبي إلى مدينة كربلاء المقدسة وفي الفصل الثامن سأتمم تفاصيل الحياة في الموصل قبل الانتقال إلى مدينة كربلاء.

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000