..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
د.عبد الجبار العبيدي
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الخامس مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

 انتهت عطلة الصيف المدرسية وبدأ العام الدراسي 1941 -1942 وفيه التحقت للدراسة في الصف الثاني الابتدائي في مدرسة (البارودية) التي تقع في محلة (الصابونجيه) وإن الذهاب للمدرسة يتطلب أن أسلك الطريق الذي يبدأ من دارنا في (تبة الكرد) المرتفعة قاطعا شارع الفضل دخولا إلى أزقة ضيقة يبدأ أولها بمحلة ( المجارية) وكلمة مجارية غير عربية وتعني قافلة من الحمير يقودها اشخاص مهمتهم  إيصال البضائع من مدينة لأخرى وكثيرا ما تتعرض قافلتهم لسطو اللصوص وقد وردت هذه التسمية في أحدى قصائد الملا عبود الكرخي فقوله: (يصير نملة تصعد الملويه ويصير تروح ال لندن مجارية), وبعد تلك المحلة تأتي محلة قمر الدين ومن أشهر الأشخاص الذين أتذكر وجودهم هناك هو (أبو حفظي) صاحب دكانة  بسيطة تظم كل ما تحتاجه المحلة من احتياجات وكان التعامل مع تلك الاحتياجات في السابق يتم بالفلس والفلسين وقد كانت قيمة الدينار العراقي تساوي الف فلس ومما اتذكره من تلك الطلبات هي طلب بفلسين شاي وبأربعة فلوس شكر وبيضة مسلوقة بفلس وكان صاحب الدكان يعلق البيض المسلوق في صدر الدكان بسلة من السلك المشبك, وتمضي الأيام والسنون ومن كوني طفلا صغيرا اتبضع من العم أبو حفظي وأغدو شابا يافعا اتقدم لخطبة ابنته  مدرسة لغة إنجليزية وتصير زوجتي التي شاركتني مر الحياة مرها  وإننا  الآن نحتفل بالعيد الذهبي لزوجنا  بمناسبة مرور خمسين عاما عليه. لقد ابعدني هذا السرد عن مواصلة المسيرة إلى مدرستي فبعد  محلة قمر الدين تأتي محلة الطوب وتتفرع إلى فرعين أحدهما يتجه نحو بناية وزارة الدفاع القديمة والثاني إلى محلة (الصابونجيه) حيث مدرستي (البارودية) إن مروري في (الصابونجيه)  رسم في ذاكرتي صورا لا تنسى وأهمها وجود بيوت الدعارة منشرة بين أزقتها الملتوية وإن كل من يمر منها يشاهد عددا من البغايا  يجلسن أمام دورهن وبأوضاع مثيرة يكشفن بضاعتهن بلا تحفظ  ومن دون أن يتسبب عنها  أية مشكلة أو مشاجرات بين هن والمارة  وكل ما يبدر منهن هي دعوة  للممارسة الجنس بكلمات تعكس الحالة المأساوية التي تعيشها تلك المسكينات اللائي يعرضن اجسادهن لقاء ثمن بخس ويظهر حالة الفقر الذي أجبرهن على مثل هذا السلوك, إن بيوت الدعارة تلك تقع في منطقة محترمة كانت تظم كثيرا من شخصيات بارزة منهم رؤساء وزراء سابقين وقادة جيش مرموقين كطه الهاشمي وياسين الهاشمي وعبد اللطيف الدراجي ولم تثار أية مشكلة بين الطرفين كما لم تحدث أية جريمة تذكر في حينها فالعديد من أبناء المنطقة يمرون بتلك البيوت عندما يذهبون لأعمالهم اليومية أو لغرض التسوق من سوق  (الصابونجيه)  العامر بالخضروات والتي تظم أيضا مطعم كباب (الصابونجيه) الشهير وطرشي وفرن صمون بنفس الاسم ويعج سوقها بالمتبضعين يوميا وإن سكان المحلة ينظرون بعين العطف إلى  تلك المومسات بسبب وضعهن المادي وطريقة تعاملهن المسالمة,  ومما اتذكره تأكيدا على قولي إنني لم أسمع واحدا من أولاد خالتي الكبار الذين ورد ذكرهم سابقا يذكرون شيئا عن تلكم البغايا لا من قريب ولا من بعيد فالكل منشغل بحياته الخاصة كما إنني وخلال اختلاطي بأولاد المحلة لم نتطرق إلى ذكرهن في وقت كنا نشاهدهن يوميا.

مدرسة (البارودية) عبارة عن بيت من بيوتات منطقة (الصابونجيه) استأجرته وزارة المعارف ليكون مدرسة لأولاد المنطقة والمحاليل المجاورة , يظم ذلك البيت على ما أتذكر مجموعة من الغرف اتخذت كصفوف دراسية أضافة لإدارة المدرسة وإن الصفوف الأول والثاني والثالث تشغل الطابق الأرضي وهناك باحة صغيرة (حوش) يجري فيها تجمع الطلاب الصباحي والطابق الثاني يظم الصف الرابع والخامس والسادس وكان الصف الرابع يظم  كل من يوسف  ابن خالتي وعبد الكريم القره غولي الذي اصبح لاحقا خال أولادي ,إن ادرة المدرسة تشغل غرفة في الطابق الأرضي ويشغلها المدير والمعلمون ونظرا لوجودها بالقرب من صفوفنا فقد كنا نتجنب المشاجرات وأثارة الفوضى بيننا والتي هي  كثيرا ما تحدث في مثل هذه المرحلة بين الطلبة الصغار, أن أجمل ذكرى علقت في ذهني هي عندما كنت أذهب في فترة الفرصة الطويلة  لباب المدرسة حيث يقف هناك بائع (الداطلي) واشتري منه واحدة  بسعر فلسين وهو مصروفي اليومي آنذاك ولا زال طعم (الداطلي) أشعر بلذته  للآن.

 يقوم بعض أهالي الطرف بإرسال أطفالهم إلى الملا قبل تسجيلهم  في المدرسة أي قبل سن السادسة أو السابعة أحيانا وذلك لتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ آيات من الذكر الحكيم  وأشهر ملا في محلة الطوب هو (لالا عليوي) وهو رجل أعمى يلبس الجبة ويضع على رأسه (كشيدة) وهي تسمية فارسية وهي عبارة عن طربوش احمر يحاط حولها قطعة من قماش أبيض مطرز بنقوش ذهبية اللون صفراء, ينهض لالا عليوي مبكرا كل يوم عدا يوم الجمعة ويمر على بيوت الأطفال الذين يقوم بتدريسهم ويقودهم إلى مسكنه الصغير متقدما إياهم وهو يطرق الأرض بعصاه لينبه المارة بوجوده ثم يعاود الكرة ظهرا عندما يعيد الأطفال إلى أهلهم وعندما ينهي طفل ما  من الأطفال حفظ سور القرآن جميعها أي يختمه  تجرى له زفة في المحلة وبمراسيم خاصة تليق بهذا  الحدث , في أحد الأيام لم يخرج لالا عليوي من داره واستغرب أهل الأطفال لعدم مجيئه فحضروا إلى داره ليتعرفوا على السبب فوجدوه مقتولا وقد قام القاتل بسرقة مقتنياته وبضمنها ما يمتلكه من نقود جمعها مما كان أهل الأطفال يتكرمون بها عليه.         

من الشخصيات التي لا زلت أتذكر اسماءهم وأوصافهم ومهنتهم هو ناجي (الأوتجي) وهو والد زميل لي في المدرسة أسمه زكي وقد كان ناجي (الأوتجي) يكوي القمصان والسراويل بواسطة (أوتي) وتعني كلمة أوتي التركية مكواة هي عبارة عن كتلة حديدية ثقيلة يشبه شكلها الزورق تسخن بالفحم المتقد ويجري ترطيب القميص أو السروال بجرعة من الماء يملأ فمه بها ثم يدفعها بقوة نحو تلك الملابس بدلا من رشاش الماء. ومن الشخصيات المميزة صاحب دكانة صغيرة في بداية محلة السور التي تقابل محلة قمر الدين اسمه علي ويكنى (بالزنانه) والزنانه كلمة فارسية معناها امرأة وإن وصوت (علي زنانه) أشبه بصوتها كما وأنه يقلد المراءة  في تصرفاته وحركاته  وبسبب تلك التصرفات أطلق عليه  الناس ذلك اللقب, يقضي (علي زنانه) أكثر أوقاته مخمورا مما يجعله يترنح  في مشيته وإن دكانته هي مكان نومه ومأواه أيضا ويبدوا أن لا أهل له في المنطقة ولم يكن متزوجا والغريب في أمره أنه تحول أخيرا إلى إمام جامع السور الذي شيد حديثا  وبدلا من أن يحتسي الخمرة أخذ يؤذن في الناس خلال أوقات الصلاة واصبح إمامي ذلك المسجد واتخذه مسكنا له.

ومن شخصيات محلة الطوب أيضا (خليلو) رجل ستيني قصير القامة أي قزم يحمل جسده الصغير رأسا كبيرة صلعاء مع شعر أشيب قرب أذنيه ويكتفي بلبس دشداشة مقلمة قصيرة صيفا وشتاء ودائما ما يشاهد يمشي متحفيا وبخطوات قصيرة وسريعة, خليلو أحسن من يجيد قراءة المقامات العراقية ويغنيها بصوت شجي حتى أنه يستدعى إلى مجالس الطرب التي يقيمها رجال مرموقين ومنهم رئيس الوزراء السابق نوري السعيد الذي يهوى المقامات العراقية, لخليلو أخت أصغر منه سنا أسمها علية تتقن قراءة الفنجان وتحضر مجالس النساء في أماكن عديدة من بغداد لتقرأ لهن الطالع ويقال بأن فنجانها كثيرا ما يصيب.

وهناك إنسان مجذوب ومعدم اسمه (حنتوش)  وكثيرا ما شوهد وهو يركض أو يطارد الأطفال الذين يشاكسونه بقولهم ( حنوش كس بيبي- حنتوش كس بيبي) ليثيروا غضبه لأنه يحب (بيبيته) أي جدته كثيرا التي يعيش معها  في بيت خربة , ويشاهد (حنتوش) أحيانا  يقف في مكان اعتاد عليه باسطا كفه للناس مرددا (عمي جوعان) وبهذه الطريقة يمكنه الحصول على ماعون أو ماعونين أو أكثر من المطاعم القريبة, إن (حنتوش) لا يكتفي بتلك الوجبات من الطعام وذلك لضخامة جثته المحشورة في دشداشة فضفاضة قديمة ولذلك فهو يردد باستمرار(عمي جوعان) وهكذا عكس (حنتوش) صورة مجسمة للفقر والتخلف في عراق لم يمر عليه عام بلا جوع.

ومن الشخصيات المؤثرة والتي لها أهمية تذكر في حياة مواطني تلك الحارات في تلك الفترة هي شخصية (اللمبجي) والكلمة أجنبية وأصلها مشتقة من كلمة (لامب) الإنجليزية والكلمة وردت أيضا في قصيدة (آيروسية) اباحية من نظم الشاعر الملا عبود الكرخي مطلعها (مات اللمبجي داود وعلومه - كومو اليوم  دنعزي فطومة) وقد غناها المطرب يوسف عمر و(اللمبجي) هو المسؤول عن إنارة الأزقة بالفوانيس النفطية ولولاه لبقيت تلك الحارات تعيش في ظلام دامس وذلك لعدم وجود وسيلة أخرى فهو يحظر مساء كل يوم ويتسلق سلمه الخشبي ليصل إلى الفانوس ويقوم بتعبأته بالنفط ثم يشعل فتيله ليعود في فجر اليوم الثاني  لإطفاء الفوانيس المذكورة.

 وتحت أنوار الفوانيس النفطية الخافتة ينام أهل الحارة مطمئنين آمنين ليس بسبب تلك الأضواء الخافتة بل بسبب حراستهم من قبل (البصوان) والكلمة تركية تعني الحارس الليلي وكل محلة يقوم بحراستها اثنان من الحرس يقف واحد منهما بطرف ويقف الثاني بالطرف آخر ويقومان بتنبيه كل واحد للثاني بأطلاق صافرات بين فترة وأخرى, إن سلاح (البصوان) هو بندقية إنجليزية قديمة من مخلفات الحرب العالمية الأولى يستلمها من مركز الشرطة القريب مساء كل يوم ويسلمها في صباح اليوم الثاني  وإضافة للبندقية يحمل (مكوار) وهو عبارة عن عصا غليظة  في رأسها كتلة من القار الصلب يستعمله في تنبيه أهل الحارة ليلا وذلك بطرق الأبواب التي يجدها غير مغلقة  فكثيرا ما يجدها على تلك الحالة بسبب الأمان الذ ي يحققه وجوده  من بداية الليل وحتى الصباح ولهذا فإن بعض الناس يتركون أبواب بيوتهم  مفتوحة دون خوف, أما قيافة (البصوان) فهي لا تختلف عن قيافة الشرطي عدا غطاء الرأس فعوضا عن (السدارة) التي يلبسها الشرطي يلبس هو (اليشماغ) والعقال المثبت في وسطه نجمة مثمنة تحمل شعار الشرطة العراقية.

وبانتهاء مرحلة دراسة الصف الثاني الابتدائية ونجاحي للصف الثالث تكون العطلة الصيفية قد بدأت وهي العطلة التي سأمضيها في بغداد وفيها من المشاهد والصور سأذكرها في الفصل السادس.

                                                                                             

 

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000