.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الرابع مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

تركنا مدينة الحي بعد أن أضافت فردا جديدا لعائلتنا وهو ولادة أخي سعدون وقد أسماه أبي على أسم جده وكانت ولادته في أواخر عام 1941.

شددنا الرحال إلى مدينة الرفاعي والتي تقع جنوب مدينة الحي وتبعد عنها عدة ساعات بواسطة نقل متيسرة في تلك الفترة وللآن لا أتذكر نوعها وشكلها وكيفية انتقالنا بواسطتها وإنني مهما اعتصرت ذاكرتي فالصورة غائبة عنها وسبب ذلك يعود لكون عائلتنا كانت تتكون من ثمانية أفراد إضافة لما تنقله معها من أثاث, إلا أن أمرا واحدا أذكره وهو أننا انتقلنا من مدينة الحي خلال عطلة المدارس الصيفية وبعد أن نجحت من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثاني.

وصلنا إلى مدينة الرفاعي وكان الفصل صيفا ودرجة الحرارة عالية جدا وكانت والدتي تصحب خلال تلك السفرة المضنية أخي الرضيع سعدون الذي لم يتجاوز عمره بضعة أشهر وحللنا في  دار ولحد الآن لا أتذكر شكل تلك الدار وكل ما أتذكره منها سطحها الذي كنا ننام عليه باعتبار أن الوقت كان صيفا وكان سطح الدار بلا أسوار مما خلق عندي حالة من الفزع فقد كنت أراقب الأرض الواسعة والفضاء والمساحات الشاسعة المترامية على امتداد البصر ودائما ما كان الظلام الدامس يسود المكان ليلا وذلك لعدم وجود أية إنارة في تلك المنطقة ومما زاد هلعي هو نباح الكلاب التي كانت تنبح طوال الليل  لأن جميع سكان تلك المنطقة هم من الفلاحين ومن عاداتهم امتلاك كلاب لحراسة دواجنهم وماشيتهم من خطر الذئاب وبنات آوى أو من اللصوص ,ومما زاد الأمر سوء أن تلك الدار كانت  منزوية وبعيدة عن وسط المدينة.

كانت فترة مكوثنا في مدينة الرفاعي قصيرة جدا ولم تتعد عطلة الصيف المدرسية  لدرجة  لم تسنح لي التعرف على معالمها وكما أنني لم التحق بمدارسها ولم اذهب يوما إلى دائرة والدي وإن المرة الوحيدة التي أتذكرها هو ذهابي إلى سوق المدينة مع أخي الكبير (علي) حيث أصبت بالدهشة مما شاهدته وهو أن جميع الناس سواء إن كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا وجدتهم يلبسون الدشاديش السوداء وحالة الحزن بادية على محياهم ولم أفهم سببا لهذا المشهد لكوني طفلا صغيرا في حينها وقد تبين لي مؤخرا أن مرد ذلك يعود إلى أن الوقت كان هو شهر عاشوراء أو شهر صفر وأن جميع سكان مدينة الرفاعي هم من الشيعة الذين يقيمون  مراسيم العزاء بمناسبة استشهاد   الأمام الحسين(ع) الذي يصادف في العاشر من محرم  وتمتد تلك المراسيم خمسين يوما اعتبارا من اليوم الأول من شهر محرم الحرام حتى العشرين من شهر صفر الذي يصادف ذكرى أربعينية استشهاد الحسين(ع) في واقعة الطف المؤلمة.

 ذهب الوالد إلى بغداد قبل انتهاء عطلة المدارس الصيفية لغرض التشبث بنقله إلى بغداد حتى لو تم ذلك إلى وظيفة تختلف عن وظيفته وبالفعل عاد الينا وهو يحمل البشرى بنقله إلى بغداد وبوظيفة إدارية في مستشفى المجيدي التي تحول أسمها مؤخرا إلى مستشفى الجمهوري وكرة أخرى حللنا ضيوفا على بيت خالتي التي تعتبر محطة لالتقاط الانفاس ولحين إيجاد دار سكن لنا في بغداد.

لقد تم استئجار دارا مناسبة لنا بإمكانها أن تظم هذا العدد الكبير والذي بلغ عشرة انفار بسبب التحاق عائلة شقيقنا الأكبر فداء الدين وهو من زوجة والدي الأولى التي توفيت على الولادة ومما يذكره والدي أنها كانت جميلة جدا وتدعى (سحر) ويلفظها الاتراك (سهر) باعتبار عائلتها من أصول تركية ومعظم أقاربها يعيشون بتركيا وقد حزن عليها والدي حزنا شديدا لمدة ثلاثة سنوات اطلق خلالها لحيته وباع الدار التي كان يمتلكها والواقعة في شارع الرشيد بمنطقة (الحيدرخانة)  بسعر زهيد جدا لا يتعدى سبعمائة روبية والروبية هي عملة هندية تساوي سبعين فلسا وإن سبب بيعها هو أنه كلما كان يأتي لتلك الدار يتراءى له أن النار تشتعل فيها, عند وفاة زوجة أبي سحر قررت عائلتها الرحيل إلى تركيا  وعرضت عليه السفر معها وتزويجه أخت سحر عند وصولهم تركيا فتم لهم ما أرادوا وأخفوا والدي تحت افرشتهم في السفينة المنطلقة إلى هناك وقد وصل خبر هذه العملية لجدتي (فاطمة) أم والدي فهبت مسرعة إلى السفينة وتمكنت من العثور عليه وإعادته معها و هي التي كانت تقوم برعاية ولده الصغير فداء .

كثيرا ما خطرت ببالي تلك الحادثة التي كانت ترويها لنا والدتي لدرجة إنها جعلتني أتصور لو أن تلك الخطة لو نجحت فحتما أن كل شيء كان يتغير بمجمله وعندها لن يكون لنا وجودا في هذه الحياة ومثلها مثل كل حالة في الوجود يتحكم فيها عامل الصدفة. 

كانت الدار التي استأجرها والدي تقع في محلة ( تبة الكرد) وهي  منطقة  مرتفعة وكلمة (تبة) تركية تعني قمة وهي فرع من فروع شارع الفضل وعبارة عن زقاق ضيق يرتفع تدريجيا إلى أن يصل إلى القمة حيث تنتشر هناك بيوت أكثر سكنتها هم من الاكراد والتركمان, أما دارنا  فتقع في مكان منخفض يطلق عليه (الجقر) وهي كلمة عامية  تركية أو كردية بمعناها العربي نقرة , إن الدخول (للجقر) يتطلب النزول ثلاثة درجات عن مستوى الزقاق وتقع دارنا في بداية تلك النقرة وتتألف من طابقين وهي شبه حديثة مزودة بالماء فقط ولا يوجد فيها كهرباء وتقتصر الإنارة على الفوانيس النفطية وهي وسيلة الانارة لجميع سكان بغداد في تلك الحقبة وإن الطبخ والاستحمام يتم باستخدام الأداة العتيدة (البريمس) وكان أجمل ما في دارنا  تلك (الشناشيل) التي نطل منها على الزقاق ومنها ينادى على الأطفال والباعة المتجولين .

إن محلة (تبة الكرد) تسيطر عل المحاليل المحيطة بها باعتبارها منطقة مرتفعة وأقول مسيطرة بالنسبة لنا نحن أطفال المحلة حيث كانت تدور بيننا وبين أطفال المحاليل المجاورة معارك تقليدية وصورية ننتصر فيها  دوما وكنا نستخدم في معاركنا عيدان خشبية  تدخل في صناعة المرطبات تدعى (على العودة) التي تشبه (الموطا) في وقتنا الحالي, ويجري تحوير تلك العيدان إلى ما يشبه السهام المدببة نطلقها من بكرات الخيوط الخشبية  الفارغة بعد ربط طرفيها  بشريط مطاطي نسحبه ونفلته لينطلق السهم إلى أمام  فيخيف اعدائنا ويولوا هاربين وعندها نعلن انتصارنا عليهم لقد كانت  رحى تلك المعارك تجري بقيادة (شيخ أطفال الطرف) والذي يجب أن يكون أشرسنا وأكثرنا شجاعة. إن أكثر محلة كنا نسيطر عليها في معاركنا تلك هي محلة (القره غول) التي تقع تحت محلتنا مباشرة علما أن تلك المحلة هي مكان مسقط رأسي في بغداد وسميت (قره غول) لأنها كانت موقع سكن رئيس قوات القره غول  التي جندتها الحكومة العثمانية من العشائر العربية للمحافظة على ممتلكاتها وتنتشر هذه القوات المسماة بقوات القره غول في انحاء عديدة من العراق كالمحمودية والناصرية والمناطق الغربية مثل أبي غريب والفلوجة والرمادي وصلاح الدين ولا زالت بعض العشائر العراقية تحمل هذا الاسم إضافة لوجود قسم منها في بعض البلدان العربية مثل الأردن ليبيا.

إن أشهر المحاليل التي تحيط بمحلة (تبة الكرد) إضافة للقره غول محلة (حمام المالح) و(دكان شناوه) التي يقع فيها مركز شرطة بهذا الاسم وتفضي جميع تلك المحاليل إلى شارع الرشيد.

لقد رزق شقيقي فداد الدين في هذه الدار ولده البكر أسماه يحيى وبذلك أصبح بيتنا يضم طفلين بأعمار متقاربة وهما أخي سعدون بعمر ستة أشهر ويحيى أبن شقيقنا فداء بعمر شهر واحد وبذلك يصبح عدد أفراد عائلتنا عشرة انفار.

خلال تلك الفترة أي فترة انتقالنا إلى بغداد وسكنانا في الدار المذكورة صارت مشاهد الحياة تظهر لي جلية وصارت معالم الأيام وأحداثها تبدو واضحة حيث بلغت من العمر ثمانية سنوات مكنني من استيعاب ما يدور حولي بشكل جيد وخاصة بعد أن انتقلت للصف الثاني الابتدائي في مدرسة (البارودية) الواقعة في محلة (الصابونجية) التي سيرد ذكر تفاصيلها لاحقا لما فيها من مشاهد مثيرة فإلى الحلقة الخامسة من المرافئ. 

                                                     

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000