هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصاصة من مذكرات دمشقية

بشرى مهدي بديرة

مضى زمن ليس بالقصير على زيارتي لهذا المكان لاأعرف بماذا أدعوه ..

ربما اخترت له سابقا اسم (مسكن الياسمين) 
هنا جذوري 
من هنا انطلقت شهقة وجودي لأطل على عالم غامض .. 
لازلت اذكر هذا ( البيت العربي )  
وعبق الياسمين الذي لايغادره 
ذاك الياسمين الذي يعرش على جدرانه 
ويتكئ على نوافذه ليستمع إلى حكايا زمن مضى.. 
كنا قد ولدنا معا .. كانت تلك الشجيرة رفيقه الطفولة  أودعتها كل اسراري 
وحين تزهر كنت اعرف بأني كبرت عاما !
لا لا .. شهرا ,  بل يوم
فهي تزهر باستمرار ربما كانت تعجبها حكاياتي فتعبر لي عن امتنانها عندما تهديني طهر أزاهيرها ..

وحين تمطر .. كنا نحتفي سوية 
كنت أقف تحت أغصانها 
أمد ذراعي لأعانق السماء وهي تحوطني بوابل من أقمارها البيضاء التي تتساقط نجمات فضية كمشهد ليس له مثيل .. 
كنت قد اتخذت ركنا في ظلها جعلت منه عالما لي .. حشدت فيه كل ماأعشق ..
أقلامي وأوراقي .. ألواني 
وأشيائي الصغيرة 
وذاكرتي التي كانت تحتفظ بكل التفاصيل .. 

كنت أدوّن كل شي من ذاكرة الياسمين .. 

لازالت رائحة القهوة التي كانت تحتسيها أمي وجاراتها كل يوم صباحا .. تسكنني 
كانوا يجلسون حول البحرة صوت خرير الماء سيمفونية مميزة لموسيقار خرافي الحس ..
كنت أرقب انشغال أمي لأهرع إلى فنجاني 
الذي خبئته عند ياسمينتي  
وقد حفظته لي من الوشاة 
ذاك الفنجان الذي يروق لي شكله 
وألوانه الفيروزية 
مع تلك الرصفة التي أخذت لون اللؤلؤ 
لطالما رأيته قطعة فنية صنعت لي أنا ..
وأصب فنجانا من ذاك السحر 
بن ممسََّك منتقى برقة .. تطحنه أمي مع الكثير من حبات الهيل .. 
وتغليه جيدا لتحضر تلك القهوة السادة 
وتضيف إليه الحنين والكثير من الدفء ..   
كنت اختبئ ريثما املأ روحي منه
فعند أمي هذا فعل مشين الصغار لايشربون القهوة !

كثير من الاحيان كانت تسقط ياسمينة في فنجاني فيتصاعد منه اكسير جمال.. 
توليفة سرية ! 
وأكتب خربشاتي التي لازالت في ذاكرتي تضحكني أحيانا و تضحك علي تارة .. 
هكذا ولدت وهكذا تكونت روحي
عندما يوقظني أبي صباحا على تراتيل من القرآن الكريم 
كنت أشعر بأن العالم خاشع وأنه ينحني بكله لذكر الله وان كل الاكوان تستمع.. 
كنت استقبل الصباح بتلك التراتيل التي تحرر روحي من محبسها  ..  
أذكر صوت الماء والجميع قد نهض للوضوء من البحرة و الماء المنصب فوقها يتناثر كقطع من الماس
كنت أستمع الى ذاك الصوت 
واأرى ذاك المشهد الذي تجذر في ذاكرتي أشعر كيف أن قطرات الماء تهبنا الحياة .. 
وعندما ينتهون أبدأ أنا بالوضوء ..
وقبل أن يرتدي أبي بدلته الرسمية ويحمل حقيبته السوداء وينطلق إلى عمله , أذكر أنه كان يطلب مني أن أعقد له ربطة عنقه
ويراقبني كيف أقوم بلفها بحركات سريعة 
ويأخذها ليلبسها وابتسامة تشرق في محياه 
كان يعجبه أن ابنته تعرف هذا الفن الارستقراطي الانيق ..
ويستغرب كيف تعلمته!
وكيف أمتلك ذاك الحس العالي من  الجمال (علىحد تعبيره) ..
لكنه كان يقول لأمي عبارات كنت أسمعها 
يقول أن قلبي الذي سكن أضلاعي في الناحية اليمنى هو المسؤول عن الرهافة والشفافية التي تسكنه ..
وكان يطلب مني أن أضبط له ساعة يده الثمينة 
وقد أكد لي مرارا أنه لم يذهب يوما إلى دكان صديقه الساعاتي لأمر يخص الساعة على الاطلاق 
بل لزيارته وتفقد أحواله فحسب ..
لأنه يثق بي ويعلم تماما أني أعرف كل أسرار ساعته لكنه لم يعلم يوما أن طرقات قلبي كانت تسير على النحو ذاته الذي تدور به ساعته  .. 

كنت استرق النظر إلى كتاباته وخطه الرائع والذي أخذته عنه ..
تعلمت منه الكثير 
كنت انوي ان أنافسه من حيث لايعلم 
بأن أصبح كاتبة وأخجل أن أطلعه على تلك الخربشات المتواضعة ..
لقد أخذتني الذاكرة بعيدا وأنا أقف على باب دكان الساعاتي الهرم الذي نساه الزمن .. 
وفي حقيبتي تلك الساعة الثمينة 
والتي باتت تسرق الوقت منذ رحيله منذ ذاك اليوم فقدت تلك القدرة على ضبطها !

الوقت .. الوقت 

يؤرقني الوقت أنظر خلف الزجاج إلى طاولة ذاك العجوز الذي لم تعد عيناه تسعفانه 
فارتدى نظارة وهو منهمك في عمله 
لكن يداه باتتا ترتجفان 
إنه الوقت .. نعم لقد عاش عمره وهو يبيع الوقت للناس لم أكن أراه سوى بائع للوقت 
ولكن العمر لم يعطه فرصة ليوقف الزمن عند شبابه 
بل أصبح يسرق منه دقائقه وساعاته.. 
لم يكن وفيا له رغم انه أعطاه عمره 

دخلت إلى الدكان دون أن أحدث ضجة 
فالعمل دقيق جدا
جلست على الكرسي الخيزران المتهالك 
ورحت أرقب العم 
رمقني بنظرة سريعة (مرحبا ببنت الغالي) 
ومد يده لي بالساعة التي يصلحها لاتمام العمل فاعتذرت قائلة لم ولن اصلح غيرها تلك الساعة 
فهي تحتوي على دقائق عمر أبي .. لذا كنت أعيشها أعيشها لحظة بلحظة .. 
ولا يمكنني التعامل مع غيرها 
ولكن ياعم أتيت لأسألك سؤالا 
الساعة توقفت منذ ذاك اليوم الذي توقف فيه نبضي ! محاولات كثيرة قمت بها لأعيد إليها النبض لكن .. عجزت

رفع رأسه ونظر إلي .. ياابنتي هنالك أمور لن تفهموها أنتم ..
فقد أحطتم أنفسكم بأصنام كثيرة..
جعلتوها تمتلككم وحولت حياتكم الى فوضى
إن في هذه التحفة روح .. تتآلف مع صاحبها يعيشان معا ينبضان معا و... يتوقفان معا ..
الساعة لن تعمل مجددا انتهى وقت صلاحيتها فقد كانت تستمد النبض من نبضه .. فهمتي ياابنتي ؟

سرحت في خيالي لبرهة وقمت مسرعة استأذنته على عجل وتوجهت نحو بيتنا القديم .. 
فتحت الباب على مهل توجهت عيناي نحو ياسمينتي لازالت واقفة لكنها ذابلة متعبة وقد أحاطت بها أوراق الخريف وتساقطت أزهارها على التراب أسرعت إليها نزعت عنها الأوراق الذابلة ونظفت التراب من حولها سقيتها ..
هناك تحت تلك الشجرة احتسيت قهوتي بفنجاني البوهيمي القديم فقد كانت امي تختار فناجينها بعناية ..
رائحة البن وعبق الياسمين أعادوني سنين طويلة إلى الوراء .. تذكرت كنزي الثمين أحضرت صندوقي الذي خبأت فيه اشيائي العزيزة 
وبدأت اخط هذه الكلمات 
واقتربت من ياسمينتي وهمست لها : ابقي شامخة وعندما يحين الوقت سنرحل معا .. 
شعرت بقطرات المطر تطرق أوراقها مددت ذراعي نحو السماء وأخذت ادور و ادور ..
وهي ترميني بأزهارها 
وأصوات ضحكاتي ملأت أرجاء البيت العربي .. في حين امتزجت دموعي مع غيث السماء ..

بشرى مهدي بديرة


التعليقات




5000