.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الثالث مرافئ الذكريات

لطفي شفيق سعيد

العام هو 1940 وهو العام الذي انتقلت فيه العائلة من بغداد إلى مدينة الحي ومباشرة الوالد في وظيفته مأمور نفوس قضاء الحي وقد انتقالنا بواسطة باص خشبي بسبب عدم وجود سكك حديد بين بغداد والمدينة المذكورة كما وأن استخدام الباص الخشبي أضمن في التنقل على طريق ترابي غير معبد.

إن فترة بقائنا في مدينة الحي لم تتعد السنة وبضعة أشهر وفيها تم التحاقي في الصف الأول الابتدائي في مدرسة الحي الابتدائية الأولى وهي فترة الدراسة التي شملت بعض أشهر من عام 1940 وأشهر أخرى من عام 1941.

لقد كانت تلك الفترة من الزمن حافلة بأحداث تاريخية مهمة جرت على الساحة العراقية وإنني سوف لن اتطرق لتفاصيلها باعتبارها قد حدثت وأنا في سن مبكرة لا تأهلني استيعاب مثل تلك الاحداث ولكن أهم ما تركز في ذاكرتني منها هو اعلان حلة الطوارئ بادعاء أن هناك حرب قد تقع بين العراق والإنجليز حيث تحولت المدرسة  إلى ما يشبه ثكنة عسكرية ومنها أن ارتدى معلمو مدرستنا  البزة العسكرية التي تشبه بزة الضباط كما وأن الطبة حتى صغار السن منهم ارتدوا بدلة الفتوة ذات اللون الوردي المائل للحمرة مع غطاء للرأس (السدارة) وأخذ الطلبة ينشدون الأناشيد الوطنية والحماسية خلال التجمع الصباحي وفي مناسبات أخرى ومن تلك الأناشيد والتي لا زلت أحفظ جزء منها بسبب تكرارها يوميا هي:

لاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي

هيا فتوة للجهاد هيا هيا هي وأتذكر هنا أننا نصرخ بأعلى أصوتنا عندما نردد كلمة (هي).

وكذلك نشيد: نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد وكذلك يا تراب الوطن ومقام الجدود ها نحن جئنا لما دعينا إلى الخلود.

ومنذ ذلك الحين والطفل العراقي يعيش حالة خوف من الحرب والمستقبل المجهول بسبب السياسات الهوجاء التي كانت تسلكها الحكومات المتعاقبة وأخذ شكل القنبلة والمدفع والطائرة الحربية يرسخ في مخيلته  بدلا من مناظر الطبيعة والأزهار والأطيار ولا أخفي ما كنت أشعر فيه من خوف عندما يتحدث الكبار عن المعارك الدائرة بين الجيش العراقي وبين القوات الإنجليزية في تلك الفترة والتي اتضحت مؤخرا بأنها لم تستغرق وقتا طويلا  انتهت  بسقوط بغداد وعودة القوات البريطانية و القوات الهندية والأسترالية والبولونية تملأ شوارع وأماكن عديدة من بغداد ومدن أخرى كالبصرة والحبانية وكركوك ومن بعدها هروب معظم الوزراء في الحكومة التي شكلها رشيد عالي ولجوئه هو إلى إيطاليا ومنها إلى المانيا ليكون تحت حماية ورعاية أدولف هتلر زعيم النازية والذي خصص له إذاعة تبث باللغة العربية تبدأ بعبارة ( هنا برلين حيوا العرب) وتحت أشراف الإعلامي العراقي يونس بحري.

  انتهت حرب الأيام المعدودة التي دارت بين الجيش العراقي والبريطاني وكانت أشهر تلك المعارك معركة سن الذبان التي تداول أسمها كثير من العراقيين ضننا منهم بأن النصر قد تحقق فيها للعراقيين حيث انطلقت (الهوسات) والأهازيج في حينها تشيد بتلك المعركة التي خلفت شهداء من ضباط ومراتب عراقيين لم يبق لهم أثر يذكر.

 وبانتهاء تلك الحرب الغير متكافئة عادت الحياة إلى طبيعتها السابقة وعاد وصي العرش عبد الإله ونوري السعيد لمزاولة مهامهم وتلت ذلك حملة اعدامات شملت أربعة من كبار الضباط العراقيين الذين ساندوا حركة رشيد عالي الكيلاني.

أعود بالذاكرة إلى طبيعة مدينة الحي فهي مدينة شبه ريفية يغلب على سكانها الطابع الفلاحي والعشائري ويرتدي معظم الرجال الدشداشة وغطاء الرأس هو الكوفية (اليشماغ) والعقال أما النساء فجميعهن يلبسن عباءة الصوف السوداء والقلة منهن يلبسن عباءة الحبر و(الموسليني) ويلاحظ في تلك الفترة أن الطبقة الفقيرة من الفلاحين وهم الغالبية العظمى  حفاة ولا ينتعلون أية أحذية ويأتمرون بأوامر شيخ القبيلة  الذي يمثل السلطة الحاكمة الناهية وسلطته أعلى من سلطة الدولة ويستمد قوته وسطوته من قانون العشائر الذي كان سائدا في حينه وأن أبرز شيخ عشيرة في القضاء كان هو الشيخ بلاسم الياسين الذي يمتلك اقطاعية واسعة تظم جميع الأراضي الزراعية الخصبة التي تدر عليه أموالا طائلة تتحقق من عرق جبين الفلاحين الأجراء الذين يعملون ويكدون في أرضه ليل نهار من أجل الحصول على لقمة العيش.

لقد خصص لسكننا دار هي واحدة من أربعة دور خصصت للموظفين وهي دار حديثة مبنية بالطابوق ومجهزة بالماء والكهرباء مقارنة بجميع البيوت المحيطة بسكننا والتي هي عبارة عن بيوت من طين واغلبها أكواخ بدائية وكانت في جوار منزلنا دربونة تظم عدة بيوت أهمها بيت مختار المحلة الحاج مهاوش ولدي ذكريات مع هذا البيت فقد كانت للحاج مهاوش طفلة صغيرة بعمر خمسة سنوات تأتي لدارنا والعب معها و صادف في أحد المرات أن أمطرت السماء وأصبحت الطرق موحلة فطلبت الوالدة من أخي الذي يكبرني إيصال الطفلة إلى بيتها لكنني اعترضت وقيل لي إين ستبقى وسيحل الليل بعد برهة فاقترحت أن تبيت معي في فراشي! وكانت تلك واحدة من النوادر التي ظل الأهل يضحكون منها, ومن ذكرياتي الأخرى حول بيت المختار أن أقيم فيه حفل زفاف لأحد أولاده واتذكر أن أسمه كان (زنيبيل) وتمتعنا بمراسيم ذلك الزواج من اهازيج واغاني ودبكات (الجوبي) التي انطلقت في تلك الليلة وفي صباح أحد الأيام ذهبت لبيت المختار لأشاهد العروس وفي ذهني كيف تكون هي العروس فدخلت غرفتها باعتباري طفل صغير بعمر سبعة سنوات وسرني منظر العروس المتربعة على سريرها الحديدي وألوان ملابسها الجذابة والمساحيق التي تضعها على وجهها من بودرة و(سبداج حلب) وكحلة العينين والحنة التي تخضب كفيها ورائحة البخور و(الرشوش) التي تعبق في جو الغرفة ومما جلب انتباهي هو وجود ابريق نحاسي برقبة طويلة (بلبولة) مع إناء نحاسي عميق أوحى لي هذا المشهد بشعور غريزي غامض قد يفسر بحالة من حالات الرغبة الجنسية التي تعتري الصغير في سن مبكر.

كان الطريق المحاذي لدارنا غير معبد ويفضي إلى فضاء واسع يستخدمه أصحاب المواشي لرعي مواشيهم  لوجود الكلأ والحشائش هناك ولذلك فإننا نشاهد يوميا مرور قوافل أغنام وأبقار يقودها رعاة يذهبون ويعودن بها من وإلى تلك المراعي وبذهاب وإياب تلك القوافل ترتفع  موجة من الغبار والأتربة إضافة للجلبة التي تحدثها عند مرورها وصادف في أحد المرات أن شاهدت مشهدا لمعركة بين ثورين فكان كل واحد منهما يتراجع للخلف لمسافة ثم يندفع بقوة لينطح أحدهما الآخر محثا دويا هائلا كنت أتوقع أن يقضي هذا النطاح على واحد منهما ولكن الحلبة تنتهي بتدخل أصحابها وربط حبل حول قرنين الثورين وجرهما إلى الى مكان بعيد.

مدرسة الحي الابتدائية الأولى التي باشرت فيها في الصف الأول كانت مدرسة واسعة وحديثة وفيها ستة صفوف أنيقة وساحة خارجية نلعب فيها في الفرصة الطويلة ويجري التجمع فيها صباحا ويتخلل التجمع قراءة الأناشيد والمحفوظات وتكريم المتفوقين من الطلاب في يوم الخميس عند مراسيم رفع العلم وقراءة محفوظة (عش في علاك أيها العلم) من قبل أحد الطلبة أما في حالة رداءة الجو وبرودته وهطول المطر فهناك ساحة داخلية مسقفة تقع حولها الصفوف الستة, كان مشرف صفنا معلم طويل القامة اسمه عبد الرزاق مرغيل وإن اسم مرغيل  كثيرا ما كان يخيفني ولا أعرف سبب ذلك للآن وإنني لا زلت اتذكره وهو يقف في باب الصف لدرجة أن طوله كان يغطي الباب كلها ولا تفارق الخيزرانة يده.

كان التنقل في مدينة الحي بالنسبة لنا راجلا فأبي يذهب إلى دائرته مشيا وكذلك أنا وأخي علي الذي هو في الصف السادس الابتدائي وأختي علية في الصف الثاني في مدرسة الحي الابتدائية للبنات نذهب سوية للمدرسة بنفس الطريقة أي مشيا على الاقدام حتى أن الذهاب إلى سوق الحي لا يتطلب واسطة فهو قريب ويقع في وسط المدينة وهو سوق مسقف وجميل ويجد فيه المرء كل ما يحتاجه من مواد غذائية وفواكه حتى الملابس والتجهيزات المنزلية الأخرى وكانت أسعار المواد بخسة ومنها خمسة بيضات (بعانة) والعانة هي اربع فلوس والكلمة هندية وسعر الدجاجة عشرين فلسا وسعر الخروف (الطلي) بمائة وخمسين فلسا ولغرض بيان تندني تلك الأسعار وقوتها الشرائية فقد صادف أن ذهبت إلى دائرة والدي والتي هي قريبة من المدرسة وطلبت منه أن يمنحني مبلغا لشراء القرطاسية فمنحني عشرة فلوس علما بأن راتب والدي هو اثنا عشر دينار شهريا.

ذهبت توا إلى دكان يملكه يهودي اسمه (شاؤول) واشتريت منه القرطاسية المطلوبة بالشكل التالي أربعة دفاتر بأربعة فلوس ودفتر رسم بفلسين ومسطرة بفلسين ومساحتين بفلس ومقطين بفلس وبعشرة فلوس تم تجهيزي بقرطاسية المدرسة المطلوبة في زمن الخير. إن الشيء الوحيد الذي كنا نفتقر اليه هو عدم وجود وسائل اتصال والوسيلة الوحيدة لتأمين الاتصال ببغداد والمدن الأخرى كانت محصورة بدائرة البرق والبريد والتي فيها  تلفون وآلة لأرسال البرقيات (المورس) حتى أن جميع الدوائر الحكومية إضافة إلى دور الموظفين لا تمتلك تلفونا والتلفونات الوحيدة مخصصة للقائمقامية ومركز الشرطة والمستشفى العام وجميعها مرتبطة ببدالة القضاء كما أن أجهزة الراديو لم تكن متوفرة في البيوت والراديو الوحيد الذي يشتغل بواسطة بطارية سيارة موجود في مقهى من المقاهي العامرة ويمكن سماع الأخبار والاغاني والاناشيد الخاصة بتلك المرحة بواسطته  حيث كان الناس يتحلقون حوله لسماع يونس بحري وهو يصرخ ( هنا برلين حيو العرب) وينقل أخبار الحرب العالمية الثانية وانتصارات جيش هتلر في ذلك العام أي عام 1941 حيث مرت سنتان  على اندلاعها في 1939 لذلك نجد أن أكثر العراقيين قد انحازوا إلى جانب قوات هتلر وأخذوا يرسمون شاره الصليب المعقوف على الجدران بالرغم من وجود دعاية كبيرة وواسعة تنظمها القوات البريطانية المحتلة وذلك بنشر ملصقاتها التي تشير لعبارة (أن هزيمة المحور محققة) إضافة لاستخدامها سيارات تحمل أجهزة سينمائية تبث أفلام الحرب التي تظهر تفوق جيوش الحلفاء على جيش هتلر وكان يطلق على تلك السينمات عبارة (سينما البلاش) التي تعرض أفلامها في الهواء الطلق على قطعة قماش بيضاء تثبت على الجدران. 

 وبمنتصف عام 1941 أكون قد انهيت الدراسة في الصف الأول الابتدائي في مدينة الحي التي غادرناها إلى مدينة الرفاعي التي نقل اليها الوالد في نفس عنوان وظيفته مأمور نفوس قضاء الرفاعي.

وإلى هناك في الفصل الرابع من المرافئ.

                                                                                    

لطفي شفيق سعيد


التعليقات




5000