..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نينا سادور

د. تحسين رزاق عزيز

أنا لم أحقق ذاتي بعد. لم اظهر موهبتي ، التي منحنيها الرب، كاملةً. ويجب علي أن افعل ذلك وإلا سأنفجر إذا لم أوفق في ذلك.

        ولدت نينا نيكولايفنا سادور في 15 تشرين الأول من عام 1950 في مدينة نوفوسيبيرسك.    

        تكتب القصص القصيرة والمسرحيات منذ نهاية السبعينيات. بدأت بنشر نتاجاتها منذ عام 1977. نشرت أول أعمالها في مجلة «نيران سيبيريا». تخرجت سادور في معهد الأدب في عام 1983 حيث درست في حلقة ف. روزوف و ي . فينشنيفسكايا .

       صدرت في عام 1989 أول مجموعة لمسرحياتها بعنوان «المرأة الغريبة» مع خاتمة بقلم ف. روزوف . جلب لها هذا الكتاب شهرة واسعة في الأوساط الأدبية والمسرحية.

         ألفت الكاتبة الكثير من مسرحياتها المشهورة، في النصف الثاني من عقد الثمانينات، مثل «سنونو الدلالة»  (1981)، «المرأة الغريبة» (1981)، «مجموعة الرفاق» (1982)، «يخاي» (1984)،  «الآنسة» (1985).

       كتبت عدة روايات: «وادي الألماز»، «علامات الإنقاذ الرائعة»، «الحديقة»، «الألماني» - وقد صدرت جميعها في كتاب في عام 1997 واحد بعنوان «الحديقة».

      اكتسبت اهتماما خاصا محاولات سادور في كتابة قصة الإثارة الجنسية التي نشرت قسما منها في مجلة «استعراض كاتسي» (2001) والقسم الآخر جمعتها في كتاب «تجمد الأرض الأبدي» (2002).

     نينا سادور حائزة على جائزة مجلة «الراية» 1997.

      كتبت سادور سيناريوهات لمسلسلات تلفزيونية هي: «رجال امرأته» و «أنا هو أنت».

 

       لا أنسى لقائي الأول معكِ بصفتكِ كاتبة ومسرحية. عندما جرى في عام 1987 عرض  مسرحية «المرأة الغريبة» على خشبة مسرح يرمولوفا. كانت ردة فعل الجمهور متنوعة بين الإعجاب وعدم الفهم والموقف العدائي من المسرحية ... فكيف تتذكرين تلك الأيام وذلك العرض؟

      الحقيقة أني لا أتذكر الموقف كاملا ولكني على العموم أتذكره. ويبدو لي أن المجتمع لم يكن معدا لاستيعاب هذه المسرحيات. وان ما يبدو الآن تقليديا مثل «المرأة الغريبة» و«يخاي» كان آنذاك يعد تجديدا، وأنا أحب التجديد، وكل ما هو غير اعتيادي يثير الخوف، لأن الإنسان لا يعرف كيف يستوعبه وبالنتيجة يعاديه. وإن الجمهور آنذاك كان متطوراً أدبياً وثقافياً. وقد تربينا على أدبنا الروسي التقليدي وعلى الأدب السوفيتي الذي كان فيه الكثير مما هو جيد، كما تبين الآن. رغم أني كنت دائما ما ازدريه لكن الآن اكتشف لنفسي أسماء بارزة في هذا الأدب. ثم إن المجتمع كان ملحدا ولم يعترف بأي ظهور للعالم الغامض و الغيبي. وارى أن الموقف العدائي كان لهذا السبب.

          وهل شعرت بذلك ؟

           نعم، شعرت به. فقد اخرج لي في جامعة موسكو المخرج سلافوتين مسرحية «المرأة العجيبة» وكانت جيدة جدا. بعد العرض أوقفني على خشبة المسرح وهجم علي الجمهور في القاعة. وقال بعضهم صارخا فيَّ "كيف تجرئين على ذلك؟! الكتابة ليست بهذا الشكل!"  

         أتذكر جيدا، عندما كتبت «المرأة الغريبة» في الجامعة صرخ احد الأساتذة، لا أتذكر اسمه الآن، قائلا: يجب أن يودعوك في مستشفى المجانين. تصوري هكذا يقول مدرسا لطالبته؟ (ممنوع الكتابة بهذا الشكل! لا تجوز كتابة مثل هذه الأمور! لا وجود لمثل هذه المسرحيات).

 

        قلتِ أن الأدب السوفيتي يحوي الكثير من النتاجات الجيدة. فهل توجد بعض نتاجات الأدب السوفيتي التي ما تزال تمثل أهمية لكِ؟

          يوجد الكثير، بلا شك. مثلا اكتشفت لنفسي الكاتب فيكتور بتروفيتش أستافيف. فقبل عدة سنوات طلب مني مسرح كراسنيارسك أن اعد مسرحية للاحتفال بيوبيل هذا الكاتب. واخترت لذلك أقوى وأبشع واكبر رواياته، بعنوان «ملعونون ومقتولون». وفيها نظرته إلى الحرب الوطنية العظمى، التي كان فيها جنديا بسيطا يعمل بالاتصالات. عندما اصدر هذه الرواية، حدثت له في وقتها الكثير من الإشكالات والصعوبات. فقد قتلته روايته هذه. حيث كرهه الجميع ونقموا عليه وسممّوا حياته، لكني قرأت هذه الرواية. وكم كانت رائعة هذه الواقعية لجندي اعتيادي شارك في هذه الحرب الفظيعة التي قتل في خلفياتها تقريبا ضعف العدد الذي قتل في الحرب. انه كاتب روسي حقيقي ذو مغزى عميق. يصف العالم دون مكر وبصورة مؤثرة وبحكمة. وأنا أحببت هذا الكاتب بصدق. وأصبح الآن كاتبي المفضل للأبد. لقد كان يكره الشيوعيين وغالبا ما تحدث عن ذلك. كان رجلا سيبيريا مشاكسا.

        هل هو سيبيري؟ ظننته من أرخانغلسك.

        هو من ضواحي كراسنويارسك. وهو مستقيم للغاية ومؤتمن من جانب الدولة لأنه مستقيم إضافة لذلك فهو ضيق الأفق لكونه مستقيما، كما هو حال جميع الناس الذين هم على شاكلته، بالاستقامة. وقد لاحظت مثل هذه الصفة عند الناس المستقيمين جدا. وأحببته كثيرا لأنه كاتب رائع. انه كاتب سوفيتي بمعنى الكلمة.

         نينا، أنتِ أيضا من سيبيريا. وبدأت الكتابة هناك. أليس كذلك؟

         قُدِّر لي أن ابدأ هناك. وتحدثت عن ذلك كثيرا، لكني اعتقد أني قلت تفاهات: كتبت منذ الطفولة أشياء بسيطة بصورة خاطفة. انه مزاج وذخيرة روحية. إنه اتفاق الظروف وتربية الفرد ومعرفته منذ الطفولة ووجوب تعرفه على العالم وتقويمه له، وقدرته على التحدث عنه. فلو طُوِّرتْ قابلياتي في مجال الرسم واهتم بتعليمي ذلك، ربما لكنت الآن رسامة وحققت النجاح نفسه. لا اعرف إن كان ذلك حقا. لكن أبي كاتب وشاعر محترف. وأمي مُدرسة للأدب الروسي. وكانت حياتي مليئة بالكتب رغم أن في طفولتي في الزمن السوفيتي كانت الكتب الجيدة قليلة جدا. وتطور خيالي كثيرا وكان استيعابي للكتب تخصصيا. كل ذلك مجتمعا يصنع الكاتب.

           طالما أن ذلك كله كان موجودا عندكم في سيبيريا، فلماذا انتقلتم إلى موسكو؟

           الحقيقة، حان الوقت لانتقالي. شكليا دعاني فيكتور سيرغيفيتش روزوف، الذي أصبح معلمي فقد تعرفنا على بعضنا في مدينة دوبولتي وقد أثرت إعجابه كثيرا وقرأ ما كتبته. وكان دائما يدعوني إلى موسكو ولم ارغب بالذهاب إلى هناك. مرت عدة سنوات ثم رأيت فجأة هذه الوجوه وعالم الكتاب هذا المغلق فنقر دماغي شيء ما وفهمت أني بوجهات نظري هذه للعالم وبما اكتب لا يمكن أن أصبح كاتبة في هذا العالم الضيق المحافظ الرهيب .

          كيف تتصورين حياتك الإبداعية لو بقيتي في سيبيريا؟

          لا اعرف، ربما لكنت غير معروفة لأمد ولكن ربما لم اترك الكتابة. لقد سافرت قبل فترة قصيرة إلى سيبيريا. ويا للعجب، كأني في صحراء وهطل عليها المطر. هكذا كنت.

         المطر أنت! انه موجود في موسكو؟

         المطر هو سيبيريا. وأنا تلك الصحراء التي ازهرت. كان ذلك في بحيرة البيكال التي لم أزرها ولا مرة.  لقد أحببت وشفيت هناك من بعض العلل الروحية المزمنة. الأرض هناك مباركة كثيرة الخيرات. سيبيريا غنية جدا بالمواهب .

          وكل تلك المواهب تنتقل إلى موسكو؟

          لكننا لا نعرف من بقي هناك. وكيف يجري ذلك؟ انه يتم بصورة بشعة ومأساوية وكريهة جدا. ربما تولد هناك عبقريات جبارة لكن لا تجد تطويرا أو إسنادا أو قوة إرادة. إن أهم ما في الأمر هو التطوير اللازم لهذه مواهب. ولما كان الموهوبون يمتازون عن الآخرين بصورة كبيرة ويترفعون على الواقع فإنهم عادة ما يدمرون أنفسهم في التفاصيل الحياتية. ما هي  العبقرية؟ إنها تحقيق الذات. إنها الموهبة الجبارة إضافة إلى نوع من قوة الإرادة والظروف المحيطة. ويجب أن يكون عند الموهوب هوى لا يقاوم لرسالته. لكن سيبيريا خارقة بمواهبها بالوراثة. حيث كان ينفى إليها أفضل الناس والشخصيات غير الاعتيادية المتسامية فوق الواقع المعاش. إذ أن سيبيريا تسمى أمريكا الروسية. 

          كيف استقبلتك موسكو بعد ذلك؟

          اعتقد أنها استقبلتني بطريقة جيدة. فقد كان المعهد الأدبي مكانا رائعا لمن هم على شاكلتي. شعرت كل الوقت بالحب والتساهل معي ومع ألاعيبي. وحتى أني أرى إنهم دللوني. وسمحوا لي بما اشعر الآن منه بالهلع. وكان المعهد الأدبي معهدا فريدا من نوعه. ولكن ليس في زمن بيسين فقد حوله بيسين إلى مدرسة تقنية. فإذا كان الإنسان غير موهوب وجسور فسيزرع حوله كل ما هو ميت ورمادي فقط.

            لنتحدث الآن عن دور غوغول في إبداعك. أنا اعرف انك لا تعجبك أي علامات مميزة، ولكنكِ منذ مدة طويلة تعيشين بجوار المنزل الذي عاش فيه غوغول في أعوامه الأخيرة. فهل لذلك تأثير عليك؟

           لقد عشت السنين الأولى وانا غارقة بهذه الفكرة. خاصة عندما تحدث مصادفات غريبة؛ فبعد مدة وجيزة من وصولي إلى هناك اتصل بي مارك زافاروف واقترح علي َّكتابة مسرحية حول موضوع  «النفوس الميتة» . المسافة بين شقتي الأولى والمنزل الذي أعيش فيه الآن مسيرة عشر دقائق. كتبت هناك مسرحية «الآنسة» في ظروف غريبة جدا. وكتبت هنا «النفوس الميتة» وعانيت من هزات روحية كبيرة مرتبطة بغوغول وبالمسرحية وبمحل سكناي القريب من منزل نيكولاي فاسيلفيتش غوغول. أما الآن فقد هدأت نفسي.

          لكنك تسكنين هنا منذ مدة طويلة.

          أنا أعيش هنا منذ مدة طويلة وقد عانيت من مختلف الحالات الداخلية المرتبطة بذلك. لكن ما يثير استغرابي أن الناس من حولي الذين يجاورونه مثلي، لا يعرفون حتى ماذا كتب!

          لقد تحدثتِ عن المسرحيات التي استوحيتها من نتاجات غوغول. فكم عددها عندك؟

         اثنين من نتاجات غوغول. وعندي مسرحيات مستوحاة من نتاجات كتّاب آخرين. يقولون أني اكتشفت فنا جديدا وهو كتابة المسرحيات استنادا إلى النتاجات الفنية للكتّاب الآخرين.

         كان يوجد فن «المسرحة» (أي تحويل الرواية إلى مسرحية). وقد طُلِب مني تحويل روايات إلى مسرحيات. لكني لا أجيد هذا العمل لأني لدي أفكاري ورؤيتي وصرت اكتب مسرحيات عن كيفية تصوري لتأريخ كاتب آخر وسميت ذلك «المسرحية المستوحاة». وانظر كم عدد هذه المسرحيات الآن. أصبحت فنا مستقلاً بذاته. فبعد مسرحيتي «الآنسة» ظهر عدد كبير من المسرحيات «المستوحاة».

         غوغول، طبعا، هو اقرب لكِ من كتاب الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية.

         طبعا، هو اقرب بكثير. إن غوغول هو اقرب من الواقعيين في أمريكا اللاتينية لأي كاتب روسي حتى لو كانت هذه القرابة مبنية على استعمال اللغة الروسية أو الكلمة الشائعة أو مستندة إلى العادات والتقاليد. فغوغول قد اخترق الواقع الروسي خرقاً. واستطاع بغريزة متوحشة أن يحزر كل حركة مهما كانت صغيرة في طبيعتنا هذه، وفي اللامحدود الذي من جرائه تعترينا الرغبة بنسف هذا البلد. أحيانا اكره شعبي لأنه بهذا الشكل.

         أتذكر أثناء ظهور رواية «الحديقة» كيف كنت تتألمين على متسولي بلدك.

         لقد هدأت الآن. عندي صور كثيرة للمعاناة. لا وجود للمتسولين الآن إنهم ماتوا. ظهر لدينا الآن المتسكعون بلا مأوى، الموجودون في كل مكان في العالم. وبرزوا من الناحية الاجتماعية بصورة واضحة. إنهم لا يريدون العمل أو ظروفهم أجبرتهم على ذلك، لكن أكثرهم لا يريدون العمل. وهم يتدنون ويتدنون. أما أولئك المتسكعون والمتسولون الذين كانوا موجودين سابقا فقد ماتوا. مات أولئك الأطفال الذين كانوا يسيرون هنا حفاة، لا وجود لهم الآن.                         

       عندما تعرفتُ عليكِ، أنكرتِ بشدة تأثير العبثيين الأوربيين عليكِ.

       انتهيت للتو من قراءة يونسكو. لأول مرة قرأت مسرحية «وحيد القرن». غير معقول انك تعتقدين أني لي علاقة بهذا الكتاب. أنا لا افهم معنى كلمة «العبثية». إنها مسرحية مبنية بصورة معقولة تماما. إنها مسرحية - أحدوثة، ومعدة بصورة منطقية وتقليدية من حيث الشكل ومكتوبة بصورة جيدة. وهي جميلة ومتعددة النغمات وبنيتها رائعة. لكنها مسرحية تقليدية تماما. لهذا يجب إعادة النظر بالمصطلحات. العبثية - هي اللامنطق. بينما الحكاية مبنية على منطق قوي كالحديد. وهذا هو التاريخ يستنتج منها العبر.

         كتاباتكِ فيها لا معقولية؟

        عندي اللامعقولية. فها هي مسرحية «وحيد القرن» - حكاية، وقد طلب مني احد مسارح بطرسبورغ أن اكتب مسرحية «وحيد القرن - 2». أما صموئيل بيكيت فهو عبثي. ومسرحية «في انتظار غودو» هي لعبة دقيقة . أنا اعشق هذه المسرحية. بيد أنها أيضا لعبة العقل. فكرة تتقاتل مع فكرة أخرى.

        وهل عندكِ أيضا مثل هذه اللعبة؟

       نعم، عندي . وحتى، ربما، بيكيت هو الأقرب لي. رغم ذلك كله يبقى يونسكو يعجبني جدا. أنا منكبة الآن على كتابة مسرحية على طريقة يونسكو - وستكون على وفق بناءه وستشابه فكره ولكن في ظل واقعية معاصرة ومن واقعنا الروسي المعاصر.

        يقولون أن نثرك يجب أن يقرا مثل الشعر. فأين يكمن سر أسلوبك؟ كيف تعملين؟ أرى ورقة هناك، يعني، انكِ تكتبين بيدك؟

        تعطلت عندي الآلة الكاتبة، صديقتي ، طول الوقت كنت اكتب على هذه الآلة الكاتبة، ولكن تعجبني جدا الكتابة باليد. أما كيف اعمل؟ أصبحت الآن اعمل بطريقة أخرى. مررت بأزمة إبداعية كبيرة. واغلب الظن أنها تتعلق بشخصيتي. إذ اتفقت الظروف معاً. فعندما شاهدت هذا الاسترسال الخليع في ثقافتنا استولى عليَّ اليأس والكآبة الشديدة. والمجتمع متوحش. ثم فجأة أدركت: كيف لا يصبح المجتمع متوحشا؟ فقد عشنا لمدة سبعين سنة بأفكار الشيوعية الشيطانية. ثم انهار ذلك كله ووقعنا في براثن هذا التوحش الحتمي. هذا التوحش هو نتيجة لجرائم مجتمعنا المهلكة. اعتقد أني الآن ادخل مرحلة جديدة في تطوري الإبداعي. لهذا صرت اكتب بطريقة أخرى وارى الأمور بطريقة أخرى، ولكني حتى الآن لم أبلور ذلك.

          «الحديقة» هي رواية حقيقية متعددة الأصوات، فيها مواضيع كثيرة لكن يبدو لي إن أهم ما فيها هو تفسيركِ الأسطوري لتفكك الاتحاد السوفيتي.

            نعم، تحتوي "الحديقة" على هذا الشيء. هل لاحظته أنتِ؟ أنا مرعوبة من نقادنا؛ لهذا اشكر الناس عندما يوجهون لي ملاحظاتهم. رغم أن هذه الأشياء واضحة تماما، لأنها حقيقة. وهي جميلة جدا وكأنها حديقة تساقطت أوراقها. نظام دولتنا فاشي ٌّ، وهي إمبراطورية بشكلها. وتعرفين كيف كان يعيش الناس فيها. وما إن انفتح القفص حتى أفلتت جميع الطيور ولكنها لم تعرف أنها لا تجيد الطيران .

        وهنا المأساة.

       المأساة ليست مأساتي لوحدي، فالبلد كله كان يعاني. إلا أني أجيد صياغة ذلك وعرضه. أما الإنسان الاعتيادي فلا يستطيع بلورة ذلك. هو قادر على صياغة متطلباته الحياتية والمطالب الكبيرة يستبعد صياغتها.

        المأساة الحالية أيضا موجودة في «الحديقة» وفيها حزن كذلك. ومن ثم يبدو لي أن العزاء في ذلك هو الثلج. الثلج من سيبيريا.

         أنا أحب الثلج جدا. وطالما شدني الحنين إليه في موسكو. فأنا سيبيرية والثلج في سيبيريا هو كالعيد وله طقوسه الخاصة. انه فلسفة، انه الله، انه السعادة، انه الفرح. رغم انه يمثل في الوقت نفسه الخطر والهلاك. ذلك كله مجتمعا . الثلج هو سبب كون الإنسان في سيبيريا طويلاً وجميلاً وقوياً. سيبيريا فيها الناس جميلون، الشعب فيها جميل. ولهذا السبب يعتريني الحنين للوطن.

       انك تصفين في هذه الرواية بالذات الناس المهمشين. فهل يحتلون مكانا اليوم في موسكو وفي إبداعك؟

       نعم، طبعا، يوجد لهم مكان. وأنا ابدأ من كون الفنان، ليس في روسيا فحسب، بل في كل مجتمع - هو المهمش رقم واحد. وانه ملك المهمشين. وإلا فهو ليس فنانا. والآخرون - هم تابعون له وهم موجودون فحسب، أما هو بصفته الملك، فيجب أن يطالع الفضاء العدواني. وهذا ما افعله أنا بالذات.

       ولكن، يا نينا، يوجد نادي- القلم الدولي، وتوجد تنظيمات أخرى للكتاب.

       علاقتي حيوية جدا بنادي - القلم، أما تنظيمات الكتاب وصندوق الأدباء... فقد انتظرت بالدور لمدة خمسة عشر عاماً لاستلام هذا البيت الصيفي السخيف في منطقة بيريديلكينو، لا اعلم ما يمكنني أن اعمل لكي استطيع الكتابة هناك وعائلتنا تضم كاتبين أنا وكاتيا ابنتي. ثم جاء شخص ما يدعى اوغنيوف ورمى طلبي، وقالوا لي لا يوجد طلبي لديهم. ومع ذلك هم يمنحون البيوت الصيفية لأناس غامضين، وللأرامل ولموظفينا.

          دائما ما تُذكر ألمانيا في الأدب الروسي المعاصر. فماذا تعني لك الموضوعة الألمانية؟ اعني روايتك «الألماني»؟

       هذه الرواية عن انطباعاتي من برلين. إنها رحلة غامضة. وكانت رحلة غريبة جدا وتعارف غريب من نوعه. لقد كانت رحلة ثقيلة. ويبدو لي أني أحسست بما صرت اعرفه فيما بعد عن برلين. يوجد اعتقاد أو خرافة: أن الفاشيين عندما غادروا برلين - وهم كانوا يمارسون السحر الأسود كما كان يفعل الشيوعيون عندنا...

        السحر الأسود...أ تقولين ذلك مجازا؟

         كلا، عندما غادر الفاشيون برلين، تركوا فيها لعنة شيطانية. هذه خرافة لكن معروف بصورة موثقة أن هتلر وجهاز أس أس كانوا يمارسون الشعوذة والسحر الأسود. كما هو حال الشيوعيين عندنا بالضبط. فقد درسوا تلك العلوم وكانوا يقومون بطقوسها. انتابني شعور عندما كنت هناك أني أحسست بنزعات ما سحرية ومعتمة جدا وجبارة. لم أتمكن من إدراكها أو تفسيرها ولكني وقعت تحت تأثير هذه الظاهرة. فأوجدت هذه الشخصية الغريبة إذ أن هذا الشاب غريب جدا.

         تريدين أن تسمينه لقاء بين روسيا وألمانيا؟

         كيف يكون لقاءً... أنا من الجيل الذي ولد من أناس قتلتهم ألمانيا. لا أزال أتذكر ذلك، بالجينات. ومع ذلك كل شيء قد انتهى الآن. إنها علاقة ما، دموية، علاقة دموية بذاك المستوى، وسيظهر بهذا المستوى شيء ما ...

        غالبا ما يقع أبطالك بأزمة ويتواجدون في عالم مريض، دون تأثير من المجتمع عليهم. فهل تمثل لك الحالات التي على الحافة اهتماما خاصا؟

        نعم، لا تعجبني الكتابة التي يحبها جدا القارئ المتوسط أي القصة التي فيها المعاناة على شكل جرعات. واهتم بتناول النفس في لحظة الأزمة عندما تنكشف كل مواصفاتها، عندما تنكشف الشخصية. الحقيقة إن حالة البطل هي مثل البروز الشمسي. ففي داخل كل إنسان يقبع بطل ما. وحالة البطل في الإنسان هي حالتي (بعد البطل). البطل دائما ما يموت، وفي الحكايات والأساطير غالبا ما يموت البطل. وقد فهمت لماذا. انه يموت في الحياة الواقعية أيضا. فالإنسان يقوم بأعمال بطولية، لكنه لا يستطيع التمسك بها طول الحياة. وكل ما يتبقى بعد ذلك هو الرماد النازل إلى الأسفل فقط. وحياته اللاحقة هي دفع ثمن بطولته. ثمن تميزه من بين الناس. هذا ما يعجبني في الإنسان.

        ربما انكِ أول من تناول موضوع الإدمان على المشروبات بهذا العمق من بين الكتّاب الروس وذلك في رواية «الحديقة».

         تناولت هذه القضية بحب وبدراية بالأمر. والحقيقة أن أبطالي كانوا متلذذين بهذه الحالة. لأنها مريحة وكرنفالية. فعندما يُقبِل على تناول الخمرة أناس عاديون - هذه حالة، ولكن عندما يشرب الكحول الموهوبون الساطعون المحبون بعضهم لبعض- يصبح الأمر هنا عيدا بطبيعة الحال.

         قلتِ في إحدى المرات أن الأدب يحوي موضوعين فقط: هما العلاقة المتبادلة بين المرأة والرجل وعلاقة الفرد بالله. وما سواهما ما هي إلا محاور للموضوع الفني.

العلاقة بين الله والإنسان...هي الموضوع الرئيس. ولا موضوع غيره. لأن الإنسان بكل الأحوال هو سائر لملاقاة الله. ولديه طرق مختلفة وقد يرفض الذهاب إلى هناك لكن اللقاء لا بد منه.

         بينما في نتاجاتك الفنية، ربما، نصادف السحرة أكثر من الله.

         هل تعرفين من هم السحرة؟ إنهم الأوباش الذين لا يريدون أن يتعلموا ولكنهم يريدون الحصول بأنفسهم بسرعة على كل ما يشتهون.

      مفهوم. لهذا هم دوما لا يتوفقون لذلك.

       نعم، والله ينظر إليهم عندما يظنون أنهم انفسهم عظماء.

       لكن نتاجاتك الفنية لا تتطرق للدين بصورة مباشرة.

      أنا شخص غير كنسي وليست لدي حتى ثقافة دينية لأني من الزمن السوفيتي. أنا مُعَمَّدة وفق المذهب الأرثودوكسي وعندي اعتقاداتي، لكني لا اشك بأننا سنلاقي الله. بينما ابنتي كاتيا وحفيدتي أغلايا هم أبناء الكنيسة والمعبد. وأغلايكا تدرس في مدارس الأحد الدينية. لدينا أبرشية ممتازة جدا والكهنة كلهم مخلصون ورائعون. وكذلك الأطفال والمربون. ونحن محظوظون لأن هذا كله يحدث هنا.

         الكثير من قصصك مكرس لعلاقة الرجل والمرأة بالذات. ولكن لنتذكر الفتيات الشابات اللائي يأتين للعمل في موسكو. إنهن يتعاملن أكثر مع صديقاتهن ومع العجائز في الشقق المشتركة السكن وفيها تحدث دراما حقيقية. أليس كذلك؟

      الإنسان لا يعيش في فراغ. والبشر ليسوا نُسّاك والخطاب المباشر مع الرب يجب أن يكون لأناس مختارين، بينما أنا شخص غير مختار عندي رسالة أخرى واصطفاء آخر. أنا أعيش في هذا العالم وسط الناس وأؤثر عليهم وأتأثر بهم. والبطل يتسكع في هذه الحياة ويتحدث مع من يقوده القدر للقائه. بينما عنيت بعلاقة الرجل بالمرأة - الحب - إن اكبر معاناة للإنسان على وجه الأرض هو عشق الآخر.

        ومع ذلك عندك عالم نسائي خاص: فيه الفتيات الشابات أحيانا شريرات، والعجائز مرعبات، ثم الساحرات والسحر. من أين جاء هذا السحر؟

        السحر من شقتي المشتركة عندما أسكنني فيها الوطن لكي أتغنى به طول الزمن. لقد عشت في شقة مشتركة لا يمكن مقارنة تأثيرها بأي نتاج أدبي. فقد كنت أراقب سقوطا للشخصية لا مثيل له. لا يمكنني تصوره حتى في صور "الجحيم" عند دانتي. إن الشقة المشتركة هي بدعة ستالين. حيث تتشابك فيها الحياة.

        أتعنين به بنية الشقة المشتركة؟

        ثم يجب اخذ الشخصيات بنظر الاعتبار. كان معي في الشقة المشتركة: واحدة صاحبة سوابق - لصة -وواحدة عجوز - يهودية وعانس حدباء واثنين أصحاب إقامة عمل مؤقتة وهم ناس لابأس بهم، أصحاء وابنتهم تزوجت من أرمني، وهذا الأرمني يعمل في كي جي بي (المخابرات). وقد كنت غير مفهومة لهم جميعا.

       يمكن اليوم في روسيا ملاحظة الاهتمام الكبير بجميع القضايا الغيبية كأصحاب الخوارق والذين يعالِجون باللمس، والسحر الأسود...فما هو موقفك من ذلك؟

        ارفض ذلك بشدة واشمئز منه. وموقفي هذا ينطبق كذلك على الحلقات الدينية السرية المغلقة، التي اعتبر وجودها جريمة تسمح الدولة بارتكابها. أو أن الحكومة لا تعرف إن أعضاء هذه الحلقات الدينية السرية لا يمكنهم التراجع. إذ ينضم المراهقون إليها ثم بعد مضي عشر سنوات يتوجب عليهم أن يُكَفِّروا على ما اقترفوه فيها طوال العمر المتبقي لهم. إنها علامات انحطاط مجتمعنا وفساده. حالة مجتمعنا الآن مرعبة حيث يشتد فيه الانحطاط الروحي والثقافي يوما بعد يوم. وما يسمى عندنا ثقافة ما هو إلا كابوس مرعب.

       هل يوجد برأيك نثر نسوي خاص؟

       هذه التسمية من صناعة النقاد وهي موضة ما، ولكني اعتقد أنها بدعة غبية، أما المميزات التي يوحدون على أساسها النثر النسوي فهي مثيرة للخجل فحسب... إنها ميزات الأدب الهابطة التي تركز على العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة. بينما المرأة تستحق أكثر من ذلك.

       ما هي القضايا والمواضيع التي تثير قلقك اليوم؟

       لقد صحوت واشتد عودي ونضجت للتصدي للقضايا الاجتماعية. إضافة الى ذلك رأيت ذلك ممتعا للغاية، وزد عليه أني وجدت نفسي كاتبة سياسية. وإذا لم أكن سياسية فانا على الأقل كاتبة اجتماعية ثاقبة الفكر. وسأُسرُّكِ بهذا قريبا. إنَّ قادتنا هنا يصنعون العجائب بشعبنا وبمدينتنا موسكو. أكلوا كل  شيء.  

       هل ستتمكنين من الكتابة عن ذلك؟ وهل ستؤلفين قصصا ومسرحيات عنه؟

       أحاول ذلك الآن وهذه تجربتي الأولى. وإذا اكتمل العمل سأرسله لكِ. كل ذلك يستند على موضوع يونسكو «وحيد القرن».

        نعم، قلتِ ان الأحداث تجري في روسيا.

        الحوادث تجري في إحدى مدن الأقاليم التي اخترعتها. مدينة طبق الأصل لروسيا. وما يجري الآن في روسيا سيجري في هذه المسرحية. ستكون فيها كل الأمراض الاجتماعية التي نلاحظها الآن في روسيا.

       يبدو لي انك تعملين كذلك للتلفزيون أيضا؟

       اكتب سيناريوهات للتلفزيون من اجل المال، وهذا أعجبني جدا. وفريق العمل جيد. لكن المستوى الثقافي هابط جدا كما هو الحال في كل مكان في جميع مجالات النشاط الثقافي. وكتبنا الآن مسلسل لم يتم إنتاجه لحد الآن - وهو مسلسل عن الحياة في المحافظات عن طبيبة المنطقة الفقيرة. وهي طبيبة باطنية تدور على البيوت نعرض من خلالها حياة هذه المدينة. انه مسلسل جيد.

         قرأت أيضا انك في مسلسل «سائقة التاكسي» قمت بشكل رئيس «بصياغة حكايات مختلفة من حياة امرأة سائقة تكسي وفق ترتيب أدبي».

      أنا مؤلف هذا المسلسل. أي أن عملي هو متابعة كل شيء، ثم كتبت عدة حلقات. مسلسل «سائقة التاكسي» هذا يعجبني جدا. وقد اشتغلت على الجزء الأول منه ثم جاء الجزء الثاني والثالث. أنا لا اعمل هناك الآن.

        إضافة لذلك نشرت أعمالا في مجلة «استعراض القطط» الخليعة. فما هي هذه القصص؟

        كفّي عن هذا. إنها مجلة فظيعة. لا أتذكر أي قصص الآن.

         أنشرت ذلك مقابل المال؟

         نعم، مقابل المال. ثم نشرت بعد ذلك كُتَيّب «انجماد الأرض الأبدي».

       أنت في الغرب مشهورة بوصفكِ كاتبة مسرحية وناثرة. وأعمالك مترجمة إلى الكثير من اللغات. وتعاد في بلدك روسيا طباعة مسرحياتك ويتم إخراجها على المسرح. ولكن هناك لغز لا يمكنني فك رموزه، وهو أن نقاد ما بعد الحداثة الروس لا يكتبون عنك إلا القليل ولا يمنحونك أي جوائز، بل لا يعطونك حتى منزلا صيفيا في بريدبلكينو. فكيف تفهمين أنت ذلك؟

        حاول زملائي ورفاقي تفسير القضية لي. إنها مواصفات شخصية. يجب التواجد في المكان والزمان المناسبين ويجب التعرف على الناس الضروريين. وأنا لا افعل ذلك. ثم إني لا أشبههم في أسلوب الكتابة. وليس بمقدورهم فهم كيفية التعامل مع ما اكتب. إن النقاد يخدمون أنفسهم؛ فهم يأخذون كاتباً بمستوى تطورهم ويقومون بتحليل أعماله. إن الناقد لا يتناول بالتحليل أعمال الكاتب إلا إذا كان على نفس مستوى الكاتب من حيث المعرفة والثقافة والتطور والموهبة. ويبدو أنني لا انصاع إلى تحليلهم، ربما هذا صحيح. إنهم لا يفهمون من أنا!!

        السؤال الأخير: لقد عملتِ في التلفزيون وفي الصحف البسيطة، فكيف ترين دور الأدب الحقيقي اليوم في منافسته مع وسائل الإعلام الجماهيري الأخرى؟

        الخسارة ستكون نتيجة منافسة الأدب مع وسائل الإعلام الأخرى. وارى الأدب الجدي في خسران تام. أما كيف يُدرّسون اللغة الروسية في المدارس فحدّث ولا حرج! لا تذكر عندنا في مناهج الأدب الروسي ابدآ كلمة بوشكين (هذه مبالغة كبيرة من الكاتبة - المترجم) ولولا العائلة لصار الأطفال متوحشين. إنهم يدرسون بعض شعراءنا المعاصرين من الدرجة الثانية والثالثة، وادخلوا لأسباب غير معروفة هارمس، بعد أن انتزعوا من سياق جماعة الفن الواقعي عبارة هارمس هو مجدد اللغة الروسية. بينما الطفل يجب أن يتعلم في البداية اللغة التقليدية، أليس هذا صحيحا؟ حسنا، فهارمس رغم كل شئ هو عبقري ويمكن أن توضح الأسرة ذلك للطفل. ولكن كيف يمكن تفسير ترديد الأطفال كالببغاوات "آيبوليت" (آه يؤلمني) لتشوكوفسكي. وعندما يدرسون آستريد ليندغرين في الأدب الروسي، إنهم لا يدرسونها بل يدرسون نص المترجم!   

 

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000