..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


انتصار الإنسان على الموت في رواية تولستوي «الحرب والسلام»

د. تحسين رزاق عزيز

ڤ.ي. لينكوف

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

       لا يخفى الدافع الجدلي (بالنسبة للواقع الاجتماعي) الذي يحركه مؤلف "الحرب والسلام"  يطرح تولستوي في رسالته المعروفة الى بوبوركين عقيدة المؤلف في زمن كتابة نتاجه الكبير "الحرب والسلام": "أهداف الفن لا تقاس (كما يقول الرياضيون) بالأهداف الاجتماعية. فهدف الفنان لا يكمن في حل المسألة بصورة لا يمكن إنكارها بل في الإجبار على حب الحياة بجميع مظاهرها التي لا تعد والتي لا تنضب أبداً (تولستوي ل.ن. الأعمال الكاملة. في 90 مجلداً. الطبعة اليوبيلية. المجلد 61، ص100).

        يسعى تولستوي في الحرب والسلام للدفاع عن الحياة التشاؤمية لأونيغين وبيتشورين الواضحة (يفغيني أونيغين بطل رواية بوشكين التي تحمل الاسم نفسه وبيتشورين بطل رواية ليرمونتوف "بطل زماننا"- المترجم) ومن اهمال  الواقعية الاجتماعية لها.  من وجهة نظر الأخيرة ليست هناك مشكلة تخص قيمة الحياة: يكفي تكوين نظام اجتماعي عقلاني فقط - والحياة نفسها ستصبح رائعة. لهذا فإن الواقع الرئيسي في رواية الواقعية الاجتماعية - هو المجتمع الذي يعد الإنسان جزءً منه ومولداً له. وفي روايات غونتشاروف وتورغينيف وهيرتسن نظام تقيمي واحد لإحداثيات تكون عالم كامل واحد.

 

     الواقعي في "الحرب والسلام" ليس المجتمع وحده بل الفرد كذلك والأسرة والشعب والإنسانية لأنها كلها تتمتع باستقلال نسبي وتُكَوِّن العالم. وإن قدرة تولستوي على تصوير الإنسان والجماعات المختلفة بوصفها عوالم هي خاصية  يتفرد بها.

 

       نستطيع أن نقول: عالم أسرة روستوف أو بولكونسكي لان كل واحدة من هذه العائلات تعيش وفقاً لقوانينها. لكن لا يوجد عالم لأسرة كيرسانوف أو بازاروف (أبطال رواية تورغينيف "أباء وبنون" - المترجم). إنها عائلات مختلفة وليست عوالم لأن تقييمها يجري من وجهة نظر واحدة متعلقة بقيمة واحدة - هي التقدم التاريخي.

 

         "نجد في الرواية الكثير من الذرات والكرات ذات أقطار مختلفة؛ وتشكل كلها سوية حياة مشتركة ووحدة للرواية. أمامنا الكثير من كرات الرواية - عالم أوترادني وعالم ليسوغورسكي وعالم مجلس بطرسبورغ وعالم حياة ملاكات الجيش وعالم الجبهة للجيش. وكل هذه العوالم تضم في نفسها شيئاً متحفظاً بالنسبة للوجود المنغلق وبالنسبة للوجود المعزول بدائرة مصالحه وبعلاقته الخاصة بالأحداث (تشيركوف ن. "الحرب والسلام" لتولستوي بوصفها كمال فني. موسكو، 1969 ،ص 374).

 

        كل جماعة إنسانية في "الحرب والسلام" لها مصالحها التي تُوَلِّد علاقتها بالأحداث وبالناس بحيث تجعلها واقعاً وعالماً يتمتع بكمال وبانغلاق نسبي واستقلال. عندما يصف تولستوي بصفحات معدودات دائرة الدبلوماسيين الروس في فينا فإنه يعرض عالماً خاصاً تماماً. "في هذه الحلقة المنكوبة تقريباً من الدبلوماسيين فقط، على ما يبدو كانت لهم اهتمامات لا تشترك بشيء مع الحرب والسياسة اهتمامات علية القوم وعلاقات ببعض النساء والجانب الإداري من الخدمة".

 

       يرى تولستوي إن أي جماعة من البشر هي ليست ربط آلي لأفراد - جزيئات، بل تكامل روحي من نوع خاص وفي كل منها تنشط قوانين وتقييمات خاصة بها ومعاني زائدة بالنسبة للعوالم الاخرى.

        "دخل روستوف ثانية في عالمه  الطفولي الأسري الذي ليس له أي معنى عند غيره". والعالم  قد يستولي على الإنسان ويخضعه لطلباته.

 

       "بعد أن القي نظرة على درون  فهم في تلك اللحظة أن أجوبة درون لم  تكن تعبيراً عن فكر درون بل تغييراً عن ذلك المزاج العام لعالم بوغوتشارسكي الذي استولى على النقيب".

 

       ونتذكر كيف تنظر نتاشا روستوفا باستغراب وسخرية لأداء الأوبرا وكيف أنها تحت تأثير ذلك العالم الذي كان فيه متفرجوا الاوبرا يعدّون سامين ورائعين، تفقد بالتدرج نظراتها إلى الأشياء وتتوقف عن تمييز الخير من الشر. "عادت نتاشا إلى أبيها في المكتب خاضعة تماماً لذلك العالم الذي كانت فيه. وكل ما جرى أمامها صار يبدو لها طبيعياً على نحو تام". يمكن القول أن تولستوي عرض هنا عملية تطبيق أفكار الحتمية الاجتماعية التي أدركها بعمق وتجاوزها بعد أن افقدها قَدَريَّتها.

 

       إن تعلق الإنسان بالمبدأ الاجتماعي الذي يحدد مصيره، تعرضه رواية "الحرب والسلام" كحادث خاص وبوصفه احد القوى التي تؤثر على الإنسان في العالم.

 

       انتقل بير بيزوخوف إلى موسكو بعد ارتباط الأمير اندريه بنتاشا وسلك سلوك المواطن المسكوفي الاعتيادي (أي المشروط اجتماعياً). "ظل طويلاً لا يسلم لفكرة انه ذلك الحاجب المسكوفي المتقاعد، انه ذلك الذي كان يحتقره بعمق قبل سبع سنوات مضت".

 

       لو جرى تقديم بير بيزوفوف بصفة "حاجب متقاعد" فقط لكانت صورته نموذجاً. وهنا يتطابق المعنى الحياتي والأدبي لكلمة نموذج.

        لا يقلل تولستوي أبداً من قوة تأثير البيئة على الإنسان لأنه يدرك تماماً أهميتها المصيرية. يفهم بير بأي "قوة للموقف والمجتمع والطبيعة، بالقوة العفوية التي ليس للإنسان سلطان للوقوف بوجهها"،  أرسل إلى هناك إلى حيث أرسل  الكثير من رفاقه  الآخرين بالمصير. والإنسان في "الحرب والسلام" غير محكوم عليه حتمياً بهذا أو ذاك من الأقدار، لأن الكتاب لا يقدم الكثير من العوالم. والعالم في كتاب تولستوي متعدد المراكز. العوالم كالجماعات البشرية  تظهر وتتكون بفضل المصالح المشتركة ثم تضم اليها الكثير من الناس. وإن قابلية الإنسان نفسها على تكوين العوالم  المختلفة والدخول فيها مدهشة للغاية. وهذه خاصية ملازمة له وربما تولستوي الوحيد الذي وهبها  لأبطاله عندما صنع منها دقة للحياة  في "الحرب والسلام".

 

       الإنسان يستطيع تكوين عوالمه لأنه نفسه، وفقاً لتولستوي، الهدف بذاته. "مثل الشمس وكل ذرة في الأثير هي كرة منغلقة في ذاتها وتشكل في الوقت نفسه جزءً غير متاح للإنسان  بسبب كبر حجمه - هكذا هو كل فرد يحمل داخل ذاته أهدافه وفي الوقت نفسه يحملها لكي تخدم أهدافاً غير متاحة للجميع". والإنسان عنده دائماً في عالم مرتبط به بواسطة علاقات دينامية ومعقدة عديدة، لكنه هو العالم بذاته - وهذه هي النقطة الرئيسية في إنثروبولوجيا تولستوي. والشخصية البشرية مكتفية  بذاتها ("تحمل أهدافها بنفسها")  مثلها مثل أي عالم ، بيد أنها مستقلة نسبياً، طالما أنها تدرك على كل حال الأهداف العامة غير المتاحة للإنسان"، ولكن كل عالم يدخل ضمن كلٍ كبيرٍ. وللتعبير عن الموقف الأخير يلجأ تولستوي إلى مقارنة الشمس وذرة الأثير اللتين يزول الفرق الكمي بينهما أمام كبر حجم الكل الذي يضمهما. فالشمس والذرة تشكلان بالتساوي ذرة فقط.  لهذا فإن العالم عند تولستوي لا يمكن أن يسحق الشخصية ويخضعها نهائياً. والإنسان عند الكاتب لا يعد فحسب ممثلاً لعالم معين مهني أو اجتماعي وقومي تاريخي وما شابه ذلك.  هو نفسه عالم .

 

        إن الحقائق المختلفة كالإنسان والجماعات البشرية والدنيا التي تضم ذلك الكل معاً وتسمى بكلمة واحدة هي العالم تدل على وجود خاصية مشركة معينة لديها. والتأكيد المميز على صواب اللغة هو المزج في عالم تولستوي الفني بين التصوير المرن الواضح بصورة غير اعتيادية وشخصية الفرد والجماعة البشرية - الأسرة والشعب وحتى الإنسانية.

 

       وهذا المزج بالطبع ليس عفوياً. وبفضل كون الإنسان مكتفاً ذاتياً ويتمتع بحرية صار هو نفسه عالماً ومن ثم يستطيع تكوين عوالم والانضمام إليها.

     

       أبطال تولستوي هم شخصيات بدرجة اكبر من أبطال الحقب السابقة للروابط الروسية: كأونيغين وبيتشوؤرين وبازاروف ورايسكي. فدرجة حرية الخيار عند الأخيرين اقل لهذا يخضعون بسهولة لتعريف: الإنسان "الزائد" و"الجديد" الذي لا يمكن أن ينطبق أبداً على بير واندريه بولكونسكي وحتى على نيكولاي روستوف. لكل بطل من أبطال تولستوي عالمه الخاص ولو دخل سوية مع الآخرين في عالم واحد مشترك يبقى محافظاً على معتقده وأصالته.

 

       تعرض الخاتمة علاقات نيكولاي روستوف والأميرة ماريا منسجمة أو بعبارة أخرى منسجمة رعوياً ومع هذا يظل عند كل منهما شيء ما خصوصي في الحياة غير متاح للآخر. فلأميرة ماريا لم تستطيع أن تفهم علاقات نيكولاي بالفلاحين وحبه للزراعة "كانت تشعر أن لديه عالم خاص،  يحبه بشغف وهذا العالم ذو قوانين لا تفهمها هي". ولكن نيكولاي بدوره كذلك كان يعاني "من إحساس بالدهشة أمام روحيتها وأمام العالم الأخلاقي السامي غير المتاح له  تقريباً، الذي عاشت  فيه زوجته".

     

      وبفضل الحرية وحدها يستطيع الناس أن يتوحدوا في جماعات. لهذا بالذات بدا تولستوي في "الحرب والسلام"  مدافعاً عن الحرية وفي الوقت نفسه منشداً يمجد المأثرة الشعبية.

       "أنا اعرف إن الإنسان (أي- الكائن الذي يعيش حراً) يرى في كل شيء وفي كل فكرة خاصته التي لا يراها احد...." (تولستوي، الأعمال الكاملة في 90 مجلداً. المجلد 60، ص 327).

       إن تعريف الإنسان ("الكائن الذي يعيش حراً" ) مأخوذ من رسالة تولستوي- كلمات عابرة  لا جزافية أملاها موقف معين من علاقاته بالمخاطب وقناعة راسخة لدى الكاتب. والحرية - صفة تعريفية للإنسان "إذا لم تكن هناك حرية لم يكن إنسان". لا يمكن تصور الإنسان بلا حرية وإلا سيكون كالفاقد للحياة". هذه المقاطع من خاتمة "الحرب والسلام" تشير إلى نقطة رئيسية في جدال الكاتب مع الآراء الشائعة المعاصرة له.

 

      كان اكتشاف تعلق الإنسان بالبيئة والعصر انجازاً لواقعية القرن التاسع عشر. واكتسبت حتمية الإنسان في مسيرة التاريخ انتشاراً كبيراً وقوة تأثير غير اعتيادية عندما وصلت إلى حد العبث - أي النفي الكامل لحرية الإرادة. وصارت عقيدة جامدة للآراء الماركسية للمواطنين السوفيتيين. وتجلياتها المتطرفة سيئة السمعة في تاريخ بلادنا والعالم كله. وتشكلت مقدمات للكثير من الأحداث التاريخية للقرن العشرين في ستينيات القرن التاسع  عشر. حيث ظهر آنذاك تحت تأثير  الإمكانيات المفهومة بشكل سيء اقتناع راسخ بعدم وجود حرية الإرادة. ولم تعد المسألة التي نوقشت بشكل حيوي في الإنسان وجعلت التطور اللاحق  للفكر الفلسفي مستحيلاً.

 

      لقد رأى تولستوي بوضوح كدوستوبفسكى عيوب الفهم الجديد للإنسان وقدم تشخيصاً دقيقاً": في زماننا فقط الذي انتشرت فيه المعارف  بفضل الأداة القوية للجهل- انتشار الطباعة انحدرت مسألة حرية الإرادة إلى أرضية لا يمكن أن تبقى فيها المسألة نفسها".

 

       الواضح أن تولستوي توجه تحت تأثير أفكار مذهب الحتمية إلى بحث المبادئ التي تقود الإنسان في تصرفاته. وعرض عملية تشكيل التقييمات التي يتصرف الإنسان منطلقاً منها. وفي نهاية المطاف تستند حرية الإنسان على قدرته على التقييم والتأويل الذي يعني كذلك امتلاك عالمه الخاص. والأبطال في "الحرب والسلام" وِهبوا القدرة على صياغة تقييماتهم وامتلاكها وتبديلها. ويكشف تولستوي ويستعرض دائماً الأحكام البشرية معرياً جذورها الحياتية . يتمتع الإنسان بعلاقاته مع كل ما يصادفه في العالم ومع العالم نفسه. لهذا يسود في الرواية جو من التغلب غير الاعتيادي والتنوع لوجهات النظر والعلاقات بالأشياء. فالأمير اندريه يصل إلى البلاط النمساوي ومعه خبر انتصار القوات الروسية في كريمس. ويبدو له لاستقبال البارد المهذب إهانة غير متوقعة. فالنمساويون لم ينسوا أبداً الفرح لانتصار الحلفاء. "دفعه عقله (الأمير اندريه) الذكي في تلك اللحظة إلى وجهة نظر يحق له وفقاً لها أن يحتقر القائد ووزير الحربية".

 

      تتشكل وجهة النظر بالعقل، ولكن العقل يعمل بأمر من مشاعر الكرامة الشخصية والعزة القومية للبطل في هذه الحالة. ويأتمر الإنسان بالعقل عندما يوجه تصوراته عن الخير. ولا يمكن أن يتطابق مع "وجهة النظر" إلى العالم كما في الرواية الروسية الاجتماعية. وبطل تولستوي ليس عدمياً ولا ليبرالياً ولا محافظاً، انه قادر على اختيار أي وجهة نظر إلى العالم. بازاوف (بطل رواية تورغينيف "الآباء والبنون".م) - عدمي. وأبلوموف (بطل رواية غونتشاروف "ابلوموف".م.) كسرةٌ باقيةٌ من الحياة القديمة، ورايسكي (بطل رواية غوتشاروف "الهاوية" -م) - هاوي غير خبير وسوباكيفيتش (بطل رواية غوغول"الأنفس الميتة" - م) إقطاعياً، أما بير واندريه بولكونسكي فلا يمكن تعريفها بمعنى واحد لا وفقاً لوضعهم الاجتماعي ولا وفقاً لمعتقداتهم السياسية والاجتماعية. وهم لا يتطابقون مع وجهات نظرهم بل هم يتحكمون بها. ولكن أبطال تولستوي يقبلون وجهات النظر والمعتقدات والآراء أو يرفضونها ليس بطريقة نظرية بل عبر التجربة الشخصية لضياع العالم أو اكتشافه.

 

        تظهر جميع الأصناف الأساسية التي تُدْرَكُ فيها الحياة في "الحرب والسلام" عبر علاقات الإنسان المتبادلة مع العالم. إن الحقيقة والسعادة والحرية والسرور في انسجام مع العالم؛ والتعاسة والقنوط والشك - في اختلال وتنافر يصبح دافعاً أصيلاً للبحث عن الحقيقة. ففي تعاسة الإنسان  وكدره ومعاناته لا يعود العالم يتلاءم مع تصوراته ويصبح عدوانياً ولا يعد لخيره ولهذا يصير بلا معنى. ويفتقد الإنسان العالم بوصفه كلاً منسجماً يسمح له بالحياة. والبطل عند تولستوي الذي يعاني من أزمة ويفقد ليس النظرة إلى العالم بل العالم نفسه، أي الذي تصوره ثابتاً تماماً وصحيحاً بصورة مطلقة. انه لا يفقد نظرية ما هناك أو تصوراً بل يفتقد العام بحقيقته المبرمة. والواقع أن طريق بير بيزوخوف واندريه بولكونسكي كله إدراك للعالم وللنفس، وبصورة أكثر دقة، إدراك للنفس في العالم.

 

      إن أقوى أنواع الشعور بالاختلال وعدم التناسق مع العالم يثيره في نفس بير إعدام الفرنسيين للسكان الروس المسالمين. "ما أن رأى بير هذه الجريمة الرهيبة التي قام بها أناس لم يرغبوا بفعل ذلك حتى كأن لولباً قد نبض في روحه فجأة، لولباً كان يتمسك به كل ما بدا له حياً. وسقط كل شيء في دائرة من قمامة لا معنى لها".

 

      العالم القاسي قادر على أن يحطم في كل لحظة الإنسان بجميع أحلامه بالسعادة، - العالم التافه الفاقد للترتيب والوئام والنظام والتجانس أي اللا عالم. وللتعبير عن التفاهة الأخلاقية للواقع الذي يكتشفه البطل يلجأ تولستوي إلى أسلوب غريب لوصف الظواهر من دون ارتباطات سببية ونتائجية بما يعطيها منظر كابوس مخيف. لم يسمع بير المندهش لجميع ما يحصل صوت إطلاق النار و"رأى  فقط، كيف  سقط فجأة لسبب ما ألمصنعي بالحبال  وكيف بدا الدم بمكانين وكيف أن الحبال حُلَّت من ثقل الجسد المعلق وكيف جلس ألمصنعي منكساً رأسه  وثانياً رجله". وكل مرة  عندما يكون بير أو اندريه مستاءين يفقد العالم في عيونهم النظام والترتيب. وبير بعد المبارزة مع دولوخوف كل شيء " بدا له في نفسه وفي العالم من حوله مقززاً وعبثياً ومتشابكا". وعانى من شعور شبيه به اندريه بولكونسكي بعد خيانة نتاشا." في السابق كانت ظروف الحياة هي نفسها لكنها في السابق كانت جميعها متشابكة فيما بينها أما الآن فقد انحلت عراها. إنها ظواهر عبثية  فقط بلا أي أواصر تراءت واحدة بعد أخرى للأمير اندريه". هذا الحالات من تتفيه العالم التي يعانيها الأبطال تصبح نقطة انطلاق ودافع للبحث عن الحقيقة وإعاقة الانسجام تتطلب بقوة إنعاشها. وتعطي الحقيقة اكتساباً جديداً لها لأن العالم لا يمكن أن يكون غير منسجم بالتحديد. فتهديد الوجود الشخصي، والتعاسة والمعاناة - هي الدافع إلى الفكر الأصيل والحقيقي. الحقيقة يكتشفها أبطال تولستوي ليس بهيأة نظرية أو كلمة غريبة أو رأي بل بالتجربة الشخصية حيث يسود شعور لم يجربوه هم قبل الآن أبداً.

 

       تمثل هذه الحالات ذروات من نوع خاص في طريق حياة الأبطال على النقيض من روايات تورغينيف وغونتشاروف التي تقوم فيها التصادمات والنقاشات بين الأبطال بالوظيفة الرئيسية في توضيح الحقيقة التي يمتلكها المجتمع الذي يقرر في نهاية المطاف من المحق ومن الضال. وفي "الحرب والسلام" الرأي اجتماعي أي لا شخصي وكاذب في الجزء الأكبر منه.

 

        المجتمع يَعُدُّ إلينَ امرأةً ذكية ونابليون إنساناً عظيماً وكوتوزوف شيخاً هرماً غير قادر على شيء، لكن في الحقيقة وفقاً لتولستوي كل شيء مختلف تماماً. إضافة إلى ذلك الكاتب ميال حتى إلى التأكيد على أن المجد الموجود ما هو إلا اعتراف عام لا يقع أبداً على عاتق الأبطال الفعليين.  البطل الحقيقي بالنسبة لتولستوي هو مَن يُسكَت عنه ومَن تُنسب له الإشاعة مأثرة ربما ليس بطلاً! "إن هذا الصمت عن دوختوروف اثبت مزاياه بأوضح صورة". وبعد معركة  أوسترليتز تحدثوا عن بسالة بيرغ و"لم يتحدثوا  بشيء" عن بولكونسكي الذي  قام حقاً بأفعال بطولية. وثبات وشجاعة  توشين حددت سلفاً بشكل كبير نتيجة معركة شينغرابينسكويه الايجابية بالنسبة للروس. غير أن هذا النقيب ليس فقط  لم يحصل على اعتراف بأعماله بل لم ينج من اللوم إلا بفضل تدخل الأمير اندريه. فالحقيقة الأكثر عمقاً التي يكتشفها أبطال تولستوي لا تظهر بالكلمات ولا تنتقل بواسطتها.

 

       كلام أبطال "الحرب والسلام" أكثره كذب، وتختفي خلفه الأفكار والمشاعر الحقيقة. وفي لحظات التوتر الحاسمة يفهم بعضهم البعض الآخر عن طريق الإيماءة والنظرة على وجه الخصوص.

 

       أحياناً يصرح تولستوي بصورة مباشرة عن قناعته بعجز الكلمات عن التعبير عن الأفكار والمشاعر الإنسانية. "فهمت الأميرة ماريا الدقيقة كل هذا من النظرة الأولى إلى وجه نتاشا. . . وقد أحستا انه يستحيل السؤال والإجابة بواسطة الكلمات. فوجه نتاشا وعينيها كان يجب أن يقولوا كل شيء بصورة أكثر عمقاً ووضوحاً": "إنهما لم تبكيا لا بحضوره ولا بدونه لكنها لم تتحدثا أبداً عنه فيما بينهما. وقد أحستا أنهما لم تتمكنا من التعبير بالكلمات عما فهمتاه". فالحديث بالعيون الذي يتناقض مع الكلمات،.. - هو ظاهرة متكررة عند تولستوي وندركها نحن على أنها أسلوب سائد تَمَكَّنَ الكاتب بمساعدته من نقل الأحاسيس المخفية والدقيقة "لقد قبَّل يدها وخاطبها انتم - يا سونيا. لكن عيونهما التي التقت كانت تقول بعضها للبعض الآخر "أنت" (كناية عن رفع الكلفة بينهما - م) وتبادلا القبلات برقة".

 

      يُقَيّم الكاتب بشكل حاد على الخصوص إمكانية الكلمة في الحياة العامة للحشود في الأحداث التاريخية. فمثلاً يكتب عن كوتوزوف: "ليس في هذه الحالات فقط بل ان هذا الشيخ الذي توصل من خلال خبرته في الحياة إلى القناعة بأن الأفكار والكلمات التي هي تعبير عنها ليست المحرك للناس، قد قال كلمات لا معنى لها أبداً - الكلمات التي خطرت للوهلة الأولى في رأسه".

 

       وعند الجدال الفلسفي في المعبر يستعرض بير بقناعة دينه الجديد لكن بولكونسكي على كل حال يرفض قبوله على انه الحقيقة طارحاً دليلاً تقليدياً: "انك تقول: انضم إلى جماعتنا ونريك هدف الحياة وغاية الإنسان والقوانين التي توجه العالم. ولكن  مَن نحن؟ - بشر  من أين جاءتكم معرفة كل شيء؟ لماذا لا أرى لوحدي ما ترونه انتم؟".

 

      وفعلاً لماذا المذهب الذي يكشف عقلانية وعدالة بناء العالم متاح لا بالعقل ولا بالحق للبعض وغير متاح للبعض الأخر؟ ولا ننسى أن الكلام عند أبطال تولستوي يدور حول الحقيقة التي يمكن أن تسمى مطلقة طالما أنها تُنسَب إلى أي شخص بكل كماله. إنها لا تمس جزءاً معيناً حتى وان كان ضرورياً جداً كما تفعل العلوم، بل تمس حياة البشر كلها.

 

      معرفة حقيقة الحياة ضرورية لكل فرد وهي أهم ما يقدم الفكرة والقيمة لكل شيء آخر. لهذا هي دائماً في كل مجتمع وفي روسيا قبل عام 1917 كانت تنطلق من الله وليس من الإنسان وهذا له دلالته العميقة التي اكتشفت بكل وضوح في القرن العشرين، قرن الأنظمة الشمولية والتي فهمها تولستوي ودوستويفسكي في القرن التاسع عشر.

 

      إن الفكرة التي صاغها أبطال "الحرب والسلام" وأظهروها في الكتاب حتى وان كانت تُنسب إلى المؤلف الشهير، لا يمكن تقبلها على أنها حقيقة ثابتة ومطلقة. وفي ردٍ على كلام بير الذكي والعاطفي الذي يعرض بصورة رائعة نظرية هيردر (يوهان جوتفريد هردر - كاتب وشاعر وفيلسوف وناقد ولاهوتي ألماني. ولد عام 1744، ومات في عام 1803- م) عن اشتراك الإنسان في الكل المتجانس يقول اندريه: "نعم انه مذهب هيردر، . . . ولكن ليست نفسي التي تقنعني بل الحياة والموت ما يقنعني". وبعبارة أخرى لماذا إنا ملزم بمذهب هيردر؟ انه أيضاً إنسان يمتاز كسائر الناس بالضعف والشك والتذبذب. وفكره كذلك محدود ومتعلق بإمكانياته الشخصية وبالزمان والتربية والظروف بل حتى بالمزاج. وهو كالكثيرين من الفلاسفة الآخرين استطاع أن يرفض بعض معتقداته ويتحول إلى معتقدات مغايرة لها تماماً. لنفترض أن هيردر كان يمتلك حقيقة مشروطة مَثَله مَثَل الذي لم يستطع لسبب ما استيعاب كتبه. وهذا يبدو عبثاً. كلا، الطريق إلى الحقيقة يجب أن يكون مشرعاً بوجه كل إنسان. وهكذا هو الحال في كتاب تولستوي وليس من المستغرب أن يكرر الأمير اندريه فكرة بازدييف: "الحياة والموت هو ما يقنع". فالإنسان يصدق في الحقيقة بالخبرة الشخصية للحياة. وهذا الموقف في غاية الأهمية بالنسبة لتولستوي وعالمه الفني. وهو مبني على الإقرار بحرية الإنسان منذ الأزل، وعندما يدافع تولستوي عنها في "الحرب والسلام" فإنه يبدي روحاً ديمقراطية عميقة وحقيقة مستمدة من مصادر الدين المسيحي.

 

       وربما يمكن أن تتوضح فكرتنا بصورة أفضل بمقارنة رواية الحرب والسلام برواية "ما العمل؟" لتشيرنيشيفسكي، الذي خاض تولستوي معه جدالاً على صفحات كتابه العظيم. إن العلاقة من القرب والالتحام بين الروايتين تجعلني أقول بكل شجاعة: بدون رواية "ما العمل؟" ما كانت رواية "الحرب والسلام" لتكون.

 

      فمثلاً الحقيقة الحياتية المطلقة عند تشيرنيشيفسكي تنطلق من الناس. ويوجد في روايته أناس يمتلكون الحقيقة التي يمكن أن يعلموا للآخرين بها. إنهم يعرفون كيف يستطيعون، إن حَلّوا جميع المشاكل وتغلبوا على جميع الصعوبات، أن يقدموا لكل شخص ولأي شخص السعادة السامية والصافية على الأرض. وهؤلاء الأشخاص يُدعَون في رواية تشيرنيشيفسكي "غير اعتياديين". كان تشيرنيشيفسكي ديمقراطياً ووقف ضد كل أنواع الامتيازات الاجتماعية كلها وكان داعية متحمساً  لإلغاء قانون العبودية (القنانة)، ولكنه في الحقيقة أكد في نظريته على عدم تساوي الناس في المجتمع من حيث الأساس. وإن التبعية للإنسان لمالك للحقيقة المطلقة التي لا تقبل الجدال أسوء من التبعية الاجتماعية والطبقية وحتى الاقتصادية. وعلى أساس هذه التبعية ينمو أكثر أنواع الاستبداد رهبة لأنظمة شمولية تقدِّم دائماً قادة يعرفون كل شيء. يوجد عند تشيرنبشيفسكي ناس غير "اعتياديين" تتعلق بهم سعادة الآخرين كلهم بينما تولستوي رفض قابلياتهم الرئيسية. ونضاله ضد عبادة الإنسان العظيم هو، بطبيعة الحال معارضة للنظرية الاجتماعية لمؤلف "ما العمل؟" . وعندما قوض تولستوي عبادة الإمبراطور نابليون فإنه في الوقت نفسه فضح بشكل متناقض لكن واع تماماً عبادة القادة الاشتراكيين الذين سيحين أوانهم في القرن العشرين. وإن استنتاجات تولستوي ضد تأليه بعض الشخصيات التي تزعم امتلاكها الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها حافظت على قوتها حتى أيامنا هذه وتنطبق على من يمتلك الادعاءات ذاتها اليوم. إن عبادة الإنسان العظيم المتفوق على الجميع وبكل شيء تستند على كذبة محمية بعناية لهذا يخشى أكثر ما يخشاه الكلمة الحرة.  "يجب عليَّ، - إعترَفَ نابليون - أن أُبْهِر وأُذْهِل. وإذا ما أعطيت الحرية للصحافة والنشر فإن دولتي لا تدوم أكثر من ثلاثة أيام" (اميرسون ر. نابليون، أو رجل العالم // تين ي. نابليون بونابرت. موسكو، 1997، ص195).

 

    وهذا يعني أذا يستطع الناس أن يقولوا رأيهم بحرية لا يمكن للطغاة "أن يبهروا ويذهلوا". فالسحر لا يتم إلا في ظروف محددة. ويلاحظ ان نابليون نفسه يقدم تقييماً دقيقاً لقوة دولته كذلك.

 

        إن اكبر حقائق الحياة متاحة حسب معتقد مؤلف "الحرب والسلام" لكل شخص وبإمكانه  الحصول عليها ليس عن طريق الناس الآخرين. لا يستطيع أي إنسان أن يُعَلِّم الآخرين ويكتشف لهم السعادة الأسمى. ويتحدث تولستوي عن هذا بصورة مباشرة في كتابه: "يستطيع كل فرد أن يفهمها (أي السعادة الأسمى) ولكن لا يستطيع إدراكها وإنفاذها إلا الله" - هكذا فكر الأمير اندريه قبل موته بوقت قصير. هناك حقائق علمية متاحة للمتخصصين ويُعَبَّرُ عنها بلغة علمية خاصة مفهومة للعلماء فقط.  ومعرفتها غير ملزمة لكل فرد ولا تؤدي أي دور في الحياة الشخصية للناس. أما ما يراه الأمير اندريه ويكتشفه فهو مهم ولازم لكل فرد ويمكن لكل فرد كذلك تحقيقه لكنه مُدرَك ونافذ  من طرف الله لا الإنسان.

 

        لهذا الإنسان غير ملزم بهذه الحقيقة لإنسان آخر ولهذا هو حر ومستقل. ولا يمكن لأي احد أن يفرض عليه الحقيقة الأسمى إلا الله. لكن الإنسان ببساطة لا يتقبل على عمى ما فُرض عليه كعقيدة متجمدة بل يفهمها بوصفها حقيقة. وان حاملها الرئيس هو ما يرافق الجميع  بدون استثناء في مضمار الحياة " الولادة والموت والحب والطبيعة. وفعلاً ما هو الشيء الذي يؤدي الدور الرئيسي في حياة بير واندريه بولكونسكي ونيكولاي روستوف؟ ما هو الشيء الذي يعلِّمهم ويكشف لهم الجديد ويُبَّدِل قناعاتهم؟ سماء أوسترليتز والنجوم والبلوط المتساقط وولادة الطفل وخطر الموت - هذا الذي يبدي تأثيراً قوياً على الأبطال ويغير حياتهم ويفتح أمامهم أبواباً جديدة موثوق بها ولا شك فيها. وفي هذه الحقيقة السامية التي أنفذها الله في الإنسان، توجد حسب تصور  تولستوي خاصية رائعة أخرى: إنها مشرعة ومتاحة لكل إنسان في كل لحظة من لحظات حياته. لا يوجد بالنسبة لها مفهوم "فات الوقت" وتستبعد إمكانية أن يقال عن الإنسان ان حياته محطمة بلا آمل ولا شيء يساعده. فالحياة تجري وتحمل للإنسان خبرة جديدة، فاتحةً آفاق جديدة، حتى وان كان راقداً على وسادة الموت. والأدهى من ذلك إن أبطال تولستوي عندما يكون الموت قريب منهم بالذات يقومون باكتشافات أساسية بالنسبة لهم .

 

       الموت عند تولستوي، الموت بالذات يقول للإنسان أهم الأشياء وأوثقها. والانتصار على الموت يعطي الإنسان معنى أسمى للوجود وهذا المعنى لا يمكن لأي شيء أن يزحزحه. ويقترب منه أبطال تولستوي عن طريق خيبة الأمل والشك والفاجعة والمعاناة متبعين إيقاع الحياة: إيمان- خيبة، إيمان-خيبة، إيمان.

 

       يفقد بير واندريه بولكونسكي معنى الحياة  ثلاث مرات ويجدوه إلى أن يجدوا الحقيقة الدينية العليا. في البداية يتعرفون على ما يحتاجونه عندما يدركون ضرورة المطلق بالعقل فقط ثم يقتنعون بوجود الله بالتجربة الشخصية. في البداية الكلمة ومن ثم الواقع. يستعمل تولستوي أسلوباً فنياً خاصاً: يعرض في البداية الموقف الملح جداً للأبطال وللكتاب كله كاملاً في كلمة ثم يولد بوصفه حقيقة بالخبرة الشخصية.

 

        كانت المبارزة مع دولوخوف والافتراق عن الزوجة بالنسبة لبير إحباطاً لآماله وانهياراً لسعادته. عندما يتحدث تولستوي عن حالة بير يخبرنا في بادئ الأمر عما كان يفكر به. انه لا يفعل شيء سوى التأكيد بقوة على جدية أفكار البطل. وهذا التفكير الذي لا شيء أهم منه بالنسبة  للإنسان يراه تولستوي حقيقاً وقادراً على أن يؤدي إلى نتيجة. إن بير يبحث عن النجاة من الغم والألم  والمعاناة. انه لا يهتم بالفكرة كما حدث في حفل الاستقبال عند آنّا بافلوفنا شيرير، ولا يريد أن يرى أحداً أو يصطدم به بنظراته بل يفكر بإصرار وعناد كيف يصارع من اجل الحياة. "كان مستغرقاً بالتفكير وهو ما زال في المحطة السابقة واستمر بالتفكير عن الشيء نفسه المهم بالنسبة له، كيف انه لم يولِ أي أهمية لما حدث حوله".

 

        يبحث بير عن إجابات على ابسط الأسئلة وأكثرها إلحاحاً، التي انشغل بحلها ومازال ينشغل الناس على ما يبدو إلى الأبد. "ما هو الجيد؟ وما هو السيئ؟ ماذا يجب أن نحب وماذا نكره ؟ لماذا أعيش ولماذا أنا هكذا؟ ما هي الحياة وما هو الموت؟ ما هي القوة التي توجهنا؟ - تساءل مع نفسه".

       لا تحتاج الإجابة على هذه الأسئلة إلى مسيرة طويلة. فكل ما يحيط بالإنسان وما يجري معه يصبح مادة لتفكيره طالما الحياة في الإنسان وفي ما حوله. إن ناظر المحطة التي توقف عندها بير في انتظار الخيول على ما يبدو قد خدعه عندما قال لا توجد خيول. "هل كان ذلك سيئاً أم حسناً؟" - سأل بير نفسه. "بالنسبة لي فعلٌ حسن، وسيء بالنسبة لعابر سبيل آخر أما بالنسبة له شخصياً  فهذا فعل لا مناص منه لأن ليس لديه ما يأكله: قال إن الضابط ضربه على ذلك. أما الضابط فقد ضربه  لأنه يريد أن يسير سريعاً. وأنا أطلقت النار على دولوخوف لأني اعتقدت أني مهان ولويس السادس عشر أُعدِم لأنهم عدّوه مجرماً وبعد سنة قتلوا من أعدمه للسبب نفسه".

 

        لا يجد بير جواباً على التساؤل: ما هو السيئ ؟ وما هو الجيد؟ وهذا يعني العيش لأجل لا شيء. كل واحد يسعى لتحقيق هدفه ويتبع مصلحته وما هو جيد لأحدهم لا محالة سيء لآخر. ليست هناك حقيقة أبداً: لا في الحياة الشخصية ولا في التاريخ. البعض يعد لويس السادس عشر مجرماً أعدمته الثورة الفرنسية، والبعض الآخر يسمون قتلته مجرمين. مَن المحق؟ لا يوجد جواب. ربما في هذا تكمن الحقيقة؛ أن لكل فرد هدفه الذي في السعي إليه وفي تحقيقه يكمن مغزى الحياة الذي يمنح الإنسان السعادة؟ كلا، هذا الحال لا يلائم بير لأن هكذا أنواع من الأهداف الخاصة والشخصية تافهة وعقيمة، لا يجلب تحقيقها للإنسان السعادة والسرور أبداً.

 

         ينظر بير إلى البائع الذي يعرض عليه  بضاعته ويأخذ فكره منعطفاً جديداً. "عندي مئات الروبلات التي لا اعرف  كيف أنفقها بينما هي تقف بمعطفها المتهرئ وتنظر لي بوجل - فكر بير. - فما الحاجة لهذا المال؟ قليل منه بالتأكيد يمكن أن يضفي على روحها السعادة والطمأنينة؟ وهل يمكن لشيء ما في العالم أن يجعلها ويجعلني أقل عرضة للشر والموت؟ الموت الذي ينهي كل شيء والذي يجب أن يأتيني الآن أو غداً، - على كل حال بعد لحظة مقارنة بالسرمدية والخلود".

 

         يتوصل بير في تفكيره إلى الحد الأخير وليس إلى أعمق أساس لوجوده فحسب بل إلى أساس الحضارة كلها التي تتحدد طبيعتها في المقام الأول بالعلاقة بالموت والحياة. فالموت يسلب الحياة معناها وقيمتها. لهذا فالأديان كلها التي حددت حياة الشعوب لقرون وآلاف من السنين كانت تتناول قبل كل شيء حل مسألة الموت وتعلم كيفية التعامل معه. وبغض النظر عن كون الفرد يعرف هذه الأسئلة الأخيرة أم لا، فكر بها أم لا، تبقى حياته تنهل من هذا المصدر.

         كانت هذه الأسئلة بالنسبة للفرد وللإنسانية جمعاء دائماً هي الأهم والأكثر إلحاحاً ويتعلق بالجواب عليها كل ما تبقى: كالفن والعلم والدولة والعلاقة بذوي القربى...الخ. هكذا كان الوضع على الدوام باستثناء الزمن الذي عاش فيه تولستوي وكتب رواية "الحرب والسلام". إذ قرر الناس في ذلك العصر الغريب أن لا وجود لمسألة الحياة والموت. فقد تجاهلوا الموت كشيء غير مهم. والحياة في تصورهم لها معنى واضح لا نقاش فيه. والإنسان حسب اعتقادهم مطلوب منه أن لا يفكر بمغزى الحياة بل بجمالها الظاهري وحده. أراد تولستوي في "الحرب والسلام" أن يُذَكِّر معاصريه بقضايا الوجود الخالدة.

       يجعل الموت المحتوم في عيون بير الحياةَ لا معنى لها. هل يمكن إضفاء معنى جدي لما يجري سريعاً، ولا بد من جريانه، من يغيب إلى الأبد. وهكذا يتوجه بير من المحطة في طريقه قدماً وهو مسرور بعد أن اكتسب معنى الحياة. فما هو الشيء الجديد الذي عرفه وما الذي غيَّر بشكل حاد مزاجه؟

 

       يلتقي بير في المحطة بالماسوني العجوز بازدييف الذي اقترح عليه المساعدة بعد أن عرف مصائبه. ويجيب بير أن من المستحيل أن يستطيع محدثه تخفيف حالته طالما انه (بير) لا يؤمن بالله.

"يجب عليّ أن أقول لكم، أني لا أؤمن ،... لا أؤمن بالله، - قال بير بأسف وقوة.."ويصطدم بيزوخوف  المعتقد بحقيقة الآراء الإلحادية وقوة حجتها، في الحديث مع رفيقه في الطريق بدليل قاطع وغير متوقع. "إنك لا تعرفه (الله) ، يا سيدي، ولهذا أنت تعيس. إنك لا تعرفه وهو هنا، هو في كلماتي. انه فيك، بل حتى في أحاديث التجديف التي تلفظت بها الآن. . . فلو لم يكن موجوداً، - قال بهدوء - لما تحدثنا معك عنه، يا سيدي، عن أي شيء  وعن أي احد نتحدث؟ مَن أنكرتَ؟" استعد بير لسماع تأكيدات سخيفة وساذجة تتناقض مع العقل البشري، وسمع جواباً ينم عن فكرة عميقة: من أين وبأي شكل ظهرت فكرة الله في ذهن الإنسان؟ ونلاحظ أن لا جواب من الأجوبة الكثيرة التي قدمها الناس لم يحضَ اعتراف من طرف المعرفة الحديثة انه مقبول تماماً. وكلها بدت مدحوضة ومرفوضة بوصفها تفسيراً نهائياً. ولم يجد بير ما يرد به. وان الدين الذي عرَّفه عليه  بازدييف لا يتلاءم مع تصوره (أي بير) عن الدين الذي حسب رأي بازدييف، "هو صورة لتفكير الأكثرية من الناس وهو ثمرة رتيبة للفخر والكسل والجهل".

         فكر بير انه يتوجب عليه أن يحتمي من الدوغمائية (الغطرسة العقائدية) وكان مستعداً لأن يضع تحت طائلة الشك موقف محَدِّثه بمساعدة جدال بسيط. انك تقول اني ضال و"أنا استطيع أن افترض انك أنت أيضاً في حالة من الضياع". لكن محدثه يؤمن برب لا يمكن أن يُتهم عليه بالدوغمائية. "أبداً لا أجرؤ أن أقول اني اعرف الحقيقة" ، - أجاب بير العجوزَ الماسوني. "معرفته صعبة. إننا على مدى قرون، من أبينا ادم وحتى أيامنا هذه نعمل من اجل هذه المعرفة ونحن بعيدون الى ما لا نهاية عن تحقيق هدفنا؛ لكن في عدم فهنا له (لله) لا نرى إلا ضعفنا وعظمته...".

 

       وهكذا يجري الكلام عن معرفة خاصة تماماً لا تشترك إلا بشيء قليل مع معرفة الأشياء ونواميس الطبيعة والقوانين المادية التي نكتسبها في المدرسة. لا يمكننا أن نعرف الله كما نعرف الأشياء المحيطة بنا. وحسب  كلام بازدييف انه موجود "سرمدي ولا متناهي في جميع صفاته وقادر ولا يمكن إدراك كنهه". واعتقد أن تولستوي لم يصف هنا عقيدة ماسونية خاصة ما بل وصف الدين الحقيقي بعمق كما فهمه. إن بازدييف صلب للغاية في عقيدته ولكنه في الوقت نفسه وديع ويعي محدوديتها وقصورها بسبب ضعفه الشخصي. فعقيدته تتطلب منه عملاً روحياً متواصلاً من اجل التكامل الذاتي "والتطهير الداخلي". ومن اجل فهم الحقيقة الروحية التي تمس وجود الإنسان كله يلزم عدم الاقتصار على بذل الجهود العقلية بل الروحية كذلك التي بفضلها يصبح الإنسان قادراً في فهمه على الاقتراب من حقيقة الله. لهذا  مربي بير يحذره من أن الله "لا يُدْرَك بالعقل بل يُدْرَك بالحياة".

ولا تتضح صحة هذه الحقيقة لبير بشكل كامل بشكل سريع. لكنه مرّة ثانية يقتنع بضرورة الإيمان للإنسان بالله اللامحدود في نقاشه مع اندريه بولكونسكي.

 

      يحاول بير أن يؤكد لصديقه أن "السعادة الحقيقة الوحيدة في الحياة" تكمن في عمل الخير للناس. انه يتحدث عن التحولات في قُراهم التي سهلت حياة الفلاحين. والأمير اندريه مستعد للقبول بأن قضية بير- هي خير له (لبير) وليس للفلاحين. والناس دائماً ما يخطأون في مثل هذه المسائل.

"تخيل من يحكم على ما هو الصحيح وما هو الجيد - ذلك الذي يعرف كل شيء لا نحن". ويقاطع الأمير اندريه بير في جميع النقاط مؤكداً انه عندما يشيد المستشفيات ويبني المدارس لا يفعل خيراً للفلاحين بل شراً لأنه لا يسهل حياتهم بل يعقدها عندما يجلب لهم حاجات جديدة. ونصطدم ثانية  بتقلب ونسبية الأفكار والتقييمات البشرية. ومرة ثانية يتضح أن لا جواب على تساؤلات: ما هو السيئ؟ وما هو الحسن؟ وماذا يجب أن نحب وماذا نكره؟ ويبدو أن الشيء الوحيد الدائم في هذا العالم هو تغير كل شيء وحتمية الموت. لكن أبطال "الحرب والسلام" ومؤلف الرواية لا يستطيعون مهادنة مثل هذه الرؤية للعالم. إنهم يتعطشون لحقيقة أصلية وعميقة لكنها لا تتغير وتكشف أن الخير نفسه موجود بذاته بصورة مستقلة عن الميول الذاتية ومزاج وأهداف كل فرد. وهكذا هناك حالتان مؤلمتان بالنسبة لبير واندريه: هما تقلّب كل شيء وغدره وحتمية النهاية. ولا يمكن حل إحدى المسألتين دون حل المسألة الأخرى. ولا يمكن أن يكون الحل إلا واحداً - هو وجود الله الذي يجسد الحقيقة والعدالة السامية. "إن وجود الحقيقة ووجود الخير متعلق بوجود الله ووجود الحياة الآخرة؛ والسعادة الأسمى بالنسبة للإنسان تكمن في السعي إلى تحقيقها. يجب أن نعيش ونحب، يجب أن نؤمن، - قال بير، - إننا نعيش ليس الآن فحسب على هذه القطعة من الأرض، بل عشنا وسنعيش فالدين هناك وعلى الدوام (وأشار إلى السماء)".

       أجاب الأمير على كلام بير المؤثر ليس بالنفي بل بكلمات الشك والأمل:"نعم، إذا كان الأمر كما تقول!".

 

        يبدو أن اندريه بولكونسكي بوصفه إنساناً رباه أبوه في أجواء حركة التنوير في القرن الثامن عشر، كان ملحداً، لكنه مع هذا لم يستطع تصور الحياة سعيدة وذات معنى من دون وجود الله. وكان يهزأ من أهل "الله" أصحاب الأميرة ماريا ويتعامل بسخرية طيبة مع طلبها اخذ إيقونة المخلص قبل ذهابه إلى الحرب لكنه لم يكن لديه شك بأن حياة الإنسان من دون الله ليس لها معنى. إن العقيدة التقليدية البسيطة لدى أخته لم ترضِ الأمير اندريه ولم تبدد شكوكه لكنه كان يحسدها. "كان الأمر سيكون حسناً . . . حسناً سيكون، لو أن كل شيء كان هكذا واضحاً وبسيطاً كما يبدو للأميرة ماريا. كم سيكون الأمر جيداً لو عرفنا أن نبحث عن العون في هذه الحياة وماذا تنتظر بعدها  هناك ما بعد القبر! كم كنت سعيداً ومطمئناً لو استطعت أن أقول الآن: يا رب  إرحمني"!".

 

       المهم أن بير وبولكونسكي بعد الحديث على العبارة عن الله والخلود يذهبان الى ماريا ويسمعون قصة التقية الجوالة بيلاغييوشكا.

       صمت الجميع وتكلمت الجوالة وحدها بصوت وديع.

- وصلت، يا أبتي، وقال لي الناس: ظهرت نعمة كبيرة، عند الأم العذراء المقدسة ميرون (مسوح مقدس) يقطر من خدها. . .

- حسناً، حسناً. تحدثني بعد، - قالت الأميرة ماريا وهي محمرة.

- اسمحي لي أن اسألها،-قال بير.- أنتي بعينيكِ رأيته؟ - سألها.

- نعم ، يا أبتي، تشرفت بذلك بنفسي توهج على محياها كنور السماء يقطر ويقطر من خد الأم المقدسة.

- بيد أن هذا خداع - قال بير بعفوية، وهو يصغي بانتباه إلى الجوالة.

- آه، يا أبتي ، ماذا تقول !- قالت بيلاغييوشكا، وتوجهت للأميرة ماريا طالبةً الحماية.

- هذا خداع للناس، - كرر ثانية.

 

       الظاهر أن تولستوي عندما قدم مشهدين اثنين على التوالي: لجدال فلسفي جدي لأبطال ذوي ثقافة عالية وحكاية جوالة جاهلة، ويبدو أنها قريبة  فيكلوشا من مسرحية أوستروفسكي "العاصفة الرعدية"، أراد بهذا أن يقول أن الحقيقة الدينية - هي ليست خرافة وليست من حصة الجهل. إن ما يقنع الإنسان بحقيقة الحياة ليس الميرون (المسوح المقدس) الذي يقطر من خد العذراء المقدسة ولا حتى أذكى وأعمق مناظرات الفلاسفة. إذن ما هو؟

. . . عندما تسير في الحياة يداً بيد مع شخص وفجأة يختفي هذا الشخص هناك في المجهول، وتتوقف أنت بنفسك أمام هذه الهاوية وتنظر إلى هناك.

 

        يقدم الدين أجوبة عميقة وأصلية على متطلبات الروح البشرية. ولا يمكن بدونه إيجاد تناغم الشخصي والعام وبدونه تستحيل إقامة مبادئ العدالة وبدونه لا يمكن أن تكون حياة الإنسان متكاملة أي سعيدة. وهكذا رغم كل الاستنتاجات المريبة للأمير اندريه ورغم تقلب أفكار الأبطال ومعتقداتهم ومزاجهم يؤكد تولستوي الحقيقة كمسَلَّمة لا شك فيها.

 

       إن ما يقنع الإنسان هو ليس العقل باستنتاجاته المنطقية ولا الإيمان بالمعجزة ورفضه للعقل بل صوت الروح. فالاستنتاجات قد تدحض وربما يُشكك بالمعجزة، لكن لا شيء غير ممكناً مع حاجة الإنسان إلى الله لأن هذا الأمر حقيقة لا شك فيها. يتغلب الأمير اندريه ببساطة على حجج واستنتاجات بير، لكن بغض النظر عن كلماته بل حتى رغماً عنها تستيقظ فيه الحياة ويعود الفرح: "انتعشت نظرته بأكثر مما كانت آماله ميئوس منها".

 

        يبدو أن الأمير اندريه خرج من الجدال منتصراً. فقد ظهر في كلماته شكه وكفره لكن بالواقع في هذه اللحظة كان يعاني من شيء آخر:

الإيمان ومن ثم السرور.

 

       النقاشان كلاهما (اندريه مع بازدييف وبير مع اندريه) ينتهيان بفكرة مشتركة واحدة - هي أن الله ضروري للإنسان ولا تتم معرفته إلا بالحياة وفكرة الله التي يمليها الظمأ إلى المطلق تصبح المرحلة الأولى والخطوة الأولى على طريق معرفة الله عند أبطال تولستوي. الحقيقة أن معتقدهم لا نستطيع أن نسميه إيمان انه ما قبل الإيمان. وفكرة ضرورة الله إنما تفتح الطريق نحو الإيمان الذي كان  مؤصداً بوجه بير قبل لقاءه مع بازدييف وبوجه الأمير اندريه - قبل نقاشه مع بير في العبارة.

 

       يجد البطلان كلاهما الله ليس في الجدالات والاستدلالات وإنما بالتجربة وباكتشافهم للحياة. الجندي الروسي البسيط بلاتون كاراتايف يساعد بير على الرجوع إلى الإيمان بالحياة التي دمرها المشهد المرعب لإعدام الناس الذين كان هو واحد منهم.

   

        وسنقرأ باهتمام أن تولستوي يتحدث عن حالة بير الذي يجد من جديد الإيمان والانسجام اللذين أضاعهما سابقاً. "لم ينم بير لمدة طويلة واضطجع مفتوح العينين في العتمة في مكانه مستمعاً إلى شخير بلاتون المتناغم، الذي يضطجع إلى جانبه وأحس أن العالم المدمَّرَ سابقاً تحرك في روحه بجمال جديد على أسس ما  ثابتة وجديدة".

 

       بأي صورة أبدى كاراتييف هذا التأثير غير المعهود على بير؟ وأي كلمات وجد حتى قالها له؟

كلامه بسيط وغير معقد للغاية. وعبثاً تبحث في كلماته عن "عقل" أو أفكار عميقة معينة ذات خصوصية. لا يخضع كلام بلاتون إلى أي مقارنة مع أفكار بازدييف البارعة والعميقة أو مع أفكار بير نفسه عندما استعرض إيمانه لاندريه بولكونسكي.

 

      وهكذا ليس بير الفطن والمتعلم علَّم هذا "الإنسان الأمي، الأخرق"، بل هو الذي علَّم بير. ويحصل عند تولستوي أن بير يستمع لشخير منقذه ويتجلى في روحه عالم رائع جديد. نعم، هكذا في ابسط المواقف تكتمل أهم الأحداث في حياة البشرية. يقول كاراتايف أشياءً عاديةً معروفة للجميع وكلامه يتكون بالأساس من مأثورات وأمثال شعبية. لكنه كان بالنسبة لبير "تجسيد غير مفهوم ودائم وابدي لروح البساطة والحقيقة". إن البساطة تعني شيئاً ما واضحاً مما يحيط بنا دائماً ومما تعودنا عليه ولهذا لا نوليه أهمية مع انه يشكل جوهر الحياة. ولهذا يكون الشيء البسيط الذي عادة ما يهمله الناس هو علامة لازمة للحقيقة والجمال حسب عقيدة تولستوي.

 

        بالنسبة لبير "السحر الرئيسي في أحاديثه (أي أحاديث بلاتون كاراتايف) يكمن في أن الأحداث في كلامه هي الأبسط والتي لا نلاحظها أحياناً. ورأى بير أنها اكتسبت طبيعة ذات جمال مهيب". إننا نقيّم الناس على المهارة والفن أو على معرفتهم لكن هناك أفراد قادرون على أن يعلِّمونا رؤية شيء ما مهم في الحياة، بكلمات تولستوي ، نراه بأعيننا لكننا لم نلاحظه.

 

        أراد الكاتب الكبير (وكذلك أبطاله) أن يُرينا جمال الأشياء والأحداث البسيطة، ونعني بكلمة الجمال كذلك الطيبة والفائدة والشجاعة والخير. وأراد تولستوي أن لا نكتفي برؤية هذا الحسن بل أن نشعر به في البيئة المحيطة بنا. وهذه القابلية بطبيعة الحال لم تُمنح لكل فرد منا وتستلزم ظروفاً معينة: كي ترى وتلحظ الجمال يلزمك أن تتناغم مع العالم وان لا تخاف الموت.

 

        يسعى جميع أبطال تولستوي في الحرب والسلام إلى الانسجام الذي  بدونه لا يمكن أن تكون الحياة سعيدة ، لكن لا احد منهم يحقق ذلك بالكمال الذي أتيح لبلاتون كاراتايف تحقيقه. إذ أن أفكاره ومشاعره غير منفصلة عن بعضها وكل شيء لديه مرتبط بالآخر عضوياً ومتلائم معه بل كل شيء لديه في وئام. "كان بير المندهش من معنى كلام بلاتون يطلب منه أحياناً أن يكرر ما قال، ولم  يستطع بلاتون تذكُّر ما قاله قبل دقيقة مضت". قلنا سابقاً ان في عالم تولستوي لا يوجد  ولا يمكن أن يوجد إنسان يعرف الحقيقة اللازمة للآخرين ويستطيع أن يمنحها لهم. ولكن ها هو بلاتون يعلِّم بير ما هو مهم له نفسه. ألا يوجد هنا تناقض؟ كلا. لأن كاراتايف لا يملك نظرية ما يمكن أن توجد بمعزل عنه في كتاب على سبيل المثال. والواقع انه يؤثر على بير كما تؤثر الطبيعة والسماء على اندريه بولكونسكي. والواقع انه لا يخبر بير شيئاً ما بكلمات بل يؤثِّر عليه بوجوده كله. فالكلمات انعكاس للحياة وبلاتون كاراتايف- هو الحياة نفسها متجسدة بالكلمة. "انه لم يفهم ولم يستطع أن يفهم معنى الكلمات المأخوذة من الكلام بمعزل لكن حياته كما نظر هو إليها ليس لها معنى بوصفها حياة منفصلة. إنها احتوت على معنى لأنها جزء من الكل الذي شعر به دائماً".

         هذه القابلية غير الاعتيادية بالشعور الدائم بالكل بالذات هي التي مكنت كاراتايف أن لا يخاف من الموت. كان بير يعرف حتى قبل لقاءه معه، أهمية عدم الخوف من الموت بالنسبة للإنسان: إذ أن إحدى السمات الماسونية اللازمة كانت حب الموت. لكن هذه الفكرة وهذه الحاجة كانت بالكلام فقط، اي كانت شيئاً ما لا واقعياً ولا حقيقاً لكن عدم الخوف من الموت عند بلاتون كاراتايف كان واقعاً فعلياً وحياً. وطبعاً لم يتحدث كاراتايف عن سماته ولم يناقشها. لكن في كلماته وإيماءاته وتعبيرات وجهه وفي سلوكه كله تجلى مفهومه للحياة، الذي استوعبه وأدركه بير.

 

         عندما يتحدث تولستوي عن أيام كاراتايف الأخيرة وعن مرضه وموته إنما يتحدث عن مشاعره. لم يكن ذلك خوفاً ولا شوقاً ولا يأساً بل فرحاً وعاطفة. وهكذا يرى القارئ بلاتون كاراتيف  للمرة الأخيرة عندما مرض وانتظر موته عرف انه ستُطلق النار عليه لا محالة خلال عدة  ثوانٍ. "جلس  كاراتايف بمعطفه  وهو مستند على شجرة البتولا. وفي وجه إضافة إلى الشعور بالسعادة الذي أحس به يوم أمس عند الحديث عن معاناة وألم التاجر البريء, تألق تعبير آخر لجلال هادئ".

 

        إن الفرح والعاطفة والجلال التي يقابل بها بطل تولستوي موته تتحدث عن حكمة عُليا كان يمتلكها كاراتايف لا تتاح لكل شخص على الأرض. لا يمكن أن يقال عنه انه عرف الحقيقة واستطاع أن يتحدث عنها للآخرين (كما نعرف نظرية أرخميدس)، انه عاش  فيها ولأجلها وجعلها حقيقة. وعندما يتحدث تولستوي عن تأثير كاراتايف على بير يستعمل كلمة "غامض" و"ليست الحكاية هذه بل معناها الغامض، ذلك الفرح الحماسي الذي شع في وجه كاراتايف أثناء هذه القصة (الحديث) والمعنى الغامض لهذا الفرح ملأ روح بير بالفرح والغموض لقد "نقل كاراتايف عدوى" مشاعره الى بير، إذ علمه السرور في أي موقف حتى عند اقتراب الموت ولا يمكن توضيح حكمة كاراتايف وصياغتها بدقة حتى النهاية ولا وصف معناها "الغامض"، والحكمة إذا افتقدت غموضها لا تعد حكمة. لكن لا شك بأن بير وجد عند كاراتايف الجواب على تساؤله الرئيس، الذي بفضله قام بالخطوة الحاسمة على طريقه الروحي. فقد توصل بعد معركة بوردينسكويه إلى فكرة: "لا يمكن للإنسان أن يحصل على شيء طالما أنه يخاف الموت. ومَن لا يخشى الموت يمتلك كل شيء". قَرَّبَ كاراتايف بير من موقف إنسان يملك كل شيء. فقد حصل في نهاية المطاف على الطمأنينة والانسجام الداخلي اللذين بحث عنهما قبل ذلك من دون جدوى. ولم يجدهما عندما كان يعيش البهرجة والراحة ولا عندما كان يعيش حياة الفرح والمجون مع دولوخوف أناتولي. ولم يجد التوازن الروحي في نهاية المطاف حتى في تعاليم مذهب الماسونيين، "كل هذا البحث وهذه المحاولات خدعته". "وانه لم يفكر بنفسه أنه حصل على هذه الطمأنينة وهذا الوئام مع نفسه عن طريق رعب الموت وعن طريق ما عرفته في كاراتايف". "عرف" في كاراتايف وليس من كاراتايف. وبالتالي رعب الموت - هو المعلم الرئيسي لبير. ويبدو أن الرعب ومكايدة ما لا يطاق تمنح الإنسان حنكة سامية. والموت والضياع فتحا عيون بير على جوهر الحياة الذي كان مخفياً عنه طالما كان يعيش في عالم مصطنع من البهرجة والدعة.

 

         التجربة الجديدة وحدها، التجربة بالذات بشكها كله ووضوحها ممكن أن تقود الإنسان نحو الحقيقة التي لا توصف بشكل محدد وواضح. وحقيقة الحياة عند أبطال تولستوي تستوعب مواقف متنوعة وأحياناً متناقضة مكونة وحدة من نوع خاص. وكل فكرة مستلة على حدة من هذا الاتحاد تفقد ثراء ظلالها، "وتهبط بشكل رهيب". ولنأخذ واحدة من الحقائق الرئيسية التي أدركها بير في الأسر عندما"عرف ليس بالعقل وإنما بكيانه كله وبحياته أن الإنسان مخلوق من اجل السعادة وان السعادة فيه بذاته في تلبية حاجاته البشرية الطبيعية. . .".

 

        إذا تصورنا هذه الحالة كحاصل لبحث بير كله وتجاهل كل ما فكر به سابقاً بوصفه ضلالاً فإننا في هذه الحالة سنحصل ليس على فكرة مبتذلة بشكل مدهش وبدائية فحسب بل سنحصل على فكرة  بعيدة كلياً عن الحقيقة.

 

        نعم ،بير يعترف أن سعادة الإنسان في تلبية الحاجات الطبيعية لكنه أيضاً يختبر نظاماً مختلفاً تماماً من المشاعر التي تقوده إلى أسمى الأفكار. فإلى جانب الاهتمامات اليومية الدنيوية بالمأكل والملبس والمسكن يتوجه الإنسان كذلك إلى الله الذي كان دائماً رمز الخلود.

 

         توجد في "الحرب والسلام" سماء يمكن أن نسميها إذا استعملنا الطريقة الأسلوبية المعروفة، شخصية متكاملة في الكتاب. بيد أن الكتب التي ليس فيها سماء غير قليلة. إنها تظهر في حياة أفضل أبطال تولستوي في أروع ساعة من قدرهم مذكرةً إياهم بشراكتهم بالمبدأ الإلهي والسامي. وهذا ما حدثللأمير أندريه عندما اضطجع جريحاً في ميدان أوسترلينتز، وما حدث مع بير في الأسر. لم يسمح له الخفير الفرنسي أن ينتقل إلى الجهة الأخرى من الطريق، وكذلك بير.

     . . . بعد أن جلس على الأرض، غرق بأفكاره. مرَّت أكثر من ساعة لم يُقلق احدٌ بير. وفجأة قهقه بضحكته الثخينة الطيبة عالياً بحيث صار الناس يتطلعون من الجهات المختلفة إلى هذا الضحك الغريب الذي يبدو وحيداً.

•-       هه، هه، هه! - ضحك بير. وتحدث مع نفسه بصوت عالٍ: - لم يتركني جندي. اصطادوني واقفلوا المكان عليَّ وحبسوني بالأسر. من، أنا؟ أنا؟ يعني روحي الخالدة!

 

         يبدو أن تولستوي وحده استطاع أن ينقل ليس الفكرة فحسب عن خلود الروح بل الشعور الحي المتولد في أصالتها السامية. ولنتذكر حديث بير مع اندريه بولكونسكي في المعبر عندما اقنع صديقه بـ "إننا نعيش ليس الآن فقط على هذه القطعة من الأرض بل عشنا وسنعيش إلى الأبد ...".

 

       الواقع أن بير ببساطة لم يكتفِ بمعرفة خلود روحه أو يؤمن بذلك فحسب بل عايش الإحساس بذلك. كانت هناك كلمات عن الخلود أما هنا فيحضر الخلود بنفسه كحقيقة لا شك فيها.

 

        يدرك بير بحيوية ويعايش الاشتراك بالأبدية، وإحساسه يغير العالم، ويجد في الطبيعة صدى المشاعر وتأكيداً لها. "بدا البدر عالياً ينير في السماء. والغابات والحقول التي لم تكن مرئية خارج المعسكر من قبل انفتحت الآن بعيداً في الأفق. وابعد من هذه الغابات والحقول تراءى  الأفق البعيد اللامتناهي منيراً ومتأرجحاً وداعياً. وألقى بير نظرة إلى السماء في أعماق النجوم المتراقصة. "كل هذا لي، كل هذا لي، هذا كله! - فكر بير".

        هذا هو قمة ما حققه بير في ارتقائه في الحياة. الفهم الجديد للعالم الذي اكتسبه متعدد النواحي ومعقد لكن كماله ووحدته يتم بإدراك الخلود. إن ما عرفه بير في الأسر قاده إلى قمة الخلود. لقد فهم هناك "إن التعاسة كلها تأتي ليس من النقص بل من الزيادة؛ . . . عرف أن لا شيء في الدنيا مخيف".

 

         وفعلاً انه لم يكن في زمان السلم سعيداً، رغم امتلاكه كل شيء، كان يتعذب ويضجر ويكتأب، أما في الأسر عندما عانى من الحرمان والألم البدني كان فرحاً وسعيداً. وفهم نسبية  وشرطية التصورات البشرية للسعادة ("عندما كان يحتذي خُف المناسبات الضعيف كان يعاني كما يعاني الآن عندما يسير حافياً تماماً وتغطي القروح قدميه"). و"بعد ذلك وطوال عمره تذكَّر بحماس وتحدث عن البدر في الأسر هذا وعن تلك الأحاسيس المبهجة والقوية والتي لا تعود. . .". وجد في الأسر الانسجام مع نفسه ومع العالم. إن تناقض الإنسان مع المجتمع والواقع كما هو معلوم سمة من سمات أدب العصر الحديث. وقد صار اعتيادياً إلى درجة ينظر إليه كصفة ملازمة لكل رواية. ولنتذكرال أبطال الرئيسيين في الأدب الروسي للقرن التاسع عشر- أونيغين وبيتشورين وأبلوموف ورودين - يقود الحديث عنهم إلى القول أنهم لم يتمكنوا من إيجاد مكان لهم في العالم. لكن أبطال "الحرب والسلام" لا يقفون في هذا الدور. يحصل بير على التجانس المطلق مع العالم الذي لا يمكن تجاوزه وهذا الانسجام يتجاوز أشجع أنواع خيالات الطوباوية الاجتماعية.

 

         ولكي يوجه اهتمام القارئ نحو الطابع المطلق للتجانس الذي عايشه بير يقوم تولستوي  بجعل حالة "تسامي" بير محسوسة بعد أن حدد فيها ثلاث "مراحل". "هذا كله لي، وهذا كله فيَّ، وهذا كله أنا!" الإنسان السعيد يرى أن العالم كله ملكه: "هذا كله لي". لكن في مرحلة اعلي سيكون إحساس آخر. "هذا كله فيَّ". وأخيراً، هذا كله أنا" - هذه تجربة نادرة يصلها الناسكون فقط عندما يختفي الفرق بين الذات والموضوع، تظهر مرحلة عليا من الاتحاد مرحلة عليا من السعادة والابتهاج. ومهما كان هذا الإحساس نادراً ومهما كان قليلين من يتاح لهم فانه يتعلق بكل فرد لأنه يوجد تجلي سامي لما يوجد بدرجة قليلة في كل زمان وفي كل مجتمع بشري. إن إمكانية تحقيق التجانس المطلق هي كذلك مصدر الفرح الممتد في عمل تولستوي كله. ويظهر النور الذي يضيء لوحة العالم في "الحرب والسلام" من التغلب على الظلام. من الانتصار على الموت. والشرط اللازم لهذا الانتصار هو إدراك اللامنتهي والاشتراك به. ومن التعريفات الكثيرة الأخرى لرواية "الحرب والسلام" التي لها حق لا شك فيه بالوجود هذا التعريف: إنها نتاجٌ أبطاله يسعون نحو اللامنتهي، وهي نتاج فيه "اللامنتهي" حقيقة واضحة. ولكي نوضح أهمية فئة اللامنتهي بالنسبة لتولستوي نورد شيئاً من مذكراته في 8 آذار 1902. "يكتب فيرسايف انه بعد تجديد وإنعاش خدمة تبدأ خيبة الأمل والتسويات. إنه يتساءل: بسبب أي شيء؟ انه فقط بسبب أن هذا تم بالافتراض وبالشعور الذي يميله الوسط الذي يعيشون فيه ومن اجل مجد الناس وليس بسبب التعلق الراسخ باللامنتهي" (ليف تولستوي، مجموعة الأعمال الكاملة في 90  مجلداً. المجلد 54. ص126).

 

        الكلام هنا يدور عن كون الإنسان الذي يضع معنى حياته في الخدمة السياسية والاجتماعية للناس دائماً ما يصل في نهاية المطاف إلى خيبة أمل عميقة. وحول هذا الموضوع كتب قصة فيريسايف. ويجيب تولستوي على تساؤله. لا يجب على الإنسان حسب رأيه، انه يبني حياته انطلاقاً من السعي نحو المجد، ومن تصورات مجموعة من الناس، ينتسب إليهم بإرادة القدر. إنها محفزات لنشاط وحياة الناس طالما هي تغيره ولا يمكن الاعتماد عليها. ينبغي إدراك الذات في العالم اللامتناهي والخالد وعن طريق إقامة "العلاقة مع اللامنتهى" يتم تحديد ما يجب فعله وكيف.

 

       اللامنتهي والأبدي وحده يمنح الإنسان العالمَ الحقيقي للأشياء ويساعده على أن يبني حياته بشكل صحيح اللامنتهي وحده يكوِّن أفقاً صحيحاً للوحة العالم التي تتكشف للإنسان في خبرته الحياتية. ليس بير وحده بل كذلك أبطال تولستوي الآخرين انكشف لهم الأبدي واللامتناهي وأدركوا القيمة السامية في الإنسان. وينقدح الإحساس بالاشتراك بالعالم اللامتناهي في الأبطال ليس في الحالات الاستثنائية فحسب بل حتى أحياناً في المواقف الاعتيادية اليومية مذكراً إياهم بمحدودية وجودهم الشخصي وجوهرهم الحقيقي.

 

        أثناء غناء نتاشا روستوفا، في روح الأمير اندريه "جرى شيء ما جديد وسعيد. لقد كان سعيداً  ومع ذلك كان حزيناً. فلم يكن هنا شيء حتى يقرر البكاء من اجله لكنه كان مستعداً للبكاء. . .  إن الشيء المهم الذي أراد البكاء من اجله كان ذلك التناقض الرهيب الذي أدركه بشكل واضح وفجائي بين شيء ما لا متناهي وكبير وغير معروف كان فيه وشيء ما ضيق ومادي كان هو بذاته فيه".

 

       إن جمال تناغم الموسيقى وصوت نتاشا يوقظ في الأمير اندريه إدراك المبدأ اللامتناهي الذي يتصف به الإنسان، والذي سعادته الشخصية بحب نتاشا تبدو ومقارنة به ناقصة لهذا هو سعيد ومع ذلك يعاني من الحزن. وهذا "الشيء الكبير واللامتناهى الخاص بالإنسان حسب عقيدة تولستوي هو بلا شك الأساس الراسخ لحرية الإنسان وكرامته.

 

        وهذا الإحساس بالأهمية الإنسانية غير المشروطة متاح حتى لنيكولاي روستوف الميال للإقرار يتفوق دولوخوف تارة ودينيسوف تارة أخرى عليه. فبعد أن يخسر في لعب الورق أمام دولوخوف مبلغاً كبيراً يعود نيكولاي إلى المنزل يطغى عليه الحزن، حيث يجد الشباب المسلي. إن مزاجه الكئيب لا يتناغم مع أجواء الفرح لِمَن في المنزل. "يا الهي، إني قتيل، إني شخص غير شريف. بقي لي شيء واحد، رصاصة في الجبين، لا الغناء، - فكر. - يجب أن أغادر. ولكن إلى أين؟ على كل حال دعهم يغنون!".

 

       لكن ها هي نتاشا تشرع بالغناء." ما هذا يا ترى؟ فكر نيكولاي بعد أن سمع صوتها مبحلقاً  بعينيه. - ماذا حل بها؟ كيف تغني الآن؟ - فكَّر. وفجأة تركز العالم بالنسبة له بانتصار النوتة التالية والعبارة التالية وصار كل شيء في العالم موزعاً على ثلاثة معدلات. . . واحد، اثنان، ثلاثة، واحد، اثنان، ثلاثة. . . آه حياتنا حمقاء. فكر نيكولاي. - هذا كله هراء. . . لكنه حقيقي. . . "ويبدأ روستوف بالضد من إرادته بالغناء مع نتاشا. "آه، كيف برقص هذا اللحن انه أفضل ما كان في روح روستوف. انه شيء غير تابع لأي شيء في العالم وأسمى من كل شيء في العالم".

 

       هناك رأي شائع في الأدبيات التي تناولت تولستوي يؤكد أن موت اندريه بولكونسكي يشير إلى عيب ما في البطل يجعله غير قادر تماماً على حب الحياة. والواقع إذا ما تتبعنا هذا المنطق، فإن الأمير أندريه يموت بسبب جدارته الاستثنائية التي بفضلها حصل على "ثقة" المؤلف بتكليفه بأصعب رسالة تتكلل بالانتصار على الموت.

 

        إن تولستوي عندما يسعى لتبرير الحياة أمام محكمة مذهب الشك الحديث والكفر وخيبة الأمل فإنه يقود أبطاله في طريق معقد مليء بالاختبارات. والكاتب لا يختلقها ولا يركمها بصورة مصطنعة فهم غير منقطعين عن الحياة. ومن هنا يأتي جانب معنوي آخر لتسمية "الحرب والسلام". الحرب - هي أثقل اختبار، إنها معاناة ودم وقذارة وجرائم يجب على الإنسان التغلب عليها. "الحرب ليست متعة، بل أبشع قضية في الحياة، ويجب أن يُفهم ذلك ولا تجوز مقاربة الحرب واللعب بنارها. ويجب التسليم الجاد والصارم لهذه الضرورة الرهيبة. وكل هذا يكمن في: ترك الكذب، فالحرب حرب وليست لعبة".

 

       هكذا يفهم اندريه بولكونسكي حرب عام 1812 خلافاً لحرب عام 1805 عندما كانت الحرب بالنسبة له وسيلة لتحقيق المجد. ترك الكذب والتسلم الجاد والصارم للضرورة الرهيبة التي دائماً ما توجد في الحياة - إنها ظرف لازم للروحانية. ولا ينبغي أن تخفي عن نفسك حتمية المعانات والموت عندما تظهر إمكانية الانتصار عليهما.

       "آه، يا روحي في الفترة الأخيرة صار العيش ثقيلاً عليَّ. أرى إني صرت افهم كثيراً جداً" ، -اعترف الأمير اندريه لبير قبل معركة بورودينوسكويه فالأمير اندريه يائس بلا إرادة على ضياع الأوهام التي جعلت الحياة طيبة. لكن الحرب لن تترك لها محلاً إنها تنتزع جميع الأقنعة عن وجه الحياة.

       

        الانفصال عن نتاشا وموت والده وغزو نابليون- كل هذا انقض على الأمير اندريه مرة واحدة تقريباً وولد خيبة أمل قاسية ويائسة.

       ها هي هذه الأشباح المغموسة بفظاظة التي تراءت لي كشيء ما رائع وخفي. المجد والخير العام وحب النساء والوطن نفسه - كم بدت لي عظيمة هذه الصور وبأي مغزى عميق تحققت! وكل هذا يصعد إليَّ ببساطة وبشكل شاحب وفظ من خلال الضوء الأبيض البارد لذلك الصباح الذي اشعر به.

هكذا تراءى العالم للأمير اندريه قبل معركة بورودينسكويه:

"في ضوء النهار الأبيض - بفكرة واضحة عن الموت".

كان واثقاً  انه عرف الحقيقة الأخيرة والنهائية ("صار يعرف كثيراً جداً") ولكن، كما بين الزمن، كان مخطأً: الحياة دائماً تستطيع أن تأتي بالخبرة الجديدة القادرة تماماً على تغيير التصور عنها كله، ففي الحياة دائماً هناك الكثير مما لم يحلم به حكمائنا على حد تعبير شكسبير. بعد الفزع من الموت يعاني الأمير اندريه من اندفاع  عاطفي لحب الحياة وبدلاً عن خيبة الأمل يحل لديه سمو روحي غير اعتيادي بالمعنويات.

 

         يظهر إلى جانبه في خيمة الجراحة الميدانية أناتول كوراغين الذي تُبتر رجله بمشهد من الأمير اندريه من دون تخدير ومن دون وسائل مخففة للألم. لقد كشفت الآلام المبرحة ومشاهد المعانات الوحشية للأمير اندريه حقيقة جديدة للحياة وغيرت مرّة ثانية آراءه. فقد فهم الحب المسيحي للناس الذي حدثته به الأميرة ماريا. وقاسى الشفقة الحماسية على عدوه أناتول كوراغين والحب له. وهذه المشاعر"غمرت قلبه سعادة".

 

         يصعب فهم شعور الأمير اندريه الذي غفر لعدوه "إن السرور بالعفو عن أناتول والتعاطف مع العدو والشفقة عليه والحب له - هي مشاعر يمكن تفهمها عند مواجهة الموت الذي ينتظرهما كلاهما، لكن هذه المشاعر ليست للحياة، لا يمكن لبولكونسكي أن يحب أناتول في الحياة" (بوتشاروف س. رواية ليف تولستوي "الحرب والسلام" . موسكو، 1963، ص108). وهنا تنتابني الرغبة للاتفاق التام مع وجهة نظر الباحث هذه والجدال معه في الوقت نفسه.

 

       نعم إن ظروف ظهور آراء جديدة لدى البطل استثنائية، ولكن هذا لا يمكن أن يضع تحت طائلة الشك حقيقتها. بل على العكس فمن وجهة نظر مؤلف"الحرب والسلام" هذه الحقائق بالذات التي تكشف للإنسان عند مواجهة الموت  تتمتع بموثوقية عالية وأهمية كبيرة. وطبعاً يجري داخل الأمير اندريه المحتضر صراع بين الحب الدنيوي المختار والحب الإلهي للجميع. ويقر تولستوي بالتناقض بينهما. "كلما كان اندريه يفكر في تلك الساعات من العزلة القاسية والهذيان التي عانى منها بعد الإصابة، بمبدأ الحب الخالد الجديد الذي اكتشفه، كلما صار ينبذ الحب الدنيوي أكثر من دون أن يشعر بذلك". "إن حب كل شيء وكل شخص والتضحية دائماً بالنفس من اجل الحب يعني عدم حب احد ويعني عدم العيش بهذه الحياة الدنيوية". لكن رفض الحياة الدنيوية بل حتى الازدراء بها يجري الحديث عنه أكثر من مرّة على صفحات رواية "الحرب والسلام". وان إدراك ما هو سامي والإحساس باللانهاية والتطلع نحو السماء لم تكن سمات يتمتع بها الأمير اندريه وحده بل حتى بير ونيكولاي روستوف وبلاتون كاراتايف. أوَليسَ الشعور الذي أحس به بير "الشعور بإدراك كل ما يشكل السعادة للناس والراحة بالحياة والثراء بل حتى الحياة نفسها هو هراء يحسن تركه مقارنة بشيء ماـ أوليس هذا الشعور من اجل الحياة؟ أوَلا يشترك هذا الشعور مع الحياة الدنيوية، مع الحب الدنيوي للمرأة، مع هموم ومسرات الحياة الاعتيادية اليومية؟ وهذا لا يتلاءم مع الوجود الإنساني اليومي الاعتيادي. وفي الوقت نفسه إدراك أن "الحياة هي هراء" ضروري للحياة. لهذا فهو موجود على صفحات الكتاب ويهدف إلى التأكيد على الحياة واعتمادها. فالحياة - هي هراء ليس على العموم وكأنها "مزحة عميقة وفارغة" كما يقول الشاعر ليرمونتوف، بل مقارنة بشيء ما غامض لكن لا شك فيه الذي يسميه تولستوي "خالد وغير مفهوم".

 

        ونتذكر أن بير واندريه في جدالهما على متن العبارة اتفقا على انه "يجب الإيمان بأننا نعيش على هذه القطعة من الأرض ليس الآن، بل عشنا وسنعيش إلى الأبد هناك. . .". إنهما أقرّا  بإمكانية الحياة الخالدة شرطاً لازماً للحب والعدالة وبالتالي لازماً للحياة الإنسانية على الأرض ذاتها.

        إن البطلين مقتنعان بالتجربة بحقيقة ما يتحدثان عنه. فالأمير اندريه بعد أن شهد مد الحب إلى كل شيء أدرك إمكانية الحياة السرمدية، أنها تنكشف له واخذ يتلمسها. فقد استطاع تحت تأثير الحب الإلهي ان يحب نتاشا.

 

        لقد قدم نفسه إلى نتاشا بحيوية ليس كما قدم نفسه لها سابقاً بسحرها وحده المسر والمبهج له. وفهم بشعورها ومعاناتها وخجلها وندمها. لقد فهم الآن لأول مرة قسوة رفضها كلها ورأى قسوة فراقها معه.

 

        وأخيراً بفضل مبدأ الحب الذي اكتنفه قام الأمير اندريه بأصعب واهم  عمل له في حياته - وهو أن مات بجدارة وسكينة. فقد كان أثناء المرض يفكر بلا هوادة بالحياة والموت "وأكثر ما كان يفكر بالموت. إذ شعر بقرية منه". واستمر مساره الروحي وصار يبحث عن الحقيقة الأخيرة التي ستجعله يتهاون مع الموت. لقد نقل تولستوي الأفكار التي توصل إليها بطله قُبَيْل وفاته. إنها أفكار الحب والله، والخلود وهي مهمة للأمير اندريه ومعزية له. "لكنها كانت أفكاراً فحسب، لم يحصل منها شيء ما، كان هناك شيء ما شخصي وأحادي الجانب وذهني - وهو أنه لم يكن هناك وضوح".

 

      كلمةُ فحسب تحمل ثقلاً فكرياً في الجملة. واضح منها أن الأفكار لا تكفي للإنسان لأنها نسبية وذاتية. الإنسان لا يحتاج الأفكارَ التي عند احدهم - شكل وعند الآخر - شكل آخر، بل يحتاج ما هو موجود في واقع الحال - أي الحقيقة. بولكونسكي المحتضر يحتاج شيئاً موضوعياً وثابتاً ولا شك فيه. وقد وجده فعلاً لكن لا يمكن للكلمات تقديم ما اكتشفه. فالمعرفة الجديدة والأخيرة للأمير - هي معرفة خاصة لا يمكن التعبير عنها بكلمة. لكنها تتجلى بالواقع المباشر وبالأفعال وبحياة البطل وبالكيفية التي يخرج بها من هذا العالم. يُقنع موت الأمير اندريه الأشخاصَ الحاضرين القريبين عليه أنه قد عرف الحقيقة. لكن ليس جميع من كانوا حوله، بل الأقرب له فقط، الذين حبهم له ساعدهم على النفاذ في جوهر ما يجري: إنهما نتاشا والأميرة ماريا.

لم تبكيا لا بحضوره ولا بغيابه ، ومع هذا لم تتحدثا أبداً عنه فيما بينهما. كانت تشعران، لكنهما تستطيعا التعبير بالكلمات عما فهمتاه.

 

    

         كلتاهما رأتا كيف كان يهبط عنهما إلى مكان ما بصورة أعمق وأعمق وبروية وهدوء، وكلتاهما عرفتا أن هذا يجب أن يكون وانه حسن. عندما توفي الأمير اندريه ووضع جثمانه في التابوت على المنضدة، بكى الجميع وهم يودعونه. بكت نتاشا والأميرة ماريا. دموع الجميع أثارها حدث واحد - هو موت شخص قريب. لكن موت الأمير اندريه أثَّر على كل واحد بصورة مختلفة وكل واحد منهم استوعبه على طريقته الخاصة. لقد بكى نيكادوشكا بسبب عدم القدرة على تفهم الآلام، التي مزقت قلبه. وبكت الكونتيسة وسونيا شفقة على نتاشا ولأنه لم يعد موجوداً بينهم. وبكى الكونت العجوز لأنه أحس انه سرعان ما سيحل به الموت كذلك وسيقتفي اثر تلك الخطوة المرعبة.

 

        تحدث تولستوي عن ابن اندريه بولكونسكي وعن الكونتيسة وسونيا والكونت العجوز في عبارة واحدة لأنه رغم الاختلاف في مشاعرهم كان شيء ما مشترك فيما بينهم. فمشاعرهم تحمل طابعاً ذاتياً وشخصياً أحادي الجانب. وان ما يقاسونه، وإن أثاره حدث واقعي موضوعي، يتحدد وفق وضعهم الذاتي. وهذا واضح من كون أحاسيسهم متنوعة وذاتية ومختلفة.

 

       وفي عبارة أخرى تنهي الفصل والجزء الأول كله من المجلد الأخير تتحدث عن مشاعر نتاشا والأميرة ماريا: "نتاشا والأميرة ماريا الآن بكتا أيضاً لكنهما لم تبكيا لمصيبتهما الشخصية، إنهما تبكيان بسبب الرأفة الجليلة التي استولت على روحيهما أمام إدراك السر المهيب والبسيط للموت الذي يحدث أمامهما.

 

       لقد استبعد تولستوي الدافع الذاتي عند تفسير مشاعر نتاشا والأميرة ماريا ورفضه ("لم تبكيا لمصيبتها الشخصية") - وهذا أعطاه إمكانية أن يضعهما مقابل الشخصيات الأخرى كلها ("لكنهما لم تبكيا..."). أثار مشاعرهما الواقع الموضوعي، وبفضل حبهما انكشفت لهما حقيقة موضوعية لا شك فيها وصار موت الإنسان أمامهما سراً مهيباً وبسيطاً.

 

       وهكذا لا يمكن أن نسمي ما عرفه الأمير اندريه واكتشفه في الساعات الأخيرة من حياته أفكاراً. إن ما أنجزه بير واندريه فاقد للذاتية والنسبية. انه معرفة ما من نوع خاص، معرفة لمبادئ صارت راسخة ولا تتعلق بالموقف الزماني وبتصورات المصالح الشخصية فالفكرة التي حصل عليها البطلان لا تربطهم بعالم معين محدود بل تربطهم بالكون اللامحدود. وهذا هو الدافع الذي كان يحركهما في ارتقائهما. وقد طرحه تولستوي على أنه ليس إحساسهما الخاص بل على العكس قدمه إحساساً شاملاً يمتاز به الإنسان على العموم بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو القومي أو العقائدي...الخ.

 

            يوجد لدى الإنسان، وفقاً لما يراه تولستوي، سعي نحو الاتحاد، وهذه الميزة الأساسية والجذرية تتجلى لدى الأبطال المختلفين بصورة مباشرة وغير متوقعة لهم شخصياً.

"يقترب الأمير اندريه من بيت عائلة روستوف وهو تعيس ومهموم. سمع على اليمين من خلف الأشجار صيحات مرح نسوية ورأى بمواجهة عربته مجموعة راكضة من الفتيات. واقتربت راكضة قبل الأخريات فتاة سوداء الشعر نحيفة جداً ترتدي توباً قطنياً اصغراً.. صرخت الفتاة بشيء ما، لكنها بعد أن عرفت انه غريب عادت راكضة إلى الوراء وهي تضحك من دون أن تلقي نظرة عليه. وسرعان ما صار الأمير اندريه يشعر بألم ما".

صار يشعر بالألم لأن "هذه الفتاة الحسناء والنحيفة لم تعرفه ولم ترد أن تعرف بوجوده". يتحدث تولستوي عن الشعور الآني والمباشر والمعروف على العموم لكل فرد. لكنه عند تولستوي ليس ملاحظة سيكولوجية ودقيقة فقط، بل هي نقطة انطلاق للأفكار الذاهبة  بعيداً وأساس لفلسفة كاملة. وان كانت تبدو أمامنا صورة لحياة اعتيادية: البطل يسير في ضيعة، تركض باتجاهه عدة فتيات، بعد أن تعرف إحداهن انه غريب تعود راكضة إلى الوراء. هل يستحق الحديث عن هكذا تفاهات، والأدهى من ذلك في كتاب يتحدث عن أحداث تاريخية عالمية جسمية؟

 

       لكنها عند تولستوي ليست تفاهة، بل إظهار لحقيقة الإنسان العميقة التي يمكن بمساعدتها كذلك القيام بالأحداث التاريخية العظمية .

 

             يسمع بولكونسكي عند آل روستوف على نحو عفوي حديث نتاشا وسونيا. ويشعر ثانية بالانزعاج. انه يتمنى أن تقولا شيئاً ما عنه. "إنهما لا تهتمان بوجودي"، - فكر الأمير اندريه.

 

           يجري انبعاث البطل النهائي للحياة عندما يتوصل إلى فكرة: "ليس فحسب أن اعرف كل ما في داخلي، بل يلزم أن يعرف الجميع ذلك: بما فيهم بير وهذه الفتاة التي أرادت أن تطير في السماء، يلزم أن يعرفني الجميع، لكي لا تجري حياتي لي وحدي، ولكي لا يعيشوا هم بمعزل عن حياتي ولكي تنعكس (حياتي) عليهم كلهم ولكي يعيشوا معي كلهم سوية!".

 

        لماذا "يلزم" البطل أن يعرف الجميع عنه، وان "يعيش الجميع معه "سوية"؟ يلزم أن يعيش الجميع حياة مشتركة ليس بحساب المصالح بل لان المجتمع يحتاج ذلك، ليس اعتماداً على نظريات الآخرين، وإنما لأن القوة المنطوية في روح الإنسان تحدثه على الاتحاد. إنها مبدأ ابتدائي وغير قابل للاختزال.

 

        يظهر لدى نابليون الذي ينظر إلى موسكو من تل بوكلونيا شعور مشابه لما عانى منه الأمير اندريه في ضيعة آل روستوف. "عندما شاهد نابليون منظر المدينة القديمة ذات الأشكال المعمارية غير الاعتيادية التي ليس لها مثيل صار يقاسي من فضول مضطرب وحسود مثيل بما يعانيه الناس عند رؤيتهم أشكالاً لا يعرفون عنها وحياة غريبة عنهم".

  

      نابليون شأنه شأن اندريه "يلزمه" أن لا يكون شيء "غريباً" عنه وشعور الحسد والاضطراب -هو ردة فعل مباشرة (ومن ثم حقيقة للمحتل الفرنسي تنطلق من أعماق كيانه عندما يكون قريباً من اندريه وبير وبلاتون كاراتايف. انه متعطش لما حققه بير ("كل هذا أنا") ولما امتلكه بلاتون كاراتايف الذي دائماً ما أحس بنفسه وبحياته جزءاً من الكل.

 

       إن السياسة والسعي نحو المجد ورغبة نابليون باحتلال العالم كله - هي حسب معتقد تولستوي أشكال كاذبة للمبدأ الإنساني الأساسي المتكون من الرغبة بأن لا يكون أي شيء في العالم غريباً ولكي يكون العالم كله تابعاً للإنسان.

 

        يتولد المثال الكاذب للعظمة من بعد النظر الروحي الذي يحول دون رؤية ما هو قريب ومنزلي وعائلي بكل معانيها. يتخلص اندريه بولكونسكي من هذا العيب الروحي وكذلك يتخلص منه بيزوخوف. فقد انكشفت الحقيقة للأخير في الأسر.

 

         لم يتمكن سابقاً من رؤية ما هو عظيم وغير مدرك ولا نهائي في أي شيء. انه شعر فحسب إن هذا يجب أن يكون في مكان ما وصار يبحث عنه. ورأى في كل شيء قريب ومفهوم ما هو محدود وصغير واعتيادي ولا معنى له فقط. . .

         وتعلم الآن أن يرى العظيم والخالد واللامتناهي في كل شيء، وبطبيعة الحال، لكي يراه ولكي يستمتع بالتأمل فيه، ترك الأنبوب الذي كان قبل ذلك ينظر إلى الناس عبره، وأدرك بسعادة الحياة اللامتناهية  وغير المدركة والعظيمة إلى الأبد التي تتغير دائماً من حوله.

 

         أراد تولستوي في إجمالي بحث بير أن يُعَلِّم قارئيه - رؤية الشعر في كل شيء تعلمه هو بنفسه من هوميروس. لكن كان لديه معلم آخر بعد أيضاً وعرف ما لم يعرفه مؤلف "الإلياذة". كتب تولستوي في يومياته في 29 آب 1857: "أكملت قراءة نهاية "الإلياذة" الرائعة بشكل لا يمكن تصوره. . . قرأت الإنجيل، وهذا الأمر لم افعله منذ وقت طويل. بعد "الإلياذة". كيف تمكن هوميروس أن لا يعرف ان الخير - هو الحب؟ انه الوحي. لا يوجد تفسير أفضل من ذلك" (تولستوي. الأعمال الكاملة في 90 مجلداً. المجلد 47، ص145).

 

       يعرف أبطال هوميروس الحقيقة التي تعطي معنى لحياتهم. أبطال تولستوي سيعرفونها ويجدونها. إنهم لم يدركوها بصورة مباشرة، بل توصلوا إليها بطريقهم وعقلهم. الحقيقة المسيحية ظهرت إلى العالم كوحي واكتشاف وهي تظهر كوحي لبير أيضاً ولاندريه بولكونسكي كذلك. فقد جرى في حياتهم الشخصية ما جرى في تاريخ البشرية قبل حوالي ألفي عام.

 

      "المسيح لم يأمر بل بين الناموس الأخلاقي الذي سيبقى إلى الأبد مقياس للخير والشر"(سجل تولستوي في يومياته بتاريخ 1 نيسان 1858). يبدو أن الشكل الذي أعلن فيه المسيح الحقيقة يتطابق مع مضمونه. جوهر الحقيقة في الحب. والحب لا يمكن أن يُأمَر به. "الأمر-  يعني الإكراه، أما الحب - فهو الحرية. والأخيرة  لا يمكن أن توجد في عالم منتهي ووقتي بل تلزمها اللانهاية.

 

        لقد عرف بير الحقيقة التي بفضلها انكشفت له الحياة اللامنتهية واللامدركة. جرى في "الحرب والسلام" التعبير عن الشعرية المسيحية للاستكشاف الشخصي وللطريق الشخصي لفهم الحقيقة الغائبة عن أعين أبطال هوميروس، وفي هذا المعنى يمكن أن نسمي كتاب تولستوي ملحمة مسيحية. وعزاءه في كلمات المسيح: "أنا الطريق والحقيقة والحياة".

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000