..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مقاربات الفنتازيا في رواية (تذكار الجنرال مود)* للقاص والروائي ضياء الجبيلي

نبيل جميل

 

تنتابني العديد من الأسئلة وأنا اقرأ رواية: ماذا يريد الروائي أن يقول؟ ما هي أدواته التي تسحر القرّاء؟ هل زيادة عدد الأوراق ضرورية لكي يقال "رواية" أم أن الموضوع الذي اختاره "صاحبها" يستحق هذه الزيادة؟ هل الشخصيات تتحدث نيابة عنه وقد تفنن بإلباسها أقنعة متعددة أم تركها بتلك العفوية التي تتشكل منها طبيعة الإنسان وهي التي صنعت لنا عملاً يسمى رواية ؟

حين قرأت رواية (تذكار الجنرال مود) للكاتب "ضياء جبيلي" عاودتني تلك الأسئلة لكنني سأضطرّ إلى حذف بعضها بعد السحر الذي جذبني لمواصلة القراءة والانبهار، فنادراً ما نمرّ برواية عميقة، خاصة بعد عام (2003). وسوف يتساءل قارئي لماذا هذا العام تحديداً فأقول له انه عام الاجتياح الأجنبي لبلدٍ عربي يمثل قلب الثقافة والإبداع والتجديد، وغزارة الإنتاج على مستوى الفنون كافة. إذ أن معظم الأعمال الروائية بعد ذلك العام انطلقت وفق معايير أكثر حرية في التجريب، حيث مسار الخلاص من قوى الرقيب الصارمة، ذلك الزائر الثقيل لذواتنا الفكرية التي تحاول أن تنطلق بكل ما أوتيت من موهبة، لتثبت جدارتها وكفاءتها في تطوير النصوص السردية، الزائر الذي زاد أوجاعنا بثقله، وجثم على كاهلنا بوجعٍ يقلّب الذاكرة، وجع يجفف الأنهار والأهوار، وجع يفتت الجبال، وجع يحتاج إلى بحار مدادٍ ليعبّر عمّا يسكنه. مرحلة انتهت وأخرى بدأت أشدّ وجعاً، يلتقي مع وجع مدفون في بطون كتب التأريخ، يلتقيان يتلاقحان لينتجا لنا عملاً بسعة ذاكرة الإنسان، إنسان الجنوب، وتحديداً إنسان مدينة البصرة، التي عمّ فيها الخراب، وأصابها الشلل بأكثر من مفصل، خلال عمليات الاجتياح البريطاني الأول عام 1914)) حيث أنزلت حكومة الهند البريطانية جيشها المتكون من خليط البريطانيين والهنود، الذي سمّيَ محلياً بـ(الكركة)، وصولاً إلى اجتياح عام (2003).

      لـ"ضياء جبيلي" وجهة نظر حول هذا الوجع، فحكايات وجعه متداخلة، تروي حلقات لا تنتهي مثل سلسلة متصلة، يواصل القارئ سحبها ببطء متلذذاً باحتكاك حلقاتها بين راحتي يديه، وعندما يصل الى درجة يشعر فيها بالوجع فإنه لا يتوقف للراحة، بل ترتسم على محيّاه ابتسامة المكتشف وكأنه وصل إلى ذروة النشوة العارمة، التي ينتظرها بلهفة، ويسعى إلى إدراكها كي يفرغ ما في جوفهِ من حملٍ ثقيل. نوافذ تُفتح على حكايات وأخرى تُغلَق بحكايات نراها مؤجلة، ربما تظهر لنا في أعمال روائية جديدة، نكاد نصدّق بعضها، ننخدع بالطقوس والماكياج ولغة الحوار واستنطاق طائر (الغراب)، إحياء الأموات، إثارة غبار معارك قديمة، ملاحقة سلاحف وحيّات الأنهار، التقيؤ من براز قطة أو تحمّل الغوص لأربعين دقيقة تحت الماء. نماذج عديدة استلّها من أمّهات الكتب التاريخية، قصاصات من صحف ومجلات، أحاجي الأجداد، تقارير لرفاق حزب البعث، أصوات رصاص ودوي طائرات، دول استعمارية، شخصيات ترتدي طرابيش عثمانية وأخرى خوذاً عسكرية مصنوعة في روسيا، رائحة  زنخ ذوي البشرة السمراء وهم يخدمون ـ مخصيين ومحظيات ـ في بيوت الآغوات والباشوات، ساحبو المهيّلات في شط العرب وقد أثقلت بالبضائع، آثار سومر وأكد، طلاسم سحر وطقوس مندثرة، رسومات كهوف، جنود أتلفت عظامهم حشرة الأرضة وسبخ الأرض، مقابر جماعية لمعارضي نظام (زلكا ـ صدام حسين)، حشود من أرتال "الكركة"، وقد ارتسمت على وجوههم الدهشة عندما رأوا ملح الفاو، وتحسسوا جوّها الرطب، بصمات لآلاف الأصابع، مطبوعة على بقايا حبال القنّب وحواف البواخر الراسية والغارقة في شط العرب والخليج، أغاني البحارة التي ما زال صداها يتردد في سماء البصرة، صيحات نوارس تحاول أن تخبرنا بعدد قنابل العنقودي التي سقطت على قضاء شط العرب، رائحة تنباك وتبوغ مهرّبة، توابل من سوق الهنود، موسيقى للجوقات المرافقة في استقبال الجنرال (مود) ومن ثم تنصيب الملك، صرخات نساء يلدن في أقبية سجون مظلمة تحت الأرض.

  

شفرة العنوان       

 

      عمد "ضياء جبيلي" إلى نثر بذور رواياته في أرض السرد الخصبة، وراح يسقيها على طريقة التنقيط ليُمتع ناظريه بنموّ ثمارها في أعين القرّاء، وإذا أردت التحدث عن تجربته في عالم السرد من خلال ما أنجزه من أعمال (لعنة ماركيز/ وجه فنسنت القبيح/ بوغيز العجيب) سأقول إنها تميزت بمحليتها لاتخاذه من البصرة مكاناً لمعظم أحداثها، أي أنه لا يكتب عن الأماكن المستوردة لاعتزازه بتاريخ حاضنته، وهذا يذكرني بـ نجيب محفوظ/ أورهان باموك/ عبد الخالق الركابي/ غابريل غارسيا ماركيز وآخرين من الذين تميزوا بتناول واقعهم ونقله إلى العالم، وربطه بأحداث تاريخية شتى مرّت بها مدنهم، وهذه المحلية، إن صح الوصف، أخذت منحىً جمالياً رفع من قيمتها التقليدية، وجعلها في مصاف الإبداع العالمي، لكون ما لمسناه في أعماله من تأسيس وبناء يختلف عن مجايليه. فثمة عالم واقعي يتصف بالفنتازيا وأجواء ما يسمى بالواقعية السحرية، واختلاق عوالم مفترضة، شخوص تغيب صورهم عن ذهن القارئ بالرغم من أنه ربما عايش بعضهم في الحياة، نراه يشخّص رؤاه داخلياً وخارجياً، ويتحرك بحرية أكسبته منظوراً فكرياً خاصاً به، ليكشف لنا مضموناً من الهواجس والآراء التي تتوالد تلقائياً، وحسب الأحداث. صحيح أننا نجد أن هناك تدخلات منه في عملية نقد الواقع، إلاّ أن هذا النقد جاء وفق مهيمنة خاصة للكاتب، إزاء ما يراه مناسباً والمنهج الذي يتخذه في الكتابة، وهو بهذا يسقط أدواته الفنية ونظرياته على عمله، ليخرجه بصورة أفضل. إنه حراك آلي مبرمج يزخر بالعديد من المشاهد الاجتماعية والتاريخية، استطاع من خلالها أن يجعل حادثة كانت تبدو لنا سهلة وبسيطة شيئاً آخر، تماماً، حيث ما أن يضع عليها لمسته السحرية ويتعمق فيها تغدو مرتكزاً لحكايات تشكل مفصلاً مهماً من الرواية، ولهذا السبب نراه لا يترك حدثاً من دون وصف، فعين الكاميرا عنده تشتغل على مدار الزمن، وتقنيات الاسترجاع والانتقال من زمن إلى آخر أو من مشهد إلى سواه هي غاية في الدقة، ومسيطر عليها دون أن تنفلت من ذهنه وتتيه في نسيج الرواية العام، الذي ربما أقلق متابعة قارئه بسبب تشعّب الأحداث. ما يعني أنه أدار روايته كما يجب ووصل بها إلى نهاية مقنعة، بدءاً من العنوان الذي يمثل الشفرة أو العتبة الأولى، لدلالته الوظيفية المرتبطة بالمتن، والذي يساهم في عملية الولوج لمتابعة القراءة، حيث لحظة الاتصال الأولى، رصد عين القارئ وانتباهه، فللعنوان قيمة أدبية كبرى في الاستنطاق والتأويل. ومن هنا اهتمامي بالأبعاد التي أرادها "جبيلي" من اختياره أحد أسماء جنرالات الاستعمار البريطاني "ستانلي مود" عنواناً لروايته هذه : هل أراد الإثارة والإغراء؟ أم قصد  بعداً قومياً ووطنياً في مواجهة المحتلّ؟ أم هو التذكير بوجوب عمل عربي مشترك يقوده المفكرون والأدباء؟ أعني العمل الشبيه بحركات التنوير واليقظة العربية، التي ظهرت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لإعادة أمجاد الذين دعوا إلى الإصلاحات مثل رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وغيرهما العديد من المفكرين الذين كان لهم الدور الكبير في تحريك الشارع العربي من منظري سياسة واقتصاد، فكُتب التأريخ مليئة بأسماء كان لها أثر في نقاط التحول الفكري لمواقفهم في التصدي لقوى الاستعمار. وربما البحث عن بديل للمثقف الثوري هو الرسالة التي أرادها "جبيلي" أن تصل إلى قرّائه، ليعكس لهم صورة المثقفين وأصحاب الفكر وكيف كانت لهم صولات وجولات في تحريك الشارع العربي زمان ذاك، ليعيد إلى أذهانهم أن المثقف له الدور الأول في الانقلابات ورفض الطغاة والتدخل في تغيير مناصب كبرى في الدولة وإسقاطها إن تطلب الأمر .

 

مقاربة واقعية سحرية

 

     تبدأ رواية "تذكار الجنرال مود" من سيرة (كريم عبد الواحد) حفيد السيد (انقلاب)، يقوم بروايتها صديقه الحميم عبر رسائل إلى السيد (قرش)، الذي يظن بأنه افترسه، ومن خلال الرسائل نتعرّف على حكاية (انقلاب) وكيف استوطن البصرة. ثمة أحداث وقصص متداخلة قد تربك القارئ غير المتابع لتعدد الأسماء والأماكن وربط الماضي بالحاضر، مونولوج مثل شبكة عنكبوت، فكل حكاية تتصل بحكاية أخرى كأننا في دوّامة من حكايات "ألف ليلة وليلة"! هذا الأسلوب الذي عمد إليه الروائي طريقة فنية تفرّد بها عدد من الكتّاب، لما فيها من متعة تحث القارئ على التركيز ومعرفة ما سوف تؤول إليه الأمور. لذا أرى "جبيلي" قد خبر الصّنعة، وجعلها طوع أمره وهذا هو المهم لديه، تأسيس ثم انطلاق، أي أنه يؤثث لمشروعه من خلال: عملية السرد/ اختيار البصرة في معظم كتاباته/ ربط الماضي بالحاضر/ استخدام الفنتازيا/ التلاعب بالزمن/ إنتاج مقاربة واقعية سحرية ثم اشتغال وفق ما يراه منظوره  في إيصال ما يكتبه للمتلقي، وأيضاً يمكن اعتبار أن معيار افتعال حكايات يضيف إلى أسلوبه شكلاً جديداً، سواء بتعدد الشخوص واختيار أسمائها، أو بتقنية تقطيع الفصول وربطها.

  

هو ذا بدء الرواية نصياً :

  

(توفي السيد انقلاب جد كريم عبد الواحد عن عمر ناهز الثانية والتسعين مع حلول عام (1986)**، كان حكّاءً ماهراً، ينسج أجمل الحكايات وأغربها، ومنها حكاية امرأة تسكن في إحدى القلاع النائية، افترس الكوسج أولادها الستة، كان يسردها علينا بين فترى وأخرى، لعلنا نكف عن الذهاب إلى الشط ، ونهتم بواجباتنا المدرسية، فتسري في أوصالنا رعشة خوف ونقرر عدم الذهاب إلى هناك ثانية، إلّا أن شيئاً ما يبدو سحرياً للغاية يشدّنا إلى الشّط في اليوم التالي، فنركض نحوه، ولا نعود منه إلّا في آخر النهار، ملطخين بالطين، وزفرة السمك وفساء السلاحف تضمّخ ثيابنا، وعلى رؤوسنا دروع سلاحف محدبة كنا نشنقها، ونصلبها على أشجار السدر هناك، فتذوب شحومها وتنزلق أجسادها إلى الأرض، في حين نعلّق على أكتافنا بنادق من الجريد، ونحمل بأيدينا علباً مليئة بالجرّي، نطعم به قططنا الجميلة المبقعة)/ ص7. أستطيع أن أقول إن هذا المقطع حكاية مكتملة ومستقلة لذاتها، وفي نفس الوقت أعتبره "الثيمة" الرئيسة للرواية، أي الملخص المحور الذي استنبط منه "جبيلي" جلّ أحداث روايته. فالسيد (انقلاب) يمثل ذاكرة ممتدة ومرتبطة بحكاية قلعة (عين الذهب) ومنها نتعرف على المرأة وأولادها السّتة الذين التهمهم القرش وحكاياتهم التي تمتد على شكل فصول: (موليسة ص26/ أورماخ ص60/ دامكينا ص89/ كايا ص120/ أورنينا ص142/ آدابا ص167). هنا أنوّه بأنهم سبعة لكن سابعهم (رقو) وهو أكبرهم قد هرب من القلعة وسيتم التطرق إلى حياته في معظم الفصول لأنه السيد (انقلاب) ذاته! فهناك فصل عنوانه (أروي لأنهي الحكاية.. كبي كبي ص 189) يرويه طائر (الغراب)، ثمّ فصل مهم جداً (العريضة) وهو الخاتمة (ص 209) نقرأ منه: (بسم الله الرحمن الرحيم.. لدى محكمة بداءة البصرة الموقرة في القضية رقم 58 لعام 1948. المدعي: ........ من البصرة/ بصفته صاحب الدعوى. المدعى عليه: مديرية الجنسية العامة/ وزارة الداخلية. نوع الدعوى: تغيير اسم المدعي من....... ليصبح انقلاب في الأوراق والشهادات الرسمية) فنلاحظ أن (رقو) إلى حين تقديم طلب تغيير اسمه عام 1948 لم يكن يدعى ( انقلاب)، وهذا ما يؤكده الراوي في فصل الخاتمة، أي أنه قبل هذا التاريخ كان يدعى (رقو) وقد سكن البصرة، ومارس عدة مهن، فتتجلى في هذا الفصل معالم شخصيته أكثر، عن طريق الاسترجاع وإعادة شريط الحكايات حيث زمان الباشوات والمترفين الأثرياء. ويركز الراوي على هذا التاريخ لتثبيت فترة انتشار الخدم ذوي السحن السمر، المخصيين وغيرهم، أيام عهد الإقطاعيين والملّاك المتجبرين، والآغاوات أصحاب النفوذ المتحكمين بالتجارة وغيرها، وباعتناق (رقو) الإسلام حصل من الآغا الذي كان يعمل عنده على هبات سخية وعطايا ومن ضمنها (امرأة خلاسية جميلة في التاسعة عشرة من عمرها تدعى بنانا وهي مزيج من دماء حجازية ودماء نوبية نصف سوداء) ص 213: (عقد القران وأصبحت بنانا في حضني. حدث ذلك في عام 1931 وكان عمري وقتها خمس وثلاثون عاما ـ كذا ـ)***/ ص214.

     يستمر (رقو) في سرد حكايته مستثمراً العريضة، تكلّم عن سكنه قرب سينما روكسي الذي سمح لهم الآغا بشغله، ثم الاجهاضات التي مرت بها بنانا، إلى موت الآغا وعدم سخاء الذين خلفوه، لذا عاش حياة من البطالة والتقشف بعد أن أهملت الوكالة التي كان يعمل بها، إلى ان أرشده أحد الأصدقاء للعمل مراقباً في حقل السوس على ضفة نهر الرباط، وكذلك سائقاً للسيدة (مارغريتا) زوجة أحد المساهمين الأمريكان في الحقل، لنكتشف أن (رقو/ انقلاب) هو البطل الحقيقي للرواية، وذلك لما تمتلكه ذاكرته من معلومات طغت على أحداثها. لذلك تنبغي الاشارة إلى أن "جبيلي" يتوفر على رغبة كبيرة في مواصلة السرد، لامتلاكه مفاتيح مؤثرة عديدة، اكتسبها من قراءاته الفلسفية والفكرية والروائية، لعظماء الكتّاب فتكونت لديه خزينة لا تنضب، مثل نهرٍ جار دائم التدفق، لكن الطابع الغالب عليه هو إصراره على روي كل شيء في آن واحد، وهذا يذكّرني برواية (مائة عام من العزلة) لـ ماركيز، التي تعتبر مدرسة، تخرج منها الكثيرون سواء من الكتاّب الأجانب أو العرب، مع التأكيد على أن التأثر بكبار الكتّاب لا يعتبر عيباً لأن الأدب بطبيعته قائم على التأثير والتأثر.

 

إتقان تدوير الحكايات

 

    إذا عرجنا على الرواية العربية عموماً لوجدناها انعكاساً للرواية الغربية، وهذا أشار له العديد من الدارسين، بسبب الترجمات التي وصلتنا، فضلاً عن أن الغرب قد أثّر فينا ليس في الأدب فقط بل في معظم مفاصل الحياة، بدءاً من الفتوحات والاستكشافات الغربية والشرقية والانفتاح على طرق البحر، حيث تتالت الغزوات الاستعمارية والاستيطانية تباعاً. صحيح أن تراثنا مليء بالسير والحكايات مثل سيرة بني هلال وحكايات ألف ليلة وليلة وغيرهما، وهي مصادر الهام كبيرة، إلّا أن الرواية، فناً مستقلاً لهُ أصوله وأنساقه ونظمه، وصلت إلينا مستوردة! ومن أجل إنتاج رواية ناجحة على الكاتب أن يعد عدّته ويعيش حالة مخاض دائم من اجل استحضار العقدة والشخوص واختيار الأمكنة والأزمنة واللغة المستخدمة لكل شخصية إلى أن يلد رواية، فضلاً عن التزامه بالأمور المعروفة من تناسق وتشذيب وموازنة في الحوار والتشويق بتصاعد الحدث ثم الخاتمة. وقد استثمر "جبيلي" معظم ذلك ليحقق رؤيته الجمالية في (تذكار الجنرال مود)، ويفصح عن مدى معرفته والتزامه بأسس كتابة الرواية الحديثة:

    (أعرف أناساً كثرا من أصول مختلفة، بعضهم صارت جذوره مكشوفة للعيان بشكل واضح بفضل اللون والطقوس والعادات، والبعض الآخر ما زال يخفيها لدواع كثيرة، ثمة هنود، وعجم، وبلوش، وأفارقة، أرمن، يهود، احسائيون، أتراك، بحارنة، مصريون، مغاربة، مغول، تتر، صينيون، انكليز، ألمان، وغيرهم الكثير من أولئك الذين تمتد جذورهم إلى بلدان عديدة في أوربا وآسيا وإفريقيا، فالبصرة يا سيد قرش مدينة مفتوحة على العشب والماء والصحراء، مدينة إشكالية، وفي الوقت نفسه يمكن عدّها من المدن ذوات السهل الممتنع، بمنتهى السحر والرعونة في آن معاً)/ ص13.

هذا المقطع مأخوذ من رسالة إلى السيد قرش وجّهها صديق (كريم عبد الواحد) وبدايتها (عزيزي السيد قرش.. أهديك تحياتي)، وهي تعتبر أيضاً رسالة إلى من يهمّهم الأمر من مبدعي الكلمة لإعادة المجد لغوياً لمدينة البصرة. فـ"جبيلي" عمد إلى محاكاة (ماركيز) الذي خلق تلك المدينة أو القرية الافتراضية (ماكوندو) وجعلها منطلقاً لأعماله الموصوفة بـ(الواقعية السحرية). إذ استوحى هنا روايته من مدينة حاضرة على أرض الواقع حسب رؤيته لأن البصرة مليئة بالحكايات التي تفوق الخيال، وعلى المبدع الحقيقي أن يستلهم منها آلاف الحكايات والأفكار، ويوظفها بما يجود عليه ذهنه وموهبته. فالإبداع التزام وحضور وخَلق، وليس مجرد تكديس أعداد من الكتب والمؤلفات، والافتخار بها دون جدوى. أي ثمة تجديد في عملية الروي على الراوي استثماره، بألّا يبقى حبيس حكاية واحدة متكونة من بداية ووسط ونهاية، بل لا بد من وجود حكايات متفرعة، لأن الرواية، بعكس القصة، تستوعب الكثير، وهي أطول الأعمال السردية، وهذا طبعاً لم يفت "جبيلي" الذي حتى إشاراته الخاطفة كانت مميزة، يقف عندها القارئ لتأخذه بعيداً للاستعانة ببعض المصادر لمعرفة ما أشار إليه: (أو أحد الأرمن الهاربين من مذابح الأتراك)/ ص13. فبكلمات قليلة اختصر لنا حادثة تاريخية إلى الآن لم تعترف بها تركيا، وهذا مثل بسيط على عمق ذهنيته وسعتها لاحتواء أحداث عالمية وإدخالها في عمله، لكي يزيد بها إشعاع التشويق أولاً وثانياً لإدراكه أن موضوعاً كهذا سيرفع من شأن الرواية من المحلية إلى العالمية، وذلك باستخدام الجانب الإنساني الكبير لأن الإنسان واحد ومظلوميته واحدة مهما اختلفت الأعراق والأنساب والأديان... الخ.

     كذلك نجح "جبيلي" في لعبة تدوير الحكايات، فعلى مدى صفحات الرواية تجد جميع الشخوص حاضرين مشاركين كأنهم عائلة واحدة، تجمعهم ذات الطبيعة والألفة والنَفَس، في عملية روي حكاياتهم، حتى (الغراب) في فصل (كبي كبي) جعلنا نشعر به كأنه حقيقة، مرهف الإحساس يتألم على (رقو) العاشق، رغم أنه لا يعرف مصيره فربما انتهى وليمة مشوية أو جيفة نتنة تتعارك عليها القطط، استسلم لقدره داخل صندوق مغلق وهو ينصت لقصيدة (رقو)، بينما هو يتجرّع المرارة لأنه لم يودّع أنثاه وصغاره (الذين تركهم في عشّ لم يمض الكثير من الوقت عندما ابتنيته)/ ص 192. حتى الحكايات والألعاب الشعبية عندما أدخلها كان فناناً بإشراكها في جوّ الرواية، منذ شقاوة الصبا وألفة أصدقاء النهر (كريم عبد الواحد/ ناصر عباس الملقب بكاكاو/ اسعد ضمد) ولكل واحد حكاية.. اللعب/ العوم/ الصيد/ ارتياد السينما/ سنوات الدراسة/ البحث عن عمل/ المشاجرة مع الآباء/ العشق وفترة المراهقة... الخ، وحتى بلوغهم واندلاع حرب الثماني سنوات مع إيران  (1980 ـ 1988 )، ثم غزو الكويت وطرد الجيش العراقي وقيام الانتفاضة ضد الحكومة العراقية السابقة وقمعها، حتى يصل إلى عام 2003)) وسقوط (صدام حسين) الذي شبّهه بـ(زلكا) أمير (قلعة عين الذهب) بسبب طغيانه وجبروته: (ولم يمض على وصول الجنرال مود إلى هناك الكثير من الوقت، حتى بدأ حملته العسكرية بقصف القلعة بالقنابل، واستمر ذلك ليومين متتالين، وفي اليوم الثالث دخلت طلائع الجيش البريطاني إلى القلعة، بعد أن حطّمت أبوابها الأربعة، وتم إلقاء القبض على الأمير زلكا في سرداب تحت معبد (أي ـ آنا الكبير)، وكان يشكو من جرح في ذراعه الأيسر، إلّا أن ذلك لم يقف حائلاً دون محاكمته بتهمة الإبادة الجماعية، فكان من الأمر أن حكمت عليه محكمة عسكرية بالإعدام شنقاً حتى الموت)/ ص 207.

 

الخاتمة

    ربما يحضرنا التساؤل الآتي: لماذا لجأ "جبيلي" إلى استخدام الأسطورة وأخفى عدداً من الشخوص وراء مسميات رمزية أو أخرى استلّها من عمق التاريخ؟ السنا في مرحلة خالية من رقيب السلطة؟  الجواب حسب تقديري هو عدم تكرار نفس الصور والأسماء التي كانت معروفة لدينا سابقاً، وما زالت مطبوعة في أذهاننا، ونقلها بمباشرة تقليدية مقيتة، لأننا عايشنا تلك المرحلة التي أصبحت مستهلكة بسبب تناولها من قبل العديد من الكتاب، بمؤلفات سردية تفوق العشرات. لذلك كان لجوؤه إلى هذا التكتيك لزيادة عنصر الإبداع، حيث أن ما اشتغل عليه من عملية كشف واستنطاق للواقع العراقي المرير في الماضي والحاضر، ما هو إلّا فيض من غيض، استثمره بطريقته الخاصة لينتج لنا (تذكار الجنرال مود). هذه الرواية التي تحتاج الى قراءة نقدية معمّقة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رواية للكاتب ضياء جبيلي صدرت عام 2014 عن دار ورّاقون للنشر والتوزيع في البصرة ـ العراق.

** لم يفت "جبيلي" تثبيت التواريخ ومع ذلك اخطأ هنا لأننا إذا جمعنا سنوات عمر (رقو) لكانت تسعين عاماً . وحسب تأريخ زواجه عام 1931 .

*** هكذا وارد في الأصل والصحيح "خمسة وثلاثين عاماً".

 

 

نبيل جميل


التعليقات




5000