..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(كُلُلُّوش)

رغد السهيل

قومي رؤوسٌ كلهم         أرأيتَ مزرعةَ البصل؟             ( علي الشرقي)

 

لم أتعرفْ عليّ عندما رأيتَني في المرآة، بدوتُ سمينةً، منفوخة كبالون، هذا المنقارُ الصغير على فمي لا يمتّ لي بصلة، لا أتذكرُ من ألصقه بيّ؟ اتخذتُ قراري، وتركت تلك القرية، خشيتُ أن أتحوّل إلى صقر، وتنقرضُ سلالتي الراقية التي أنتمي إليها...من حقي المحافظة على أصالتي، كما من حقكم أنتم جميعا المحافظة على أصالة سلالاتكم، أنا من سلالة نادرة من الذباب الملكي الأصيل، ماذا عنكم؟

 نحن سلالةٌ تكره النفايات العشوائية الفوضوية، عودتنا كُلُلُّوش على نظافة القرية، كانت مهمتها التخلص من النفايات، حتى تصارَعَ القومُ بينهم بسبب البصل، وصاروا يفرمون البصل بكل مكان، ولأن عيني كُلُلُّوش لا تدمعان، لم تحتمل الحرقة، ولم تبصرْ طريقها، تعثرت وانقلبت عربتها الخشبية فوقها، فماتت المسكينة، وظلّت النفايات تتناثر في كل مكان، وليس من يتخلص منها، صارت تلالا فوق تلال، لدرجة أنني أصطدم بها كلما طرت، ففقدت متعة الحرية في الطيران، حينها انقسم القوم لفئات تتقاتل مع بعضها، ولست أفهم تحديدا السبب، كانوا يرمون بعضهم بعضاً برؤوس البصل، أصابني الغثيان من هذا المكان، مما زاد آلامي موت يرقاتي الصغيرات أمام ناظري، فهجرت القرية، التي لم تعد تلائم طبيعتي ..لست أتذكر تفاصيل الحدث؟ .

 هناك دائما نقيض للحدث في قلبه، عليكم الصمت والإصغاء، سأعيد عليكم الحكاية بالتسلسل... لتقرّروا بعدها إن كنتم تصرون على الذهاب إلى هناك أم لا ..

(يقطعون البصل قِطعاً صغيرة في كل مكان، هدموا حرمة القبو الخاص بالبصل، غضب صاحبه، وانتفض من قبره محاولا جمعهم في المكان الصحيح لفرم البصل، لكنه فشل بإقناعهم، فمات ثانية قهرا وغيظا، وهو يبصرُهم يقطعون البصل دون أي خصوصية للمكان، كانوا يستعملون السكاكين تارة، ويرجمونه بالحجر تارة أخرى، أو يدوسونه بأقدامهم، تصاعد الخلاف بينهم، فنبشوا موقع المحراث المبارك وهشموه، محراث الكرامات لولي الله الصالح الحاج مذخور، فتقاتلوا في معركة شديدة الوطيس، السلاح فيها رؤوس البصل، وحجارة موقع المحراث، لقد عاصرت تلك المعركة، حتى وقعت عليّ ذات مرة بصلة رأسها كبير، فجعلتني أنتفخ كمن أصابه ورم، أنا أفتقد شكلي القديم..)

يعلو طنين الذباب، والكائن الغريب واقف على سعفة نخلة عالية طويلة، مد جسده المنتفخ، فكشف عن قباحة منظره، أعرف جنون خيال هذه التى تتوهم أنها قاصة، لكنها سمعت الكلام، وحاولت أن تترجمه، فبحثت لهذا المخلوق عن مكان في سلسلة تطور الكائنات، لعله تطور عن أحفاد مسخ كافكا، لكنه يطير، ويدور باقي الذباب حوله، وكأنهم يرقصون رقصة الولاء، ما أشنع أن تقدم ولاءً لمخلوق لا تعرف تصنيفه البيولوجي بين الكائنات، وما ألطف الولاء لغبي جميل الخلقة ابن البيئة الطبيعية..! فبين جبروت البطش والتصنيف البيولوجي عهد وميثاق يعود لخريف البطريق عندما أقره العظيم ماركيز، لا للمخبول دارون صاحب نظرية البقاء للأصلح ..! لم يعد البقاء للأصلح صار للأبشع والأقبح والأشد شذوذا، فما بين الحكمة والجمال أسطورة لا وجود لها مطلقا إلا في قلب الكتب لعلها اليوتوبيا ..

يا رفيقاتي كنت أعيش بسلام ووئام، وأستمتع بحرية طيراني ضمن قانون خاص يساعدني على أن أجد قوتي وقوت يرقاتي، حتى فسد النظام والقانون وعمّت الفوضى. صارت حريتي تخبّطا، أصبح طيراني عبئا ثقيلا عليّ، لم أعد أميّز طريقي، صرت أصطدم ببنات جنسي، ورغم وفرة قُوتنا، صرنا نتصارع مع بعضنا، بسبب تكدّسنا بعشوائية في الأماكن، ففسدت الأحوال وعمّ الضجيج، لقد حدثت أحداث جسام في قرية الذهب الأسود، عندما تحرك عقربُ الساعة يمينا ثم يسارا ويسارا فيمينا، لم يثبتْ على اتجاه محدد،  لا هو يتراجع ولا هو يتقدم، حينها خرج الزمن من المكان، وظل المكان يتيما في تلك القرية.

إنها قرية صغيرة بسيطة، لا يتجاوز عدد بيوتها الطينية العشرين بيتا، هم هناك منذ زمن طويل، ورث القومُ الأرضَ عن آبائهم، ساعد وجودهم قرب النهر على عملهم بزراعة النخيل وبعض الفاكهة والبصل والخضراوات، ويمتلكون بعض الحيوانات من الماعز والبقر والحمير والخرفان والأغنام، أحيانا يصطادون الأسماك، وهم يعبرون النهر بقواربهم الصغيرة، وكانوا يهتمون بصناعة أدوات التنظيف، فتصنع نساؤهم المكانس المتنوعة الأشكال والأحجام، من سعف النخل ليبيعوها، لا سيما حين يحين وقت تكريب النخل، ولجودة وإتقان صناعتها اشتهرت مكانسهم، وأطلقوا عليها مكانس الذهب الأسود، وارتفع الطلب عليها، ولم يعرف أهل القرية أنه سيقبل عليهم زمان تشح فيه تلك المكانس وتصبح كالعملة الصعبة النادرة.

في تلك القرية ولدت كُلُلُّوش، بحسن لا مثيل له، لم تبكِ أو تصرخ لحظة ولادتها شأن باقي الصغار، بل استقبلت الوجود بالهلاهل والزغاريد عندما ضربتها القابلة على قفاها، وفي اللحظة نفسها أقبلت العصافير تزقزق قرب النافذة، فترتفع وتهبط مع هلاهلها، ذهلت النسوة لحظتها بتلك الطفلة العجيبة، فالت عنها القابلة: إنها فتاة مباركة ستجلب الفرح للقرية، وقالت احداهن: يسكن هذه الصغيرة الجن فكيف تهلهل وهي وليدة؟ وقالت أخريات إنها ساحرة صغيرة، وقالت جدتها: هذه  إرادة الله ما أدرانا بحكمة هلاهلها! 

أما أنا الذبابة الملكية فلم أجد في الأمر غرابة، فبنو البشر تتنوّع أصواتهم، فهم كائنات كبيرة الحجم يختلفون عنا، صحيح نحن صغار البنية لكنّ لنا صوتاً واحداً يطلقون عليه الطنين، بينما ليس لأصواتهم كلمة أو صفة محدّدة. فهم قادرون على إطلاق كل أنواع الأصوات، لقد سمعت بعضهم يعوي كالكلب، وآخر ينهق كالحمار، وأخرى تخور كالبقرة، وغيرها تزقزق كعصفور، وصاحبتها تهدل كل صباح، فما العلة لو هلهلت طفلة صغيرة عند ولادتها؟! أهل القرية أغبياء لا يعرفون طبيعة تكوينهم، توقفوا عند ظاهرة عصية على التفسير بنظرهم، ولم تنطق أم الصغيرة، لأنها ماتت لحظة إطلاق تلك الزغاريد، وأبوها لم يذهله سوى وفاة زوجته، فكيف ستتربى الصغيرة؟

 أطلقت عليها جدتها اسم كُلُلُّوش، وأرضعتها سيدة فاضلة في القرية، وتوفي والدها بسرعة بعد وفاة زوجته، ولست أتذكر كيف مات؟ الحكاية تتطلب هذا وحَسْب، لتصبح الصغيرة يتيمة برعاية جدتها، ولم تبكِ يوما، كانت جدتها تقطر لها يوميا بضع قطرات من زيت الخروع، وأحيانا تضع فوق عينيها قطعاً من الخيار لبضع دقائق، لترطب عينيها، فيقلل هذا من جفافها، ويزيد من بريق نظراتها، وكنت أحيانا أخالف التعليمات وأدخل من النافذة لأراقب الصغيرة، فأمتع ناظري بجمال تكوينها، ورقة بنيتها، وأُطرب لهلاهلها، فأنتشي برؤية وجهها، صدقوني كانت عيناها تبعثان إشعاعات براقة، إشعاعات تسحرني وترغمني على محبتها، لكن جدتها كلّما لمحتني قريبة نهرتني، وطلبت مني الالتزام بأماكن وجودي، لأطيعها احتراما للقانون.

نضجت الصغيرة وتفتحت وردتها، وفاحَ عبيرُها، وكلما سارت في الحقول تبعتها العصافير في دائرة فوق رأسها، كأنها ملكة صغيرة تاجها العصافير، فإذا تذكرت جدتها أطلقت زغاريدها، وزقزقت العصافير معها، ليلتم الصغار حولها ساخرين منها، فيصيح بهم الصغير ظافر، كان يرميهم بالحجارة إن أصرّوا على مشاكستها، ولأنني أحببتها تعمّدت وضع يرقاتي على طعام هؤلاء المشاكسين، بنيّة إفساده. وكم من مرة تواريت عن جدة كُلُلُّوش، لأقف على عين من يزعج الحسناء الصغيرة، فأفتح أجنحتي وأقذف في عينيه برازي، ثم أطير سريعا، كانوا يصابون بالرمد، ويظلون في بيوتهم بضعة أيام لا يغادرونها، شيئا فشيئا اعتاد أهل القرية على زغاريدها، وغدت ظاهرتها الغريبة جزءا منهم ومن تاريخهم.

وعندما شبت كُلُلُّوش طفا على وجهها الخمري حسنٌ غريب، يكسوه هالة من نور تشعر بها ولا تراها، فمن يرى عينيها الكبيرتين يبصر القمر وهو يتوسط السماء في دجى الليل، فالبياض في عينيها صافٍ نقي كاللؤلؤ، كنت أبصر في عينيها سكرا لذيذا، أما  شفتاها فهما حبتا تين ناضجتان ممتلئتان، وكم فكرت بالاقتراب لامتصاص تلك الحلاوة التي على شفتيها، لولا خشيتي من خوفها مني. لذا ضبطت شهوتي، واكتفيت بمراقبتها، وإذا سارت بجسدها الممشوق وطولها الفارع، تبعتها خصلات طويلة من شعرها الخمري، كشال يغطي ظهرها، لفتت أنظار شباب القرية، وطمح الكثيرون للفوز بقلبها، كنت أسمع أحاديث غيرة بنات القرية منها، لكنني لم أقلق فجدّتها كلّ صباح تعمل على رقيها بالبخور، وتردد كلمات غريبة ربما هي ما يسميه البشر بالدعاء ...

 سأحدثكم الآن عن جدتها، وهي امرأة ذات شخصية لطيفة حنونة، تمتهن تنظيف القرية، وتقبض أجرا بسيطا من الحاج حكيم، الذي يدير شؤون القرية ويحترمه الجميع ويطيعونه، وقلما حدثت القلاقل أو المشاكل بينهم لأنه أكبر رجال القرية سنا ومقاما، كان يقضي على أية مشكلة قبل أن تولد بالحكمة والتعقل. ومع كل فجر، عندما يبدأ الديك بالصياح تسحب الجدة عربتها الخشبية التي يجرها بغل أسود، وتدور في القرية تجمع ما تقابله من نفايات، فتأخذها بعيدا وتحرقها، وترمي رمادها في النهر، وبفضل إخلاص الجدة بعملها، امتازت قريتهم بالجمال والنظافة، وكانت تمنعنا عن الدوران هناك. لم تضربنا يوما أو تعتدي علينا، إنما طلبت منا أن نلتزم الأماكن التي تجمع فيها النفايات، فتتركنا بعض الوقت لنأخذ قوتنا، وقبل أن تحرقها تخبرنا لنبتعد كي لا يصيبنا سوء. إنها سيدة عظيمة حقا، لم نكن نخالفها، وما دامت حقوقنا محفوظة أحببنا المكان!

ذات يوم رغبت إحدى رفيقاتي أن ترافق البقر، فروث البقر يعجبنا جميعا، وفيه قوت عظيم ليرقاتنا، وكي لا تحدث قلاقل الغيرة بيننا، ويتصرف كل على هواه، وافقت جدة كُلُلُّوش واشترطت أن يكون الأمر بالتسلسل والنظام، فلا يمكن أن تسمح  لنا جميعا برفقة الحيوانات، وإلا أصبح المكان غير لائق كما يعتقد البشر، لقد وصفوا قريتهم بأنظف قرية في العالم، ولست أفهم ماذا يقصدون بالنظافة؟

علّمت الجدة حفيدتها صناعة المكانس لتقضي وقتها ريثما تعود من عملها، فهي تخاف عليها عيون الرجال، ولا تحب لها الظهور كثيرا، خصوصا عندما شعرت أن هناك من يلاحقونها، ولا أحد منهم أظهر حسنَ النية، ففي عرف الجدة ليس للرجال نوايا حسنة أو بريئة مطلقا.. ولم يعد الفلاح ظافر يكلم كُلُلُّوش كسابق عهده رغم أنه صديق طفولتها، فالخجل يسبقه إليها، ليتلعثم وتتبخر منه الحروف كلّما لمحها، وهو يهيم بها حبا وودا. كنت ساعتها أراقب قصة الحب بنشوة وسعادة، وأنتظر نهايتها. وكم من مرة طرت حول ظافر مصدرة طنينا خاصا في محاولة مني لأجعله يتجرأ ويصرح لها بحبه، لكنه لم يفهم لغتي، كان يطردني بكفه، معتقدا أنني ذبابة قذرة، هو لا يعرف أنني ذبابة ملكية مهذبة، حتى جمع نفسه، وطلب من عمه الحاج حكيم أن يخطبها له، ففرحت به جدتها، وفرحتُ أنا أيضا وصفقت كثيرا بأجنحتي. فظافر مشهود له بالحكمة والرزانة والصدق، وبنظر الجدة تلك هي صفات الرجل الحقيقي، ولكلمته صدى في آذان أهل القرية، وله بيت طيني صغير قرب النهر ورثه عن أبيه، فماذا عساها تطمح أكثر لحفيدتها؟ وكُلُلُّوش نفسها تبتسم له كلما مر بهما، فاطمأنت الجدة على ذلك الزواج ..

اجتمع أهل القرية، في ليلة غناء ورقص وفرح، فتسللتُ لأستمتع من بعيد بالمشاهدة، وتكفل الحاج حكيم بوليمة عظيمة من الطعام، ذبح فيها الخراف والدجاج، وفيها الكثيرمن الأطعمة اللذيذة التي نحبّها نحن الذباب، أغرتنا تلك الوليمة بالتجمع فوقها. ولأننا نحترم ونحب كُلُلُّوش كثيرا، ولم نشأ إفساد وليمة عرسها، كتمنا شهوتنا للطعام اللذيذ، يومها بدت كُلُلُّوش في حلتها البيضاء أجمل عروس رأتها القرية، أشبه بقطعة كعك مغمورة في العسل، وجَمَلتها جدتها بوشم ثلاث دوائر أسفل فمها اتخذت اللون الفيروزي يطلق عليها أهل القرية  بـ (الدقة)، مما زادها هيبة وفتنة. وزُفت كُلُلُّوش لبيت ظافر الفلاح، على ظهر حمار أبيض اللون زينته جدتها بالورود والقلائد.

أقبل قاهر العباد ومفسد اللذات، فمرضت الجدة، ولم ينفعها علاج عطار القرية، فقضت نحبها، فأقمنا لها عزاء خاصا بنا نحن الذباب، فتجمعنا وسردنا مآثر الراحلة، نحن لا نعرف البكاء مثل البشر، إنما نبكي عبر رفرفة أجنحتنا سريعا، واتخذنا ميثاقا بيننا للمحافظة على نهج الجدة وقانونها، إخلاصا ووفاء لها، خصوصًا أنّنا توقعنا أنّ الحسناء كُلُلُّوش ستقوم بعملها لاحقا.

وبعد انقضاء أيام العزاء حدث ما توقعناه، فطلب الحاج حكيم من كُلُلُّوش أن تتولى مهمة التنظيف، فالبنات في القرية يرفضن هذا العمل، وهي تعرف أسراره من جدتها، فصنعت كُلُلُّوش لنفسها طقوسا مميزة، وخصصت ثوبا خاصا لهذا العمل، أزرق فاتحاً مزيناً بورود كبيرة زهرية اللون ذات فتحة عند الصدر، ووضعت فوقه قميصا قصيرا أبيض اللون، وتقلدت الميدالية الذهبية الدائرية هدية ظافر لها يوم زواجها، ووضعت قرطيها في أذنيها، وفي موسم جني التمر، كانت تضع فوق رأسها إكليلا من الخوص كقوس دائري، تثبته بدبابيس على شعرها. وقبل أن تخرج للعمل تطلق زغاريدها فتتجمع فوق رأسها العصافير وهي تزقزق، وتنطلق مع عربة جدتها الخشبية لتجمع النفايات، وهي تغني تارة وتزغرد تارة أخرى، كان موكبها ساحرا مهيبا، أشبه بفرقة موسيقية من الخيال، فتنطلق أصوات حيوانات القرية من حناجرها. فالبلابل تغرّد، والحمامات تهدل، والأبقار تخور، والحمير تنهق، والدجاج يصأصئ، وكنا نحن الذبابات نطن لها من بعيد، كأن الجميع يقدم التحية لها، أو عهد الوفاء والاحترام، ومن موكبها يعلم أهل القرية أنها أقبلت...

مرّت الأيام على هذا المنوال، وفي ليلة مقمرة، كنت أطير قرب نافذة كُلُلُّوش سمعتها تحدث زوجها:

•-        أشعر بالخوف يا ظافر، أتمنى أن أطير بتلك الطائرات التي تمر في سمائنا..

•-        يا حبيبتي لم الخوف ؟ ..

فأطلقت هلاهلها، ثم أخبرته أنها لمحت النجمة الحمراء في السماء قبل أيام، وذلك فأل سيئ للقرية، وهي تخاف على الطفل الذي تحمله في بطنها ...

•-         دعكِ من حكاية تلك الطائرات فمن يفر من قدره؟!

وحدث ما حدث، عندما  التهم  الحاج حكيم بصلة، قال ولده الكبير إنه التقطها من حقل في القرية، ولا يتذكر مكانه بالضبط، فسقط أرضا، وحمله بعض الفلاحين لبيته، ليسلم روحه لبارئها مساء. وظلت القرية أياما في حالة عزاء وحزن، فالحاج حكيم كان الأب الراعي لجميع أهل القرية، وبدأت أمور أخرى تطفو...

فانتشرت الأقاويل بأن محصول البصل لهذا العام مسموم، ويتوجب التخلص منه، وعدم تناوله أو بيعه وإلا سيسبب الموت الزؤام، فانتشر الهلع والجزع، وكثرت الشائعات، صار أهل القرية يتجنبون السير على الأراضي المزروعة بالبصل، أقسم أحدهم أن البصل الفاسد يفرز سموما في الأرض، إذا ما اقترب منها الإنسان نفذت السموم إلى نعليه فقدميه، لتكون أشبه بلدغة أفعى سامة، وبدأوا بالاعتداء على كل من زرع البصل في أرضه، بدعوى أنه يضمر السوء لأهل القرية!

تساءل بعضهم كيف يموت الحاج حكيم بعد تناول البصل، فالأمر غير منطقي؟ ارتفع اللغط، وانقسم الأهالي لفئات متناحرة، لم يقتنع ظافر بما يقال، فعمه كان مريضا كبير السن، والموت حق على الجميع، والبصلة التي تناولها لا علاقة لها بموته، لكن أولاد الحاج حكيم مقتنعون أن البصل سبب موت أبيهم، شعر ظافر بالقلق وخشي العواقب، فعرضت عليه كُلُلُّوش جمع كبار الرجال في القرية لمناقشة القضية قبل أن يستفحل الأمر، واقترحت أن يطعموا حمارا بصلة فإذا مات الحمار تأكدوا من الأمر، ابتسم مغتبطا بحكمة زوجته، فقالت مداعبة إياه:

•-        أنتم أيها الرجال تصنعون المشاكل والمتاعب، وعلينا نحن النساء ايجاد الحلول!.

تحاور ظافر مع رجال القرية، فلا بد لتلك الأقاويل أن تتوقف، ونقل لهم اقتراح زوجته، فاختلفوا على أي حمار سيطعمونه البصلة، فلا أحد يرغب بالتضحية بحماره، فتبرع بحماره، لكن أحد الشيوخ قال السم الذي لا يقتل الحمار قد يقتل البشر، وأضاف أن فساد البصل يعود لشرور الجن الساكن فيه، ولن يتم التخلص منه إلا بإطلاق سراحه، فللجن القدرة على المشي بين أرض وأخرى، ويتوجب فرم البصل جيدا، وتقطيعه قطعاً صغيرة، ومن ثم يٌحرق حتى يختنق الجن بدخان بيته، واعترض آخر على الفكرة غاضبا، لأن يرى في هذا إساءة لما يعتقده أهل القرية في المحراث المبارك ومكرمات صاحبه.!

يُحكى في قديم الزمان أن الحاج مذخور أول من زرع البصل في القرية، وقد أوصاهم على أهمية المواظبة على زراعته لما في البصل من بركة وخير عميم، والحاج مذخور من أولياء الله الصالحين، أينما وضع محراثه المبارك في الأرض نما الزرع وفاض المحصول، كان يضرب بمحراثه أرض الفلاحين لتحل البركة، فيكون حصادها وفيرا عظيما، مقابل أن يغدق عليه أهل القرية المال والعطايا، وعندما مات ولم يكن له وريثٌ يرثه، وكي لا يختلف أهل القرية على محراثه المبارك قاموا بعمل حفرة لدفن المحراث، ورمموها ببعض الحجارة، ووضعوا فوقها علامة، لتكون لهم كشاهدة على مكان المحراث، وهكذا ستظل مكرمات المحراث وصاحبه في أرضهم، مع مرور الزمن صاروا يتبركون بالدوران حول موقع المحراث، ويقدمون النذور في هذا المكان.!

 وتباينت  آراء القوم هل يتخلصون من البصل؟ وهل في هذا اثم عندما يخالفون وصية صاحب المحراث؟ فلعن أولاد الحاج حكيم صاحب المحراث الحاج مذخور، واتهموه بالدجل والشعوذة، قال أحدهم: لو كان محراثه مباركا حقا لما نبت لنا بصل مسموم أساسا، غضب الآخرون إذ رأوا أنه لا يجوز مخالفة الوصية ولا الشك بمحراث المرحوم مذخور، وهو ولي الله الصالح صاحب المكرمات العظيمة لأرضهم، وإلا حلّت لعنته عليهم، تعالى الصياح بين القوم، وخرج الرجال من اجتماعهم بلا اتفاق محدد.

أفاق القوم فجرا، فوجدوا حقول البصل خالية من محصولها إلا القليل، وترامى البصل بعضه مفروما مقطعا وتناثرت أوراقه، وبعضه صحيحا متكوّما فوق بعضه، بكى القوم خسارتهم الفادحة، ابتسم آخرون شعورا بنشوة النصر، وكالوا آلتهم لبعضهم، فضرب أحدهم الآخر بعصاه على رأسه، واشتد الوطيس بينهم، هرع بعضهم لجمع رؤوس البصل السليمة في صناديق، فدفع أولاد الحاج حكيم الصناديق، فتناثر المحتوى، وتعالت أصوات: الثأر الثأر من البصل الفاسد، صاح أحدهم: مكرماتك يا حاج مذخور أنجدنا، فأقبل رجال  يدوسون على البصل بأقدامهم ويلعنون مذخور، فرفع أحدهم بصلة بيده ورماها بوجه الآخر قائلا له:  لعنك الله ولعن مذخور معك، هو من جلب البصل لقريتنا الآمنة!

وانقلبوا إلى حلقة يتطاير البصل فيها كأن به أجنحة، فهذا يرشق ذاك ببصلة، هرع جمع نحو موقع المحراث المبارك فنبشوه وهم يلعنون صاحبه، وكسروا الشاهدة والحجارة التي ردمت مكانه، ورمي بعضهم الآخر بتلك الحجارة، وأخرجوا المحراث قفزوا فوقه وهشموه، وأصاب بعضهم الهلع، فانطلقوا هاربين وهم ينادون: يا حاج مذخور... دستور... دستور.!

كل ما أتذكره من ذلك اليوم الأسود سقوط عدد من الجرحى بعد أن تقاتلوا لاحقا بالسكاكين، حدث هذا في معركة شهيرة بتاريخ القرية أطلقوا عليها لاحقا اسم معركة المحراث و البصل.!...

وأصابت حجارة رأس كُلُلُّوش وشجته، كانت تعمل على التنظيف قريبا منهم، فانطلقت زغاريدُها، التقطت أذنا ظافر زغاريد زوجته، تحرّك باتجاه الصوت، فعثر عليها مرمية على الأرض، ورأسها ينزف، وعربتها مقلوبة، حملها بين ذراعيه وركض بها، وهو يسمع من خلفه أصوات القوم وهم يتقاتلون!

•-        تعالي تعالي يا صديقتي بلغ السيل الزبا، لقد شجوا رأس صديقتنا كُلُلُّوش!.

•-        نعم رأيت ما حصل يا رفيقتي الذبابة، أشعر بغضب مثلك!

انتشرنا بعدها بكل مكان في القرية، فشعرنا بالاشمئزاز والغثيان، لانتشار الفوضى والنفايات بكل مكان، فلقد ترك القوم أعمالهم وزرعهم، صاروا يجتمعون ليكيدوا لبعضهم بعضا، أما مرض كُلُلُّوش فقد جعل النساء في القرية يستهترن ويرمين نفاياتهن أمام أبواب بيوتهن، لم تعد أيٌ منهن تصنع المكانس، وانشغلن بالثرثرة والقيل والقال، وبالرغم من توفر قوتنا الذي نحتاجه، توصلنا لنتيجة واحدة أنّ تلك القرية لم تعد قريتنا!

اعتكف حينها ظافر يرعى زوجته، التي ظلت ثلاثة أيام تعاني الحمى والألم، وتضخمت الأعراض المرضية، ما زادها سوءا حرقة عينيها فقد بدتا بلون الدم، وداهمها ألم في عظامها وبطنها، وظلت زغاريدها تنطلق والعصافير تزقزق عند نافذتها، كانت تئن وتزغرد، لم تكن تقوى على السيطرة على زغاريدها، مما أجهد جسدها النحيل، حتى شعرت بعلامات الوضع، فجاءتها قابلة القرية، وانطلقت زغاريد رقيقة ضعيفة، ولم تكن زغاريد كُلُلُّوش، إنما زغاريد أخرى، أما كُلُلُّوش فقد أرسلت دمعتها الأولى والأخيرة وهي تقضي نحبها في تلك اللحظة.!

دفن ظافر زوجته في نهار يوم غائم قرب جدتها، لم يصحبه سوى العصافير ونحن الذبابات، وعندما سألته القابلة وهي تحمل صغيرته:  وماذا ستسمي الصغيرة؟

شهق في البكاء، وفجأة أطلقت الصغيرة زغاريدها، كما كانت تفعل أمها، فابتسم وقال:

•-  انظري لقد اختارت اسمها... إنها كُلُلُّوش الثانية..

 

صمت ذلك الكائن المنفوخ، وصار يدور حول رفاقه ويطن طنينا شديدا، حتى سألته ذبابة:

•-    وماذا حصل للقوم وصراعهم مع بعضهم بعد موت كُلُلُّوش؟

•-   لست أعرف لأنني هربت منهم، لكن صديقاتي سيتبرزن في عيون أهل القرية حتى يصيبوهم جميعا بالرمد. لكن اسمعي عندما خرجت لمحت سربا عظيما من الجراد كانوا متجهين نحو القرية ..!

تدخلت القاصة التي كانت تصغي وقالت: أنت تهذين يا عزيزتي الذبابة، فكيف تتذكرين كل هذا وعمر ذاكرتك  أقل من دقيقة، اسمعي أرى حيوانا آخر على وجهك!

رغد السهيل


التعليقات




5000