..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كشوفات قارئ .. قراءة أولى في رواية (وهن الحكايات) للقاص والروائي احمد ابراهيم السعد

نبيل جميل

                             اشكالية الشكل والمضمون

لو تم تفكيك ( وهن الحكايات )1"". في ضوء مقاطعها الـ ( 65)، لوجدنا ان سرعة الانتقالات بالروي، قد زادت من عنصري الجمال والتشويق، خاصة عند وجود حدث رئيسي (المحور/المرتكز)، ما اضفى حركة دائرية بطريقة السرد عموماً، وهذه (الحركة/ الميزة)، تبقي القارئ في حالة  متعة واهتمام، ليس بما احتواه المضمون وحسب، بل في اتقان عملية الشكل، رغم سرد قصص جديدة لو تم رفع بعضها لما أثّر على تنسيق الأحداث، أو ما يسمى بالحبكة . لكن يبقى السؤال، متى يتوافق الشكل والمضمون ؟ يقول الدكتور سلمان كاصد: ( حول بنية الشكل ومدى مطابقته للموضوع الروائي، فان الروائي قد يخلق بنية شكلية لروايته تشابه مضمون الرواية، من حيث التقسيم والترتيب والتماسك والتصدع، فحينما يتماسك الشكل فإنه يعبّر كنتيجة ايجابية عن تماسك المضمون، وحينما يتصدّع الشكل فتلك مشابهة سلبية مع تصدع المضمون) "2". فهناك روايات تجد فيها الشكل هو اروع ما يكون، لكن المضمون عبارة عن حكاية بسيطة، لا تترك اثراً في ذهن المتلقي، وغالباً ما يحدث هذا، على الرغم من ادراك الكتّاب لأهمية هذا الموضوع، في نجاح الرواية، بعض الكتّاب يهتمون باللغة مثلاً، ويتناسون الأسس الأخرى والسياقات، التي اذا اجتمعت قدّمت عملاً ناجحاً، فأي موضوع مطروح في الحياة، ليس حكراً على أحد، بل باستطاعة أيّ كاتب ان يتناوله وفق منظومته السردية، لكن متى ما اؤطّر بشكل فني مميز عند ذاك نستطيع ان نشير اليه ونسمّي صانعه، وان ما يأتي بعده يُعد مُقَلِداً وليس مُبتكِراً . ربما يتبادر السؤال التالي: ما الذي يحدد الشكل؟ والجواب هو العمل الأدبي . لكن علينا ان لا ننسى مُبتكِره طبعاً، عليَّ ان اذكّر بالأثر والتأثير، واقتفاء من سَبقنا من الأدباء، لأن هذا الجانب مهم جداً، وفيه عدة زوايا بدءاً من الاسلوب واختيار المواضيع، الى التناص والشكل، ولهذا فإن مفردة ابداع، لابد ان تُطلق على من يضيف شيئاً جديداً، وليس على من اتخذ التقليد غلافاً لكتاباته، وحسب رأي الدكتور سلمان كاصد ( انني ابحث عن اشكال تحيّرني عندما اقرأ رواية، أو لنقل تحتاج مني بوصفي قارئاً مساحة من الزمن كي افهم كيف ركّب الروائي عمله، ولنقل ايضاً انني اصبح مشاركاً في خلق الشكل الروائي، عندما اعيد تشكيله اثناء التلقي، بافتراض انني لست متلقياً سلبياً )  "3".

    فالشكل ليس وعاءً جاهزاً، أو قالباً لرصف الكلمات، لذلك فأنا لا أعتقد بأن الكاتب يعد شكلاً معيناً مسبقاً لعمله، لأنه اذا فعل هذا فإنه لا يعطي لقلمه وأفكاره الحرية الأكبر للتحليق في المخيلة، وهنا تتألق حرفية الكاتب في لملمة اجزاء المضمون وتشكيله طبقاً لفضاء الرواية العام، وبما ان الكاتب يُعَدُّ الناقد الأول لعمله لذلك وجب عليه ان يختار الشكل المناسب وطبيعة الموضوع الذي يقدمه .

                                تكرار التداخل الحكائي

      في ( وهن الحكايات ) أرى بأنّ تجارب الروائيين الكبار قد القت بظلالها على تجربة (السّعد)، فالتلاقح واضح مادام هناك ثغرة في الذهن تسمح بمرور اعظم المرويات، واختمارها في خلايا الدماغ، فتقسيم الفصول وتسميتها يكشف لنا تأثُراً واضحاً برواية التركي ( اورهان باموك) (اسمي احمر)، وكذلك تداخل الحكايات وربطها مع الحكاية الرئيسة. واذا تعمّقنا اكثر واقمنا القرائن، لوجدنا آثاراً عديدة لأعمال روائية عربية وأجنبية، وهذا الكشف وان انعكس حتى على الاسلوب، إلاّ اننا لا ننسف مقدرة (السعد) على الخوض في هذا العالم الجميل، وتثبيت اسمه خاصة بعد حصوله على المركز الأول لـ( جائزة الدولة للإبداع في مجال الروايـة في خاتمة عام 2014.).

    ان التداخل الحكائي يعطينا دلالة على عمق القراءات، فمنذ الف ليلة وليلة والى يومنا هذا نلاحظ ان هذا الاسلوب قد اتّبعه اغلب الكتّاب كأن يكون في تقنية وجود راوٍ (ضمني / مركزي) ورواة ثانويين، استخدام وثيقة أو احياء حكايات من التراث الشعبي.. سرفانتس في دون كيشوت لديه حكايات داخلية، كبار الكتاب في المسرح استخدموا تعدد الأصوات، وليم فوكنر في الصخب والعنف استخدم سرديات متداخلة، والعديد من الروائيين العراقيين والعرب اتخذوا النهج ذاته، وهذا ما يؤكده (السعد) في لقاء صحفي مطول اذ يقول : ( أي أن كاتبها لم يخرج من سجن عالمه الخارجي فأصبح متلصصاً سردياً لما يحس به داخل مجتمعه المختل، ومتلصصاً ثقافياً لعالم يأتيه عبر ترجمة تخونه ويحتفي بصدقها)""4، ثم يضيف : ( في الحقيقة ما يزال الروائي العراقي تحت تأثير نجاحات كتب الغير، ودهشتها التي يصر على ألا يشفى من عدواها)"5".

                                 الحسد والغيرة والمنافسة

    يشير العنوان (وهن الحكايات) الى موضوع عام من خلال الايحاء، على أساس مبدأ الجمع لعدة حكايات (المضمون)، وتأطيرها بمفردة (وهن) التي ستكون الانطلاقة لعملية بناء الشكل العام، والناتج تخطيط يتعلق بعملية الربط بين تلك الحكايات وشخوص الروي، ما يوحي بموضوعة موحدة، ليؤكد ضمناً بأنه انجز قصصاً منفصلة، وربطها بقصة رئيسة حكّمت ثيمة الرواية، وهذا ما أكّدهُ في لقائه الصحفي : ( ستبقى القصة القصيرة عالمي الأثير.. ما دامت معطياتها السردية المسكرة حد النشوة تصب في حوض الرواية)""6. ورغم اختلاف الأمكنة (الأحواز/ البصرة/ طهران/ القاهرة ..الخ)، التي زادت من اهتمام القارئ في تتبعها، ليس بمتعة التصوير والوصف فحسب، بل رأيتها خطوة مهمة، ليُرينا من خلالها الكاتب كيف ان للشرق وجهاً واحداً، ومكاناً واحداً، متشابهاً بعاداته وتقاليده وانظمة سلاطينه، وكذلك تابوهاته التي تفرض قيوداً تصل الى حد الكآبة والجنون. لا أريد ان اقرأ الرواية بأبعاد ايديولوجية أو مؤثرات سياسية ودينية، على الرغم من حضورها في الرواية، بقدر ما أريد ان أوضّح بأن (السعد) هو راوٍ تثقيفي وجامع لحكايات، أراد ان يؤرّخ ويكشف ويحلل تبعات ما أثّر في الحياة وطبيعة معيشة الانسان، مستخدماً طريقة السرد بتقنية السينما، لتكون روايته شاهداً لغوياً لمرحلة مهمة من مراحل الفوضى العراقية، بدءاً من نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وصولاً الى بداية الألفية الثالثة، فقد استخدم في تجربته، خلاصة ما انعكس من مرآة المجتمع، ودَمَجها مع أفكاره وما حوته من خزين القراءات، ليخرج لنا وهن حكاياته ويعلمنا بأنه أرادها هكذا شكلاً ومضموناً، مع تزيينها بصبغة درامية، كأنها حلقات مسلسلة تلفزيونية، وهذا آتٍ من قدرته في كتابة السيناريو وعمله الصحافي، سواء في تحليل بعض الأحداث أو طريقة رويها. لذا أرى بأنه وضع جلّ ما تحتويه جعبته من تجربة في عمله الأول، وبدأ في عملية الخلق، هذا بالإضافة الى لغته واسلوبه، ومثلما ذكرت في بداية القراءة ان بعض الروائيين يهتمون باللغة، وآخرين بالشكل، لكن الشيء المعتاد هو التركيز على الموضوع، طبعاً هذا لا يجب ان يُعد شيئاً ايجابياً والى جانب الكاتب دائماً، لأن بإمكان عشرة روائيين ان يستخدموا الموضوع والبيئة نفسهما، وبعد انجاز مخطوطاتهم نلاحظ بأنّ هناك تبايناً في الابداع، وهذا يولّد لدينا تفاوتاً في النضج، من هذا المنطلق أود التأكيد على ان ( السعد) امتلك القدرة على استلهام الأفكار خاصّته من الحياة، هذا اذا اعتبرنا بأن الحياة هي دائماً منبع أفكار الأدباء، وأدخلها في مختبره، لينتج لنا رواية حاول من خلالها اجبار القارئ على تصديق ما احتوته، والانحياز له كونه صنع من نفسه ( الفرد ـ النموذج) " 7". الذي يتصدر الأحداث ولا يحتاج الى شريك في أعماله، هذا اذا مازجنا بين شخصية الكاتب وبين ( الصحافي المطرود/ المعلم الجامعي/ انا الكاتب / الراوي العليم )، ولو تتبعنا جذور هذه الشخصية، لوجدناها شخصية واحدة، اشكالية، تلفق وتهول، تكرر الأحداث، تَشعر بأن هناك من ينافسها، تجامل المقابل ظاهرياً، لكن في داخلها تخبئ ألغازا وخططاً، تحتفظ بها دائماً للخروج بأقلّ الخسائر، شخصية حسود، منافسة وحاقدة وأنانية ( وطرأت لي فكرة ان لا داعي من جعل أم حسن هي الساردة لحكايتها )8"" .( تكوّن في داخلي حقد نتج من صوتها الزعلان الذي هدّني وهدّدني، اكتشفت حجم أنانيتي وأنا العن الحظ العاثر الذي جاء بورمة خبيثة في رأس أبي ) ""9 . ( أعاد عبارتي قبل ان يضحك باسترسال مقيت.. تركته يستفزني بضحكهِ ..ان يَشبع من سخافته الدائمة وتفاهته المستديمة.. شعرت بكراهيتي نحوه.. وحاولت كظم غضبي من ضربه على فمه المترهل كأفواه العاهرات ) ""10 .

    ( يدرج ماكس شيلر الفيلسوف الالماني في كتابه إنسان الحقد "الحسد والغيرة والمنافسة" في قائمة مصادر الحقد، فيعرّف الحسد على انه :" الاحساس بالعجز الذي يواجه الجهد الذي نبذله لنيل غرض ما، وذلك بسبب كونه لشخص آخر" .) "11". ويضيف شيلر ( ان تحسري على عدم امتلاك ما يملكه غيري وما ارغب فيه لا يكفي وحده لإثارة الحسد لأن من شأن هذا التحسر نفسه ايضاً ان يدفعني الى التصميم على حيازة الشيء الذي ارغب فيه أو أي شيء آخر مماثل)""12. ومن هذا التعريف أرى بأن بطل وهن الحكايات قد تغلّبت عليه نزعات (الحسد/ الغيرة/ الأنانية)، وذلك لملاحقته لحكايات (أم حسن /هديل وعلاء/ عبد الخالق وكوثر) ونسبها له .

   (عرفت علاء وهديل منذ خمس سنوات خلت من واقع حياتي الأربعين، وما كنت لأدري بدورهما في كتابة روايتي، حتى مجيء ذلك الصباح الذي دخل فيه علاء الى مقر عملي في الصحيفة واعطائي شريط تسجيل وقرص سي دي.. سألته عما يحتويانه، فقال وهو يشرب بعجالة من استكانة الشاي، وتصورته سيغادر المكان فوراً : اسمع الشريط واقرأ ما في القرص فهما لك)""13. اعتراف ضمني وتثبيت بعدم أحقية الراوي بما كتبه. ( لكنها وقبل ان تنهض من مكانها وتغادر مكتبي أعطتني ظرفاً كبيراً وقالت : أرجوك أعطِ هذا لعلاء)"14". (فتحت الظرف الكبير واستخرجت الدفتر داخله. قرأت ما كتبت هديل في دفتر مذكراتها، وفطنت انها وما قالته العجوز أم حسن على لسانها المنزلق بلكنة احوازية، في شريط التسجيل، وما كتبه علاء في القرص المدمج هي حيوات متشابهة ومختلفة في آن معاً، وبدت لي فكرة جمعهم داخل رواية ) ""15. ( في التاكسي الذي اقلني الى بيتي نسيت الكيس الذي يحتوي على بعض الكتب، وقرص السي دي، وشريط التسجيل ومذكرات هديل)  "16". (وعندما جلست زوجتي قبالتي وأنا أقاتل قهري بالأكل وسألتني : ماذا ستفعل ..هل تبقى من غير عمل ؟ أجبتها لأزيد من نارها وناري : سأكتب رواية ) "17". كل هذه ممهدات في سبيل سحب القارئ للولوج والاكتشاف. من الواضح ان (السعد) وهو يتدرج في عملية السرد، كان قد وضع في الحسبان مدى حساسية القارئ، وتفاعله مع الصفحات الأولى، لأنه وحسب ما جاء في اعتقاده : ( ان الاسلوب في كتابة رواية يشبه الى حد ما الـ (7) دقائق الأولى من مشاهدة فيلم سينمائي. ان تكون أنيقا ومدهشاً، ومتواضعاً وساحرا .. فثمة أعمال مهمة كتب لبعضها الانقطاع وعدم التواصل معها بسبب أسلوبها)18" ". ثم يضيف (الكتابة أسلوب يجعل من اللغة خادماً مطيعاً لبناء صورة تلتصق بذاكرة القارئ)"19". لكن عن أي قارئ يتحدث ؟ هل هو العادي أم المثقف والواعي ؟ والثاني هو الذي يهم الكاتب بالتأكيد لأن قدرته تفوق قدرة القارئ العادي (من ناحية موقفه في اختيار النص وزاوية التقاطه لحوافه التي سيداري كاتبها بالتأكيد المنطقة الرخوة التي ربما ينفذ منها ذلك القارئ ، لمنع تسلله، من هنا تبدو الملامح واضحة للقارئ الذي سأطلق عليه بالمثقف نتيجة انطلاقه من مقولات الثقافة التي تفهم النص من كونه يشكل أزمة من أزمات الوجود الإنساني يعالج الروائي والقاص من خلاله توترات صنعة العالم عن طريق الكتابة التي هي متاع الثقافة، ولو ان الكتابة لم تكن حكراً على المثقفين فإن القارئ المثقف هو النوع الفريد من القرّاء ، يحاول ترسيخ حقيقة الكتابة بنفي ما عداها بإشغال النص المقروء بحركة الجذب والطرد، الامتاع والتلذذ ،الاستهلاك والعلم ، ولأن القارئ المثقف يمتلك المنهجية والترتيب والمراجعة فإن النص المقروء الذي بين يديه وتحت اشارته يندلق في فضاء محايد جداً )""20. يتضح بأن هناك مشتركات بين الكاتب والقارئ، واذا حصل اي خلل بها، فإن الشكوك تراود القارئ بكاتبهِ، وقد امضى وقتاً في البحث عن كتبه، ولا يبقى في حيرة من أمره، لأنه قارئ نبيه، لذا سيضطر للمضي في البحث عن ضالته، لإيجاد الدليل وكشف ما وراء النص، حتى لا ينخدع بما جَمعهُ كاتبه في عمله، فيحرص ويعتني  بكشوفاته، ولا يقتنع بمركزية (الفكرة)، المضمون، المهيمن، بل يفطن الى (التركيز على حواف النصوص السردية، وعلى المهمل والرث من انساقها وبعث كل الهوامش والحواشي والطفو بها على سطح القراءة، من هنا يتصف القارئ المثقف بالتردد والمغالاة في تمجيد اللامركزية ودحض الخطاب السردي المباشر للكاتب بعدم تصديقه، وهذه العملية التي ترمي الى تسفيه الكتابة السردية وتفكيك ادواتها ووظائفها بعملية غسل المال السردي يقوم بها القارئ المثقف بكل صدق، لماذا يفعل كل هذا؟! يرجع السبب في هذا الاجراء الى انعدام الثقة بين الكاتب والقارئ بغياب رؤية مشتركة بينهما، وعدم اتفاق على آلية للكتابة بوصفها قراءة اولية للنص، القاسم المشترك بينهما هو الشكوكية التي يقدح القارئ شرارتها في ركام مخلفات النص بينما يظل الكاتب متفرجاً وحيدا في ملعب النص المكتظ بالمكائد)"21".

                                   الأدب مرآة الشعوب

 برأيي المتواضع أرى انها رواية سيرة وان كانت من نسج الخيال، الّا ان ( السعد) دمج معها شخصيته، وهذا ما فعله اكثر كتّاب الرواية في بداياتهم، أو حتى في آخر نتاجاتهم، اذْ لبسوا اكثر من قناع، للمشاركة في اعمالهم، ودائماً ما نلاحظ بأنّ معظم الروائيين ينثرون بذور تجاربهم في بستان حقولهم الأدبية، ذلك لأن الأفكار دائماً تأتي من التجارب الحياتية، مضافاً اليها فسحة من المخيلة، اذ ان الفراغات الناتجة من قدحة فكرة ما بحاجة الى ملء، وهذا المعيار يأتي من تثبيت الأفكار المحيطة بنا، ثم بلورتها في منجز أدبي ليس ببعيد عن حياة الكاتب، ولنأخذ مثالاً (مدام بوفاري)  للكاتب غوستاف فلوبير (عندما سُئل عن شخصية إيما أجاب: هي أنا،)"22". ويؤكد ذلك في (رسالة الى صديقه الناقد تين قائلاً: "عندما كنت اصف، كتابةً، تسميم إيما بوفاري لنفسها، كنت أحس بطعم "الآرسنيك" في فمي. ان شخصياتي المتخيلة هذه تفعل في كلياً وتطاردني. أو بالأحرى، ربما كنت انا الموجود داخل هذه الشخصيات )"23". وهذا الفعل عمل عليه (السعد)، ليكون اكثر قرباً من شخصياته، وهو ماراهن عليه، بسبب تأطير الفترة الزمنية التي احتضنت احداث الرواية وقربها من ذاكرة المواطن العراقي خاصة، والشرقي بصورة عامة، لأنها مثلت اكثر المراحل قسوة في تاريخ العراق الحديث والمنطقة .

    هل يعد الأدب هو البديل لما تزودنا به الحياة من افكار ومضامين؟، ( وُصِف الأدب بأنه "مرآة الشعوب" بمعنى انه نتاج عقلي وعاطفي في بيئة زمانية ومكانية محدودة، بعبارة أخرى، الأدب نتاج تفاعل عالم الأديب الداخلي مع عالمة الخارجي، وتصوير فني لواقع مجتمع معين في لحظة بعينها، وعند نقطة محددة من مسار تطور ذلك المجتمع )"24" . على هذا النحو يمكننا القول بأن ( السعد) قد وفق ككاتب (واقعي)، لأنه مازج بين عالمه الداخلي وعالمه الخارجي، وحرص على نقل ما كان اكثر خفاء من الواقع : تحدث عن ثورة ايران واسقاط الشاه، وعن الحرب العراقية الايرانية، وغزو الكويت والحصار الاقتصادي، وعن دخول قوات التحالف واسقاط نظام صدام حسين، وعن المقابر الجماعية المكتشفة. بل وأعطى حكماً لثقافات (طهران/ القاهرة /البصرة )، هذه المدن التاريخية الشهيرة، ربما اراد البحث عن الهوية الحقيقية (لأم حسن)، ليس لانتمائها ومكان ولادتها، بل للمخاض الدائم لعموم الشرق، وتشابه عاداته وتقاليده، وقسوته المتعلقة بالنظرة الدونية للمرأة، وهذا يعد جانباً مهماً و مؤثراً في مثل هكذا روايات، وهو أيضاً أمرٌ مرتبط بتقديمه، رواية لا يجد القارئ (العادي) صعوبة كبيرة في استيعابها، رغم كثرة الشخوص وتعدد الأمكنة. ان سمة البساطة وسهولة اللغة المستخدمة ساهمتا في تحقيق نجاحها.    

                                      ملخص الرواية

       قصة امرأة متعددة الأسماء (فشلة، رضوية، بكاية، نغلة، الخرساء، العايبة، نورية... الخ)، ولكل اسم حكاية، ولدت في الأحواز، عبرت الحدود للبصرة.. مرّة مصابة بالشلل تحمل أسم (رضوية) لغرض زيارة العتبات المقدسة في كربلاء طلباً للشفاء، ومرة زوجة جميلة أسمها نورهان / . قصة الصحافي (علاء) مع (هديل) العزباء، التي تعيش مع اختها المتزوجة، التي كانت تهرب لتنام مع حبيبها علاء في شقته الى ان حملت منه/. قصة عبد الخالق (خلوقي) عازف الناي والراقصة كوثر، التي ساعدته في بيع بيت أهله وهربت معه الى مصر/. وكل هذه القصص تتزاوج لتلد قصصاً اخرى، رواتها وأبطالها يتغيرون باستمرار، في ازمنة مختلفة وأمكنة متعددة كثيرة، تنوعت ما بين المدينة والريف. الأحداث تشعبت بتمويهات واستطرادات وسخرية، لكن الحدث (الرئيس /المحور)، هو حكاية أم حسن الذي يبقى المهيمن العام. وهو يشكل حالة  اطمئنان وثقة للقارئ بكاتبه، في لملمة الموضوع، وبحثه المستمر في ايجاد نهاية موفقة ( لم أصدّق ان روايتي تقودني ولا اقودها.. اقودها الى الكذب بخيالي وتقودني الى الصدق بحقيقته القاسية)"25" . فرأيتني أنا القارئ أتيه في دوامة لا اشعر بشيء سوى بالدوار، رغبة مني بالتلاؤم والتلاحم مع فضاء الرواية العام، جرفتني سيول الحكايات بعيداً عن عالمي الآني، وخلقت لديَّ حالة من التوتر وأنا اعيش مع شخوصها وأساهم معهم في الخلاص من قبضة الكاتب ( الذي لا يريد لروايته ان تنتهي )"26" .

المصادر :

 

 1ــــــ وهن الحكايات . رواية للكاتب احمد ابراهيم السعد . دار تموزـ دمشق  2014 . وهي ضمن مطبوعات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في البصرة. حصلت على جائزة الدولة للإبداع في مجال الروايـة في خاتمة عام 2014.

 2ــــــ صنعة السرد ـ الدكتور سلمان كاصد ـ دار الروسم ـ بغداد 2014 . ص 11 .

 3ـــــ نفس المصدر .ص 7.

4 ـ إصلاح المنظومة الثقافية تطوير للمجتمع . حوار مطول اجراه الشاعر صفاء ذياب مع الروائي ونشر في ملحق أدب وثقافة / جريدة الصباح. بغداد . العدد 3305)) بتاريخ (28/1/(2015 .

5 ـ نفس المصدر .

6 ـ نفس المصدر .

7 ـ الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية ـ رينيه جيرار ـ ترجمة رضوان ظاظا ـ المنظمة العربية للترجمة ـ بيروت . 2008 .ص37.

8ـ الرواية ص 65 .

9ـ الرواية ص 132 .

10 ـ الرواية ص 212 .

11 ـ المصدر رقم 4 . ص 33 .

12 ـ نفس المصدر . ص 34 .

13 ـ الرواية ص 5 .

14 ـ الرواية ص 6 .

15 ـ الرواية ص 7 .

16 ـ الرواية ص 7 .

17 ـ الرواية ص 8 .

18 ـ الصحافة والقصة منحتاني أسلوباً جديداً في بناء سردياتي ـ حوار مع الروائي أجراه الشاعر صفاء ذياب ونشر في ثقافية جريدة الصباح . بغداد. العدد  (3276)  بتاريخ (30/12/(2014.

19 ـ نفس المصدر .

20ـ القارئ في السرد . الناقد عبد الغفار العطوي . دار الروسم . بغداد . 2014. ص 10.

21ـ نفس المصدر . ص11.

22 ـ الف وجه لألف عام "مدام بوفاري " لفلوبير : ماذا لو كانت أول النساء الواقعيات؟ دراسة للناقد ابراهيم العريس . جريدة الحياة اللندنية العدد (17367) في  22/10/2010.

23 ـ نفس المصدر .

24 ـ قصص آرنست هيمنغواي القصيرة مقالات نقدية . تحرير جاكسن جي . بنسن . ترجمة حازم مالك محسن . دار الشؤون الثقافية العامة . بغداد .الطبعة الاولى . 2013 .ص 6 مقدمة المترجم .

25ـ الرواية ص 282 .

26ـ الرواية ص 222 .

                                                          

نبيل جميل


التعليقات




5000