.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كاروزو ذو الصوت الذهبيّ

سعود الأسدي

 كنت عام 1954 طالباً في المدرسة الثانوية بكفرياسيف الجليلية ، وكان الأستاذ المرحوم عبد العزيز لويّا معلماً للأنجليزية ، وهو عراقيّ النشأة والأدب واللطافة ، وإنجليزي التربية والتعليم والثقافة . وفي أحد الدروس أثناء دراستنا مسرحية " يوليوس قيصر " لشكسبير شطح بنا أستاذنا الكريم ، وما كان أجمل شطحاته ! فأخذ يتحدّث عن" فنون المسرح " و" الأوبرا "  في أوروبا ، فعرفت يومها ــ وأنا ابن قرية صغيرة ومعزولة على سفح جبل المُغْر في الجليل تـُدعى " دير الأسد " نسبة إلى جدّنا الشيخ الصوفيّ محمد الملقّب بالأسد وهو من أحفاد السلطان عبد القادر الجيلانيّ ( قدّس الله سرّه ) .. طريقها ترابي صخري مُوحل في الشتاء ومغّبر في الصيف ، ولم يأخذ أهلها بأسباب المدنية بعد، ولم يكن يصلها بالعالم الخارجي سوى جهاز راديو واحد يُدار ببطّارية تسلّمه مختار القرية هدية من قائممقام عكـّا في الأربعينات من القرن الماضي ــ نعم عرفت يومها ولأوّل مرّة أنّ الأوبرا مسرحيّة شعرية موسيقية غنائية تراجيدية أو كوميدية أو بين بين . وأذكر يومها أنّ استاذنا الجليل عّرج على ذكر أشهر ممثلي المسرح الأوروبيّ ومنهم سارة برنارد الفرنسية ، ومغنـّي الأوبرا ومنهم انريكو كاروزو الإيطالي (1873ـ1921) الذي لمع نجمه أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وقد أشاد أستاذنا بعالميّة هذا المغني الأوبراتي الشهير ، وأدهشني يومها وأنا ناشىء صغير بقوله : كان كاروزو إذا غنّى في قاعة مغلقة النوافذ انشعر زجاجها أي انشقّ لحدّة صوته ونفاذه !! 

  لقد غاصت هذه الملاحظة الفنية الأسطوريّة المدهشة عن صوت كاروزو في أعماق خليّة من خلايا ذاكرتي قرابة نصف قرن ، ولم تطفُ على السطح إلا عندما وقع نظري بالصدفة على مجموعة أسطوانات كلاسيكية قديمة في دكّان بمدينة حيفا لبيع " الأنتيكا " كان قبلاً مخزناً تجاريا لأحد المهجّرين منها ، ولا يزال اسمه منقوشا على عتبة الحاصل إبراهيم الحاج وأولاده ، وهو جدّ عقيلتي  . وكان من بين تلك الأسطوانات أسطوانة قديمة يعود تسجيلها إلى عام 1902. وهي تحمل عدداَ من أغاني الأوبرا " آريات " وفي مقدمتها أغنية لأنريكو كاروزو ذي الصوت الذهبي .

 لاأخفي يومها أنني شعرت برعشة اقشعرّ لها بدني ،لأن اسم كاروزو ذكّرني بأستاذي الحبيب عبد العزيز ، ودرسه الأوّل والوحيد عن الأوبرا  ، وصوت كاروزو الذي انشعر له الزجاج ! والذي لحسن حظّي سيتاح لي بعد مائة عام من تسجيله أن أسمعه وكانّه حيّ يرزق!!

وحملت تلك الأسطوانة كمن يحمل كنزا ثمينا ، ومسحت عنها غبار السنين بكفي وكمّ ثوبي بمنتهى الرفق والأناة فاذا هي في حالة جيّدة  لا مخموشة ، ولا مخدوشه . ثمّ سارعت إلي بيتي ، ولما وضعتها تحت إبرة الفونغراف سمعت نغماً بسيطاً وعميقا : تِ تِنْ   تِ تِنْ   تِ تنْ تغلغل في أعماق نفسي ثم انطلق بعده صاحب الصوت الذهبي المعتق يغنّي بالإيطالية  آريا مطلعها : Questa o quella  فغمرتني موجة من حَزَح ( حزن يمازجه فرح ) حزن على أستاذ رائع علّمني ، ثم رحل عن هذه الدنيا ، وقد أبقى في نفسي أشياء كثيرة ، منها تلك المعلومة البكرعن فنّ الأوبرا من خلال كلمة عابرة ، وفرح بالكنز الذي عثرت عليه ، وهو صوت كاروزو مسجّلاً على أسطوانة مضى عليها مائة عام ويزيد.

        ثمّ إنّي بحثت عن تلك الآريا فإذا بها من أوبرا " ريجوليتو " للموسيقيّ الإيطالي  فيردي "Verdi   "، وقد جرى عرضها لأول مرة على مسرح فينيس بالبندقية عام 1851، وهي على لسان " دوق مانتوا " ، يعبر بها عن شغفه بالنساء الجميلات بلهجة دونجوانيّة ماكرة عندما غصّت بهن وبأزواجهن  قاعة قصره في ليلة حافلة بالغناء والرقص والشراب ، وترجمتي للأغنية عن الإنجليزية تقول :

                                   

                      قلبي يرفـــرفُ  دومـاً            علـى غصـون الدّلال ِ

                      هنّ النســـــاء وليســت           سوى دُمَىً من جمـال ِ

                     أحبّ هـــذي وهـــــذي           تجــــــود لـي بالنـوال ِ

                     وكلّ حسنـــاءَ عنـــدي            حقّــــاً تثير انفعــــالي

                     لكنّني لســـت أرضــى            حبّـــــاً بغيــر وصـال ِ

                     ولست أُخلص عُمــري            لغــــادةٍ فـي خيــــالي

                     سخــــــرتُ ممّــا أراه            من غيـرة ٍ في الرجال ِ

                     ولا أخـــــافُ كغيــري           علـى ذوات الحِجــــال ِ

                     وأجملُ الوعــد عنــدي           وعــدٌ بغيــــر مطــال ِ

                     والحبّ  إمّـــا دعانــي            ألبِّـــــــــهِ لا أبالــــــي

                    عيـون" أرْجُـسَ" تغفو             عنّي طــــوالَ الليـالـي

                    وهبـتُ للحــبّ عُمـري             حتـّى يحيـــنَ ارتحالي

  

        وهكذا يلخّص الدوق فلسفته في حبّ النساء الجميلات  فهن عنده سواء ، والعاشق الحقيقي هو الذي يهيم قلبه بالكثيرات ، ولا يستهويه الوفاء لهن ، ويسخر من غضب الزوج الذي تشب نار الغيرة في صدره على زوجته ، كما يهزأ من العاشق الذي يخشى على فتاته من نظرات المعجبين .

                وتتضمن الأغنية في البيت الذي قبل الأخير إشارة إلى أسطورة رومانية / يونانية مؤدّاها أنه عندما أحبّ جوبيتر ربّ الأرباب عند الرومان " إيو" ابنة ايناخوس ، وعلمت زوجته "جونو" بما يرتكبه زوجها من خيانة جديدة جزعت جزعاً شديداً ، وكانت قد ضبطته من قبل عدّة مرّات متلبّسا  بما لا ينبغي أن يقترفه ، فخاف أن تكتشف ما ارتكبه من خيانة ، فمسخ إيو ابنة ايناخوس بقرة صغيرة ذات عينين نجلاوين، وجيد أتلع ، وأظلاف لامعة ، وردفين وضّائين وأهداها إلى زوجته، ولما نظرت ورأت ما في تلك العجلة من بهاء وجمال شكّت في حقيقة أمر تلك الهدية ، ولا بدّ انّ وراءها سرّاً يخفيه زوجها عنها لذا أوكلت إلى أرجس بن أريستور حراستها ومراقبة ما يجري  ، وكان لأرجس هذا مائة عين ، تستريح منها عينان اثنتان بالغفاء على التوالي بينما تبقى سائر العيون يقظى ساهرة !

             ولا أخفي أن الدمعة فرّت من عيني عندما سمعت اللحن الذي بدأت به الأغنية ، وأعتقد أن فرويد العظيم سوف يضرب بكفه على جبينه إذا قلت له : إن اللحن ذكّرني بصوت جرس كان في عنق جمل لبدوي من جيرتنا عرب السواعد اسمه " متعب " ، وكان متعب هذا ينقل على جمله الوحيد أحمال القمح والشعير والكرسنة والعدس والفول وسواها من الحقول إلى بيدرنا وبيادر فلاحي قريتنا .. كنت يومها طفلاً ابن عشر سنوات ، وكنت كلّما أناخ متعب جمله ذاك ليفسخ عنه حمل القش على بيدرنا أقترب أنا وبنت الجيران من ذلك الجمل الوديع ، وناخذ في هزّ جرسه ذات اليمين وذات الشمال ، فيرنّ رنينا شجيّا تِ تـِنْ  تِ تِنْ  تِ تِنْ ت ِتنْ تماماً كالنغمة الموسيقية التي يبدأ بها كاروزو أغنيته !     

        ثمّ انزاح بي عن كل ذلك بعد الزمان والمكان .. حتى إذا سمعت أغنية كاروزو أختلطت في نفسي الذكريات فبكيت  طفولتي والبيدر، ورنين جرس الجمل ، وصاحب الجمل ، وبنت الجيران التي كانت بجانبي ، والأهل وزملائي وأستاذي عبد العزيز ومدرستي في كفرياسف وكاروزو والفن الذي لم يتح لي ولأمثالي أن ننعم به ، وربما بكيت من أشياء غيرها لاتحصى . . فهل كانت دموعي على تلك الأشياء التي ذكرتها والتي لم أذكرها تطهيراً لنفسي أيضاً من الحالة الغبية والعبثية التي مررت بها ، ومر بها الناس عندنا خلال نصف قرن أو يزيد أعجف رديء مليء بالنكسات والإحباط وخيبات الأمل؟ وهل كان الفن سبيلاً للخلاص من معاناة القهروالعذاب والاغتراب الفلسطيني اليوميّ ؟  لست أدري .

 

سعود الأسدي


التعليقات




5000