..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة لكتاب (العرب وشبكات المعرفة) للأستاذ د. يحيى اليحياوي

التجاني بولعوالي

موقع العرب من شبكات المعرفة

توطئة

يندرج كتاب (العرب وشبكات المعرفة) في نطاق ذلك الصنف من الفكر المتخصص في دراسة قضايا الإعلام والاتصال والتواصل، وكل ما يمت إليها بصلة من موضوعات ومضامين وأفكار، منها ما يقتصر على الإعلام وحده، ولا يتعداه إلى حقول معرفية أخرى، ومنها ما يوفق بين أكثر من حقل معرفي، يتقاطع مع الإعلام، كالسياسة والتربية والاقتصاد وغيرها. حتى صار البعد الإعلامي يحضر في أغلب البحوث والدراسات الإنسانية المعاصرة، نظرا إلى أهميته الفكرية والمنهجية القصوى. أما الإعلام وما يرتبط به من قضايا كالصحافة والاتصال والتكنولوجيا والإعلان ومختلف وسائط التواصل، لم ينشأ، في الفكر العربي المعاصر، باعتباره تخصصا علميا وأكاديميا قائما بذاته إلا في العقود الأخيرة من القرن المنصرم، في حين أن ظهوره في الغرب كان أقدم من ذلك، حيث يمكن ربط إرهاصاته الأولى  ببداية الطباعة والصحافة في منتصف القرن الخامس عشر، غير أن أغلب بحوث تلك المرحلة كانت ذات بعد تاريخي، وأنه كما لاحظ نورد نيلسون أن معظم مؤرخي الصحافة لم يبذلوا الجهود لبناء نظرية الاتصال، فكانوا أقل اهتماما بالعملية الاجتماعية للاتصال. (بحوث الصحافة، د. محمد عبد الحميد، عالم الفكر - القاهرة، ط 1/1992، ص 45)

إن الكتاب المزمع تناوله من خلال هذه الورقة، لا يمكن استيعاب محتوياته وأبعاده وطروحه، إلا في ظل المشروع الإعلامي العام الذي ينحدر منه، وهو مشروع صاحبه الأستاذ د. يحيى اليحياوي، حيث الكتاب ما هو إلا لبنة من الصرح الذي شرع في بنائه منذ أمد ليس بالقصير؛ أي منذ ما يقارب العقدين من الزمن، حيث قدم أطروحته للمدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس، وذلك عام 1989، وكان عنوانها: (آثار إعادة تقنين وخوصصة بريتش تلكوم بين إعادة الهيكلة ورضا المستهلك)، ومنذ ذلك الحين والباحث منشغل بمختلف قضايا الإعلام والاتصال والتواصل، حيث ألف عشرات الكتب العلمية، وأعد الكثير من البحوث الميدانية، وحبّر مئات المقالات الصحافية والسياسية. وفيما يتعلق بأهم الكتب التي أصدرها الأستاذ اليحياوي، تجدر الإشارة إلى العناوين الآتية: الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال، العولمة ورهانات الإعلام، العولمة: أية عولمة؟، الانترنيت ومجتمع الإعلام: مدخل إلى شبكات المعرفة، أوراق في التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية، حصار الإعلام: دراسات في المشهد الإعلامي العربي المعاصر، وغيرها كثير. إذ إن عدد الكتب التي ألفها الباحث وصل إلى الرقم 26، بالإضافة إلى كتب أخرى اشترك في تأليفها، وهي حوالي عشرون كتابا. (للاطلاع أكثر على سيرة الأستاذ يحيى اليحياوي العلمية، وما يمت إليها بصلة من كتب ومقالات وأنشطة، يمكن زيارة موقعه الرقمي على الرابط: www.elyahyaoui.org).

على هذا الأساس، فإن كتاب (العرب وشبكات المعرفة) ما هو إلا حلقة من هذه السلسلة الطويلة من الدراسات التي قام بها الأستاذ اليحياوي، وهذا لا يعني أن هذه القراءة تقتضي التبحر في الكتب الأخرى للباحث، بقدر ما تستوجب الوعي اللازم بهذا الجانب، لا سيما وأن الباحث يحيل بين حين وآخر، على مؤلفاته الأخرى، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن هذا الكتاب ما هو إلا استكمال لجوانب أخرى سبق له وأن تناولها بشكل أولي وغير معمق في متون الكتب السابقة.

إن كتاب (العرب وشبكات المعرفة)، قد صدر عام 2007 عن دار الطليعة ببيروت، وهو يتكون من حوالي 160 صفحة، من القطع الكبير. وقد قسمه الباحث إلى أربعة أقسام، حيث يتضمن كل قسم من الأقسام الثلاثة الأولى ثلاثة فصول، يحوي كل فصل منها كذلك جملة من المباحث، في حين أن الفصل الرابع يتألف من ثلاثة مباحث، اختار الأستاذ اليحياوي أن يسميها مشاهد. كما أنه صدّر دراسته بمقدمة وذيلها بخاتمة.

إن هذه القراءة ليس الغرض منها، صياغة تلخيص جامع مانع لمضامين الكتاب، أو النظر في كل صغيرة وكبيرة أوردها الباحث، وإنما محاولة فهم الأفكار الأساسية التي تحكم هذا البحث، منذ البداية إلى النهاية، في نوع من الترابط والتسلسل والموضوعية، ليفضي أي قارئ لهذه الدراسة إلى المحصلة المحورية، التي يعبر عنها الباحث في كل جانب أو حيز من كتابه، وهي أن تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال في العالم العربي متأخرة جدا، وأن ثمة فجوة رقمية عميقة بين كتلة الدول العربية والغرب وكذا الكثير من الدول الأسيوية كاليابان والصين والهند وغيرها. وتتحدد أهم أفكار هذا الكتاب المتناول، من خلال العناصر الخمسة الآتية:

•1.   مفهوم تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال.

•2.   واقع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال والفجوة الرقمية العربية.

•3.   أسباب تخلف هذه التكنولوجيا ونشوء الفجوة الرقمية في العالم العربي.

•4.   تداعيات التخلف وخلفياته.

•5.   البديل أو الرؤية المستقبلية.

مفهوم تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال

في الحقيقة إن لفظة تكنولوجيا اللاتينية الأصل، عادة ما تحيل في ذاكرة القارئ على ما هو مادي وملموس من الآليات والتقنيات والتجهيزات، وقد جبل الناس على هذا الفهم، الذي أصبح من المسلمات والبديهيات. غير أن الأستاذ اليحياوي يرى أن هذا الفهم مبتور وناقص، يقول: "بمجرد ذكر عبارة "تكنولوجيا" يتبادر إلى الذهن العتاد والأجهزة والبنية المادية المتمظهرة في هذه السلعة الإنتاجية أو تلك. من هنا، فإن هذا التحديد إنما يتعامل مع عبارة "التكنولوجيا" وفق معيار المخرج ولا يضعها في سياقها التاريخي الذي أفرز هذا المخرج كنتاج تجارب وتراكمات لازمت هذا النظام الإنتاجي أو ذاك، واكبته أو تجاوزته". ص 14 وقد رأى الباحث أن القاموس الفلسفي لالاند حدد بشكل دقيق مصطلح التكنولوجيا، وذلك حين حصرها في كونها "دراسة مجموعة الإجراءات التقنية في عموميتها وفي ارتباطها بالحضارة". ص 14 وتتجسد أهمية هذا التحديد في عنصرين؛ أولهما اعتبار التكنولوجيا مسلسلا تراكميا، يمت بصلة وطيدة إلى سياقه العام الذي هو الحضارة، وثانيهما أن هذا التحديد يحيل على الشروط التي يقتضيها إنتاج التكنولوجيا في مجتمع ما.

ثم إن هذا التحديد الاصطلاحي، الذي يراعي التربة الأصلية لنشأة التكنولوجيا وتكونها، يسري كذلك على تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال التي هي موضوع هذه الدراسة. وقد حدد الباحث هذا الثالوث من التكنولوجيات كما يلي:

•·       تكنولوجيا المعلومات: وهي تعني مجموع الوسائل والإجراءات التقنية التي تمكن من تصميم وإنتاج وإعادة إنتاج وتخزين واسترداد المعلومات بمختلف أشكالها وأنواعها وأحجامها ووظائفها، المكتوب منها كما المرئي كما المسموع... إلخ. وهي بلغة التقنين البنى التحتية من شبكات وأأ أجهزة وحواسيب وقواعد بيانات وبنوك معطيات، والبرامج والبرمجيات التي تمكن من صياغة هذه المعلومات وإنتاجها وتخزينها واستردادها واستهلاكها في نهاية المطاف. ص 15

•·       تكنولوجيا الاتصال: وهي مجموع الوسائل والإجراءات التقنية التي ينتجها مجتمع ما، في زمن ما، بغرض إرسال المعلومات والبيانات والمعطيات بين جهة مرسلة وجهة مستقبلة لذلك الإرسال. وهي عبارة عن بنى تحتية وشبكات مادية متداخلة ومتكاملة، لكنها تحتكم إلى عناصر رخوة وبرمجيات عالية الدقة تمكن من التواصل بين أطراف الشبكة. ص 15

•·       تكنولوجيا الإعلام: وهي التقنيات المصممة لأغراض البث والإرسال الإذاعي والتلفزي المحلي منه كما الإقليمي كما الدولي، والمتمظهرة منذ مدة عبر الفضائيات، التي تتكون بدورها من موزعات ووسائل بث وإرسال وأجهزة توزيع واستقبال وما سواها. ص 15 و16

بعد هذا التحديد الاصطلاحي والعلمي لهذه التكنولوجيات الثلاثة: الإعلام والمعلومات والاتصال، وهو تحديد من شأنه أن يجلي الغشاوة عن نظر القارئ، فيدرك الفروق الدقيقة الكائنة بين هذه الأقطاب الثلاثة، بعد ذلك إذن، يخلص الأستاذ اليحياوي إلى أن هذه التكنولوجيات قد تقاربت أكثر في العصر الحديث، ومرجع ذلك إلى اكتشاف تقنية الرقمنة، التي تعني عملية تحويل كل أشكال التعبير (مكتوبة أو مسموعة أو مصورة أو غيرها) إلى سلسلة من البثات تأخذ شكل الصفر والواحد، وهذا يعني توحيد اللغة التي تؤهل هذه التكنولوجيات إلى التواصل أكثر وتجاوز التنافر الذي اعتراها منذ اختراع الهاتف والراديو والسينما والتلفزة إلى حين ظهور المتعدد الأقطاب وشبكة الإنترنت. ص 16

 

واقع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال والفجوة الرقمية العربية

في واقع الأمر، إن الباحث يبني تحليلاته وتصوراته على شواهد موضوعية ملموسة، لا تدع مجالا لأي نقاش أو جدال كيفما كان، وأهم هذه الشواهد هي جداول الإحصاءات الصادرة عن مختلف المراكز والمنظمات الدولية والإقليمية والجهوية، وهي تفوق الخمسين جدولا، تكشف عن مدى تأخر العالم العربي عن ركب تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، ليس مقارنة مع الدول المتقدمة، وإنما موازنة مع الدول السائرة في طريق النمو، كدول أمريكا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية وكوريا الجنوبية والصين وغيرها، حيث يلاحظ أنه إما تغيب الدول العربية نهائيا من بعض الجداول الإحصائية، وإما أنها توضع في مؤخرة جداول إحصائية أخرى!

ثم إن هذا التأخر الفادح للعالم العربي، لا ينبغي أن يحصر في مجالات الإعلام والاتصال، وإنما هو تأخر شامل يعتري مختلف البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية وغيرها، "التي بقوتها، كما يفسر الأستاذ اليحياوي، يمكن للمرء حقا أن يتحدث عن توجهات نحو مجتمع المعرفة". ص 60

هكذا فإن المعطيات الإحصائية المتوفرة تعبر، بوضوح تام، عن تدني مستوى ارتباط العالم العربي بهذه التكنولوجيا وضعف المرتبطين والمستفيدين والمستعملين لها. وقد دعم الباحث رأيه بستة معطيات كبرى، تتحدد كالآتي:

•1.   تدني نصيب الوطن العربي من عدد الخطوط الهاتفية المرصودة في العالم، حيث ما بين عامي 1975 و1995 انتقلت هذه النسبة من أقل من 0،01 إلى 0،3 بالمائة فيما ارتفعت نسبة النقال من 0،01 إلى ما يناهز 10 بالمائة في الفترة نفسها، وهي نسبة متدنية بالقياس إلى باقي مناطق العالم لا سيما المتقدم منها. (60% لأمريكا، 34% لأوروبا). ص 62

•2.   تدني عدد مستعملي الإنترنت في الوطن العربي قياسا إلى سواه من دول ومناطق العالم. حيث 3،7 من العرب هم الذين يستخدمون الإنترنت، في حين أن هذه النسبة تتجاوز 60% في الدول المتقدمة. تشير إحصاءات العام 2000 إلى أن حوالي 170 مليون في أمريكا الشمالية يستخدمون الإنترنت، و115 في أوروبا، في حين أن هذا العدد لم يبلغ المليونين في العالم العربي! ص 64

•3.   تدني عدد خدومات الإنترنت، والتي إن تضاعفت ثلاث مرات ما بين 1995 و1996، فهي بقيت جد ضعيفة ليس بالمقارنة مع الدول الكبرى فقط وإنما أيضا بالقياس إلى العديد من دول العالم الثالث. ص 66

•4.   ندرة مزودي خدمات الإنترنت في البلدان العربية، (150 مزود لكل العالم العربي)، ثم إن غالبيتهم حكوميون، والسبب في ذلك متأت من احتكار الدولة لنقط الارتباط بالإنترنت، وعمدها إلى تلغيم السوق بقوانين وتشريعات تجعل من استنبات مزود خاص أمرا شبه مستحيل. ص 67

•5.   تدني وضعية اللغة العربية داخل شبكة الإنترنت بالقياس إلى لغات العالم الحية الأخرى بنسبة أقل من 2%. ورغم كونها اللغة الموحدة لأكثر من عشرين دولة، غير أنها لا تظهر كثيرا في الإحصاءات وإن ظهرت فيها فضمن خانة (لغات العالم الأخرى). ص 67

•6.   تدني عدد المواقع العربية على شبكة الإنترنت سواء أكانت شخصية أم حكومية، إذ أنها تقدر بحوالي 10 آلاف موقع عام 2001، وهذا العدد يبدو جد ضعيف ضمن ملايين المواقف القائمة في كل جهات العالم. ص 68

بناء على هذه المعطيات العلمية، يخلص الأستاذ اليحياوي إلى "أن الحديث حقا عن "توجه" الدول العربية نحو ولوج مجتمعات المعرفة إنما هو حديث مجانب لما هو قائم على أرض الواقع ليس فقط على مستوى ما تحقق، بل وأيضا على مستوى السياسات المعتمدة". ص 68

وهذه الخلاصة تثبت أن ثمة فجوة رقمية عميقة في العالم العربي، وهي ذات منحيين؛ في المنحى الأول تنشأ الفجوة بين الدول العربية نفسها، حيث تصنف دول الخليج العربي ضمن كبريات دول العالم، في حين تعاني دول عربية أخرى من الندرة الإعلامية والاتصالية. ص 76 أما في المنحى الثاني فتقوم الفجوة بين العالم العربي والعالم المصنع، ويتأكد ذلك بالاحتكام إلى مؤشرين أساسيين:

•·       المؤشر الأول: يتجلى في التردي العام الذي يطبع شبكات الاتصالات الهاتفية والتي هي المدخل الأساس لمجتمع الإعلام والاتصال.

•·       المؤشر الثاني: يتمثل في قلة الحواسيب وتدني مستوى الارتباط بشبكة الإنترنت في المنطقة العربية عموما.

هكذا يتأكد إذن بأن ثمة "فجوة رقمية كبرى بين الدول الصناعية وبين الدول العربية، فيما يخص واقع حال الشبكة الهاتفية كما واقع حال مرآب الحواسيب كما مستويات الارتباط بشبكة الإنترنت. وهناك فجوة مماثلة ما بين الدول العربية نفسها، أي بين بعضها البعض". ص 88

أسباب تخلف هذه التكنولوجيا ونشوء الفجوة الرقمية في العالم العربي

إن الفجوة الرقمية في المنطقة العربية، كما تمت الإشارة آنفا، مزدوجة، فهي تنشأ من جهة أولى مع العالم الصناعي، ومن جهة ثانية بين دول العالم العربي نفسها، وضمن النوع الثاني من الفجوة، يمكن الحديث عن فجوات متنوعة في كل دولة على حده؛ بين المدن والبوادي، بين الجهات والمناطق، بين الأفراد والجماعات، بين الأجيال كما بين الشرائح الاجتماعية. ص89

ترى ما هي الأسباب التي تقف وراء نشوء هذه الفجوة في المنطقة العربية، أهي مرتبطة بالإمكانات المادية، أم بالسياسات التكنولوجية، أم بحالة التعليم في العالم العربي، أم بها كلها مجتمعة؟ يحاول الباحث الإجابة عن هذا السؤال محددا عوامل ذلك التخلف التكنولوجي، وهذه الفجوة الرقمية، في أربعة، طالما ترددت في الخطاب الفكري العربي المهتم بحقول الإعلام والمعلومات والاتصال.

•·       العامل الأول: ويتمثل في أن الحكومات العربية اعتمدت منذ ستينات القرن الماضي سياسة الأولويات، حيث سعت إلى إشباع الحاجات الضرورية كالمدارس والمستشفيات والطرق والموانئ وغيرها، في حين صنفت ميدان الإعلام والاتصال في دائرة الكماليات. هكذا فإن الفجوة الرقمية التي تعيشها المنطقة العربية في الوقت الحالي تنغرس جذورها في سياسات التجهيز الإعلامي والاتصالي التي ميزت بدايات الاستقلال الأولي، وبقيت الخاصية الملازمة لها إلى يومنا هذا. ص 89 و90

•·       العامل الثاني: ويتحدد في طبيعة العلاقات التكنولوجية الدولية، والسياسات التكنولوجية الوطنية التي انبنت على فكرة النقل التكنولوجي ونظرية حرق المراحل التي بنت لها الأرضية والامتداد. ص 90

•·       العامل الثالث: ويكمن في طبيعة النماذج التنموية المعتمدة في المنطقة العربية، والتي لم تعر كبير اهتمام لإشكالية التعليم والمعرفة والتكوين واعتماد اللغة العربية كأداة لذلك، ومعنى هذا أن تلك النماذج لم تعمد فقط إلى تكريس المعرفة الشفهية والمتداولة عبر أدوات التواصل التقليدية، بل إنها لم تعمل أيضا على صياغة سياسات جدية لرقمنة المعارف العربية وإقحامها بغرض تداولها في الشبكات الإلكترونية السائدة وفي مقدمتها شبكة الإنترنت. ص 90 و91

•·       العامل الرابع: ويتجلى في تردي واقع حقوق الرأي والتعبير وسيادة قيم الحجر والرقابة على الأفراد والجماعات، ثم غياب الحق في الإعلام وفي الاتصال وكذلك الحق في المعرفة. ص 91

 

تداعيات التخلف وخلفياته

إن واقع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال في العالم العربي، الذي تم تشخيص بعض جوانبه في المحور السابق، يكشف بجلاء تام عن الوضعية المزرية التي يشهدها الإعلام العربي، بمختلف مكوناته. وهي وضعية من الطبيعي أن تترتب عنها نتائج غير محمودة، وتداعيات من شأنها أن تعرقل أي تنمية تسعى إلى رد الاعتبار لهذا الميدان الحيوي والمصيري.

وقد حاول الأستاذ اليحياوي التعرض إلى أهم تداعيات هذا التخلف، وقد أجملها في ثلاثة عناصر هي:

•1.   تشوه بنى التنمية الإنسانية العربية.

•2.   تدني مكانة البحث العلمي.

•3.   هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج.

تشوه بنى التنمية الإنسانية العربية

جدير بالذكر أن الباحث يميز بين التنمية البشرية التي يرى أنها "ترمي إلى ملامسة الجوانب الكمية لعملية التنمية، وهي غالبا ما تكون ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وثقافية، كنسبة النمو وحجم الإنتاج ونسبة البطالة..."، والتنمية الإنسانية التي "لا تغفل هذه المؤشرات، لكنها تدمجها في سياق معرفة مدى تأثير تطور هذه المؤشرات الكمية على نوعية حياة الفرد والجماعة في الزمان والمكان". ص 107 و108 ويلاحظ الباحث أن بنى ومقومات التنمية الإنسانية في العالم العربي، قد اعتراها تشوه عميق وشامل، يتخذ ثلاثة أبعاد:

•أ‌-     تشوه البنى فيما بين الدول وداخل كل دولة: وهو بدوره يتخذ ثلاثة مظاهر؛ أولها يتعلق بالتباين الصارخ بين بلدان عربية غنية تجهيزيا ومعلوماتيا، ودول فقيرة بالتجهيز وعلى مستوى الحصول على المعلومات، وهو أمر ينطبق على مستوى كل دولة على حده، حيث توجد قطاعات عالية الارتباط بالشبكات كالبنوك وشركات التأمين مثلا، وقطاعات جد متأخرة. ص 108 وثانيها يرتبط بالتناقض المتزايد بين إكراهات التنمية الجديدة التي تقتضي يدا عاملة ماهرة ومتخصصة، ونظام تربوي مرتكز على الحفظ والتلقين والأساليب التعليمية التقليدية. ص 109 وثالثها يكمن في الانفصام التام بين ما هو رائج ومتداول عالميا بشأن الحق في المعلومات والإعلام والمعرفة، وبين الواقع العربي الذي يعتبر هذا الحق أمرا دخيلا وشاذا. ص 110

•ب‌-    تعميق الفوارق الترابية داخل الوطن الواحد: ولا تستمد هذه الفوارق قوتها فقط من التوزيع اللا متكافئ للتجهيزات والبنى الأساسية الرافعة لها، بل وبالتحديد من السياسات العمومية التي انتهجت سبيلا قوامه المراهنة على مناطق وجهات على حساب مناطق وجهات أخرى، إما لاعتبارات اقتصادية أو سياسية وأيديولوجية صرفة. ص 111

•ت‌-                   طبقة الأرستقراطية الجديدة: إن الطفرة الرقمية أفرزت بنى ومؤسسات وهياكل لا تمت بصلة إلى ما كان سائدا فيما قبل، وجراء ذلك ظهرت شريحة اجتماعية ليس لها أدنى دراية بما هي الصناعة أو الفلاحة أو الخدمات، بقدر ما برعت في التعامل مع البيانات والمعطيات والبرامج وغير ذلك. مما جعلها تزعم أنها من خلال هذه المعرفة التقنية تتأتى لها السلطة اللازمة لتتحكم في الكثير من القضايا الاقتصادية والسياسية الوطنية، ثم إن المهن الأساسية المرتبطة بالقطاعات التكنولوجية في البلدان العربية، لا تنتج قيما مضافة جديدة، بقدر ما تؤدي دور الوسيط الذي يسهل الإجراءات للشركات الأجنبية الكبرى. ص113 و114 وقد نتج عن ذلك، كما يلاحظ الأستاذ اليحياوي، ظهور شريحة طفيلية تقتات من الصفقات التي تبرم مع بلدانها أو مما تكلفها بها الشركات الغربية الكبرى، فهي بذلك عبارة عن سمسار في السوق كباقي السماسرة، من هنا فهي لا تسهم في تشويه البنية القائمة، بل وتحاجج بأن فعلها هذا شرعي! ص 114 و113

 

تدني مكانة البحث العلمي  

يرى الباحث بأن ثمة ثلاثة مؤشرات كبرى تدل على تدني مكانة البحث العلمي في العالم العربي، وهي كالآتي:

•1.   المؤشر الأول: ويتحدد في النسبة الضئيلة التي تخصصها الدول العربية من نواتجها الداخلية الخام للبحث العلمي، فهي لا تتعدى في المتوسط 0،2% في حين تصل هذه النسبة عند الولايات المتحدة واليابان والسويد 3،1%.

•2.   المؤشر الثاني: ويتعلق بعدد مراكز البحوث العلمية والتقنية بالبلدان العربية، وعدد العلماء والمهندسين العاملين في البحث والتطوير داخل هذه المراكز. حيث أن عددهم في مجموع الدول العربية لا يتعدى 300، في حين يصل في أمريكا الشمالية إلى 4000 عالم ومهندس، أما في أوروبا فيتحدد في 2400.

•3.   المؤشر الثالث: ويرتبط بالانخفاض الواضح لإنتاجية العلماء والمهندسين العاملين في البحث، وكذلك ضعف المردود العلمي والتكنولوجي المترتب عن ذلك. حيث أن ما ينشر سنويا من البحوث في العالم العربي لا يتعدى 15 ألف بحثا، مع أن عدد هيئات التدريس تبلغ 55 ألفا. هذا يعني أن الإنتاجية البحثية تبقى في حدود 0،3%، في حين تصل الإنتاجية لدى علماء إسرائيل إلى 70%.

هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج

في الحقيقة، تعتبر هجرة الكفاءات أو ما يصطلح عليه هجرة الأدمغة من بين نتائج التخلف، الذي يعتري تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال في العالم العربي، ويرى الأستاذ اليحياوي أن "فهم إشكالية هجرة الكفاءات العربية لا يمكن أن يتم إلا من خلال مساءلة الأسباب الكامنة خلفها ووضعها في السياق العام الذي استنبتها وخلق لها المجال في التوسع والانتشار". ص 126 وتتجسد هذه الأسباب في سببين هما:

•1- السبب الأول: يتعلق بهشاشة منظومة البحث العلمي والإبداع التكنولوجي في العالم العربي، مما يحول ليس فقط دون الاستفادة من خبرات العلماء والمهندسين العرب، وإنما كذلك دون خلق شروط التواصل فيما بين هؤلاء، للدفع قدما بمشروع بحثي ما، أو محاولة تطبيق برنامج استحدثه هذا العالم أو ذاك. ص 127

•2- السبب الثاني: يتجلى في التغييب المستمر لمنظومة الحرية وسبل التعبير والتفكير، التي تعتبر لازمة ضرورية لعمليات البحث العلمي والإبداع التكنولوجي في العالم العربي وفي غيره من بقاع العالم. ص 127 و128

وقد ترتبت عن آفة الهجرة هذه، الكثير من العواقب غير المحمودة للواقع العلمي والتكنولوجي العربي، قد اختار الباحث أن ينعتها بالخسارة، التي تتشعب إلى خسائر متعددة. (ص 128 - 130)

•·       كالتكلفة المادية التي يتكبدها المجتمع في تعليم الكفاءة المهاجرة، التي يكونها ويعدها لتستفيد منها الدول الغنية.

•·       والانخفاض الذي يمس الرصيد المعرفي للبلد الأصلي، مما يؤثر على الناتج الوطني العام.

•·       والحد من إفراز كفاءات جديدة من ذات الكفاءات المهاجرة، إن تسنى لها أن تبقى في بلدانها.

والموارد الضخمة التي تصرفها البلدان العربية للحصول على الخبرات الأجنبية. 

  

البديل أو الرؤية المستقبلية

بعدما تعرض الباحث إلى أهم جوانب تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال في العالم العربي، بدءا بالسياق العالمي لهذه التكنولوجيا وكيف تتوزع عبره، ومرورا بواقع هذه التكنولوجيا في البلدان العربية، ثم وصولا إلى تداعيات هذه التكنولوجيا وخلفياتها على العالم العربي، بعد ذلك إذن، اختار أن يطرح رؤيته الاستشرافية لما سوف تكون عليه هذه التكنولوجيا، سواء أفي المستقبل القريب أم المتوسط أم البعيد، حيث ربط كل مرحلة بمشهد أو سيناريو معين.

إن المستقبل القريب الذي يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لن تشهد فيه تكنولوجيا الإعلام العربية تحولا كبيرا على مستوى البنى الأساسية الكبرى، أو على مستوى السياسات المعتمدة في هذا المجال، هكذا فلن يتغير موقع العالم العربي ضمن خارطة التوزيع العالمي للمعرفة، حيث سيظل مستوردا للتقنيات، وتظل كفاءاته تهاجر، ولن يتمكن من إقامة بنية علمية وتكنولوجية ذاتية. وقد أطلق الأستاذ اليحياوي على هذا المشهد مشهد الاستمرارية، وهو يتسم بتعميق التبعية التكنولوجية والاستلاب العلمي. ص 137

أما المستقبل المتوسط المدى، فيتراوح بين 10 و15 سنة، يتوقع فيه الباحث أن تعمد الحكومات العربية إلى سن وتكريس بعض الإصلاحات فيما يتعلق بالحق في الإعلام، والمعرفة، والحريات الفردية والجماعية، خصوصا حرية النفاذ إلى المعلومات وما يستتبعها من سياسات تجهيز وربط الجهات. لكن العناصر الكبرى للإصلاح ستبقى دون التحديات المطروحة، كالتعليم والبحث العلمي والاستقلال التكنولوجي. ويطلق الباحث على هذا المشهد مشهد الإصلاح ويتميز بتخفيف وطأة التبعية والاستلاب. ص 139    

في حين أن المستقبل البعيد، الذي يتحدد في ربع قرن أو ما يفوقه، يقترح له الباحث مشهد التغيير، الذي يرتكز على إعادة توزيع ثلاثية: الثروة والمعرفة والسلطة، لا سيما وأن العالم العربي ينطوي على مختلف الإمكانات المادية والعلمية، التي إن تضافرت وتكاملت سوف تتأتى، لا محالة، أسباب النهوض وبواعثه؛ فدول الخليج التي تتوافر على قدرات مادية هائلة، لكنها تعوزها الخبرات الضرورية لبناء تلك المنظومة، فترتكن إلى النقل التكنولوجي، في حين أن العديد من الدول العربية كدول شمال أفريقيا، تتوفر على قدرات بشرية هائلة، لكن تفتقر إلى الإمكانات المادية والسبيل الأمثل، كما يقترح الأستاذ اليحياوي، لتجاوز واقع الحال هذا، هو دمج هذه الإمكانات في ظل منظومة علمية وتكنولوجية واحدة، أي على صعيد العالم العربي. ص 141

لكن، هل سوف يكون السياق العربي بعد مرور ربع قرن من الزمن مهيأ لأن يتحقق مثل هذا التوقع/الحلم، فيقبل الأغنياء ماديا ومعرفيا، باقتسام ما يملكون من ثروة وعلم وجاه مع الفقراء والمحرومين والمنبوذين!؟ وإن تم هذا الأمر، فهل ترضى الدول الغنية بأن تصبح دول العالم الثالث الفقيرة والمتخلفة في نفس مستواها من التقدم والغنى والازدهار؟!  

التجاني بولعوالي


التعليقات




5000