هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تحطيم مجسم وانهيار حلم

جواد عبد الكاظم محسن

في سنة 1986م انتدبت من الخدمة العسكرية للعمل في دائرتي ، وهي المنشأة العامة لصناعة الحرير ، ولما باشرت الدوام فيها وجدت نفسي غارقا في لجة العمل منذ الصباح الباكر إلى العصر ، وربما امتد دوامي إلى غروب الشمس ، وربما تأخر  إلى الليل في بعض الأحيان ، وكنت شغوفا به وأمارسه بهمة عالية ، وأسعى إلى إنجاز كل ما يوكل إليّ من دون تأخير ، وأحاول تقديم أفضل ما لدي وأفكر يوميا بتطوير مهاراتي وزيادة كفاءتي وكفاءة العاملين معي ، وقد رأت إدارة الشركة اندفاعي هذا فاستثمرته في أكثر من مجال ، فقد كلفتني بمساعدة رئيس قسم الهندسة المدنية المرحوم جورج سليمان إبراهيم الذي أتعبته الشيخوخة وبعد السكن ، فتابعت أعمال القسم وأشرفت عليها وبصلاحيات رئيس القسم نفسها ، وبذل المرحوم جورج جهدا كبيرا بتدريبي فنيا لأن هذا العمل لم يكن من اختصاصي ، فاستفدت وتعلمت منه الكثير في العمل والحياة ..

    اعتدت صباح كل يوم القيام بجولة شاملة على مواقع العمل المتوزعة داخل المنشأة وخارجها مشيا على الأقدام وبنشاط واضح موجها ومنبها ومصححا ومسجلا لملاحظات في مفكرة خاصة أحملها معي على الدوام ، وأعيد هذه الجولة الشاملة مرة ثانية بعد الظهر ، وقد تتخللها جولات أخرى لمواقع بعض الأعمال المهمة بين أو بعد هاتين الجولتين .

   في أحدى جولاتي الصباحية التي تبدأ بعد توزيع العمل مباشرة ؛ لاحظت وجود مجسمات فنية ملونة مصنوعة من الخشب في الساحة الخلفية من الورشة العامة مع أكوام من الخشب المستعمل ، فذهبت لتفحص هذه المجسمات والنظر إليها ، وعرفت أنها كانت مشاركة في مهرجان بابل الذي كان يقام في شهر أيلول سنويا ، وجلب انتباهي فيها وجود مجسم جميل جدا للسدة التي صممها المهندس البريطاني الشهير وليم ويلكوكس ، وأقيمت على نهر الفرات جنوبي المسيب (سدة الهندية) سنة 1913م ، وكنت قد أنهيت قبل أيام قراءة كتاب (حياتي في نصف قرن) للمرحوم العلامة الدكتور أحمد سوسة (1900- 1982م) ، وقد أعجبت به كثيرا ، وبهرتني مضامينه ، وكان قد أفرد فيه فصلا مهما من فصوله للحديث عن هذه السدة وذكرياته عنها .

    ووصف المرحوم الدكتور سوسة افتتاح مشروع سدة الهندية في مذكراته قائلاً : (( كان موعد افتتاح مشروع سدة الهندية في اليوم الثاني عشر من شهر كانون ألأول سنة 1913م ، فكان البرد شديداً قارساً ، فحضرته مع أبناء بلدتي لنشاهد انطلاق المياه من أمام السدة (القناطر) وانسيابها نحو بلدة الحلة ، ولقد كان لهذا اليوم المشهود أثر عميق في نفسي وانطباع راسخ في ذهني الصغير إكباراً وإعجاباً بمعجزة الفن الهندسي وعبقرية مصمم هذا المشروع العظيم الذي أحيا منطقة جنوب الفرات بأسرها ، وإن أنسى فلن أنسى ذلك اليوم وأنا ممتط صهوة مهرتي أسرع مع جمهرة من الفلاحين والمزارعين وهم يحدون بأناشيدهم العربية العامية فرحين مهللين فكنا نمضي على طول طريق النهر نسابق مجرى المياه الذي كان ينساب فوق الرمال الجافة كالأفعى بين منعطفات عقيق النهر حتى وصلنا وإياه إلى بلدة الحلة ، فأقبلت الجماهير المحتشدة تستبشر بالبشرى السارة وهي ترحب بوصول المياه وقد غطتها رغوة بيضاء ، فأعادت الحياة إلى هذه المنطقة الزراعية الغنية بعد أن حرمتها يد الأقدار من عماد وجودها سنواتٍ طوالاً...))

    واشتعلت في نفسي الرغبة في استثمار هذا المجسم الجميل والمحافظة عليه والاستفادة منه ، وخطر في بالي أول ما خطر أن أقدمه هدية إلى المرحومة عالية أحمد سوسة (1949- 2003م) التي أصدرت في تلك السنة كتاب والدها (حياتي في نصف قرن) تقديرا لها واعترافا بجهود والدها الرحل ، وقررت بعد إنهاء جولتي الصباحية الأولى لمواقع العمل مراجعة المدير العام حوله ، وإخباره بفكرتي ، واستحصال موافقته ، وكنت على ثقة تامة بأن المدير العام وهو المرحوم الدكتور حمدي الأسدي سيوافق على ذلك من دون تردد بل سيفرح بهذه الفكرة المضيئة لأنه من ذوي الفضل والذوق والثقافة العالية .

    ولما أنهيت جولتي بعد ما يقرب من الساعتين ، وقفلت راجعا نحو مكتبي في الدائرة الفنية ، جعلت طريق مروري على الساحة الخلفية للورشة العامة لمشاهدة المجسم ثانية والاطمئنان على وجوده ، ولما وصلت المكان  صدمت بل فجعت لهول ما رأيت ، فقد امتدت مطرقة أحد العمال النجارين إليه وحطمته من دون رحمة لاستخدام بعض ألواحه الخشبية في مكان آخر !! نعم امتدت له هذه المطرقة القاسية من دون كل المجسمات الأخرى التي بقيت مطروحة في مكانها وأنهت حياته وما حمل من إبداع !!

    وقفت مذهولا وقد نزلت من عيني الدمعة وبحرقة من فقد عزيزا له بل واحدا من أفراد عائلته !! ولمت نفسي كثيرا على ما حدث ، وحملتها المسؤولية كاملة عن هذا التحطيم قبل مطرقة العامل النجار ، وهو يجهل ما يفعل ، وبقيت أهذي مع نفسي أياما غير قليلة متسائلا : لماذا لم أفعل كذا وكذا منذ اللحظة الأولى لرؤيتي لهذا المجسم النادر من أجل حمايته والمحافظة عليه !! ولماذا ...؟ ولماذا...؟ وكله كلام لا فائدة منه بعد الذي جرى !! وحتى هذه اليوم أحمّل نفسي وبألم شديد مسؤولية فقدان هذا المجسم !! وتتراءى صورته أمامي ؛ الجسر وأعمدته ، وبوابات السدة ، والمياه التي لونت باللون الأزرق الفاتح ، وغطيت بطبقة من النايلون الشفاف ، فكأنها تعكس واقعية صورة الأمواج (الروجات) على صفحة النهر ..   

أقول كلمات تذكرت هذا المجسم ونهايته المؤلمة شعرت بالحزن والأسى ، وتذكرت المرحومين العلامة الدكتور أحمد سوسه وابنته عالية المقام عالية وترحمت عليهما ، واعتذرت منهما على ما حصل بسبب تقصير مني !!

 

جواد عبد الكاظم محسن


التعليقات




5000