.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة ورق النعناع

حسن كريم عاتي

كمن خطفته قوافل الغجر في صباه ، وارتحل مرغماً معها ،كان فراقه لها حين اختطفته الغربة .

 مازالت ذاكرته ندية  بصورها وحكاياتها الحية . قد يعتريها ضباب يزيل بعض من ملامحها ، لكنه يعود حد الإبصار بوضوح ، أو قد تتشوه الصورة حد لا يتبين ملامح وجوه إخوته ؛ كيوسف في قافلة الرحيل ، ليس بالعزيز حد التبجيل ، وليس بالمنتهك حد إذلال الرق . ذكراها بعد الفراق الطويل ، تنحت حضورها ، تمثال روماني من حجر الصوان في ذاكرته ، التي أخذت تمحو كثير من الأشياء الهامة ، إلا هي .

 يزداد بريق صورتها مع كل تأوه يطلقه للذكرى البعيدة . فلا الأماكن التي أدمنوا الحضور فيها تخلت عن حنينها ، ولا هدأت جذوة العشق في فؤاده المرهق . يكرهها حد الأماني بقتلها ، أو التلذذ به ؛ ويعشقها حد أن يربط شريان القلب بأساور معصمها خشية من شر قد يُلحق بها . يتركها تتوسد ذاكرته أياماً ، وحين تستيقظ يغمض عينيه على صورتها خشية الزوال .

 بكبرياء يناجي النفس (إصبر) ، وبخشوع يناجي القلب (آه...) . يقف أحيانا ذاهلاً من حجم خسارته ، ويقول : ما كان يجب أن اخسرها !. تستيقظ الاحزان في قلبه مجتمعة ، حتى تقسو ملامح وجهه ويصيبه التثاقل والإرهاق في حركة الجسد .

 وقد تستيقظ أحقاده الدفينة من المٍ عرضته له ، فينتفض بحركة مفاجئة من يده الواهنة ليطرق على اقرب جسم صلب اليه . ويعظ على النواجذ ، ويقول (تستحق...). يقاوم حنين الأمكنة  التي التقيا فيها ، وكررا اللقاء ، حتى اعتادت مناجاتهما ، فأصبحا يؤثثان ذاكرة المكان بهمسٍ أشبه بغيمة صغيرة بحجم راحة الكف ترسم صورتيهما ، ممسكين بالأيدي ، ملتصقة بالسقف ، لا يراها غيرهما .

 تتبدل أرديتهما ، مرة بأناقة احتفال ، مرة بأردية العمل ، وتبقى الأيدي ممسكة ببعضها حتى وان تغيرت الأزياء . يقاوم الحنين ، بتفاصيل تبدو مهملة ، تبزغ في أوقات غير محسوبة ، وبطريقة غريبة ، تقوده قدماه لاماكن لم يعتد الحضور فيها إلا معها . تثيره كلمة قد تقولها مستطرقة ، تتوافق مع نبرة صوتها ، أو في معناها .

 تبدو أحيانا طفلة مشاكسة لا تشكم إلا بالعنف ، ولا يقسو . يقف مذهولاً من سلوك القلب المتناقض ، ويقاوم وجعه بحكمة اليأس حد القنوط من لقياها . ويأمل أن تتغير الأشياء ، كل الأشياء بما فيها هو ، ليعودا إلى ما كانا عليه قبل الفراق .

أيهما المخطئ .. أيهما المصيب . لا يعني ذلك له أي شيء في رغبة تغيير ما هو عليه من أسى . أحياناً كمن يقف على طلل ، وأخرى كمن يعيش في صرح مهيب مهجور ، ويتفقد أثاث القلب ليطمئن على خرابه .

أو كمن يخشى مبضع الجراح في أحشائه . يتغافل حد إدراكه انه يتحايل على قلبه ، ويرتضي القلب هذا الخداع المفضوح في لعبة النسيان المصطنعة .

بعبارات شوق تتحرك على شفتيه ، وإن بصمت ، مع تغضن جبهته. تنبجس من الشفة ابتسامة مفاجأة  تختلط بعبوس لم يتمكن بعد من مغادرة وجهه . ترتسم صورتهما في ذهنه ، وهما يقهقهان عن مزاحمة سيارة أجرة لسيارتها حتى كادت تصطدم بها ، لولا انعطافتها السريعة عنها ، حين صرخت : (يمه فلان ) ، ونادت بإسمه  ، ضحكا معاُ . فلم يسمع احدهم يناديه بإسمه منذ بدا أحفاده يفهمون حياء مناداة الجد باسمه الصريح . قال لها : -       

  حاذري أن تعتادي ذلك في البيت . قالت بتحد نزق  : -      

   ليحدث ما يحدث ... وبابتسامه دلال أكملت : -       

  أحياناً أنادي أحدهم في البيت بإسمك . أنت معي في المطبخ ، في غرفة الاستقبال , في غرفة النوم ، على سطح الدار . فتكون (يمه فلان ) مزحة ذلك اليوم ، وقد تستمر لأيام . أو تطفو على سطح الحديث في أيام لاحقة . تغازله بشغف . وحين تقفر ساحة الذهن من إيجاد جملة تفي بما في داخلها . تتأوه بحسرة ، وتقول : -       

  لا أشبع منك !! تفلت من لسانه كلمات مغايرة لما أراد قوله : -        

 هو أنا لم اشبع من نفسي . يضحكان معاً حد القهقهة على خيانة الكلمات . أو يتذكر جملته الأولى في اللقاء الأول ، حين بادرها ، بجرأة ، قوله : ( يا فلقة القمر ) . إبتسمت على إستحياء . فَسَرَ إبتسامتها تلك بعد مرور السنين ، وبعد أن استحكمت القطيعة حبالها ، بأنها مصطنعة . لم يحدث أن أخذها يوماً إلى مكان من اختياره في أيام الطواف المسائي بمدينتهما ؛ إلا  في حالات النشوة ، عند اللهفة للقاء الحميم ، أو السفر معاً إلى مدن الأقاصي . كانت تفسر ذلك حذراً منه عليها ، خشية أن يلجا مكاناً يستدل عليها فيه احد أبنائها الذين توزعوا بين أحياء المدينة ؛ بعد أن تمكنوا من بناء عوالمهم الخاصة ، فبقيت خياراته للطواف في المدينة خفية لا تعلمها . عرف الأماكن التي ترغب ارتيادها ، أو اعتادت المرور بها . وكأنه يحسب لحظة فراق آتية لا ريب فيها . ولتكون خياراته مفتوحة على مجهول لها ، لم تتبين لها حتى بعد الفراق . على أمل التحايل  لاصطياد لحظة لقاء معها ، عند الجفوة ، في مكان سبق أن أثثا ذاكرته بصورتهما المعلقة بغيمة صورتهما على سقفه . -       

  سأحاصرك بالذكريات. قالها ، وهو يمسح بيده على رأس البطريق الأم التي تنحني  لصغيرها الفاغر الفم بانتظار سمكة صغيرة تلقمه بها، والذي جلبه لها من مكان بعيد في إحدى سفراته : -      

   تذكري الصغير ، أنه يستحق عنايتك ، إياك والقسوة عليه . أنه لا يحتمل هزة عاطفية . تضج بضحكة صاخبة ، وتترك يدها اليمنى البارزة العروق ،  مقود السيارة ، لتمتد إلى يده الرابضة بحنو فوق كتلة البطريق الملون بالأسود والأبيض ، لتستقر فوق كفه ، والتي تشعره بنعومة المساحيق التي استخدمتها لتبدو طرية ، وترجع رأسها بإرتخاء : -       

  أنا التي تقول ذلك ! ألا تراني ارفع عيني إلى فمك بانتظار سمكة صغيرة تلقمني بها ؟ لم يتفق أيٍ منهما عن من تمثله الأم أو يمثله صغيرها ، كليهما يدعي انه الأولى بعطف الأخر، ضحكا برغبة البهجة ، قالت : -        

 أنا لا أحيا إلا بحب . يدرك ما تعنيه من تهديد مبطن ، بادرها : -         

أرغب أن تكون إيقونتنا ، أتمنى تثبيتها أمام ناظريك في مساحة البوح في السيارة . تتفانى للعناية بالبطريق في حالات الصفو ، وتتعمد انتزاعه من مكانه ، في حالات الكدر، لتخبأه في مكان بعيد عن نظره حين تصطحبه لمكان الطواف المسائي ، لتقول له ، وبطريقتها المبطنة بالتهديد والتي يدرك تفاصيلها : (إنك في خطر من جفائي ) . تحرق الإشارة ، بسرعة فائقة ، صدغيه ، ويرغب أن يلقي بنفسه وبها إلى أقرب هاوية تبتلعهما معاً . فيضرب بقبضته الواهنة على زجاجة النافذة  الجانبة القريبة منه ، حتى يخيل لها أنه سيكسر أحدى أصابعه. فتنهره بصوت أقرب للإستهزاء وهي تزم شفتيها : -       

  ما بكَ!!! -       

  ماذا فعلتِ بالبطريق ؟ تزيد في احتراق اعصابه وهي تجيب : -        

 البطريق ! ابن عمك ؟ ابن خالك ؟ ينتفض من استفزازها المتواصل . يعرف أنها لا تحتمل تأخير البوح بما يخالجها . - يهمك البطريق ولا يهمك أن ترسل لي رسالة واحدة قبل النوم ؟ كيف غمضت عينيك بالامس ولم تتصل بي ، أو حتى ترسل كلمتين تسأل بهما عني!! تجحظ عينيها ،  شزرا تلقي نظرة من طرف عينها عليه ، وهي مسمرة يديها الاثنتين على مقود السيارة ، كأنها مبتدئ يتعلم القيادة ، تقول : -      

   جاحد !!!!! يبتهج من استرسالها بالبوح ،  فَفضلُ الحبِ أن تعذر المحبوب ، وان طَرَقَ بمقصلة العذاب الناعم رقبتك . بحسرة الراغب بالكتمان مع اضطراره للبوح ، قال بتردد : -       

  لم أرغب ازعاجك بخبر نقلي إلى الطبيب . -        

 ما بك !!! -       

  ثنائية الضغط والسكر كما تعلمين . وبتودد أقرب الى الاعتذار ، قالت : -         

إهتم بصحتك ، لا نحتمل أنا وأنت انتكاسة جديدة ... تذكر لم يتبق لنا سواها، بعد أن غادرنا الأبناء إلى حياتهم الخاصة . يزيدها الصفو اناقة ، كأنها برق غيمة منذرة بمطر مدرار من جمال ، يتجدد قبل الهطول مرات ومرات ، يخافه حتى يوقن من رعبه فيه ، فيحتمي منه بالواذ اليه ، يرتمي في لجته ، يشهق الانفاس حتى منتصف الرئة ، ويعشق ان يركس ويموت فيه اختناقاً . تدرك أنه يسبح في بحيرة من عسل مصفى ، وبحس الانثى تزيد توهجه ، بكلمات او اشارات تضرم ما تبقى من عيدان عمره اليابسة ، بل يذهب بها المزاج الصافي الى أن تقلد (بدراً وأنيساً ) في لعبة الرسوم المتحركة ، وتمثل بصوتها الناعم دوريهما معاً ، في اشارة الى المغالطة في عد (البسكوت ) . يفرحه حد النشوة ، ابتهاجها . فيضحكان معاً ، ويعاودان توصيف كل منها لنفسه بأنه الطيب المخدوع في لعبة العد تلك . يطلب منها تكرار المقطع مرات ومرات وهي لا تمانع وتؤدي الدورين بمهارة متمرس . يزيده التكرار بهجة وهو يرى ابتسامتها تزيدها توقداً ، وتعود بها صبية نزقة تلعب كالاطفال . يتعهد بإهدائها أفضل انموذجين للشخصيتين الكارتونيتين متوفرتين في اسواق المدينة ، وإن لم يجد سيبذل الجهد للحصول عليهما عند سفره الى المدن الاخرى ، وبحجم يناسب ان تلصقا على طرفي الزجاجة الخلفية للسيارة . تعترض على ما نوى عليه : -       

  وما يقول الناس عني ؟ عجوز تتصرف كمراهقة ! -      

   وأيُ مراهقة في الدنيا تدانيك جمالاً . قولي: لحفيدك ، يحبهما وارغمك على تثبيتهما . لم تفارقة تلك الرغبة ، حتى حصل عليهما ، بعد الاستعانة بالاصدقاء الاصغر منه سناً . رفضت تثبيتهما في السيارة رغم الحاحه الشديد ، خشية ان تثيرا الانتباه الى سلوك لا يتوافق مع هيبة عمرها ومكانتها . ووعدته انها تحتفظ بهما قرب سريرها. كان خياره ، حين عاد من غربته ، التي قضمت حياد مشاعره والجأته الى الحنين ؛ الطواف في اماكن التلاقي المزدانة سقوفها بغيمة رسما صورتيهما فيها . غيمة صغيرة بحجم الكف ؛ على أمل ميت من لقائها ، يحييه الاحساس بامكان تحقق المستحيل في اواخر العمر . فرصة لعودة جزء مما كان ، أو فرصة للاعتذار ، أو فرصة للبكاء على اطلال مشاعره المذبوحة . يغافل الابناء والاصدقاء والاحبة  لينفرد بوقت يخصصه للطواف في المدينة ، بحثا عن لقاء موهوم يظنه الاخير قبل مغادرتة المدينة ، لتحتضنه الغربة من جديد : ( لقاء غرباء... مؤلم أن لا يكون البطريق في مكانه ، لابأس حز سكين في الفؤاد سيكون ، ينزف وأرتضيه  ، قد يهدأ برؤيتها ، وقد يندمل بابتسامة منها .. ) . في خصام القطيعة ، الذي غادر فيه رياض الاحبة وأسكن قلبه صومعة الاحزان ، قال لها  ، بصوت أتعبه الأرق : -        

 لو امتلكتي الاخلاص ، لكنت امرأة لا تضاهيها أنثى مما خلق الله !!. بتجهم مكسور ، كمن أمُسك بكذبة مفضوحة ، قالت ، من دون أن تؤكد الاخلاص او تنفيه ، لتترك مساحة الهرب واسعة من اجابة ترده الى رشده  ، الذي فقده طيلة الشهور الاخيرة ، الذي يدفع سلوكها معه الى القطيعة والجنون من دون سبب يفهمه: -         

أنتَ من دمر كل شيء ، هذا بفضلك وبمجهودك الرائع!!. في محاولة منه ايقاف الانهيار الوشيك ، حاول ان يدفعها الى التوضيح او الاعتذار ، على امل ان يصطنع الرضا ، ويقبل بأي شكل من التواصل مع الحفاظ على قليل من كبريائه  ، التي تتعمد اراقتها علانية ؛ قال: -        

 تَصبر انها الحرب يا قلب ، فلست محل عطف ممن تذبحك او تذبحها ، تَصبر فما هي الا حياة واحدة ، وليس لك الا سواها ، فأذبح نفسك وأجعل دمك قربانا لكبرياؤك ، فلا عطف ولا حب ولا تراجع ، فما يتربص بك يا قلب سوى احدى ميتتين : أن يذبحك من تحب أو تذبح نفسك في هواه .. اصبر ولا تجزع ، فالجبن شيمة العاشق الفاشل. كمن وجد عذرا انتظره بجزع ، قالت : -        

 أنتَ ذبحتَ من تحب.. انتهى موضوعنا ، إنك زاهد بي ولا تقدر الامور بمقدارها. أحسنت.. لا عطف ، لا حب ، لا تراجع . سر للامام ولا تلتفت خلفك . تحتفظ ذاكرته بطعم خاص لكل مكان ارتاداه معا ، ارتبط ببهجة حدث او حوار ، أو بكدر موقف أو إساءة فهم ، فرسمت تلك الاماكن ، على خارطة طوافهما في المدينة أو في مدن الاقاصي ، علامات يوشحها القلب حينا بالاخضر وحينا بالاسود. الا مكان واحد اختلطا فيه ، ولم يجد من بد ، وهو يدفع بقامته المنحنية الواهنة في دخول مطعم (ورق النعناع) ، سوى تذكير نفسه : (ما تركته من أثر جميل فينا عصفت به رمال الفراق ، شئنا أن يكون محل اٌنسنا وتلاقينا ، محل وحشتنا وفراقنا). ادرك ان المكان لم يكتئب لفراقهما ، ولم يوحشه فراق هديل العاشقين .

ما زالت مساحة الجمال فيه ، كما كانت ، تتسع لقلوب لا تتهيب التحليق في اعالي الاماني ، ولا تخشى الانتحار على صخرة الفراق : إعتاد النادل ، المغترب عن وطنه بملامحه التي تحمل هوية انتمائه الشرق اسيوية ، ممازحتنا .قد نداعب بوجودنا احساسه بدفئ عائلي يفتقده بغربته .

وقد لا يتحرج معنا بوصفنا اثنين غادرا منطقة الغيرة ، أو اننا نمثل له مثالا لزوجين لم يهلك دوران الايام ما بينهما من عشق . يؤخر الطلبات متعمداً ، نستعجله بتصنع ، يعتذر مبتسماً ليؤخر طلباتنا . يظننا نتعبد الهة الحب في صومعته ، كطاووس يتبختر أمامنا ، بزي يشبه لون القهوة ، ورق نعناع أنفاسه كإسم مطعمه ، لم يسبق له أن ضبط احدنا يلج مطعمه لوحده ، مؤكد...حين يرى احدنا لوحده سيبكي ، وحين يُسأل يجيب : اُريد ان أموت .

ولا يفصح . قد يدرك صحبه متأخراً هروبه ، ولن يترك سوى قصاصة ورق تقول : دخل كل منهما لوحده ، فتيقنت حان الرحيل . وضع يده الأخرى أسفل كوب القهوة المرة التي تمسكه يده المرتجفة ، قبل وصوله إلى شفتيه ، فزادت محاولته من اهتزاز الكوب حتى ُسكبت منه قطرات حارة على فخذيه ، أعاده بصعوبة إلى الصحن ، فاتسعت مساحة القهوة المسكوبة فيه . وهو يراها تدخل مرتدية ثوبا أهداه لها في ذكرى اللقاء الأول .

 جلست قبالته على طاولة أخرى بانحناءة بسيطة إلى يمينه ، وضع النادل الأسيوي كوب قهوة مرة مماثل لكوبه أمامها : - 

        ألم تجد ضالتك ! أم تعيش على الذكرى ! أم تنتظرني ! نحن إن أحببنا نحب بجنون ولا يضاهينا بذلك احد . أي إخلاص ذاك الذي يدفعك إلى حماقات لا تليق بنا ؟ الروح ترخص للحبيب .

-         أتأسف عليك .. تمنيت أن تكوني لي من دون منازع ، وان كان ملك الموت ، كي تتكاملي كأنثى وحبيبة وزوجة.. هيهات .

-         ألم أقل لك من قبل : انتهى موضوعنا ، أنت زهدت بي ولا تقدر الأمور بمقدارها... سر للأمام ولا تلتفت خلفك .

-         (ورق النعناع) قصة نكتبها الآن معاً .

-         بالتوفيق .. صرنا قصص تتونس بينه الناس؟ مدري يبجون لو يضحكون؟ طبعاً... لك أن تستهزئ ، فأنت لا يعجبك العجب .علراحتك!؟ نادا ، في وقت واحد ، على النادل الأسيوي المتربص لإشارة منهما على غير عادته في تأخير طلباتهما ، طلبا قائمة الحساب ، وضع القائمة أمام طاولتها بأناقة وهو يستغرب بعد المسافة بينهما ، وحين ناوله قائمة حسابه ، كانت قد نهضت من على كرسيها ورفعت حقيبتها من على سطح الطاولة .

 دس النقود في القائمة ونهض . مضى كل منهما في اتجاه ، وصدى (سر للأمام ولا تلتفت خلفك ) يتردد في المكان .  

حسن كريم عاتي


التعليقات




5000