..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سرّ الشبابيك المفضوح

وائل مهدي محمد

قبل ليلة النصف من شعبان بنحو أسبوع عشنا خميساً لا يتكرر .. الأستاذ حسين - مدير مدرستنا و مُدرّس حصّة التأريخ - رأيناه لا يستقرّ خلال الإصطفاف الصباحيّ .. لائباً، مُضطرباً، يصطبغ  وجهه بصفرة مَن يعانون اليرقان أو النوازل.

وكنّا نعرف السبب بالطبع، لكن جهلنا يدور عن كيفيّة ردة فعل الأستاذ وتوقيته، ولم يخطر ببالنا أبداً أن تتعاقب الأحداث مدوّية فتعلق بالذاكرة دهراً كما حصل فيما بعد.

الخِربة وما يدور من أعاجيب حولها كان السبب. أصبح مَثَلها في مدينتنا كمثل عاهة تثير فضول الغريب، لكنّها عند صاحبها حيث أزمنت تجدها لا تُشاغله إِلَّا  في مناسبات ومواسم مُعيَّنة .. ولمّا كانت العاهة حقيقة والحقيقة تقصم الظهر إن هي عرَّت متزمّلا برداء غيره، لذا انتهج البعض مبدأ المرواغة بخصوصها لقلب الحقائق؛ كتعويض للخسارات أو سعياً لتحقيق ذات خائبة.

شهادة أبي وغيره مثلا ينكرها الأستاذ بشدّة .. يصفها بالهراء .. بل تجده  يسخر من قائلها ويهينه بشكل رخيص، مُضيفا لأعداءه الكُثر عدوّاً جديداً .. وإذ أتكلم هنا عن تجربتي الخاصّة؛ فلا أنكر عليه تَمتّعه بإحترام الأهالي رغم كثرة الذين لا يطيقونه.

أعاد أبي روايته بحضوري خلال ألف مجلسٍ حتى درختها عن ظهر قلب، وكثيراً ما أسعفته اذا فاته حدث أو نسيَ جزئيّة .. أصبحتُ راويها ..  صحيح  إنّه  يضيف ويحذف وقائعاً جديدة كل مرّة، لكن الشهادة لله بقي دوماً أميناً لنسختها الأصليّة  .. باختصار:  هاجم مجموعة من شباب مدينتنا خربة الرّذيلة بسبب اختفاء نسوة شوهدن آخر مرّة  يسرن كالمنوّمات قربها متبوعات بالشيطان .. إحداهنّ كانت إبنة صديقه الحميم، سُحِرت ليلة زفافها .. أبي أحد أولئك المُهاجمون وأحيانا هو قائدهم .. وقع الهجوم إبان ربيع عمره .." مَن أفسد بنات البيوت وسَخّرهنّ لغاياته الخسيسة غير المُنحطّين هؤلاء؟" ، يتساءل أبي، فأوافقه الرأي .. هاجموهم إذن  صوناً للعِرض وذوداً عن حرمة الملح والزّاد .. كنت أنتشي  بكلماته وأزداد به  فخراً، بالذات حين يتخلل الرواية لكمات  في غمرة الإنفعال  تتخطّف الهواء وقبضات قويّة تُسدَّد لأشباح يراهم وحده وأتخيّل بدوري إنهيارهم، فأكتظّ  بعدها حماسة  باحثاً عن ضعيفٍ بين الأقران أهيل بطشي عليه..

لعلي بإعترافي الآخر أكسب الثّقة هنا! .. عرفتُ أبي  كسيحاً منذ الولادة، مُعتلّ الصحّة، لا يفارق جيبه بخّاخ الأوكسجين، رغم ذلك آلمتني أمّي عندما سألتها  صولته فأجابتني بقهقهات رنّانة أسالت دموعها ..

تختلف روايته عن سكنة الخِربة وتتنوّع  بحسب أجناس الحضور والمزاج المُهيمن، هنا نقطة الإبهام التي لم أتوضّحها  مُطلقاً .. فحيناً يصوّرهم أناساً أشراراً  فأتخيّلهم  كقطاع  طرق يتخفّون بعد انقطاع السُبل، وتارة أراهم جاناً وأشباحاً غضب الرحمن عليهم يوقعون بالبشر ويزيّنون له الرَّذيلة.  لكنّه رواها  مرّة  وصدَّقه  شيخاً يعرفه فجاء سكنتها  سحرة مشعوذين  بحسب الرواية ..

عموماً، أيٌاً كان النصيب من صحّة القصص  فسأوجز الحقائق التي لا تقبل  التشكيك وأترك ما لا أدريه .. الخِربة  موجودة فعلا لأنني أراها كل يوم .. ولا أشكّ لحظة بوجود ساكن فيها، لأن تغييرات حولها تحدث وضوء ينوس داخلها بعض اللّيالي .. أمّا عن ساكنها  أو ساكنيها أبشر أم شبح أم حيوان، فلا إجزم بشيء، وأيّاً  كان النوع  أيضاً فهو صاحب خُلق شرير ونزعة  شاذّة .. لماذا يعتزل الناس إذن  ويأبى مُخالطتهم؟.  أسئلة كثرة تشغل الجميع  والإجابات ليست عندي.

هراء، ردّ الأستاذ حسين على رواية أبي يوم حكيتها دون ثالِث بيننا .. لمَ لا تترك مآثر صلاح دينك الأيوبي؟، أضاف بسخرية .. فأبو العرجة العاجز عن ذبح دجاجة يستغبيك بخزعبلات حروبه مع الجان والغيلان، لا تصدقه يا عزيزي .. ولا أصحابة المجانين ..

بدون رحمة أهانني يومها وجعل العَبرة  تخنقني، لماذا ينتقد شخص يدّعي المعرفة غيره  المحكومين  بظروف بيئتهم؟ كم تمنّيت لو ابتلعتني الأرض لحظتها  بدلاً من هوان وقفتي  أمامه.

يُعرف عن الأستاذ بأنّه انتمى لمجموعة لا تخشى لقاء ربّها .. هتفت حنينها السَدومي  الفاضح ً بين الطُرقات دونما احتشام " بعد شهر ماكو مَهر، القاضي نذبه بالنهر "، هذا ما أخبرنيه أبي وأكّده غيره .. حسناً فعلت الحكومة وقتها حين أودعتهم  السجون والقبور والمَنافي، كُنت أداري ضيمي برأس مطأطىء بينما الأستاذ يعتذر اهانات خلّفها على وجهي البليل .. لقد أخذت تصميمي الحتمي لتعريف هذا الكافر المُكذَّب عند انتهاء المدرسة! .. قررت  أن أبنشر عجلة درّاجة إبنه الهوائية بمسمار أدَّخره للشدائد.

 

                                             ***  

تقع الخِربة على جنح  كثبة طميسة يحيطها  القصب، ليست ببعيدة عن النهر  الممتدّ  شمال مدينتنا. عدة قوارب صيد تالفة أرساها مالكيها قربها قائلين لبعضهم سنعود، ربما إيماناً  منهم  برجعة الروح للأمكِنة، فتجاوزهم الزمن بنخرها وإغراقها ليُضيّع بذكرهم وذكِراهم الأثر  ..

أقرب طريق للنّهر هو اجتياز السوق القديم المسقوف ثم تسلك درباً  ترابيّاً  مُحاطاً بجدران طينيّة سميكة لبساتين نخيل يتلقاك بعد السوق مباشرة ويتعرّج بمسارك نصف ساعة مشياً. أما نحن الذين نسكن تلك الأنحاء فنأخذ نفس الدرب بإتجاهه المُعاكس عند ذهابنا  للمدرسة التي تقع جنوب السوق.

 إمّا أوَّل مَن استوطن مدينتنا كانوا قبائل كُرد مهاجرين في عهد لم نتحقق تأريخه، يقول الأستاذ حسين .. وهم الذين أطلقوا عليها تسمية أرادوها الأرض المالحة على أمل درء عيون الحسّاد عن خصوبتها. أحبّوها كثيراً، يقول .. أحبّوا دجلتها وغابات نخيلها المُترامية، عشقوا براريها التي تعشب بالقطن فتصبح  كعروس مهيبة من ندى  تتحنّى بالأخضر.

لكن متى أمن صاحب التعاويذ غدر العساكر ونحن ندشّن عهدنا الجديد؟ .. العهد الذي يدمر الإنسان نفسه  بنفسه  ويزيّن فاقد الشرف فيه صدراً بأوسمة الشرف لأنّه مارس الرذيلة مع زوجة إبنه الجندي حين ضبطه  في إجازته الأخيرة مُتلبساً بالعار فأرداه الزاني بالرصاص قتيلاً مُدّعياً فراره من الجبهة وتخاذله .. حدث ذلك في مدينتنا هنا ولم نصدّق ما يجري، يُكمل الأستاذ بسُحنة هي للميّت أقرب منها للحيّ .. بعدها توالت البلايا، استمكن الظلم وتنوّعت الحروب الغبيّة .. يوماً سَحَلت البساطيل من أعالي الجبال أبرياء القرى، أخلاف أولئك الذين عجنوا لُبنات المدينة وحفروا أساساتها، ساقتهم الى غرف بالبساتين أوصدت عليهم وخنقوهم  بغاز السارين والخردل على مرأى عساكر فرحين بانسان يهبط  أمامهم ثم يذوي  ويتفسّخ.

 

                                             ***

لا أدري كيف تدبّ سيرة الخِربة في أوصال المدينة  و تدور بها الألسُن فجأة كعلكة لا تزدريها الأفواه لفترة، حقيقة لا أدري .. لكن الثابت هو أن يستجدّ حدثاً نتناوشه  بحاجة الغريق للهواء فنمج سيرتها الى حينٍ قد ينأى أو يدنو لكنه يعود دوماً.   

سألت أبي مرّة عن القسم المُهدّم عند ضلعها الأيمن، ذاك المُلفّق بألواح خشبية وأكياس خيش وغيرها، لا عِلم لي بفاعله، قال، رأيتها طوال حياتي قبيحة كما هي. لكنه روى قصّة بخصوص  آثار سُخام تلطِّخُ  مدخلها .. قصّة لا يمكنني نسيانها  لمّا ارتبطت  بموقف حدث لأختي ذات الثلاث سنوات حين كانت تتمرّغ حولنا لاهية  خلال الرواية ..

صحونا على مجاميع ذباب فضّية لا قِبل لنا بها تتعنقد وتطنّ فوق الرؤوس، لم نعِرها بداية انتباهنا، لكن الأمور أخذت تختلف  عندما  أضحت جحافل منها تتكتّل، هجسنا خيفة وتشاور الناس بالأمر ..  ليت لعذابنا حدود يا ابني، ويا ليت المصيبة انتهت عند الذباب! .. فغيوم الذباب التي  كادت تحجب شمس النهار أخذت تتبرّز عفناً يجتث من الجلود نصيبا ً لا بأس به  كما تفعل صنوف حبّة بغداد - داء الليشمانيات - بوجنات الخلق وانوفهم .. أعوذ بالله، وأشعل سيجارته العاشرة .. كان تأثيره على الأَنْعَام كالجرب وأباد المحاصيل كما يبيدها الجراد! ..  قال قائل منّا، هبّوا الى خِربة السوء وانظروا بلوانا! .. رأينا بأم أعيننا أسراباً تحوّم هناك، تحطّ وتقلع وتملأ الدنيا أزيزاً ودماراً .. هنا خلِص بأهل الهِمَم القرار، إحرقوها  لإنقاذ الأنفس والحلال، قالوا.

تلاحقت أنفاسه  وخسخس صدره فناولته بخّاخ الأوكسجين للتخفيف عنه  وعن أختي التي استشعرت مناخاً لا يحتمل اللّهو فالتصقت بي مُقرفصة تحملق بأرجاء الغرفة .. جاء صوته أضعف ولمحت نظرة حالمة تسترجع ذكريات بعيدة مؤلمة، آه  لو لم يكُ ذاك اليوم عاصف الريح، آه .. لختم الشباب بإحراقها محنتنا!، يتابَع .. ألم يفعلوا؟، سألته .. والظاهر أني أجفلتُ الطفلة لأنّها شهقت وابتعدت قليلاً .. على محياها رأيت  معالم الإرتياع  والحيرة بادية  فأشرت  لتغادرنا كي أستفرد بالقصّة دون منغّصات، لكنّها حرِنت .. تمترس بعض الشبّان مخافة البراز القاتل بينما الريح يصخب، ألقوا بزجاجات النار وسط هتافات المتفرّجين وتشجيعهم، لكن وا أسفاه .. إحرقوها إذن، مرحى مرحى؟ رددت منفعلاً .. كنت أستحثّه التعجيل  وأنافقه مخافة حدوث ما لا يحمد عقباه  لو غَضِب، فكثيراً ما يضربني و يطردني حين تُحاصره أسئلتي ..  الذي حصل لا يصدّقه أحد!، قال متشجّعاً .. لكنّي أصدّقك، مالذي حصل بعدها؟ .. طجّت ولّاعته بسيجارة جديدة .. جُنّت العاصفة حين التهبت الخِربة، قال، وأخذت الحِمم بإنفلاقاتها تُطاير الّهب بعيداً للسماء، أمّا الشرار فيقصف كأنَّما عن قصد بيوت الناس القريبة .. لماذا تضحك؟، نهرني وهو يمتصّ أنفاساً نهمة من سيجارة التوت جذوتها للأسفل .. تحوَّلت الناس عن هدفٍ تجمّعوا من أجله هل تفهمني؟.. أخذوا يتنادون مخافة احتراق البيوت، بدأت البلبلة تعمّ  والشباب الأشاوس في نكوص وتشرذم  يتقافزون بالاتجاهات الستة  والنساء تعول .. هرع  الجميع لما تيسّر ينقلون التراب والماء به لإخماد الحريق .. آه لو رأيت حالتهم وقد أصبح  الرجال أشبه بمُهرّجين تتقاذفهم مهانات وملامة .. أقول لك لا تضحك! .. ثم سحب نفساً حسبته لا ينتهي أودعه  رئتيه وسكت .. بقيت أنتظر .. عبثت أصابعي  بنسيج السجادة  تزجية  لفاصل صمت حسبته  طال أكثر من اللآزم .. كانت أختي توزّع نظراتها بيننا بالتساوي .. جعلتُ  سبابتي والوسطى ساقيّ لص يجسّان السجادة  بخفة  ويمتدان  بحذر خبيث نحوها لأداعبها قليلاً بعد خَرس الوالد .. كركَرَت الصغيرة  للخطر ورفعتُ عيناً أستطلع الحال فتشابكت بعينيه .. ما هذا؟ .. شخصت أمامي مقلتان بلون الدم  لا تطرفان ونظرة تحسبها لمجنون ينتوي الانقضاض عليك، ذهلت .. هنا حدثت الكارثة الحقيقة .. زفر منخاراه دخاناً كثيفاً كما تفعل مداخن قطارات الفحم الحجري في أفلام الكاوبوي .. أعادتني للواقع صرخة أختي الراكضة  بذعرها صوب المطبخ .. أرجعتني لواقع  مرٍّ لولا العيب لتبعتها بالهروب منه .. هنيهة حين استعدت نَفْسي  رأيتها تُخرج رأسها من خلف أمّي التي جاءت لمعرفة المُتسبب بالأذى .. كانت أختي تهنهن وتشدّ ثوب أُمِّي .. كنّا أربعة داخل غرفة جعلتها سُحب الدخان كخِربة أبي يوم الحريق!

أقسم البعض أغلظ الأيمان سماعه أصواتاً تأتي من داخل الخِربة تسخر من المهاجمين  شامتة .. وآخرون سمعوا مَن يتحدّاهم ويتوعّدهم بالإنتقام وإحراق المدينة اذا لم يكفُّوا تطفّلهم .. ثم سألني، هل رأيت سفالة وقلّة شرف أكثر مما رأيناه؟!، وأناب عنّي بالإجابة، مستحيل.

 

                                          ***

للخِربة مواسم .. على أعتاب شعبان كنّا حين بدأت العقابيل تلوح  .. متوهّم مٓن ظنّ فلاناً نفس الذي رَآه  يترنّح مُتعتعاً البارحة ولو تطابق الشَّبه تماماً  أو حمل ذات الإسم في الهويّة .. ففلان نعرفه جيّداً  ونعرف مدى تقواه! أليس كذلك؟ .. وما الشخوص النُسَخ سوى مكر أشباح الخِربة الذين ألهمتهم دناءتهم  بِدعة جديدة للتنكيل بالوجهاء .. يتلبّسون صفاتهم ويأتون المُنكَر  نشداناً لتخريب الأخلاق والذمم.

الموسم يلج العتبة إذن .. هذه الأقاويل كُنتَ تسمعها بعد الإيقاع برجل مشهود بالفضيلة والصلاح خارجاً منتصف الليل من دار فجورٍ بحالة يرثى لها ورائحة خمرٍ محلّيّ رديء تعبق بجنباته وتزعج خياشيم المؤمنين الى مسافة  فرسخين.

الأستاذ حسين  ينفي  الأدلّة  بإصرار .. سمعناه يجاهر بأن الرجل لا يتعدّى عربيد  مُتهتّك  يستحمر الناس بجلباب روزخون  فضفاض، أخزاه الله فبانت عورته  .. وناهب المال العام والبنوك هو نائب المُختار نفسه .. هراء، يصف  كلام الناس ويشيع، كيف التبست عليكم الأمور فتساقون بالحنديرة  وحدها كما  تساق البهائم المستسلمة  للمسلخ الذي يراد لكم؟ .. كان الأستاذ  يتّهم  بحادثة اشتعال البيوت  جهات تُرتّب لإنتزاع الأراضي بثمن التراب من أصحابها .. ثقافة الحمرنة الجماعية  يصف  ظواهر الماورائيات،  ناصحاً  الناس بإختيار الخازوق المنجور بعناية اذا لم يجدوا غير الخوازيق مجلساً لهم .. يقول أيضاً، تكلفة استئصال بواسير أحد بهلوانات المختار كانت تكفي لإنشاء محطّة كهرباء للمدينة لو تعلمون.

لكن الأمور المُحتَمِلة الى هذا الحدّ  بالنسبة للأستاذ حسين بحكم ادمانه الجدّل المكرور اضطربت وجاء خروجه عن طوره لسبب آخر غير فجيعته بدهس ابنه ورميه مُهشّم الساق بعد فرار المُتّهم  من ساحة الجريمة ..

دهست الإبن سيّارة فتعرّف المتواجدون على الفاعل الذي  ترك ضحيّته يحتضن تراب الطريق فأنقذوه .. أصرّ الأستاذ لإحقاق الحق  ولتأخذ العدالة مجراها ولمَ يقبل بالحلول التقليديّة رغم النصائح،  كأنّه ليس ابن بلد يحمل القاتل فيه تابوت القتيل ويقيم له سرادق المآتم .. ولمّا كان تجاوز المألوف والشائع عندنا من الكبائر خرج أستاذنا بخفّي حنين كما يقال بعد شكواه ضد امرىء  تراصّت  نجوم السماء والسيوف والتيجان البرّاقة على كتفيه، وتحمّل دَمغة إنقلاب شهوده الذين أنكروا أقوالهم  بروح رياضيّة، ليبقى نهاية المطاف متماسك العود يتابع حُكم القاضي ببراءة الجاني ويراقب تملّص الأعوان بإبتلاع الرّيق ومسح دهن الوجه ..

عصر الأربعاء  زاره إحد وجهاء المدينّة  تلبية لنداء الواجب وطمعاً بثواب حسنات فعل الخير، نفس الوجيه المُشهَّر بسمعته في الماخور .. أخيراً أسرَّ  الضيف العفيف وبالكلمة الطيّبة عن هواجسه الخاصّة لإحتمالية تورّط زمرة الخِربة  بالحادث .. فلربّما  استطاع  شبح  قيادة عربة تحمل  مواصفات ما يمتطيه الجنرال .. أين الغَرابة ؟ .." ها عمّي شتگول؟! " لكن كلمته الطيٌبة لم تجني صدقة ولا دفعت عنه بلاء، فصاحبنا لم يعد يحتمل المزيد، وهاج كالممسوسين ليشجّٓ ببالغ الأسف إستكان الشاي جبهة فاعل الخير.

كنّا قد أنهينا مراسم اصطفافنا صبيحة الخميس والأستاذ مخبولاً لا يستقرّ له قرار .. أوشكنا بدىء السير نحو الصفوف  حين صاح، مكانكم!.. وشّت مكبرات الصوت  لشدِّه العنيف على مخارج الحروف وأحدثت أصوات صفّارات حادّة  مزعجة كالأسياخ تخترق المسامع .. اليوم سأعطيكم درساً عمليًّا  تنهونه  وتتوجّهون الى بيوتكم بعده .. فرحنا كثيراً وصفّقنا للعطيّة الثمينة ..

بعد نصف ساعة كانت الأزقّة التي تنتهي  بالسوق، والسوق نفسه، والدرب المسيّج بجدران طينيّة نحو النهر تئنّ  تحت  أقدام  حوالي  ثلاثمائة وخمسون من الطلاب يلهبونها  راكضين .. بَعضُنَا يحمل مجارفاً  أو معاولاً  اختطفوها من بيوتهم القريبة  وآخرون بأيديهم  الفؤوس، رأيت من يسحل خلفه قضيباً حديديّاً أو عصا مكنسة  .. والذي يخشى أباه  مثلي رأيته يتراكض أعزلاً مندفعاً بفضوله وغرابة أعجب تظاهرة تشهدها مدينة.

عند السفح وقرب الخِربة رأيتُ  كلاباً سائبة تستظل، نبحت لإقترابنا .. فاجأتها جحافل جيش دونكيخوت، لكنّها ولّت تدس أذنابها بين الأفخاذ، متلفّتة وهي تخلي  صاغرة لنا ساحة المعركة ..

قبل أن ينتهي مزاح الأستاذ حسين ورفاقه الذين رافقوا الموكب مع عدد من المدرّسين كانت الخِربة قد دكّت بالأرض تماماً  والمئات يتزاحمون لتفتيت طوبها المتناثر هنا أو حجارتها المُتهشّمة هناك.

                  

                                                ***

ليلة النصف من شعبان .. نهر دجلة الأبديّ يتمدد بين بساتين مدينتنا وأمواجه الرخيٌة تُأرجح ألواح خشب تحمل شموع أمّهاتنا وأدعيتهنّ بالخير وحسن العواقب، تُهاديها نحو ضفاف الإستجابة الأكيدة، تأخذها حيث تُقبل النذور وتقرَّ الأعين. هناك أيضاً بدر ساطع بلون العظام يملأ الفضاء بالسَّنا من رُكن السماء.

عجّ الشاطيء بالأهالي ودارت صحون الحلوى والمجاملات في حلقات بشرّية تتوسّطها الفوانيس واللّوكسات .. كرنفال البهجة وبوس اللّحى قائم على ساقيه    الليلة .. شباب جريؤون يعومون في النهر لجذب انتباه الصبايا والفوز بنظرة إعجاب أو ابتسامة، والمعقّدون منزوين بظنونهم لتذكية  حلم يقظتهم بحبيبة  تراقبهم من ناحية خفيّة وتتلظّى عذاباً بهم وهياماً! .. الكلّ هناك ..

أُمِّي المحتارة بأُختي أراها بين نسوة جارات  وصخب أطفال لا ينتهي، وأبي  يعسكر مع خمسة  أصحاب أزليّين يلتفّون دائرة ينيرها لوكس يفسُّ.. وكنت أنا  الطائر البرمائي  أينما وليت وجهك أكون، يغمر البلل بنطالي  الى المحزم وحذائي المُتخلّع  خلفي يجصجص.

ناداني أخنّ أعرفه  يتربّع في حلقة الوالد  فذهبت اليهم كارهاً حالي .. بادرني أبي، سلّم على أعمامك مشيراً بطرف عينه لجهته اليمنى .. تنحنح شيخ  بتزحيف مؤخّرته العريضة جانباً لإفساح رقعة لي وقلّده أبي حركته للناحية الأخرى، فوجدت نفسي أسلّم  وأقعي.

لا يحتاج مثلي لكثير فطنة ليعرف أن مشورة هنا وجلسته فيها ستطول، فَلَو كان الأمر توبيخاً لنلته فور وصولي  وأعتقوني ..

صاح مجدورٌ يتربّع  قبالتي  بمحض قعودي وكان ضعيف السمع على الأغلب لأنّ صوته جاء عياطاً، هل شممتم رائحة حين هدمتموها وهل هاجمكم ذباب؟، قال رائحة ومثّلها بتكوير أصابعه  كمشبك يتمسّك طرفه لقمة  أخذ يبعدها و يدنيها بسرعة عن أنفه كمن يحاول دَسَّاهَا فيه .. إستحسنت فعلة أصلعاً بجواره  أسكته وهو يشيّع أمام الوجه المجدور ذراعاً ممتدة يحرّكها ليريه الجموع حولنا  وختمها بمدّة عنقه  مُعامداً سبّابته على شفتيه، هوششش .. فهم المجدور المراد وخَنس، لكن نظراته ظلّت تحاصرني وأن خفَّ شعيعها وبدت تتماوج بين التوسُّل والشراسة كعيون الحوامل ساعة المخاض وأصابعه المتجمّعة استمرّت بحركتها الدؤوبة، ريحة ريحة، أكو ريحة؟، يفحّ بصوت يتصوّره همساً.

لم يكلّمني أبي كثيراً حول واقعة الخِربة التي حدثت منذ أسبوع  .. أسمعته الحكاية ثلاث مرات فقط  وعرف بدور الاستاذ حسين الرئيسي فيها و تنبّأ له بحادث سوء جديد .. لكنه أصغى جيّداً لذكر الكلاب السائبة  ورغب بتفاصيل أكثر لم يك في جعبتي منها الكثير بسبب موقعي المتأخر فخيّبت ظنّه .. سمعت الرجل الأخنّ الجالس الى يسار أبي يسألني اذا شاهدت في تلك الأنحاء امرأة بثوب مُمَزَّق تلطّخَ بالدماء وأثر صفعات وكدمات على وجهها؟  فإحترت الإجابة ..  ونسي مَن كانت مسبحته تطقّ  جنب المجدور فضيلة الصمت  فسألني عن  طفل منغولي اذا صادفني! أجبته بالنفي ..  لحظة أحسست بكف صاحب المؤخرة تمسح شعري سمعته يقول بحنان صادق، يا ( حبّاب ) أنا مثل ابوك - وَمِمَّا سأناله بعد قليل سأتعرّف متانة  هذي العلاقة  وأصالتها - هل رأيتم  جاموسة شهباء؟ أجبته بدون تردد، كلّا، كانت الخِربة فارغة .. قال أبي بغضب، والكلاب! ألم تقل أن كلاباً وحشيّة نبحت عليكم؟ .. شرحت لهم موقعي وقت الهجوم  وبأنني رأيت ثلاثة أو أربعة كلاباً ضالة هربت .. لكنّهم تبادلوا نظرات ذات معان و إهتزّت بعض الرؤوس دلالة الوقوف على أصل الخلل الذي أقسموا اصلاحه الليلة دون تأجيل فاستبشرت خيراً وتمنيت الإفلات على وجه السرعة .. سألني الأصلع عن عدد الكلاب وألوانها ولأي جهة كانت تلتفت بالضبط! عجبت هذا الإصرار غير المفهوم  والاهتمام بالكلاب فشُغل ذهني ثانية!؟ لمحت كلبين أو ثلاثة، قلتُ .. لكن قبضة جهنميّة  أمسكت ساعدي  خطفاً وأخذت تلويه الى الخلف لتجعل الأرض ملاذاً أنتهي  طريحاً  عليها أتلوّى وهبَّ يعلوني بنصف وقفة كالمصارع يشدّ  ذراعي الأسير للأعلى فشعرت بكتفي ينخلع .. الآن قلت أربعة كيف تُنقص كلباً بسهولة   يا إبن الـ (...)، كان هذا صوت صاحب المؤخرة يشتمني وأنا مسجيّ  وخدّي لصيق الطين وعيناي بعينيّ المجدور الذي انحنى فوقي  بأصابعه  المضمومة التي تتناوب على أنفه .. ريحة أكو ولَك، ريحة نقول لَك ..

اعترفت بالكلاب العشرة  ورؤوسها الآدميّة .. والرائحة النتنة شممتها  مع زخّات خراء الذباب، ورأيت مفعولها القاتل لحظة  أفقدت الطلاب المتقّدمين صوابهم وجعلتهم  يفرغون جوفهم  بينما الدماء تندلق من آذانهم وعيونهم  فتأتي الجواميس بألسُن مشقوقة تلحسها .. المرأة المصفوعة هائمة كانت تحمل على كتفها طفلاً معوّقاً منغولي يأتيان حفرة ولاحظت أشباحاً يهيلون التراب  ليقبرونهما أحياء ..  

اختلطت الأمور تماماً، فالجميع  يصيح  ولم أعد أميّز المطلوب منّي بالضبط لأَنِّي مثلهم ملأت الدنيا بالصراخ.

سمعت الأستاذ حسين يضرب ويسبّ .. جاءني صوت بكاء طفوليّ أعرفه ثم أحسست بيدٍ تسندني لأقف، شممت بعدها رائحة أُمِّي وسمعت صوتها يقول، الله لا يعطيكم العافية.

 

تغيّرت الدنيا فجأة، انقطع الضجيج، انطفأ البدر والنهر غار .. وهاوية  بلا قاع تبتلعني وتطبق عليّ الظلام.

وائل مهدي محمد


التعليقات




5000