.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (46)

د. حسين سرمك حسن

 تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

---------------------------------------------------

  

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .  

الأجنحة: 

       الطفولة المغدورة  

----------------------------- 

(                   بعدما 

                       أنهى العشاءْ ، 

                    رفعتْ صحنَ الغمامِ الريحُ عنْ 

            مائدةِ الياقوتِ في 

                       بيت المساءْ ) 

وحتى الآن احتقنت ارواحنا بالأسى والحزن ، وامتلأت قلوبنا قيحاً من غلّ الإنسان ووحشيته وعدوانه على أخيه الإنسان من جانب ، وعلى الأرض الأم التي أنجبته من جانب آخر . في نصوص قليلة من القسم السابق "السيرة المسائية لابن الصباح" بدأ الشاعر يحقن عروق حيواتنا اليابسة بشيء من الأوهام والآمال الشعرية المنعشة . إنّ كل ما يجري حولنا من حوادث ومتغيّرات وعلاقات تشي بالنهاية السوداء ، وبتصحّر الطبيعة والقلوب والعواطف ، ولا أمل في الأفق قريب . وطغاة هذا العالم وكهّانه وبعض فلاسفته وعلمائه "التافهين" يريدون إفساد حياتنا الباطنة بعد أن افسدوا الحياة في الخارج كلّها ، وجعلونا عبيداً للعقل الجامد المؤلّه من ناحية ، وللآلة وعالم الحديد القاهر الفظ من ناحية ثانية مكملة . العلماء قدّموا خدمات إعجازية للحياة ، لكن علماً بلا حدود .. بلا إله .. بلا روح خلق الكثير من المفاسد . وأوّلها إفساد أسرار الحياة التي تعتاش عليها أنفسنا عن طريق كشف آلياتها الفسيولوجية . حتى الحب يقولون أنه خاضع لحوامض أمينية مجهرية في شحمة الدماغ ، في حين أنّه بالنسبة للعشّاق والشعراء مشكلة وجود ، وسرّ حياة ، ولغز إلهي . خذ محنة "الموت" - مثلاً - التي تقضّ مضاجع جوزف حرب وترعبنا جميعاً . لقد حوّلوها من "سرّ" إلى "مشكلة" كما يقول الفيلسوف الفرنسي "جبرييل مارسيل" . والفارق بين المشكلة والسرّ أن الأولى منهما شيء يلتقي به المرء من الخارج فيقف حجر عثرة في طريق تقدّمه ، في حين أن الثاني منهما هو شيء يتلبس بنا ، ويغلّف بغموضه صميم وجودنا ، فلا نملك أن ننظر إليه من الخارج ، لأننا مرتبطون به مندمجون فيه . وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الموت سرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا مادام وجودنا وجوداً زمانياً متناهياً يسير نحو الفناء . وعلى الرغم من أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يرقى إليها الشك ، إلا أنه في الوقت نفسه السر الوحيد الذي هيهات للعقل البشري أن يتمكن يوماً من إماطة اللثام عنه ... فليست فكرة الموت هي الأصل في كل تساؤل ميتافيزيقي فحسب ، وإنما هي الفكرة التي تخلع على شعورنا بالحياة كل ما له من قيمة وأهمية وحيوية . وآية ذلك أنه ما تكاد فكرة الموت تغيب عن أذهاننا حتى تستحيل الحياة في نظرنا إلى مجرّد عادة أو ملهاة أو تسلية (83) . أما العالِم فيأتي مترهيّاً ليفسد هذا السر العظيم بكل بساطة ويقول إنه عبارة عن توقّف القلب ، وانقطاع موجات الدماغ الكهربائية . هكذا يحل السرّ الذي انشغلت به البشرية منذ مئات الألوف من السنين . وكيف سيقنع قلب الأم المرتجف والنازف أمام جثة ابنها الوحيد ؟! أو الحبيب الراكع أمام قبر حبيبته تتساقط عليه دموعه ؟  لم يبق لنا سوى الشعراء يحافظون على هذه الأسرار العظيمة ومنها أيضاً الجمال ، والحب ، وعذوبة الأمل بل الوهم ، وروعة الأبدية ، وروح الطفولة ، ورمزية الأمومة والخصب وأنسنة الطبيعة .. وغيرها من الركائز التي إذا جرّدنا العلم منها – وهو يسعى حثيثا لذلك وحقق الكثير على هذا الطريق – فإن هذه الأرض وهذا العالَم ، سوف يتحوّلان إلى ما يشبه "مدينة النحاس" التي تحدّثت عنها سيّدة الحكّائين "شهرزاد" في "ألف ليلة وليلة" . 

في هذا القسم ، "الأجنحة" ، يشغّل جوزف حرب أجنحة الشعر لتنقلنا من ما هو أرضي إلى ما هو سماوي متخفّف من تلك الأعباء اليومية السقيمة ، ويضعنا في مركز عملية الخلق حيث كل الموجودات تمتلك حساسية المشاركة الوجدانية بعيداً عن العزلة الإغترابية المقيتة ، ويلفت أنظارنا المضببة بالحركة الآلية العارمة ، إلى مواطن الجمال التي نسيناها ، وعلاها الصدأ ، وأماتت دهشتنا بها أتربة التعوّد والإلفة البليدة . في هذه النصوص يفلح جوزف فعلياً في إيقاف حركة الزمن الجارفة التي تخلخل كل لحظة أركان وجودنا ، ويوقفه ليوفّر لنا لحظات نمسك بها بروح الأشياء ونتأملها و"نشبع" من حضورها الثابت بعيداً عن تهديدات عجلة الزمان المسنّنة . يحرّك "أجنحة" الموجودات التي قصقصتها النظرة النفعية المادية المباشرة ، ويطلقها لتحلّق ، وترفع رؤوس أرواحنا معها نحو السماوات والأعالي ، بعد أن تعودت على التنكّس بفعل القهر واللهاث وراء الأرضي والبشري الدبق . يطلق هذه الأجنحة بدءاً من مقطوعة الإفتتاح القصيرة "عشاء المساء" :

(                   بعدما 

                       أنهى العشاءْ ، 

                    رفعتْ صحنَ الغمامِ الريحُ عنْ 

            مائدةِ الياقوتِ في 

                       بيت المساءْ – ص 1177) .  

إنّه يذكّرنا الآن بالمقطع الأول من النص الأول "الرائعة" من ملحمته هذه حيث "السيّد" يده ريحٌ ، وطاولته سواد الليل ، والأوراق غيمٌ عن يمينه ، قربها أقلام صندلةٍ ، ومحبرةٌ تقطّر حبرها الكحلي من ماء البنفسج (راجع الصفحة 11) . لكن الخلطة الصورية هنا أكثر إدهاشاً وحركيّة . "هم" في ما بينهم يخدمون أنفسهم ، كلٌّ من جنس الآخر و "طبيعته" . وحفل العشاء هذا هو الحفل الذي لا يمكن التقاطه بأي كاميرا علمية مهما كان تطوّرها ، ولا يستطيع أي عالم اجتماع تحليل علاقات أطرافه . والمشهد يتكوّن من حركتين : إنهاء المساء لعشائه ، ثم رفع الريح لصحن الغمام عن المائدة .. ترفعه لتعدّه لفعل كوني ضروري آخر . والغمام الأبيض الذي تراكب على مائدة الياقوت هو المشهد الذي أسقطته عذابات الحياة من مسرح ذاكرتنا . نحن متعبون فعلاً .. والشاعر يعيننا على أن نعود إلى حالتنا كموجود ضمن شبكة أرواح شفيفة منسجمة ومتناغمة ، وليس كعمّال وموظّفين منهكين ومسحوقين طفرت أرواحهم من قهر العمل وعناءاته ، ويريدون الوصول إلى سرير النوم ليناموا ويستعدوا لدورة استنزاف جديدة لقواهم . إنّ الشاعر يسحبنا من مسيرة الرتابة الآلية إلى لحظة خلق يتجلى فيها الله حيث نشاهد – ولأول مرة – سحر جلسة عشاء المساء لنقارنها بطقوس عشائنا الأرضي العجول والمصنّع . لقد نسينا هذه اللحظة التي ينهي فيها المساء عشاءه ليخلي مكانه لليل في حركة كونيّة عظيمة في سحرها وتناسقها وحفظ أدوارها وتهذيب أطرافها اللايُصدّق . متى وقفتَ آخر مرّة لتشاهدَ المساء وهو ينهي عشاءه ، وتدفع الريحُ بلطف حلقات الغمام عن ياقوت السماء ، لتبدأ الملائكة بالنزول لتمسّح على رؤوس المبهورين بحس الطفولة .. متى ؟ .. منذ أن ماتت الطفولة فينا . هكذا يجيب الشاعر في النص الثاني "ألحكايات" . والغيبُ بتعقيداته التي أقحمها في حياتنا هو الذي أمات الطفولة فينا .. محى دهشتها وشبكة تساؤلاتها وفضولها الجسور في كل شيء :

(                  محا الغيبُ 

                   كلَّ حكاياتِ هذا الوجودِ . 

   محا الطفلَ فيَّ . 

                   وحوّلني عبدَهُ 

                   في 

                   الجوابِ الأخيرِ . – ص 1178) . 

 ولو ترك الغيب روح الطفولة حيّة فينا ، لأصبحنا جميعاً شعراء . فالأطفال والشعراء هم الوسطاء بين الآلهة والبشر . والأطفال والشعراء فقط هم الذين يمثلون نقطة لقاء الروح بالمادة . والشاعر يحاول أن يستكشف الطبيعة كما كانت تتراءى له في أيام طفولته ؛ الأيام الرخيّة التي ترى كل شيء فيها حيّاً قد يرضى وقد يغضب أو ينقم . عالم بلا "نقاط" وجودية "عنصرية" تقول هذا جماد وهذا نبات وهذا بشر . ارواح تمتزج وتتعانق وتتشاكى تحت خيمة الله ورعايته . والشاعر مطمئن لمعين خلقه ؛ معين الطفولة الذي لا ينضب هذا الذي جفّفه الغيب الذي صار فوق كل ذلك "علماً" . وبسبب سطوة الغيب ومعمّياته و"حقائقه" الماورائية الخافية أقصي الطفل فينا :

(               فلا سَفَرٌ بعدُ للطفلِ 

                عبرَ 

                العصورِ . 

                ولا جدّةٌ ذاتُ شمسيّةٍ من 

   خيالٍ ، وعكّازِ جنٍّ ، تُلملمُ كلّ حكاياتها من 

   حقولِ الرياحِ ، 

                    وريشِ 

                 الطيورِ . – ص 1179) . 

كان الشاعر – كما يقول "ريلكه" في "رسائل إلى شاعر شاب" – يستطيع حتى لو كان مسجوناً بين أربعة جدران أن يتذكر طفولته ، وأن يغترف من كنوزها ، وأن يعبّر عن أحزانه وآماله والخواطر التي تتوارد على ذهنه ببساطة وإخلاص مستعيناً لبلوغ هذه الغاية بالأدوات المتواضعة التي تحيط به ، وبصورة مستقاة من ذكرياته وأحلامه الخاصة ، وكلّها تنبثق من نبع الطفولة . فما الشاعر إلا إنسان راشد يحمل معه أرجوحة طفولته تحت إبطه . وقد جرّده منها الغيب المكفهر وأحرقها :

(                 لقد 

                  أحرقَ الغيبُ أرجوحتيْ . حذفتْ 

   راحتاهُ عصافيرَ بريَّةِ النومِ . 

                  رشَّ رماديَ فوق 

                  بياض 

                  السريرِ . 

                  بلا أجنحٍ صرتُ 

                  صادرها الغيبُ منّي . 

                  ولا جسدٌ فيّ إلّا أقيلَ 

إلى القبرِ . 

                  أيّةُ حريّةٍ سوف تبقى 

                  إذا قُتل الطفلُ فيها ؟ - ص 1180) . 

وهذا التساؤل الخطير الأخير هو المآل النهائيّ الذي توصلنا إليه سطوة "علم" الغيب . فهو العلم الوحيد الذي لا يقوم على حرّية التساؤل والإندهاش ، بل على المسلمات القاضية التي تعتبر عدوّها الأول هو روح الطفولة المحمّلة ببراءة الدهشة ، وسحر كلّية الفكر ، ونرجسية الجسد المحببة . الطفولة عدوة الغيب ، وبسؤال فجّ منها يمكنها أن تهير أسس كل هذا "العلم" ؛ علم الغيب . مرّة قال أدونيس الماكر في حيرة مسمومة : 

(سألني طفل : هل يحلق ملاك شاربيه ؟                                                   فوجئت . ولم أعرف أن أجيبه . غير أنني وعدته بأن أستفتي العارفين وأنقل إليه جوابهم ) (84) . 

حوّل الغيبُ عالمنا إلى مذبحة ، وتربعت السماء على صدر الأرض وكتمت أنفاسها ، وقصّت أجنحتها ، ولا حلّ لمأزقنا الخانق هذا إلّأ بما يجترحه الشاعر المجرّب : بلسم يتمثل في استعادة روح الطفولة ، وتحرير الأرض الأم بالأجنحة :

(                     ومن أجلِ أن تُبعِدَ الأرضُ 

    عنها السماءَ ، لتنصرفَ الأرضُ للأرضِ ، حيثُ 

    تداوي الجراح التي عمّقتها يدُ الغيبِ ، 

    وانتشرت بينها 

                      الأضرحهْ ، 

                      ومن أجل أنْ تنتهيْ 

                      هذه المذبحهْ ، 

                      لنُرجعْ إلى الروحِ طفلَ الحكايةِ ، 

       ولنرفعِ الأرضَ 

                      بالأجنحهْ . – ص 1181) . 

إن الطفل يعيش في نوعٍ من الأبدية المسحورة ، في نوع من الحاضر الخالص ، بدون ماضٍ وبدون مستقبل . وهذا ما لا يقرّه "علم" الغيب الذي يُمسك الأزمان كلها بيده الحديدية . كما إن الطفولة تحفظ القلب لازمنياً . حتى السجين الذي يُتلف وينحل تدريجياً في غياهب زنزانته يستمد الغذاء الروحي منها إلى آخر دقيقة . حتى المريض اليائس من الشفاء يستمد منها العون ، لا لأنها بمنجى من الأخطار . إنها مثلنا وربما أكثر منا معرّضة للفناء ، مهدّدة كما لو أن التهديد يأتيها من داخل ذاتها وصميم جوهرها . بل لأن القدر كلّه مكثّف فيها . وهذا بالنسبة لـ "علم" الغيب تجديف وهرطقة لأن القدر مأسور في صندوق الحاوي الأكبر كما يقول علماء الغيب وفقهاؤه . أمّا علم الشاعر ، علم الطفولة المستعادة قصداً ، وبودلير هو القائل أن العبقرية هي الطفولة المستعادة قصداً ، فإنه لا يشتغل إلّا وفق تلك النظرة البريئة ذات العينين الواسعتين التي "تلتهم" الظواهر بنظراتها ، وتهضمها في مشغل عالمها الإرواحي الذي تديره الروح "السيّدة" .. روح الخلق التي تفزع من أيدٍ غير مطهّرة ، وأرواح غير نقية تدخل مخبرها ، لكنها لا تطهّرها أو تنقّيها بالأحماض والمعقّمات الكيمياوية مثلما يفعل السادة العلماء ، بل في أعظم التكوينات – لاحظ أن التكوينات أوسع من المواد – المطهِّرة في الكون : البحر ، والنهار ، كي يتهيّئوا لرحلة "الإنتقال" لا الرحيل التي ستحل غداً ؛ الإنتقال من جسد إلى غمام :

(                 تعالوا 

                  أخبّىءْ يديكمْ 

                  بموجٍ البحارِ ، 

                  أذوّبْ لكمْ روحكمْ 

                  في النهارِ . 

                  ألا فلتنقّوا أياديكمْ في البحارِ ، 

وأرواحكمْ في النهارِ . فأنتمْ غداً ذاهبونَ لكيْ 

تصبحوا قطعةً 

                  من غمامْ ، 

                  فضاءً من الصيفِ يسبحُ 

            فيهِ 

                  الحمامْ . – ص 1182 و1183) (نصّ "تعالوا") .  

وهذا قول يستنكره الغيبُ ويستفز كيانه كلّه . فعن أي "تحوّل" يتحدّث الشاعر ؟! عن أي تحوّل يصبح فيه الإنسان غماما يسبح فيه الحمَام ، ولا يُلقى في القبر ويُدفن ؟! من يفلت من عذاب الدفّان ؟ ثمّ من هو قائل هذا الحديث ؟ أليس طفلاً حالماً بعالم يبنيه حسب رغائبه ونزواته ؟ عالم تخترعه المخيّلة ويترجمه السيّد الكلام ؟ والكلام والكلمة – بالنسبة للشاعر - هي حجر حياة الطفولة ؟ لا تقبل التكذيب فقد نزفت عندما تلقّى طعنات التشكيك بياض نواياها الجميلة :

(                 ومنْ قالَ ذلكَ كان الكلامَ . 

وإنّي أصدّقُ قولَ 

                  الكلامْ . 

                  فإنّ دماهُ على ما ارتدى 

             منْ 

                  بياضِ السلامْ . – ص 1183) . 


هذه النصوص تعيدُ الثقة بالأرض والإنسان والكون والحياة بعد جفاء مرّ طويل .. وطويل جداً ؛ نصوص تعيد التأسيس أو تعيد اكتشافه كأنها في فعلها أساطير للتكوين والخليقة والأصول الأولى . فهناك في تلك الفراديس المبادة فقط يتمّ تطهير الأيدي والأرواح بنور النهار وموج البحار لتصبح الأجساد غماما ، ويكون الموتى قطراتٍ من ماء :

(                في 

                 الكتبِ البيضاءْ 

                 حيثُ الريشةُ لا تُغمسُ إلّا 

         في 

                 محبرةٍ خضراءْ ، 

                 كان الموتى 

                 قطراتٍ من 

                        ماءْ . – ص 1184 و1185) (نصّ "في الكتب البيضاء") . 

ويبرع جوزف حرب – وهذه من سماته الأسلوبية الصارخة الرائعة – في استخدام الألوان . ومن جديد لا يمكنك إدراك عمق هذه السمة وخطورتها في إبداعه إلا إذا أغمضت عينيك وتخيّلت الصورة وقد صارت حركة ، ناهيك عن تخيّل الكلمات كخطوط وألوان وظلال كما في فن الرسم . الكتب البيض منفصلة في الصورة المكتوبة عن الريشة ، وهذه بدورها لم تُغمس في المحبرة الخضراء إلّا افتراضاً . الآن تخيّل يداً ناعمة تمسك الريشة بخفّة ، وتغمسها في محبرة خضراء ، وتبدأ بـ "الكتابة" برشاقة واقتدار على وجه الكتاب الأبيض . أي تناسق وروعة وانسجام . ومباشرة ينبثق لديك شعور طاغ بأن هذه اليد إنما ترسم الوجود الأخضر على وجه الوجود في بداءته الناصعة الفجّة . الألوان لدى جوزف حرب ، نوعها وطبيعتها وحدّتها تفرضها طبيعة المكوّن المعبّر عنه - وهو في محبرة الطبيعة - عندما كان رؤيا أو "إمكان وجود" كما يقول محيي الدين بن عربي . إنها مثل جلد الجنين الذي يولد به طبيعياً ولا يمكن لصقه وتصنيعه . الرحم الرسام يعرف اللون المناسب لوليده . ورحم الألوان يلد المكوّنات (بـ .. ) يدي الشاعر ، فهما "قابلته" الماذونة ولا يفعلان أكثر من ذلك . ولكن هذه ليست مهمة آلية رتيبة ، إنّها تتطلب حسّاً واستجابة روحيّة لكلّ مكوّن يولد . وبذلك فألوان الشاعر قبل أن تتمظهر بكلمات على الورق ونتخيلها في المخيّلة ، تمر في روحه حيث "تّعامل" بخفقات القلب ورعشات الروح وهي ترى الصورة بألوانها الجنينية الخاشعة . ولهذا تاتي أغلب قصائد جوزف حرب لا كلوحات شديدة الإتقان والتعبير تجسيماً ولوناً حسب ، ولكن كطبيعة مرّت بالروح ، وجلست على مائدتها ، وتناقشتا حول لون وطبيعة ثيابها قبل أن تخرج على العالم وإلى الناس بطلعتها المهيبة الساحرة . ومكوّنات القصيدة / الطبيعة الصغيرة ، هي في الواقع "لون" قبل أن تكون "مادة" صمّاء . فالسماء هي "زرقاء" قبل أن تكون "سماء" من أرواح وبخار ماء . والأرض "حمراء" عند المساء " و"بيضاء" عند الصباح قبل أن تكون تُراباً وصخوراً .. وهكذا . وهذا هو سرّ نداءات الأرض العطشى وهي تبتهل الآن للسماء "الزرقاء" كي تردّها امرأة "بيضاء" بعد أن قحلت وتشقق جسدها وصارت "سوداء" . اللون لدى جوزف حرب هو الهويّة ، وحين يتحرك المكوّن الذي يحمله فإنه يفعل فعله من خلال سمات اللون لا من خلال خصائصه حسب . ولهذا ترى قاموس الشاعر اللغوي / التصويري حافلاً جداً بـ "أخضر" الوجود و "أبيض" الحياة ، ككائنين مستقلّين يشكّلان في فعل حركة هويّتهما اللونية اساطير الوجود وحوادثه كما لو كانا مخلوقين ماديين خرافيي المواهب : 

(                 كانتْ إذ تعطشُ هذي الأرضُ 

      كثيراً ، ترفعُ كفّيها 

                             أشجاراً 

                            عاريةً ، 

                  وتصلّي : 

                             يا 

                             زرقاءْ ، 

                             يا 

                             أيتها 

                             السيّدةُ 

                             الزرقاءْ ، 

                  ردّيني 

                  امرأةً بيضاءْ ، 

                  رُدّيني 

                  امرأةً بيضاءْ . 

                  وهبيني خاتمَ نعمانٍ ، وسوارَ خُزامى ، 

       ومواويلَ تسوقُ البجعَ الراحلَ 

                                كلَّ 

                                مساءْ . 

                  هبيني 

                  قبّعةً حمراءْ ، 

                  وسنونوْ عندَ الصبحِ تعلّمنيْ 

                        فتّ السنبلةِ الصفراءْ . – ص 1185 و1186) . 

بهذه الزينة الرائعة المتناغمة ، وبهذه الإكسسوارات المتناسقة ، وبهذه السمات / الألوان ، وبهذه المهارات التي تتبادل تعليمها مكوّنات الطبيعة ، تخرج علينا الأرض كل صباح ومساء . لكن هل "فكّك" الشاعر وحدة قصيدته ، ونسي ما افتتح به نصّه من أن الموتى كانوا قطرات من ماء في أيام الكتب "البيضاء" التي تًكتب بمحابر خضراء ؟ 

إذا نسي الشاعر تلك "الخطوة" التصويرية الإفتتاحية ، فمعنى ذلك أننا سوف نرتد إلى ما كان يُعدّ نقصاً في قصيدة العمود الشعري من أنها أبيات منضّدة ، بيتاً فوق بيت . وهنا – في حالة نصّ جوزف حرب - سوف نصبح أمام قصيدة صور منضّدة ، صورة فوق صورة ، بحيث يمكنك تقديمها أو تاخيرها من دون أن يتأثر معمار القصيدة أو تسلسل صورها ، مثلما بإمكانك أن تقدّم بيتا أو تؤخره في قصيدة العمود بلا تاثير على رؤيا الشاعر أو الفكرة الأساسية التي تحكمها . الأمر ليس كذلك في نص جوزف حرب . فبعدَ أن صوّر لنا الموتى في زمن الكتب البيض كقطرات ماء ، اضاف معلومة / مشهداً تصويرياً ثانياً هو دليل عملي على علاقات مكوّنات كونه عبر هويّاتها اللونية ، وعلى تجسّد الفعل المادي من خلال اللون ، وذلك من خلال ابتهال الأرض العطشى للسماء الزرقاء بأن تكسو عري يباسها الحارق بألوان مكوّناتها ، وأن تُعنى بتجميلها بريشة فنان . بهذا المثال اللوني المصور قدّم لنا الشاعر فكرة عن طبيعة العمل في مشغل الطبيعة . الآن يمكنه – بعد أن أعدّنا نفسياً وذهنياً لاستقبال الحركة المقبلة  - أن يعود ليصوّر لنا عمل الله وكيف تكون أرواح الموتى قطرات من ماء : 

(                  كان الله قديماً يُدعى : الريحُ . 

         يجيء اللهُ ، ويجلسُ عندَ الأفقِ بمكتبةِ 

         الكونِ ، ويأخذ منها الغيمَ 

                                        ويفتحهُ ، 

                                         ويقلّبهُ ،

                                                  تتساقطُ 

         منهُ قطراتٌ من ماءٍ 

                         حاملةٌ 

                               صوتاً 

                               للعشبِ الآتيْ . 

                         كان الغيمُ 

                         سجلّ الموتىْ . – ص 1187) .  

والمشهد الأخير هو عبارة عن سلسلة من "الحركات" التصويرية ، المنسجمة الملتحمة المعبّرة عن "أفكار" الخلق . فكان الله يُدعى الريح هي "صورة" تترتب عليها "حركة" ، لكنها "فكرة" أصلاً ، وحين يجيء الله ، ويجلس عند الأفق بمكتبة الكون هي "حركة" تتشكل منها "صورة" تنطوي على "فكرة" فذّة تصوّر الكون مكتبة كبرى والله يشتغل على "مصادرها" في عمله . وحين "يأخذ منها الغيم ويفتحه ويقلّبه وتتساقط منه قطرات من ماء حاملة صوتاً للعشب الآتي " ، هي سلسلة "حركات" توصل إلى "صورة حركيّة – وسمعية في النهاية  - مركّبة" تتضمن "فكرة" أنّ الله في فعله العفوي المحيي للأرض العطشى من خلال تقليب "مصدر" الغيم ، يمنحها أرواحاً سوف تتساقط وهي تصيح مندهشة من مفاجأة الهبوط المتزاحم عبر الفراغ ، لتصل الأرض وتنبت عشباً ، أي أنّ "الفكرة" الأساسية المعبّر عنها ، وهي فكرة خلق لا نظرية مجرّدة ، هي أن عشب الأرض يتكوّن من أرواح .. فـ "خفّف الوطء" عزيزي القاريء على طريقة أبي لعلاء المعري . والنتيجة التي تترتب على ذلك هي "فكرة" لكنها "صورة" و"حركة" كامنتان ، وهي أن "الغيم كان سجل الموتى" .

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000