هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


توظيف الميثولوجيا في النص السردي ..قصة أجنحة الكلاب إنموذجاً

خضر عواد الخزاعي

يحاول القاص والروائي وارد بدر السالم في قصة"اجنحة الكلاب" من مجموعته القصصية "المعْدان"في طبعتها الثالثة الصادرة عن دار سطور 2015 ، مصادرة المسافة الوهمية، بين واقع ميثولوجي أو وقائع ميثولوجية، وبين نص يتبنى مهمة أدلَجة السرد، بطريقة ميثولوجية، أقرب ما تكون لمفهوم "الإزاحة"دون الحاجة إلى زخرفة النص بمقتضيات الأسطورة/أبطال خارقين"نصف آلهة" ، حيونات خرافية، اناشيد طقسية، بل إن كل ماكان يُعوّل عليه السارد، من أجل إبراز القيم الثيمية، هو زحزحة الواقع قليلاً، من صبغة المعقول إلى اللامعقول،مع خلق بعض المستوياتالأسلوبية في متن النص، من قبيل المزاوجة بين هيمنة الرواي البلاغية، وترك بعض الحيّزات لشخوص النص بالتعبير عن ذواتهم، كذلك إفساحه المجال،للمنظومات العقلية والحسية،لتبدو وكأنها الدالّات السائدة، وسط أجواء النص الإنفعالية، يقف فيها الفعل نقيض مشاكس لدلالات الحس، وهذهالمهمة،والتي هي مزيج من البلاغة والاحتواء، لمتكن بالعسيرة،على كاتب متمرس، في صنعة السرد، وتَمَكِنه من أدوات اللغة، كونه بالإضافة إلى أنه روائي وقاص،فهو أيضاً شاعر، ومن يقرأ سرديات المعدان،وقصة "أجنحة الكلاب" واحدة منها، يجدها مثابرة بالجنوح فوق الواقع، يلمس هذا الاعتداد اللغوي، الذي مارسه القاص السالم.

"أجنحة الكلاب"،وإن بدت وكأنها رحلة جنائزية، إلا إنها كانت بامتياز، رحلةاللامعقول في زمن معقول، حيث المعدان، والقرى المنسيّة،والصرائف،والإيمانات المُطلقة بالقوى الروحية، زمن التقديس والتبجيل، لكل ما يُدخل في النفس الشعور بالطمأنينة، حتى وإن كانت زائفة وزائلة، زمن الفوبيا المزمنة، في قاع الأرواح المستكينة المستلبة، الصابرة على قضاء الله وقدره،خارجياً، تنطلق القصة، من رحلة يقوم بها أربعة أشخاص، إلى مقبرة النجف لدفن امرأة، السائق الحاج مشكور، والأبناء الثلاثة للأم المتوفاة،لكنها تتحول إلى رحلة "دموية قاسية غريبة" كما يصفها القاص، حين يجعلها نتيجة منطقية، لواقع مُلتبس، لحظة يُسقط السائق الحاج مشكور، في فخ رؤياه الشبحية،فتصبح تلك المسيرة كابوس ثقيل،يتقاسمه الرجال الأربعة، المثقلين بِهَمْ الواقعة "الثيمة" دفن الأم، التي كانت تحظى بكل آيات القداسة، لما كانت تمثله من مكانة مرموقة في حياة الناس،"فالراحلة،  بعمرها الطويل،لم تكن أمّاً عابرة في حياة هؤلاء الأبناء الكبار، انما كانت أم القرية منذ ثمانية أجيال،أغرقت الغريب والقريب بالعرفان والجميل والأفضال المشهودة للجميع حتى دانو لها ولأبنائها بالطاعة والولاء والإحترام والتقديس والتبجيل الأعمى.العلوية، الأم الكبيرة،العارفة، الشافية،المباركة، الكافية"، في هذا النص السردي، يُحِيلنا القاص، إلى أكثر من متلازمة سيمولوجية/حسّية ومرئية،يرتكز عليها،البناء لثيمة - النص، فهناك متلازمة ثنائية طرفيها، السائق الحاج مشكور، من جانب، والأخوة الثلاثة،الذين يتزعمهم الأخ الكبير الحاج سرحان من جانب آخر، وهي متلازمة فكرية، حيث ان كل طرف ينظر إلى ما يحدث من وجهة نظر مغايرة للأخر، ففي حين يقع السائق فريسة التشويش الذي سيطر عليه منذ الخطوات الأولى للرحلة،يكشف لنا السارد متلازمة أخرى ثلاثية مرتبطة بالأولى، وهذه المتلازمة أطرافها، الرؤيا، البصيرة، الرؤية.

ففي المتلازمة الأولى،التي تُبنى عليها التصورات اللاحقة للنص/ومنذ السطور الاستهلالية، يبدأ القاص نصه، بمفتتح توجّسي، وفي هذا يحقق القاص بعض الفرادة، في تبنيهم فتتحات النص، "فالافتتاح منطقة خطرة في الخطاب" على حد قول رولان بارت، يقع الطرف الأول السائق فريسة التشويش، الذي يقوده إلى السقوط في فخ المُتخيل وليس الحقيقي" رأى الحاج مشكور أن يلفت أنظارالرجال الثلاثة المعتمرين اليشاميغ إلى ما يحدث خلفهم، غير أنه تريث وهو يسوّي من غترته المرقطة مختلسا نظرة عاجلة إلى المراة الجانبية ليرى أشباح الكلاب المتراكضة، فلم يرى إلا السراب المتفتت المنسحب خلف العجلات وغباراً يلتف على صمت الشارع الطويل ويذوب في الافاق المترامية في سكونها المضني الأثير"فيما يرى الابن الأكبر للمتوفية سرحان، إن ما يحدث للسائق ناتج من روح مهمومة، معذبة"انت مهموم يامشكور" فكل ما يحدث من مكابدات للسائق تكون مرتبطة بما يراه،وهي في الغالبمؤثراتسايكولوجيةوأشبه ماتكون بما استنتجه سرحان، فالسائق وحده من يرى ومن يتكلم عن قطعان الكلاب، التي تُلاحق السيارة، "اقتنع بان الشمس الساخنة قد جعلت من السلة الحديدية قضبانا من نار وان اهتزاز العجلة في الطريق الطويل ترك حزوزا على الحبال الغليضة، فيزيد من شدها فكأنما ليطمئن على سلامة التابوت!لكنه سرعان مايحفل؛فمن اتجاهات التابوت ثمة اثار لمخالب كلاب!الكلاب التي كانت تنهب الشارع ورائهوتنشر اجنحتها وتطير قافزة على تابوت المراة المبجلة؛"فالسائق في محاولة منه لتهدئة نفسه يحاول خلق نوع من الإيهام، بأن مايراه، هو محصلة طبيعية لما يعانيه بسبب الطريق والحر الشديد،"هذا النهار الفاقع بالشمس، القائظ الصحراوي، النهار العطشان المتوحد مع السراب، الأمر الذي يجعله متشككا ومتريثا حتما أمام هجمة الكلاب السلوقية الشرسة التي لم يرَ كلاباً بحجمها من قبل"هذا النزوع إلى الشك الذي يقابله الإطمأنان الروحي من قبل الابن الأكبر، يقوده السارد إلى المتلازمة الثانية، التي تجتمع فيها الدلالات الحسية الثلاث/ الرؤية، البصيرة، الرؤيا، بطريقة متناغمة، بحيث تضيع المسافات الفاصلة بين كل واحدة وأخرى، في حين يبدو على السائق أنه مطمئن مما يرى كحقيقة واقعة ولأكثر من مرة،حيث تكون الرؤية الأولى "العينية" بطريقة من لايراوده الشك بما يرى، حين هُيأ له أنه رأى الكلاب المسعورة وهي تتسابق لاعتلاء ظهر السيارة،  ثم تقوم بهاجمة التابوت وافتراس الجثة "سارع الحاج للنزول محموما يتقصى رؤيته التي لايشك بها لحظة واحدة،متفحصا التابوت، باحثا عن حشد الكلاب السلوقية التي تبعته من القرية"فيما يكون في الرؤية الثانية قد تجاوز مرحلة الشك، إلى مايشبه اليقين"فهو على يقين مما يراه" هذه الرؤيات المتتابعة يرى فيها الابن الأكبر سرحان، ما هي إلااستدراكات بصيرية،أكثر منها بصرية،"بصيرتك هي التي ترى يامشكور..... أما بصرك.." ويكون سرحان في هذا الاستنتاج، قد حقق استباقا لما أدركه السائق، مع نفسه في مرحلة سابقة من النص، حين اختلطت عليه الرؤى، بين البصر والبصيرة،"وهذه الظهيرة القائضة تخلط الرؤى عليه ويتيه البصر في الأعماق القادمة مع المسافات المطوية، المتثاقلة، المريبة، وعندما يريد الحاج تصفية بصيرته قبل بصره تهاجمه رائحة نتنة لاتحتمل"أما الرؤيا التي تتمثل للسائق، فهي حتما ستكون نتيجة منطقية لكل ما خزنته الذاكرة، عن هذه المراة، التي كان يراها الناس والحاج مشكور، على انها امرأة فاضلة، في حين أن الحقيقة التي يخشى البوح بها السائق أو يؤمن بها هي العكس،"لا أعرف مالذي يحدث!!ماذا جرى!!قالت لي الحاجة ذات يوم ونهرتها!!ولكن استغفر الله من كل شيء .. كلام نسوان.. خافي الله ياحاجة.. الله فوق الجميع.. هذه المرأة رحمة للناس ... عوفي كلام النسوان البطرانات... خليك ياحاج انت مغمض العيون... المراة ليست ساحرة ياحاجة ... السحر حرام ... انا اقول لك ياحاج الله سيفضح كيد السحرة ... عوفي هذا الكلام ان بعض اثم... سيفضحها الله سيفضحنا الله تعالى"لذلك هو يحاول إزاحة ما يرى أو يستشعر به ببصيرته، بإسقاط مدركاته الشعورية، على المرأة،"لم يكن هناك مايوحي ان كلابا كانت تطير وراء التابوت لتنهش الجسد المقدس"فهذه القدسية بالنسبة له حتى وان كان يخامر البعض الشك فيها، فهي بالنسبة له، لايمكن ان تطالها النجاسة، حتى وان وصلت الى محسوساته،ومنها ماكان يشمه من روائح نتنة، لكن وجه زوجته يظل يطل عليه بين الفينة والأخرى، في تلك الرحلة المضنية، وما كان يرافقها من منغصات جنونية، ليوحي له ما يرسخ كل رؤياه تلك،"فهذا الجو الغريب،المخيف، أغلق عليه منافذ النجاة،وأعاد اليه التشبث بما شاب له الرأس من حكايات العرافات والمشعوذاتوالساحرات، الساحرات المتلفعات بمسوح الفضيلة والهداية والعزلة الكاذبة التي يجن بها فقراء القرى والمعدان الحالمون، بتقبيل الأيدي المباركة التي تحرق الجن والانسوالمارقين على المشورة العمياء"وهو ما يستبطنه الابن الأكبر سرحان، فهو الابن المقرب للأم بحكم العادات والتقاليد التراتبية الولائية، التي تفرضها البيئة القروية، وبالتالي فهو المُطّلع على خبايا الأمور وأسرار الأم، وهو لذلك يلمح للسائق بطريقة مشفرة بعض من حقيقة ما يحدث له"ماتريد تشوف الذي شفته يامشكور...لكن الذي شفته...هو من الله عز وجل"وفي لحظة تجلي من سرحان وهو يعاين ما يعانيه السائق، وربما يحدث له هو نفسه، نرى الابن سرحان ينبسط في محاكاته للسائق بما يشبه الاعتراف الضمني، لما كان سمعه من زوجته"اللي شفته ما ينحكي ياحاج لاسراب ولا وهم، والانسان عندما يلزم لسانه يلزم الله عنه قيضه من نار... واللي صار...صار، وبني آدم ما معصوم،ولكن مامن راد لما يريده الله سبحانه وتعالى".

وفي غمار الأجواء النفسية العاصفة، والمتضاربة،  للسائق والأبناء، يرسم القاص بريشة الفنان، سينوغرافيةللنص، غاية في التوافق والتناغم، مع خطوط الحدث ومنحنياته الحسية،فهناك النهار القائض، "ولمعة الشمس المتوهجة"، التراب الذي يغشى الجو، ويبتكر رؤيا فريدة للثيمة، الدفن، "السواقي الناشفة والطبيعة المكتنفة" التي هي انعكاس لروح الأبناء المُفارقين لأمهم، ، والشارع المُغطى بالتراب، والذي يبدو وكأنه، التذكير، المرادف لرحلة الموت هذه، الغبار الذي يغطي القرى والمدن، على جانبي الطريق، والتي تَمنح الحدث مسوح، الغرابة، والوحدانية، وأيضاًالعاصفةالموسمية المرافقة للرحلة، والتي أخذت تشتد مع تقادم الرحلة، واقترابها من النجف، ثم تحوّل الجو إلى الإحمرار، وكأن القاص هنا أراد أن يرفع من مستوى دراماتيكيةأحداث النص،حين يتمتم أحد الأخوة بخوف"ستنقلب الدنيا "ليصل القاص بأجوائه الإنفعالية، حد التلاشي، تلاشي الطريق والمُتخيلات،فيصيح السائق بجو مسرحي"لا أرى من الطريق شيئا..لم أرَ عاصفة كهذه من قبل" في خضم هذا الجو الإنفعالي، تبدو وكأن المقبرة، قد تَحوّلت إلى مراد عسير،  للأشخاص الأربعة، وأصبح هاجس الوصول إليها، والتخلص من الجسد، قبل أن يتعفن،أشبه بصراع مع الطبيعة وقوى خارقة، غير مرئية، لكنها حتما مؤثرة، حيث يتسائل أحد الأبناء بجزع"بالله عليك ياحاج أما زالت النجف بعيدة؟" وحين يطمئن الجميع بأن المقبرة باتت قريبة، ينبري الأخ الآخربأسى"لقد تعذبت الوالدة"

لقد حقق القاص والروائي، وارد بدر السالم، في هذا النص، مستوى متعالي من السرد،من خلال دقة اتقانه وحِرَفيّته، في مجالات اللغة النثرية والشعر، والرواية، بالإضافة إلى خزين هائل من الخبرات البيئية المتراكمة،مَكَنته، في أن يُحوّل رحلة دفن عادية، إلى ميثولوجيا سردية،مستوفيةلكل شروط الإدهاش الممتع.

خضر عواد الخزاعي


التعليقات




5000