.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (34)

د. حسين سرمك حسن

محبرة الخليقة (34)

------------------------

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً . 

 

وقادة الحرب هؤلاء الذين جعلوا جراح الأبرياء في الحروب تفوق باشواط الورود الحمر التي تنجبها الطبيعة ، يجمع علماء النفس على أن السمة المركزية التي تجمعهم هي "موت الضمير" ؛ الضمير أو الأنا الأعلى (أو الله في الداخل) الذي هو القاضي الداخلي الذي يعاقب الأنا على أي فعل آثم لا تقترفه حسب ، بل لمجرد التفكير فيه أيضاً . هذه السلطة الداخلية هي عين راصدة لا تنام ابداً ، لكنها يمكن أن تتبلّد بالتدريب المبكّر على الشرّ ، أو باقتناع "مثال الإنسان" وهو جزء من الأنا الأعلى بأنّه عندما يمارس عملية القتل في الحرب فإنه إنّما يؤدي واجباً مقدّساً . وهنا يبرز الدور الخطير للفلاسفة والمفكّرين "التافهين" كما وصفهم جوزف بحق ، حين يشحنون روح الإنسان بالمثل العليا التي سوف تحققها الحرب ، فيشعلون طاقة الغرائز التدميرية بنيران الأفكار المثالية ، ويصبحون حلفاء حقيقيين لصانعي الحروب الذين مات ضميرهم فلم يعودوا يشعروا بالذنب من الجرائم التي يرتكبونها . لقد مات الله في داخلهم ، فصار قتل الناس لديهم "هواية" وهو العنوان الدقيق الذي اختاره الشاعر لقصيدته :

(                منْ صنعوا عبرَ الزمانِ

                 كلّ هذه الحربْ ،

                 يجمعهم في الأرضِ أنّ كلّهم

      لم يشعروا

                 بالذنبْ .

                 أغلى هوايةٍ لهمْ ، رميُ

      عظامِ

                 الشعبْ

                 في الحربِ ، للموتِ الذي

      يلمّها

                 كالكلبْ . - ص 924 و925) .

يكرّر جوزف حرب وصف الكلب لصنّاع الحروب كثيراً . الكلب وفيٌّ للإنسان . هذا صحيح ، لكنه حيوان شمّي لا يستحي ويمارس اللواطة ، والميثولوجيا الدينية لا تدخله - هو والخنزير - الجنّة لهذا السبب . وصنّاع الحروب من هذا النوع . بل أردأ من ذلك وأسوأ ، ففي الحرب ، أعطوا للكلب الفرصة ليتجرّأ على الإنسان . وقد اثار جوزف ثلاث تجارب لي مع "الكلب" في الحروب الثلاثة التي عشتها :  

في الحرب العراقية الإيرانية ، وبعد أن هدأ وطيسها في إحدى معارك "مجنون" شاهدت كلباً أسود يسحب بين فكّيه أمعاء أحد الجنود القتلى الطافين على مياه الهور .. كان صديقي وقد حاولت تخليده في روايتي "ما بعد الجحيم" .

في الحرب العالمية الثالثة التي شُنت لتدمير العراق في عام 1991 ، شاهدت في مدخل مدينة كركوك مجموعة من الكلاب تنهش بحماسة جسدي مدنيين عراقيين قتيلين .

بعد حرب الإحتلال التي شنها الأمريكان الخنازير الكلاب على العراق في عام 2003 ، قال لي صديق شاعر بأنه شاهد فجر أحد الأيام كلباً يهرول فرحاً ، وهو يحمل بين فكيه ذراع طفل صغير .

ومن الظواهر التي لفتت أنظار أغلب المقاتلين في تلك الحروب هو أننا كنا نعرف أن معركة سوف تحصل عندما تبدأ الكلاب بالتجمع قريباً من الوحدات العسكرية المقاتلة .. إنّها تلتقط - برادارها الكلبي - قرب مجيء الموت محمّلاً بهدايا الجثث .. الجثث التي كانت تتطاير وتُسحق وتتعفن بلا رحمة ، ومعها تُسحق قلوب أمهات وآباء وحبيبات .. جثث تزداد أعدادها الماحقة كلّما تطوّر الإنسان ، وهنا يتحالف العلماء "التافهون" مع الفلاسفة "التافهون" ليشدّوا أزر جهود صنّاع الحروب ولصوصها . فليس الفلاسفة التافهون فقط كما يصفهم جوزف حرب هم الذين يؤججون نار الحروب بجعل الحروب جهاداً مقدّساً ، وقتل الإنسان لأخيه الإنسان واجباً وطنياً ودفاعاً عن الحضارة حسب  ، بل - وهذا هو الأخطر إجرائياً - العلماء ايضاً الذين يضعون كل إمكانات عقولهم العبقرية لتصميم وابتكار واختراع أكثر الأسلحة تدميراً وقتلاً وأشدّها فتكاً . في التسعينيات نشرت صحيفة العرب اللندنية خبراً يشير إلى اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية - دولة الموت والحرب ورمز الشرّ في الحياة الحديثة - مع كوريا الجنوبية على شراء سبعة عشر ألف جنين مجمّد من عمليات الإجهاض ، لإجراء تجارب "علمية" تهدف إلى إنتاج مقاتل لا يشعر بالألم . قبلها طلع العلماء علينا ببشرى إنتاج سلاح رحيم هو القنبلة الهيدروجينية التي هي أرحم من القنبلة النووية لأنها تذيب الإنسان فقط وتترك البنايات والعمارات . يا لها من رحمة . العلماء التافهون هم الذين ابتكروا فكرة استخدام النفايات النووية في صواريخ كروز ، صواريخ تخلّف مادة سرطانية تبقى في التربة لمدة أربعة آلاف سنة .. أكرّر أربعة آلاف سنة . هل نتحدّث عن حيوان أم عن إنسان ؟! .. أنا لا أدري :

(                 الأسلحهْ

                  كانتْ لأنْ تطيرَ هذي الأرضُ

        في مدارها ،

                  لكنْ ،

                  بغير أجنحهْ . - ص 972) (نصّ "حمامة خضراء") . 

ومن خطايا العلم ومفاسده هي أنه ألغى "حرمة الميّت" ، فقد كان بين البدائيين طقس اسمه "حرمة الأموات" ، وفيه كان المقاتل الذي يعود من معركة ما قتل فيها أحد أعدائه ، يُحتجز في كوخ منعزل عن القرية لمدة معيّنة ، ولا يلمسه أي أحد حتى زوجته ، ويجلبون له أكله دون أن يروه ، وفي بعض القبائل لا يلمس أي شيء حتى الطعام نفسه ويأكله بفمه . والسبب هو الخوف من العدوى فقد خرق الحرام فصار محرّماً ، ومن لعنة روح الميت الذي قتله ، وللتخلّص من الشعور بالذنب الذي يثقل ضميره .

فما الذي فعله العلم الآن ؟  لقد صارت الحرب تُدار عن بُعْد ، وأصبح المقاتل يقتل آلاف الناس الآخرين من دون أن يراهم ، بل من دون أن يعرف حجم الخسائر الرهيبة التي سببها ولا الآلام الفظيعة التي خلفها في قلوب ضحاياه وأحبائهم . وفوق ذلك فقد قام العلم بتقسيم الأعمال ، بحيث أن هناك آلاف الأشخاص يعملون في تصنيع جزء معيّن من بين عشرات الأجزاء التي يتكون منها سلاح فتّاك أو صاروخ مدمّر أو قنبلة محرّمة . وهذا يمنع الشعور بالذنب أو يخفّفه كثيراً من خلال "توزيعه" على أعداد كبيرة من البشر . في الماضي السحيق كان الموت "طبيعياً" . أمّا الآن فقد جعله العلم "مصنّعاً" وأخرجه من دائرة إرادة الله إلى دائرة إرادة الإنسان . 

وصنّاع الحروب الكلاب - والخنازير أيضاً كما رأينا وبلا تردّد - يستعرض الشاعر ، في ثماني عشرة قصيدة ، بعضاً من شخصياتهم التاريخية والمعاصرة ، ويصوّر جوانب بشعة ومروّعة ومقزّزة من أفعالهم التي يضعهم بعضها في دائرة "الجنون" ، فهي غير قابلة للتصديق لولا أن التاريخ حفظها موثّقة ومدعمة بشهادات جعل حتى ما يأتي نتاجاُ لفعل مخيلة الشاعر أقل من ضراوة أفعالهم وخسّتها في الواقع في بعض الأحوال . وقد صاغ الشاعر قصائده هذه بضمير المتكلّم ، أولئك المجانين المنهوسون بالحرب والموت والتقتيل هم الذين يرسلونها :

-قصيدة "حكم الفضّة" من "جنكيزخان" الذي كان - تأريخياً - يتمنطق بنطاق مكتوب عليه "الحق هو القوّة" قبل نيتشه بمئات السنين . جنكيزخان كان يسكب الفضّة المغليّة في عيني وأذني التاجر في خوارزم إلى أن يقضي ! ويلحقها الشاعر بقصيدة أخرى هي "حكم السيف" للخاقان جنكيزخان نفسه ، يأمر فيها بشقّ بطون كل الناس لأنه اُخبر بأن امرأة ما في خوارزم قد ابتلعت جوهرة لتخفيها عن جيشه !

-قصيدة "السهل" رسالة من "الإسكندر" يأمر فيها أن يصحو غدا ، وقد أصبح السهل الأخضر المزروع بالناس .. سهلاً أحمر !

-قصيدة "جنين" لنيرون يأمر فيها بجلب امرأة حبلى في الشهر السابع ، ويبقر بطنها - وسط السكر والرقص والألحان -  ليرى كيف يكون الجنين !

-قصيدة "أصابع" من الملك لويس التاسع بأمر فيها بقطع أصابع كل من بقي حيّاً من المصريين كي لا يحمل أحدٌ شيئا !

وهكذا تتوالى الصور الدموية المرعبة التي رسمها السلوك الوحشي لصنّاع الحروب الفتلة عبر التاريخ ، صور هي من الفظاعة بحيث نترفّع عن نسبتها إلى أشرس الحيوانات . ولا فرقّ بين سفّاح معاصر مسلّح بالأفكار الفلسفية مثل هتلر (قصيدة "النازي" - ص 930و931) ، أو قديم جدا مسلّح بالأساطير وبزعيق الآلهة مثل سنحريب (قصيدة "قبل القتل" - ص 964 - 967) ، أو ما بينهما مثل أبو العباس السفّاح والمتوكل من العرب ، وامبراطور اليابان والصين وكسرى وقمبيز والسلطانان سليم الأول وعبد الحميد من الأجانب .. وغيرهم . مثلما لا فارق في الأديان ، أو بين التديّن والوثنية ، فكلّها لا تشكّل رادعاً مؤثّراً إذا ما انفلتت غريزة العدوان من عقالها في أعماق الإنسان ، بل قد تكون الأديان غطاءً وحافزاً .

ويمكنك أن تقرأ الكثير من الأخبار والمعلومات عن وحشية هؤلاء في كتب التاريخ ، لكنها تُعرض الآن وتُصاغ شعراً ضمن سياق ملحمة خليقة لا يعرف فيها خالقها الشاعر المجاملة أو المهادنة ، لتصبح أغاني الموت والخراب التي تكشف زيف هذا الموقع المتسامي والطبيعة الربّانية التي نلصقها - عبثاً - بالإنسان ، الذي يُخلع عنه الغطاء الإنساني في ساحة الحرب ، لتظهر الحقيقة الحيوانية المستترة والمتوحشة بصورة مباشرة وبلا تزويقات نظريّة . ولعل من بين أهم مضامين رسالة الشاعر في هذه النصوص ، هو أن يحيل المتلقي إلى موقع يجري فيه - من حيث لا يشعر - مقارنات بما يقدّمه من صور الماضي السحيق ، وما تحاصره في كل لحظة من حياته الراهنة من صور القتل والعدوان "المتحضّر" الذي نعيشه بكل تفاصيله . إن مكتسبات الحضارة التي حققها الإنسان أيها الأخوة ، هشّة ، بل شديدة الهشاشة ، ولن تجعلنا - كمحللين نفسيين - نعتقد بأن الناس متحضّرين فعلاً وتخلّوا نهائياً عن ميولهم العدوانية الموروثة عن الإنسان البدائي ، ما زال الإنسان رمحاً مميتاً مستعداً للقتل في كلّ لحظة ، وما تفعله الحضارة هو أنها تعلّق وساماً على صدره باسم المثل والواجب والقيم القومية العنيدة كما يفلسفها الفلاسفة "التافهون" الدمويّون . هذا ما يعلنه الرمح القاتل الذي "يستعير" الشاعر صوته في مقطوعة "رمح" :

(                 يقولُ

                  رمحْ :

                  تُعلّقُ الحربُ وساماً من دماءٍ

     فوق صدريْ

                  كلّما ارتكبتُ جرحْ . - ص 952) .

وهو نفس الإعلان الذي "يستعيره" الشاعر من صوت السيف :

(                 يقولُ

                  سيفْ :

                  أشربُ خمراً من دمٍ ، يُمدُّ هذا

الجسدُ الفتيُّ لي مائدةً حمراءَ ، كلّما على حربٍ

                  نزلتُ ضيفْ . - ص 981) (نصّ "سيف") .

إنّ الإنسان هو ذئبُ الإنسان ، فمن يملك الشجاعة ، أمام كل تعاليم الحياة والتاريخ ، لنفي هذا الأمر ؟ إنّ هذه العدوانية ، كقاعدة عامة ، تكون قاسية ، أو تنتظر إثارةً ما ، أو تضع نفسها في خدمة مشروع ما يتحقق هدفه بوسائل أكثر ليونة ونعومة . وفي بعض الظروف المؤاتية ، يحصل العكس ، عندما تقف القوى الأخلاقية مثلا في مواجهة هذه التعبيرات فتصدّها إلى حين ثم تتعطّل ، عندها تظهر العدوانية بشكل تلقائي وتكشف في الإنسان حيواناً متوحّشاً لا يقيم أيّ اعتبار لبني جنسه . إنّ الحرب تنزع منّا آخر إضافات المدنيّة ، وتطرح في العراء الإنسان الأول في كلّ منا ، حتى أن الوحش يتعفّف ويبتهل إلى ربّه ويدعوه أن يحمي فيه الحيوان كما يقول الشاعر في مقطوعة "صلاة" التي ترتبك الصورة فيها قليلا عندما لا تتناسب العلاقة بين طرفي الصورة ؛ المشبه بالمشبه به ، حيث لا تماثل الأظافر في حدّتها القاطعة سيولة ونعومة دموع الإنسان :

(                 حينَ يصلّيْ الوحشُ يدعو ربّهُ :

                  ربِّ احمِ فيَّ الحيَوانْ .

                  لا تجعلِ اللهمّ لي أظافري

         جارحةً

                  كأدمعِ الإنسانْ . - ص 980) .

 لكنّها الحماسة ؛ حماسة الشاعر ، الذي تحطّمت آماله على صخرة عدوان الإنسان المسنّنة ، وحروبه المتحضّرة . ولو قرأتَ هذه الحادثة الوحشية المتحضّرة سيّدي القاري الكريم :

(ذات يوم تناقلت الفضائيات العالمية صورة جنود من فيالق القبعات الزرقاء يعملون في البعثة الأممّية على (اعادة الأمل) في الصومال , و(اعادة الأمل) هو الأسم الذي اطلقه الأمريكيون على عملية الصومال مثلما سمّوا عملية يوغسلافيا بـ (الوفاء بالعهد) , كشفت الصورة تسجيلا سرّياً : يأخذ الجنديان تباعاً الطفل الصومالي , يمسكانه كلّ من طرف , ثم يديرانه على أتون أوقد لهباً وسعيراً ونزعوا عن الطفل أثوابه , وتضوّع اللهيب برائحة الشواء فاحترقت باحتراق اللحم صورة من صور الثقافة الكونية , فاكتوت اللغة بأزيز مجازات الأمل , ويتمادى مسلسل الرعب الثقافي : يعترف الجنود الإيطاليون ، ويكشفون تواطؤهم مع جنود بلجيكيين وجنود أمريكيين ، ويستقيل بعض قيادات الجيش الإيطالي ويعمّ  الشعور بالفاجعة . ثم يأتي التحقيق بتورط جنود كنديين . ثم ينزل خبر كالصاعقة : إنّ مجلس الحرب في بلجيكا قد أعلن براءة الجنود البلجيكيين رغم أنهم اعترفوا بصدقية الشريط المسجّل , ثمّ أيّدت المحكمة ذلك . ثم رُفع الملف الى الأمين العام للمنتظم الأمّمي عسى ان تنبعث محكمة دولية , وخيمت السحب على ثقافة الإنسان المعاصر وادلهمت صورة الرجل الأبيض حيال الرجل الأسمر , وتطايرت روائح أحماض الكبريت من براكين الكونية الثقافية في مشهد مأساوي خليق بروايات كافكا وأفلام هيشكوك) (66) .

أقول لك سيّدي القاريء : بعد أن تقرأ هذه الحادثة الفاجعة ، ما الذي سيتبقى لديك من ثقة بالإنسان وبمؤسسات عدالته وبالفلاسفة "التافهين" الذين يقفون خلفها ؟ ألن "تتماهى" ، وبقوّة ناقمة ، مع ما يرسمه جوزف حرب من صورة عن هذا الإنسان ؟ ألن تتساءل معه ، وهو يرى دمه / دمك ، يجري فوق أصابع رسام لوحة موت الحياة تلك ؟ :

(                     لا أعرفُ هذي اللوحةَ كيفَ

           الأحمرُ يقطرُ من

                      أعناقِ حمائمها ،

                      لكنّي أعرفُ أنّ دمائي

                      فوق أصابعِ راسمها . - ص 982) .

والمشكلة الأخرى المضاعفة التي تتعلق بالسلوك الإنساني وببنية النفس البشرية هي أنها لا "تتعّض" ، وبرغم أن هذا النزوع هو سرّ المعرفة ونماء الحياة ، إلّا أنه في بعض الأحوال يورّط هذه النفس في كل ما هو مميت ومدمّر . لعلها غريزة هذه التي نسمّيها غريزة "التجريب" .. تجريب كلّ الأشياء حتى المحظور منها ، بل المحظور منها بشكل خاص . فالإنسان - وحسب رؤية الشاعر الكاشفة المنذرة - ليس بحاجة لأن يضع يده في النار كي يعرف بأنها تؤذي وتحرق . صارت الكلمة المجرّدة هي الإنذار . أمّا الحرب .. فبرغم أن شكلها شكل الغولة ، وبرغم أنها الجحيم التي تحرق وجودنا وتحيله هشيماً ، ترانا عائدين لإلقاء أنفسنا ، ومن معنا ، وما نمتلك مرّات ومرّات .. حربنا مستعرة منذ فجر خليقتنا ، وأول حرب أشعلها الإنسان هي تلك التي شنّها على الله خالقه في الفردوس واستمرت حتى يومنا هذا ! وديمومة استعار لهيب هذه الجحيم / الحرب يعكس قوّة الغرائز العدوانية التي تستعر في نفوسنا . والتاريخ يثبت بشكل مأساوي ، أن دور العوامل العقلية (والأخلاقية والدينية) كان ضعيفاً بالقياس إلى دور النزوات في حياة الإنسان خصوصاً العدواني المدمّر منها . ومعها ينتفي مظهر عظيم من مظاهر تطوّر الإنسان ، حين جعل "الكلمة" تقوم مقام الشيء ثم مقام المفهوم . إنّها القفزة الكبرى والمفتاح الأعظم لإنسانيته ولكل تقدّمه الحضاري . فصار ينجنب المحفّزات المؤذية بمجرد تسلّم دلالات مسمّياتها . وهذه دلالات مسمّى "الحرب" يحدّدها الشاعر في مقطوعة تحمل اسمها :

(              عريسها الخرابُ ،

               وهي المذبحهْ ،

               تكلّلتْ بالدمِ ، ألقتْ ريشَ بومها

على قامتها ،

               تزيّنتْ بالاضرحهْ . - ص 977) . 

هل يريد الإنسان إيضاحاً لدلالات "كلمة" الحرب أكثر من هذا ؟ ما الذي يتوقّعه من "عروس" عريسها الخراب والدمار .. وهذه العروس هي "مذبحة" متنقّلة .. إكليلها الدمُ ، وفستانها من ريش البوم .. وزينتها أطواق وأساور وقلائد من أضرحة . ما الذي يريده الإنسان من اللغة ، وقد اختزنت له كل دلالات الموت في هذه المفردة من جانب ، ثم تكفّل الشاعر بتصويرها أبشع تصوير مثير للرعب من جانب ثان مكمّل ؟ لماذا يقترب الإنسان من مفردة لها "قاموس أحمر" مكتوب بالدم ، ولماذا يخوض غمارها ؟ :

(                 لا تنتظرْ ، كي تعرفَ الحروبَ ،

      أنْ تخوضَ

                  في ويلاتها .

                  يكفيكَ كيْ تعرفها

                  وحشيّةُ المعنى بمفرداتها . - ص 976) .

وهنا تحضرني من جديد ، وللمرة التي قد تثير ملل وضيق البعض ، ناحية من نواحي عبقرية اللغة العربية "الأم" المظلومة ، المظلومة من قبل أبنائها المثقفين الذين يسقطون عليها عجزهم وذيليتهم "الحداثوية" . راجع معاني الجذر "حرب" ودلالات كلمة الحرب في المعاجم العربية ، ستجد بالتأكيد كل الصور الوحشية المفعمة بالرعب التي رسمها الشاعر . هذا أمر مفروغ منه . فاين تتجلى العبقرية ؟

تتجلى العبقرية في أن من معاني كلمة "المحراب" المشتقة من الحرب ، هو بيت الأسد .. فلماذا يدخل الإنسان بيت الأسد برجليه ؟ وهل يتوقع أن يخرج منه سالماً ؟ والدلالة الأخرى الأكثر إدهاشاً و"شاعرية" ، هي دلالة صادمة . فقد تحدّث جوزف حرب كثيراً عن شناعة هذه الغولة وبشاعة أفعالها ، وعن الروح الكلبية لقادتها ولصوصها ومسعّري نيرانها ، ووصفهم بالكلاب ، وتحدثتُ انا عن تجربتي المريرة في ثلاث حروب مع الكلاب المسعورة . هل تعلم سيّدي القاريء أن من معاني الجذر حرب هو انكلبَ ، وأصابه داء الكلب !!! :

حَرِبَ الرَّجُلُ بالكسْرِ كَفَرِحَ يَحْرَبُ حَرَباً: كَلِبَ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَهُوَ حَرِبٌ، مِن قَوْمٍ حَرْبَى مِثْلُ كَلْبَى، قال الأَزهريّ: شُيُوخٌ حَرْبَى، والوَاحِد: حَرِبٌ، شَبِيهٌ بالكَلْبَى والكَلِبَ، وأَنشد قولَ الأَعشى:

وشُيُوخٍ حَرْبَى بِشَطَّيْ أَرِيكٍ         وَنِسَاءٍ كَأَنَّهُنَّ السَّعَالِي

تجد هذا المعنى في معاجم العربية المهمة : لسان العرب ، وتاج العروس ، وتهذيب اللغة ، والمحيط في اللغة .. وغيرها .

ولا تتوقّف غايات جوزف حرب ، وأهداف رسالته ، عند هذا الحدّ الذي وصفنا جوانب قليلة منه ، إنه يحرّك أذهاننا - والأهم يخز أرواحنا السادرة في ظلال أفكار الفلسفات المضللة والأديان المخدّرة وإنجازات العلم القاتلة - لأن تتساءل ليس عن مسيرة هذا الخراب ، ومقارنة جحيم العالم الراهن المعقّد المظلم للإنسان الحديث ، بالفردوس البسيط للإنسان القديم حسب ، بل أن نتجرّأ على أن نطلق السؤال الأكثر شراسة ونكأً لجراح نرجسيّتنا : ألسنا مسؤولين عمّا أصاب هذا العالم ، ويصيبه ، من خراب ؟ ألسنا مساهمين - ولو كشياطين خرس صامتين - في هذا التدهور المخيف الذي يقودنا فيه الساسة عليهم لعنة الله - والبغي أشرف منهم فهي تمنحك اللذة بمقابل ، وهؤلاء يقتلونك بلا مقابل - والفلاسفة التافهون ، والعلماء التافهون نحو هاوية الجحيم السحيقة ؟

واميتاز جوزف هو أنّه ، بصورة مباشرة قليلاً ، وبالإيحاء كثيراً وهذا فرض تخصصه الشعري ، فتح أعيننا ومجسّات أنفسنا على حقيقة مساهمتنا البشعة في هذه الجريمة ، ليس في خوضنا المتحمّس الهوسيّ للحروب ، وتتبعنا خطى الساسة وافكار الفلاسفة ومنجزات العلماء التافهين حسب ، بل في تآمرنا على "قتل الأم" .. وإفناء ركائز الحضارة الأمومية .. ومطاردة الأم / الرحم السمح الباذل المُعطي / الأرض الكريمة بكل خصبها ونعمها ، نطاردها الآن كغزالة مسكينة شاردة ، تأتيها سهام العدوان من كلّ جانب :

(                  غزالةٌ ذي الأرضُ

                   طارَ فوقها غرابُها .

                   جريحةٌ . أمامها صيّادها . عن جانبيها

        فخّها . وتحتها ضريحها .

                   وخلفها ذئابها . - ص 934) (نصّ "غزالة") .

فأين المفر أيها (البياض) الحزين المُطارد ؟

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000