هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(قصة) توأمــــة القبور

عباس ساجت الغزي

  غاب خيط الشمس بعد ان احرقته الظلمة بغرورها, ورمت برماده فوق ارض السواد, حين جنَّ الليل هامت القلوب تستذكر احبة كانوا انس لنا رغم ان مكوثهم بيننا كان قصيراً لا يتعدى لحظات الفرح بالتغير, اللحظات التي استغرقت حرق سيكاره أشعلها ذاك الامريكي المرابط فوق الغيوم بانتظار ايعاز الشيطان لينقض علينا من جديد.

لحظة الاسترخاء والاستذكار بددتها صرخات وعويل حطمت جدران السكون المخيم على المكان, خبر كالصاعقة النازلة من حيث يستمتع ذاك الامريكي بوقته, تنذر بفاجعة حملها خبر عاجل على جناح جرادة حمراء, كان الاجداد يذكرونها في قصصهم عن زماننا قبل الاف السنين, لكن الخبر مصحوب بأنين ونوح لم يتسنى لهم ذكره حتى نعيش لحظاته حصريةً.

تلك الليلة الليلاء فاضت روح الشيطان فيها.. واهتزت الغيوم لتسقط صاحبنا من السماء بعد ان كان يغط في سبات عميق بحجة نفاذ علب السكائر لديه, وكثر فيها العويل حتى ان جدنا الراوي اخبرنا بان في زماننا عجائب وغرائب وحوادث وخطوب تقشعر لها الابدان وترمى فيها الحجب في البرلمان.. وتشرب الناس فيها دماءً من الشطآن.. وبتكبيرة يُقتل الانسان.

احببت ان استبق الزمن واغوص في المجهول علني اجد محارة, افتحها فاجد فيها الخلاص من معاناتي, لم اتوقع ان اجد الراوي في ذاك المكان حيث يخيم السكون الا من صرخات الثكلى والشيبة, ورغم دهشتي واستغرابي فرحت بوجوده ليقص لي ما ارغب بمعرفته.

كان يجلس واضعاً رأسه بين ركبتيه يتنهد, دنوت منه .. رفع راسه.. ثم اجهز بالبكاء, سألته: ما الخطب ايها الراوي؟, عهدتك تقص القصص دون ان تهتز او يرتد لك جفن في روايتها, تلعثم الراوي في الكلام ثم جمع شتات النفس بزفرة قوية, وقال: قراءتي كثيرة عن الفتن في اخر الزمان وقد استشهدت في احاديثي بالقرآن والاحاديث القدسية واقوال اهل البيت (عليهم السلام), لكن جرائم هذا العصر في سبايكر والصقلاوية و بأدوش والكاظمية فاقت كل تصوراتي عن تلك الفتن والاحداث المرافقة لها.

فكيف لجريمة مثل الابادة الجماعية في قاعدة سبايكر الجوية للتدريب أن تحصد ارواح (1700) من الطلبة الابرياء العزل الذين لا حول لهم ولا قوة, وهم يذبحون كالأضاحي لا ذنب لهم سوى انهم كانوا يرغبون بالالتحاق بالخدمة للدفاع عن الوطن والاعراض وابناء الجناة الذين ارتكبوا بأولئك الابرياء الجريمة البشعة برفقة صحبة لهم اوهموهم بان للربِّ دينان وأن الموت سمة هذا العصر.

وهمس في أذني ..أعلم يا صديقي بأن السعادة والشقاء يكمنان في الفعل, فكيف لك ان تصور هذا الفعل في مسرحية الحياة, وارى ان اولئك المجرمين الرعاع اختاروا مشهد العنف والاثارة بأحداث مأساوية, ليكونوا اشقى الاشقياء بفعالهم التي طعنت خاصرة الاسلام بخنجر التطرف الديني, فكانت الاجواء العامة مشحونة بالحزن والرغبة في الانتقام من كل ما هو متحرك في بلد الانبياء الذي لم يعد امناً بأهله كما كان.

ورمقني بنظرة واشار بالسبابة ارى ان عليك ان تحذر من دوامة العنف فالمؤامرات تحركها والفتن تشحنها لتستعر النار التي وقودها الناس والحجارة, وان ضاقت بك الدنيا بما رحبت فعليك بزيارة القبور فأنها تذكرة بالأخرة وداعية للتفكر, وفيها قومٌ لا تخشى منهم ظلماً ولا غدراً او خيانة, وكما قال البهلول حين سأله احدهم ماذا تفعل في المقابر؟ قال : أجالس قوما" لا يؤذونني ، وإن غفلت عن الآخرة يذكرونني ، وإذا غبت لا يغتابونني.

وما ان انهى صاحبي وصاياه كانت الصوائح تتبعها النوائح في كل الاركان من وطني, وكنت ارى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن الخطب كان عليهم شديد فقد حل عليهم العذاب من الله بما كسبت ايديهم, فقررت ان اخوض غمار تلك المغامرة واشد الرحال حيث الطمأنينة والسلام في مقبرة وادي السلام.   

وطوقتني روحانية ذاك المشهد وتناغمت جوارحي ومشاعري مع كلمات البهلول ووصايا صديقي الراوي وانا اتفقد قبور اهل لا اله الا الله بحلتهم الجميلة التي تتبدل كل يوم في بلد عشق الموت ورسم السواد وشاحاً وقرر ابنائه مغادرة الحياة الدنيا مبكراً والالتحاق في عالم لا يبحثون فيه عن تعيين او مصرف الجيب او البحث عن الامان او التفكير بالعيش بسلام بين احبة لا يملكون دفع الضر عن انفسهم, فكانوا ابعد ما يكونوا عن الرسالة الالهية للعوالم الانسانية بضرورة التعارف والتواصل والالفة والمحبة والتنافس بالتقوى لنيل الكرامة من الله.

في الطريق حيث الارواح تحوم كطيور النورس فوق الارواح حَمَّلني احد ساكني وادي السلام رسالة، مفادها :

"عجزتم عن اعادة ابني فقررت اللحاق به".

      لم تدم حيرتي كثيراً لأفهم فحوى تلك الرسالة.. فكل المعلومات كانت مدونة ومنقوشة على قطعة الحجر في واجهة ذاك القبر حديث البناء.. وكذلك القبر التوأم الملاصق له، كانت المعلومات واضحة وتشير الى اسم المتوفى وتاريخ الوفاة، ولا تحتاج الأمور الى كسر شفرة او فك طلاسم لتستدل على الفارق في تاريخ الوفاة، والذي كان يشير الى ثلاثة ايام. صاحب الرسالة كان قد وافاه الأجل اثناء استقباله للمعزين في مجلس عزاء ولده المغدور على يد الإرهاب الأعمى الذي عاث في رقاب العراقيين ذبحاً في الآونة الاخيرة، وما ان أتم رسالته وقام بعنونتها الى اصحاب الضمائر الميتة في مقبرة النفوس المقفرة.. كفكفت دموعي ولملمت بعض انفاسي التي ضاق بها صدري ليحملني لزيارة قبور الأحبة.. وقررت ان أمضي.. أسير في شوارع وازقة اهل لا اله الا الله.

      " ايها الساعي" ..

     كان نداء بصوت خافت عن يميني.. تبعته صرخات متقطعة لثلاثة اولاد لم افهم من كلماتهم سوى:

 "بابا.. بابا"..

      وقبل ان اجيب الداعي، اقتربت لقراءات بيانات رحلتهم التي تبين انها قصيرة جداً وبدون ولي الأمر.. فقد كان القبر لسيدة عراقية تبلغ الثلاثين من العمر الدنيوي وستة اشهر في رحلتها البرزخية.. وبالقرب منها ثلاثة قبور تعود لأبنائها وقد تغطّت بأكاليل الورد الصناعي الملون، أجبتها:

 على الرحب والسعة ايتها العراقية المحتسبة..

      فاهتز القبر ونفض التراب من وجه الارض.. واخرج قطعة قماش بيضاء وخصلات شعر، وسمعت النداء :

     "ان ارمِهنَّ.. على الوجوه المسودة في البرلمان العراقي عسى ان تبيض ويرتد اليها البصر والبصيرة.. وأسالهم ان يُلحقوا بنا وليَّ امرنا، لأنهم عجزوا بالأمس القريب عن ابقائنا بقربه."

      في الجانب الأيسر من احد ازقة المقبرة الجديدة، رائحة مثيرة تزكي الأنوف وتستقطب الأرواح الى جهتها.. لتجد ثلاثة قبور لأخوة لم يفصل بين رحيل اثنين منهم سوى خمسة ايام، في حين كان الثالث قد سبقهم بشهرين، ليلتحقوا بالرفيق الاعلى شهداء صابرين محتسبين في جبهة القتال، وهم يحاربون اعداء الله والانسانية من التنظيمات الارهابية التي تحاول نهش وتقطيع الجسد العراقي الطاهر.

      كانت ظاهرة توأمة القبور تثير الدهشة في مقبرة وادي السلام.. وكذلك قبور الشهداء المزخرفة الكثيرة التي تعيد الذاكرة للحرب العراقية ــ الايرانية التي أزهقت أرواح مئات الألوف من العراقيين.. وكانت المشاهدات الملفتة للنظر في المقبرة دليلاً واضحاً على إعادة تصنيع الماكنة التي تحصد الأرواح دون هوادة نتيجة السياسات الفاشلة التي تتحكم بمصير العراقيين في بلد عشق الابتلاءات ليرسم صورة واضحة الدلالة وبأكثر التفاصيل دقة يمتزج فيها الموت بالحياة.

ورغم مضي الوقت وسرعة نسيان بعض الاحداث لكثرة الخطوب, تبقى كلمات صديقي تطرق مسامعي في كل خطوة وحركة بان السعادة والشقاء يكمنان في الفعل, وان اعمارنا ليست سوى مدة العرض في مسرحية الحياة وقريباً يُسدل الستار, فلنترك اثر جميل في نفوس الآخرين.

 

عباس ساجت الغزي


التعليقات




5000