.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (30) تحليل ديوان المحبرة للمبدع جوزف حرب

د. حسين سرمك حسن

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً . 

 

الحرب:

حكاية الأحمر والأسود الأزلية

----------------------------

(                مُلقى على جذعٍ ، كأنّ وجههُ

     مكتئبٌ ، من عشقهِ ،

                 وروحهُ منتظرهْ .

                 جراحهُ تبدو كعشبٍ أسودٍ . لهُ

     يدٌ غطّتْ على إصبعها فراشةٌ ، وموتهُ كأنّهُ

                 رائحةٌ في مبخرهْ .

                 لو يخرجُ الموتُ قليلاً منهُ .

     لو تُمحى جراحهُ لبعضِ الوقتِ . كم كان جميلاً

     شكلُهُ

                 في ظلّ تلك الشجرهْ . )

عندما أنهيت القراءة الأولى لديوان "المحبرة" - ومن عادتي أن أقرأ العمل الذي أريد الإشتغال عليه ثلاث مرّات - وضعتُ في ذهني أن أبدأ الكتابة أولاً بهذا القسم الحرب" (ص 859 - 982) ، وقد حكم هذا التوجّه عامل ذاتي صرف مصحوب بحماسة وشعور بالألم شديدين . فقد خضتُ ثلاث حروب كونية مزّقت جسد وطني المقدّس ، الأولى هي الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات وهي أطول حرب نظامية في التاريخ المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية ، حرب جعلت الولدان شيبا . والحرب الثانية هي الحرب العالمية الثالثة التي شُنت على العراق (32 دولة و28 جيشاً ضد بلد واحد أنهكته الحرب السابقة) وتحوّلت هذه الحرب من حرب تحرير إمارة الكويت إلى حرب تدمير العراق بكل بناه حتى المدارس والمنازل ودور العبادة .. كل شيء على الإطلاق . واستُخدم فيها ولأول مرة اليورانيوم المنضّب الذي سيستأصل الشعب العراقي مع نهاية القرن - وفق حسابات أمريكية صهيونية - بفعل نسب الإصابة بالسرطانات العالية جدا والتشوّهات الولادية وغيرها . ثم الحرب الكونية المجرمة المصغّرة التي قادها الأمريكان الخنازير الغزاة لاحتلال وطننا العراق وإسقاط بغداد التي سقطت مثل ثريا هائلة من السماء إلى الأرض فأذهل دويها سمع شعوب المنطقة وتناثرت شظاياها إلى أبعد النقاط . وأنا أنظر إلى عنوان هذا القسم "الحرب" شعرت برجفة لا تُعرّف ، وانبثقت من صندوق ذاكرتي الأسود كل مآسي الحروب الثلاث وشدائدها الفاجعة ومرّت أمام عيني كشريط سينمائي خاطف ، وجعلتُ أسأل نفسي : ما الذي يستطيع جوزف حرب - وبالمناسبة وكما أتصوّر فقد عايش هو أيضاً حرباً أهلية بشعة مزّقت وطنه لبنان ، لبنان الذي قال عنه محمّد الماغوط وقتها : إذا قتلوا لبنان ، سوف أطلق النار على حنجرتي - أن يصوّره لنا عن الحرب بصورة تفوق ما شاهدته بنفسي ؟ هل يستطيع جوزف أن "يعلّم اليتيم على البكاء" كما يقول المثل العامي ؟ :

(                  بدأَ التكوينُ الأولُ

                   للحربْ

                   بعصيٍّ ،

                   وسكاكينٍ ،

                    وحجارهْ .

                    قتلَ الراعيْ الرّاعي .

                    والصيّادْ

                    قتلَ الصيّاد . وكان القتلُ الشكلُ

            الأولَ

                    للأعيادْ . - ص 861 و862) . 

إنه يراجع هنا الكيفية التي نشأت فيها الحرب فيمسك بالظواهر وهذا واجب الشاعر ، لا بالدوافع والطبائع التي على الناقد أن يلتقطها ويتوقف عندها بقدر علاقتها بالنص ، وبقدر منفعتها أيضاً في إضاءة ما وراء النصّ منا ستوضح ذلك . كان القنصُ - وفق رؤية الشاعر - شكلاً أوّل للحرب ففيه الخوف من المجهول ومن وحش الغابة والأعداء .. وهذه مكونات أساسية للأبعاد النفسية التي يواجهها المحارب في أي حرب ، قديماً وحديثاً . ومنذ تلك اللحظة بدأت دورة الحرب الكونية الهادرة التي لم تتوقف حتى الآن ولن تتوقّف :

(                 قتلَ الفلاحُ

                  الفلّاحْ .

                  فلّاحٌ يقتلُ راعيْ . راعٍ يقتلُ

   صيّاداً . صيّادٌ يقتلُ فلّاحاً .

                  وابتدأ الينبوعْ

                  يتدفّقُ فوقَ الأرضِ دماءً في

   نهرينِ الأولُ يُدعى : نهرُ الخوفِ ، الثانيْ يُدعى :

                  نهرُ الجوعْ . - ص 863) .

كان أول نداء جريح صعد من أعماق الإنسان إلى السماء هو نداء جائع يريد البقاء حيّاً بالحصول على ما يؤكل (غريزة الجوع) ، أمّا نداء الخوف فقد تكفّل به الإله المتوحّش الرابض في أعماق الإنسان : غريزة العدوان التي تولد مع الفرد ولا يتعلمها أحد . لقد صُمّمت أصلاً كدافع يحمي بقاء الفرد فصارت وسيلة لاجتثاث بقاء الآخرين . كان التفتيش عن الصيد والمرعى - كما يخبرنا الشاعر - سبباً أول للإحتكاك بين بني البشر .. ثمّ اكتشفت المرأة الزراعة - وهي عملية أقرب للإختراع - فصارت للرجل "مصالح" في الأرض والغلال .. وحدود يجب عدم اختراقها .. واستقرار مصحوب بوقت فائض يتيح لغريزة الموت أن "تلعب" ، وهذا "اللعب" مما لم يلتفت إليه علماء النفس إلّا في وقت متأخّر . فلماذا عزّ على بني البشر أن يخرج منهم إنسان العقل والتروّي والمحبة والتصالح والتنازلات ، ولم يخرج منهم سوى الإنسان القاتل ؟ هل لأنهم لا يمتلكون في أعماقهم غيره ؟ لقد كان الجوع الناحل والخوف المسلول - كما يقول الشاعر - سببين جعلا هذا الإنسان القاتل ينفلت من أسار ذات الإنسان . لكن الخوف تخافت بالبيت وبالإستقرار ، والجوع تخافت بالزرع الثابت والتدجين ، فعلامً الموت والحرب والدماء ؟ :

(                  ذاتَ

                   صباحْ

                   بسريرٍ أخضرَ في حُضنِ        

امرأةٍ

                   وُلدَ

                   الفلّاحْ .

                   كان

                            الخوفُ المسلولُ ،

                   والجوعُ

                   الناحلُ ،

                   سببيِّ أنّ بهذا البدء الممحي ،

          ومخافةَ أن يغدو

                   المقتولْ ،

                   لم يُخرجْ هذا الإنسانُ من

          المتعدّدِ فيهِ سوى القاتلْ . - ص 864 و865) .    

ومع رخاء وسكون الزراعة وقرب الرجل من المرأة التي لم يكن يوفرها الصيد ولا الرعي ، تصاعدت فرص المجامعة .. وتزايد النسل .. ومن أسرة إلى قبيلة فإلى عشيرة .. ومن حروب العشيرة نشأت الحاجة للدولة .. فالدولة بنت الحرب . وفي كل حركة تكاثريّة يشبّه الشاعر الأمر بعملية مضاجعة ، وكلها في الواقع هي تمظهرات للغريزة الجنسية ، وحين ضاجع الإنسان الدولةَ تغيّر ناتج عملية المضاجعة نسبياً فأنجب السيف رمزاً للقوّة والسلطة المفضية للحرب عاجلاً أم آجلاً ، والسوق الذي سوف يدخل في علاقة متبادلة مع السيف ، حيث يديم السوق الحرب ، مثلما تحميه بسيفها .. وهكذا هي الدورة نفسها التي بدأت بحرب الراعي والصيّاد ولكن من موقع أعلى :

(                 ضاجعها ، أنجبَ منها اثنينِ الاولُ يُدعى :

       السيفُ ، الثاني يُدعى : السوقُ . وحتى الآن تعيشُ على

       صهواتِ الزحفِ ، لتسرقَ خيرَ الأرضِ ، كما يسرقُ

       حدّ المنجلِ

                   قمحَ الصيفِ ،

                   وخريطتها كلُّ ترابٍ يُستخرجُ من

       دمه الياقوتُ ،

                   وقائدها السيفُ . - ص 867) .

وسرقةُ حدّ المنجل قمح الصيف ليست سرقة ، وإنما هي "دور" ضروري لإكمال دورة الخصب ، وتوفير ممكنات البقاء المشروعة ، ولذلك لا يمكن تشبيهها بسرقة الدولة لخيرات الأرض وجهد الإنسان . وبرغم ذلك فإن الشعر بانسيابيته وتلقائية صوره ينبثق من "التأمل" ؛ تأمل الشاعر لما يفعله الإستبداد والسيف من لا عدالة وامتهان ومصادرة لعرق الإنسان . هذا الإستبداد الموصل للإمتهان والإستغلال والمذلّة صارت تتعاون على شروره سلطات : الشيخ والقاضي والتاجر و"البطل" والكاهن . كلٌّ حسب اختصاصه : الشيخ يحكم القبيلة بحكمته ، القاضي يسوّي الأمور بشرائعه ، والتاجر بروح سوقه ، والبطل بالقوة ، والكاهن بطمئنة الخوف من المجهول .. و :

(               اجتمعوا أجزاءً ، وصاروا كلّاً في ملكٍ

     أخذ التقليدَ من الشيخِ ، القانونَ من القاضي ، القوّة

     والغارَ من البطلِ ، السوقَ من التاجرِ ، والمعبد والصلواتِ

     من الكاهنِ .

                 كان البطل الأحمرُ

                 يغفو أيامَ السلمِ . - ص 467 و468) .     

وهذه خلاصة السلطة المطلقة التي اجتمعت آخر الأمر بيد الكهّان ، فقد أوغر الكاهن قلب الملك ضدّ الشيخ ثم ضد القاضي ، فصارا عبدينِ لدى الكاهن . ويأتي التاجر ليحتوي الكاهن فيصير الكاهن عبداً للتاجر ، وياخذ منه عبديهِ : القاضي والشيخ ، ويُغرس الملك بتوسيع الملك ، فيستيقظ البطل النائم .. وتتحرّك عجلة الحرب بالقوة المسلّحة التي يسيّرها البطل الغافي الذي لن ينام بعد الآن ، تدفعه أوامر الملك الذي يخزه مهماز ذهب التاجر ، وكل الحرب تحت عباءة ذاك الكاهن . فمخطيء من يعتقد أن الأخ "فاسكو دي غاما" قد ترك أهله ووطنه في البرتغال ، واندفع ليواجه المخاطر المميتة في ظلمات البحار والمحيطات الهائجة من أجل الفلفل و"الشطّة" الهنديّة !! لقد كان جزءا من طلائع النمو الإستعماري والحرب الدينية التي ستتخذ غطاء التبشير ثم "مسؤولية الرجل الأبيض" تجاه الشعوب المتخلّفة لتبرير استعبادها لتلك الشعوب وقهرها ونهب ثرواتها . ولا يمكن ، أبداً ، تناسي السبب الديني كامتداد للحرب الصليبية ، ولإلغاء طريق الحرير الذي كان يسيطر عليه المسلمون في الشرق الأوسط وآسيا . وفاسكو دي غاما نفسه هو صاحب المقولة الشهيرة بعد أن وصل شرق أفريقيا وتحديدا موزمبيق : "الآن طوّقنا المسلمين، ولم يبق إلا أن نشد الخيط". أي أنّ البطل المسلّح الذي استيقظ صار يمارس عدوانه تحت غطاء الدين .. فمن يردع من ؟ .. صار من الطبيعي أن يصحو الشاعر :

(                 وإذا الأرضُ

                  حرائقْ ،

                  وسيوفٌ ظلّت تتزيّنُ حتى صارت

    عبرَ الوقتِ

                  بنادقْ ،

                  وإذا الأرضُ

                          رمادٌ

                         ودخانْ ،

                  إنّي رغم مرورِ الأعوامِ

                  أراهُ الآنْ

                  يعلو ،

                  يمتدُّ ،

                  كأنّ النيرانَ بهذي الأرضِ بحارٌ

        حمرٌ ،

                  وهو

                  غيومُ النيرانْ . - ص 870 و871) .

وقد دخل الشاعر الآن بنفسه إلى ساحة القصيدة في الأبيات الأخيرة من خلال الضمير "إنّي" ليعلن صراحة أن تلك النيران التي اشعلها الملك بحفز الكاهن (السلطة) والتاجر (رأس المال) . تلك النيران التي سمّيت آنذاك الحرب ، مازال يشاهده حتى الآن وقد ازداد تأججاً وسعيراً . وتصوير مراحل الصراع الإقتصادي وتحوّل السلطات ونشوء الطبقات قد يشرحه عالم اقتصاد مثل ريكاردو أو آدم سمث بصورة أدق لكنه لن يستطيع جعل "النصّ" يلامس شغاف الروح أبداً . لن يجعل التاريخ "أغنية" .. ولن يحرّك غير استجابة ذهنيّة باهتة . المحامي لا يغنّي لموكّله ولكن الخطيب يغنّي لخطيبته كما يقول طاغور . لن تتحوّل الحرب إلى وحش وبحار حمر من جمر ودماء ، وهنا تتحوّل الحرب إلى أسطورة بدأها الشاعر بقصّة "تكوينها" الأول . لكن عمل الشعر يتألّق الآن في بداية المقطع الثالث الذي يتكلم فيه "الأبيض" بلسان الشاعر طبعاً :

(               يتنقّلُ في النورِ لأنّ

        الأبيضَ

                تقتلهُ

                العزلهْ .

                لا يسكنُ في وطنٍ ، أو

        قانونٍ ، أو

                دولهْ .

                ينهضُ هذا الأبيضُ ، يأخذُ شكلَ

  النايِ ، ويعلو سنبلةً ، يتفتّحُ آهَ قرنفلةٍ ، يتحوّلُ

  فيروزَ خزامى أو

                      فُلّهْ .

                يتذاوبُ رجلاً وامرأةً

                من غيمةِ قبلهْ .

                لا يخرجُ من شكلِ العصفورةِ

  إلا كيْ يأخذّ

                شكل

                النحلهْ . - ص 871 و872) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000