.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مظفر النوّاب : (22) ( الجرس العاشق ... أنسنة النحاس )

د. حسين سرمك حسن

              

بغداد المحروسة - 2014

(( يا جرس ...

يالعِشِتْ وحدك

ساكتْ امن أيام ما واحد يسمعك 

تَعَبْ ؟ ...

لو ملّيت 

لو رنّاتك الحلوات ما عادت بنات التكّي والزعرور يلتمّن عليها

يا حسافة ...يا جرسْ

كل ساع رناتك عِرِسْ 

بس الوكت كلّش نحِسْ ...

....كلّش نحِسْ .. ))

                                   ( مظفر النواب )                 

                              من قصيدة ( جرس عطلة )

هناك مجموعة من القصائد المهمة للمبدع المعلم «مظفّر النّواب» لم تضمها مجموعته الشعرية العامية الأولى - وللأسف الأخيرة «للريل وحمد» - ، ونُشرت متناثرة هنا وهناك في الصحافة الثقافية العراقية والعربية. ومن وجهة نظري الشخصية إنها أكثر أهمية - فنياً - من قصائد «للريل وحمد» ، لأنها تعكس نضج أدوات «مظفّر» الفنية وتنامي اقتداره الإبداعي. خذ مثلاً قصيدة «روحي» وقصيدة «البنفسج» وستجد دلائل غامرة تؤكّد صحة فرضيتنا هذه.

ومن بين القصائد التي لم تضمها مجموعة «للريل وحمد» قصيدة «جرس عطلة» التي اطلّعنا عليها في أحد مواقع الإنترنت ، وفيها - في البيت الاستهلالي الأول - ينفخ المبدع الروح في أوصال «جرس» المدرسة فيحييه. وأقول دائماً إن الآلهة تحذّر من المبدعين - خصوصا الشعراء - بل تمقتهم لأنهم «يحيون ويميتون» مثلها ويسلبونها امتيازها الأوحد :

«ما له أحّدْ شُغُل بيّه..

جرسْ عطله..

حيل أدگ نوبات وحدي»                                    
والإهمال الذي يتحدث عنه الجرس مُتوقّع لأنه يدق "على راحته" خلال العطلة. لكن التصعيد «الحيوي» هذا للأداة الجامدة يبلغ حدّاً فائقاً «يشخصنها» حين تبدأ بالكشف عن «انفعالاتها» ، التي تبدو غير مفسرّة وغير مفهومة بانتقالها من رتابة الحركة الآلية المتوقعة إلى احتدام المشاعر الداخلية اللائبة ، إلى «حركيّة» حرّة تناقض الأداء الموضعي الذي نعرفه عن «الجرس»:

«أبچي وحدي.. أحچي وحدي..

آخذ المدرسة عرض إبطول وحدي..

أطفه وحدي بلايه أحّدْ واشتعل..

جرس منّي وبيّه وحدي اشتغل»

سأم.. وإحساس بالخواء واللاّ جدوى.. مشاعر اكتئاب مسقطة «تؤنسن» الجرس الجامد وتمنحه القدرة على أن يُحصي ما تبقى من أيامه الضائعة.. هنا يدخل الساحة قلق الموت فيزيد انتباهتنا الخامدة للحياة ألقا وتمنحها بهاء آسرا :

«گلت أگضي الظلّن من أيامي.. أتفرّج

إمن الشباچ عالدنيه وأهلها»

يفتح «جرس» الشاعر الشباك ، فيكتسحه «المحظور» ، وكأنه يذكرنا بتلك الغرفة التي يُحرّم فتحها في الحكايات الخرافية - ألف ليلة وليلة مثلاً - لأنّ في تعدّي التحذير خراب وعذاب.. لكنه خراب محبّب وعذاب مؤنس :

«ولن بالشبيبچ الگبالي إتلجلج

گامة من بلّور

شكلتني من عيوني شكل»

وتظهر الاحترافية العالية «للنّواب»في تصغير مفردة «شباچ» في البيت السابق الذي أراد فيه الجرس أن يطل على الدنيا وأهلها كي يتناسب طرفا المعادلة من حيث السعة التي جاءت رتيبة وغير صادمة، لأنها متجانسة ليجعلها (شبيبچ) صغير تبزغ من خلاله قامة أنثوية هائلة من بلّور.. ويمكنك الانتباه إلى الرابط الخفي بين الشباك الزجاجي وبلور الجسد الأنثوي. ولو دققت في تراتب وتسلسل الأفعال والأوصاف التي ذكرها الشاعر حتى الآن فستجد أن السمة الأساسية للجرس العاشق الكئيب ، والتي هي وظيفته ، هي الحركة المتناوبة وتكرار الدق والتوقف - حركة وسكون. هذه الحركة الإيقاعية  وسمت الأبيات السابقة :«أبچي وحدي.. أحچي وحدي.. عرض إبطول.. أطفه واشتعل.. منّي وبيّه..»

وحلّت برفيف حيي في قامة الجسد الأنثوي الذي (يتلجلج) مثل دقات جرس الرغبة.. للرغبة في أعماقنا جرس يدق.. ويسأم.. ويشتعل وينطفئ.. وقد (تَشْكِلُهُ) قامة باذخة من عينيه (شَكْلاً) - وانظر إلى ساديّة الوصف الباهرة - فتقض مضجعه وتؤرقه بلا رحمة.. أفعال الرغبة - والشهوة في العمق - هي أفعال جرسيّة - حتى العملية الجنسية في لذتها التمهيدية وذروتها النهائية هي عبارة عن إيقاع جرسي - وهل يمكن لأحد من علماء اللغة أن يتمسك بأطروحاته التقليدية في أنّ اللغة - وهذه دعوة لتأسيس نظرية جديدة في اللغة كما أسلفنا - تنشأ لأننا نريد أن (نصف) سمات الأشياء التي نتعامل معها، كلاّ.. ليست الأشياء هي التي تفرض خصائصها الحروفية من الخارج على الداخل الإنساني وترتسم عليه كلوح أبيض - سمات الأشياء تُسقط من الداخل البشري المحتدم على الخارج المستقبل السلبي.. هذا الإسقاط يتلّون ويتشكل - وهذه هي معضلته الأساسية المضلّلة التي أربكت العلماء، علماء اللغة التقليديين - بألوان حفزات اللاّشعور الماكرة والمسمومة التي يهمها (التهام) و (استيعاب) الشيء دون اعتبار لقيود الزمان والمكان وللنواهي القيمية ، وبإلفة حقيقية بين المتناقضات التي لا تتعايش عادة في الشعور . وعلى هذا الأساس يُسقط الشاعر حركة «نابضة» جرسية غير مألوفة على موضوع حبّه:                                                                    «غمضيت إبربع چفّي 

وبثلث ترباع شفت الدنيا مزروعة كفر»

تعود لعبة «التصغير» هذه التي تجتزئ (ربعاً) من الجفن ، وتراهن على كفاية الأرباع الثلاثة الباقية التي أدخلت الجرس العاشق إلى الفردوس :

«مشمش حلو.. ورمّان 

وفر بيّه الخِصِر فرّة حجل»

الحركة الجرسية دائرة مغلقة.. وأتذكر حينما كنا صغاراً كنا ندهش حين نسمع بائع الرقي العجوز يصيح على بضاعته «من حلاوته امْدَعْبَلْ».. كنا نتساءل كيف يصبح الشيء الجميل والحلو «مدعبلاً» أو دائرياً أو كرويّاً ؟ كبرنا فوجدنا «كارل غوستاف يونغ» - عالم النفس الشهير - يقول إنّ أيّ شيء يكتمل جماله يصبح دائرياً.. الجمال دائرة.. ومدن العالم الكبرى دائرية.. بغداد.. نيويورك.. باريس.. الكمال دائرة.. ولهذا يكون كمال الدهشة والحيرة المرافقة عبارة عن دورة رمّانة أو مشمشة حلوة ، أو حِجِل يحيط بأسفل ساق ممتلئة ، فيخلق فيها حزّا طريا يشعل الحرائق في روح الجرس العاشق ، الذي تأنسن وتشخصن الآن تماماً ، وبات يقابل دورة الخصر بدورة الحجل ، ويصيح مستفزاً:

«سبحانك شگلّك ؟

كفر.. وجنة.. وشتا.. وصيف.. وربيع

ابجسد واحد»  

وتمتد أنامل المبدع الخالق لتبعث روح الاستجابة الحيّة الراقصة في أوصال المشط الجذل الذي يرقص ويتراقص فرحاً منتشياً بعد أن سمع شهقات إعجاب الجرس المتيّم.. الأشياء الجامدة تتحاور وتتراسل فيما بينها.. تتسلم رسائل الإعجاب والدهشة فتنفعل وتستجيب من بعد بـ «عضّة» حبّ مفعمة بالنرجسّية يصغّرها الشاعر  - من جديد - بجعلها عضة طفل مستثمراً نعومة أسنان المشط الصغيرة كأساس للمقارنة والمقابلة . والتصغير على يدي «النوّاب» يقدّم أعلى مستويات النشوة (يا لروعة عَضَّة طفل) حيث يدرك أن استخدام الفعل «يرگص - يرقص» يضفي فعلا (كبيراً) ، و(خشناً) بالنسبة لمشط صغير ، ولذلك اختار فعلاً (صغيراً) يوحي بالدلال والتثني (اتمرگص) الذي ضاعف إيقاعه وإيحاءاته بتوكيده مرتين (إتمركص  اتمُركص).. وعزّز هذه الدلالة في نفس المتلقي من خلال تكرار جملة (عض بعد) مرتين أيضا ، ومفردة (بعد) ثلاث مرّات ، وقبلها لفظة عض ومشتقاتها أربع مرّات :

«من سمعني المشط من إبعيد 

إتْمْرگص إتمُرگص عالهوة

....وعضّاني

بس عضّةْ طِفل

عض بعد..

عض بعد.. يا بعد روحي»

ويتجانس هذا التكرار مع المناخ الإيقاعي "الجرسي" العام الذي يسيطر على أجواء القصيدة منذ بدايتها ، والذي يرسخه الشاعر مع تنامي احتدام جرسه النفسي من خلال اللعب الجناسي المتقن وتقابل التكرارات بعد مسافات محسوبة «عَضْ بعد.. عَضْ بعد.. فُرْ بعد.. فُرْ بعد» ثم تبدأ أولى خطوات الخيبة الحبيّة بعتاب شفيف يتأسس على انسحاب جزئي نحو الداخل لتأجيج لهيب عذاب مرتجى لكن متخيل يبدأ بإجراء تحرّشي :

«تلفنت للجنّة ...

من شباچك الجدّام بيتي

وبالغلط فرّيت رقم النار بيّه

...فُرْ بعد..

فُر بعد.. بس فُرْ عدل»

لتعقبها خطوة أخرى أكثر مباشرةً واقتراباً من دائرة الخيبة والإحباط حيث يعود جرسنا المستوحش إلى الضرب على وتر الانتظار والوحدة . لكن مازالت هناك رجفة أمل :

«ما له أحّدْ شُغُل بيّه 

جرس عُطلةْ صيفْ ومتاني المدارس 

أدگ وَحْدي ....

بلكن إيگُطعن العطلة 

ويشتهن دگّات گلبي»

للجرس العاشق أمل يسرح معه في أحلام يقظته ، وهو يستعرض الضفائر واستدارة الخصر التي أصبحت أصغر وأصغر وتشبه استدارة الخاتم. وهنا يضع الشاعر مقابلة طباقية بين غطاء اللّذة وعري الخيبة من خلال :

«وكلْ خِصر مِحْبَسْ عِرِسْ

ويگلك إلبسْ 

وانته نازعْ نفسك من إزمان 

وتلملمْ سكِتّكْ »..

جاءت سكتة الاكتئاب واليأس ، وراحت إلى الأبد تلك «الشقاوة» المراهقة النزقة التي كان جرسنا يستمتع بها. سوف يقترب شبح المثكل/ الموت ، وسينفض الشاعر يديه من تراب الرجاء :

«يا جرسْ ...

يالعشِتْ وَحْدَك

ساكِتْ من أيام ما واحدْ يسمعك 

تَعَبْ ؟ ...

لو ملّيتْ 

لو رنّاتك الحلوات ما عادت بنات التكّي والزعرور يلتمّنْ عليها

يا حسافة ...يا جرسْ

كل ساع رنّاتك عِرِسْ 

بس الوكت كلّش نحسْ ...

....كلّش نحسْ »

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000