.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(حزن النواب العجيب : مو حزن.. لكن حزين !!)

د. حسين سرمك حسن

                   مظفّر النوّاب (21):

(( مو حزن .. لڇن حزين

                   مثل بلبل .. گعد متأخر

                                    لگه البستان كلها بلايه تين ))

                                               ( مظفر النواب )

                                   من قصيدة ( مو حزن ... لكن حزين )

(( مو حزن ... لكن حزين ))

هكذا يستهل المبدع المعلّم «مظفّر النّواب» واحدة من أروع قصائده التي لم تضمها مجموعته المعروفة «للريل وحمد»، وهو مدخل يثير الحيرة في ذهن المتلقي التقليدي من خلال تقابل النفي والتوكيد الاستدراكي. إذ كيف سيكون الفرد حزيناً وغير حزين في الوقت نفسه. لكنّ الأمر ليس كذلك، فلسنا هنا أمام نفي وتوكيد؛ ولكن أمام حالة توكيد فريدة ذات سمات خاصة، حالة تنتقل من المصدر «حزن» العائم العمومي إلى الصفة «حزين» المحدّدة بخصائص وضع إنساني يقف خارج التوصيف المعتاد لانفعال الحزن الذي يلمّ بالإنسان بفعل خسارات فادحة أو حتى جزئية إذا كانت ذات معاني رمزية عميقة.

إننا نتحدث تحديدا عن حزن «النواب» الحزين؛ فالشاعر ينتقل من الحزن السكوني كحالة قتامة وفقدان رجاء، ويأس إلى الحزن في تجسداته الحركية الخارجية والداخلية التي تعكسها انفعالات وأحاسيس الشاعر الكئيب ، الفرد واستجاباته. إننا نتعامل هنا مع الحزن وقد تحوّل من مفهوم، إلى حالة إنسانية ملموسة، إنه الحزن وقد (تشخصن) في هيئة شاعر حزين هو «مظفّر النّواب» وليس شخصاً آخر، أوشاعراً آخر. وحين تتأمل الصورة الأولى في القصيدة التي يحاول الشاعر من خلالها رسم ملامح حزنه، ستتأكد مما ذهبنا إليه من أنّ هذا الأنموذج الذي يطرحه هو لشخص يعاني من حزن من نوع خاص جدا ، فهو - كما يقول - حزين : «مثل ما تنگطع جوّه المطر شدّه ياسمين» ،

فالناس كلها - خصوصاً ذوو الحسّ المرهف - يحزنون حين تمتد يد قاسية وتقطع باقة من زهور الياسمين بتعسف وتهوّر، لكن الصورة التي يقدّمها «مظفر» أوسع في دلالاتها الرمزية النفسية من ذلك،  إذ أن فعل الموت (قطع باقة الياسمين) يتم في جو نماء وخصب وحياة يتمثل في هطول المطر.. هنا تتزاوج (أطروحة) الحياة مع (طباق) الموت لتعطينا (تركيباً) جديداً - إذا استخدمنا الجدل الهيغلي بحذر - تركيب يشعل في النفس حزناً خاصاً، فريد الطابع ، عصيّ على الإمساك بحدوده داخل الأطر المألوفة التي فقدت قدرتها على إثارة الدهشة بفعل رتابة الاستجابات. ولذلك نجد الشاعر يعود ليؤكّد بعد كل صورة على أن من الخطأ أن يتم التعامل مع ما يعانيه من اكتئاب على أنه نوع من الحزن العادي.. بل نجده يصوغ هذا التنبيه وكأنه تحذير للمخاطب:

«إني گتلك :

لا مو حزن..

لا مو حزن.. لكن حزين»

وتكرار هذا «التحذير» وتأكيده على أنه قد نبّه المخاطب إليه يعني أن الشاعر نفسه غير قادر على أن يطرح حدود حزنه ضمن إطار الحزن التقليدي من خلال (شرحه) ، فهذا ليس من واجبات الشاعر الأساسية ، فهو لا يشرح ويفسّر ، بل "يتصور" ويتساءل ولا يقدم إجابات جاهزة ، لذلك نجده يلجأ إلى محاولة ثانيه لتصوير محنته الاستثنائية فيمثّل حاله بأنه :

 «مثل صندوگ العرس

ينباع خردة عشگ

من تمضى السنين»

فيزيد من درجة إرباك المتلقي الذي تحكمه توقعاته المؤسسة، فيجد نفسه يواجه حالة حزن على رمز للحب والشراكة الحبّية ممثلة في صندوق العرس الذي يفقد قيمته بمرور السنوات فيتآكل ويتفكك ، في حين أن الشاعر لا ينظر إلى صندوق العرس من الخارج مثل المتلقي، إنه (يتماهى) ويتماثل مع صندوق العرس إلى حد الأسى على مصيره كمعبّر عن مصيره الشخصي هو نفسه، مصير ستمتد مخالب الفناء لتجتث وجوده وتحطمه.. وإلاّ- ومن دون هذا المعنى الرمزي - ما الذي يكشفه الشاعر من جديد حول مصير  صندوق خشبي غير أن يتآكل ويتفكك ويباع «خردة» مهملة رغم أنه حاول تلطيف الخسارة بجعلها «خردة عشق»، وبسبب هذا الفارق الشاسع بين فهمين واستجابتين، بل بين موقفين من الحياة والنظرة إلى العالم، يعود الشاعر ليكّرر (تحذيره):

«أني كتلك :

مو حزن..

لا مو حزن.. لكن حزين»

ويقوم بمحاولته الثالثة لتصوير الفارق فيشبّه حاله الحزين بأنه:

«مثل بلبل ...

گعد متأخر...

لگه البستان كلها بلايه تين»

وهو شكل ( شعري ) مخفّف من أشكال الخراب والخسران إلاّ أنه قادر على إثارة قدر أكبر من الانفعال والتأثير بفعل التعاطف مع هذا الكائن الصغير الجميل «البلبل» الذي يواجه الآن مثل هذه الخسارة الجسيمة والتي تنطوي - فقط في حالة تماهي الشاعر مع طائره - على قدر من تعذيب الذات بسبب تفويت الفرصة المواتية.

وفي المقطع الختامي /الحركة النهائية تتجلى العبقرية «النوابيّة» حين يعود بنا الشاعر إلى مفتتح الاستهلال مصحوباً بالتوكيد ويضع - باقتدار مُعجز - بيتاً يحل محل مفردة «حزين» فيوغل في التشويش الجميل. فإذا كان يكرّر في المقاطع الثلاثة السابقة: «مو حزن.. لكن حزين» فإنّه يصمم بيتاً شعرياً كاملا ليحل محل صفة (حزين) ، وكأنه يقدم إجابة يفك بها عقدة الاشتباك الاستهلالية فيقول:

«مو حزن ...

لا مو حزن... 

لكن أحبك من چنت يا أسمر جنين»..»

لكن «النّواب» يقدم - في حقيقة الأمر الغائرة - نظرية جديدة للحزن يتشكل فيها السواد من أقصى البياض.. أو في ذروة ازدهاره ، ويترعرع في أحشائه. إنّ هذا الحب الخرافي المديد الذي يتعلق فيه المحب بمحبوبه الأسمر منذ أن كان جنيناً هو إخراج شعري دفاعي شديد الإفراط تجاه خشية الفقدان والتهديد الوجودي الذي يمثله الموت والخراب المجسّد في المقاطع الثلاثة السابقة حيث تتهاوى الأشياء الجميلة في الحياة ، بل تندحر أمام سطوة الفناء المرسوم، كمآل مصير نهائي (صندوق العرس) أو بفعل عدوان خارجي مباشر (قطع شدّة الياسمين) ، أو نتيجة تكاسل عدواني مرتد على الذات (يقظة البلبل المتأخرة) ، وهذا يؤدي إلى أن تترعرع بذرة الحزن السوداء وسط بياض تربة حب وفرح الشاعر المؤثل بالخضرة، لكنها لا تنمو ككيان مستقل.. إنها تنسرب وتتعشق.. وتتشرب في أوصال نفس الشاعر المختلجة لتقدم لنا (تركيباً) جديداً لحزن فريد.. هو ما نصله بعد الحدّ الأقصى من الفرح.. هو فرح مهدّد بذاته.. وجمال مذعور من شدّة الحاجة إليه وقسوة كماله المميت.. وحبّ الشاعر الذي مهما كان مقدّراً كمصير يبدأ من لحظة تشكل محبوبه في الرحم الأمومي ، لن يبقى محصنّاً ضد ما يشعر به الشاعر من توجسات وتحسبات ، وهو يرى إلى تلك الباقة من الياسمين التي تُقطع ، ولاحظَ الارتباط الذي يتآكل، فتكون النتيجة حزناً لن نستطيع الشعور به نحن ويكون مفهوماً له أن يقول :

(مو حزن.. لا مو حزن.. لكن حزين).

يسأل الصحفي (كرم نعمة) المبدع مظفّر النّواب : ألم تكبّلك القصيدة بالأحزان؟

فيجيبه :

(على العكس، وحتى في أقصى حالات الحزن أجدني فرحاً. وثمة قصيدة لي يقول مطلعها: «مو حزن لكن حزين». فالشعر يحوي فرحه الخاص، ثمة فرح يكمن داخل النص الحزين. وهذا ما تحسّه في حالة النشوة والطرب عند سماع أغنية حزينة»..

وفعلاً:

«مو حزن.. لكن حزين»...

هذا هو حزن النواب العجيب .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000