.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (18)

د. حسين سرمك حسن

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً . 

المشابهات: كلٌّ شبيهٌ بكلٍّ 

------------------------

(                إفعلْ ما أوصيكَ بهِ . تنطفيء

      الاشياءُ ، جميعُ الأشياءِ ، لدى الموتى ،

                إلاّ

                الشكْ .

                فافعلْ ما أوصيكَ بهِ ، كي لا

      تدخلَ في تعذيب الميّتِ

                           لكْ . )

  

  

  

  

  

  

وهي ليست محض مشابهات أفقية ، بل عمودية ايضا إذا جاز التعبير . وهنا نواجه نوعاً من "الترجمة الشعريّة" للنصوص الأسطورية إذا كان الوصف دقيقاً . حيث يأخذ الشاعر عدداً من الأساطير القديمة المتعلقة بقصّة الخليقة ويقدّمها شعراً . فإذا عدنا إلى الميثولوجيا المصرية وجدنا أن التقاليد الذكرية تطلق على العماء البدئي اسم "نون" وهو الأوقيانوس الذي كان قبل السماء والأرض ... وأن إله الشمس "رع" كان كامناً في حضن المياه الأولى "نون" تحت إسم "آتوم" الذي يعني العدم وأيضاً "الإكتمال" .. إلى أن جاء يوم سئم فيه من حالته الشبيهة بالعدم ، فانبثق بإرادته وتجلى تحت اسم "رع" .. ثم انجب الهواء وتوأمه اللذين أنجبا بدورهما الأرض والسماء .. وهكذا . وهذه الأسطورة "يترجمها" الشاعر شعراً في قصيدة "الخالق النيلي" :

(          منْ قبلُ ما قبلُ ، ولم يكنْ سوى

محيطٍ أبديٍّ هو

                  "نون"

            فجاء منه

                     "رع" .

           وكان "رع"

           من ذاته

           بذاته وُلِد .

           ضاجع ذاته

                      فجاءَ البدءْ .

           ضاجعَ بعدَ البدءِ

           ذاتهُ ،

           فجاءتِ الرياحُ

                  والندى .

           وضاجعَ الريحُ الندى ، فجاءت

الأرضُ ،

           وجاءت معها السماءْ ... إلخ - ص 121 و122) .

وهي كما قلت ترجمة شعرية أو بدرجة أدق نظم شعري لجانب من أسطورة الخليقة المصرية . نظم سردي يلاحق خطوات التكوين من لحظة العماء ، مرورا بخلق السماء والأرض والليل والنهار ، وانتهاء بخلق لإنسان ، كما كان الحال في ديوان "الخلق" للكون الشاعر .

ومثلما كان بدء الخلق في "ديوان الخلق" بالكلمة فهو يتحقق أيضاً بالكلمة في الميثولوجيا المصريّة التي يقول موروثها أن زعماء "منف" ، أرادوا أن تكون لمدينتهم زعامة الفكر والدين والأدب إلى جانب الزعامة الإدارية والسياسية ، ولذلك عدّلوا مذهب الخلق القديم الذى نادت به مدينة "أون" القريبة منهم (المطرية وعين شمس حالياً) ، ونفوا ما كان ينادي به مفكروها . وتخيّلوا قدرة عاقلة فى إلههم "بتاح" ، وأنه أوجد نفسه بنفسه ، وأبدع الكون ومعبوداته ، والناس والحيوانات ، عن قصد منه ورغبة . وكان سبيله إلى الخلق فكرة تدبّرها قلبه أو عقله ، وأصدرها لسانه فكان من أمر الخلق ما كان . هذا ما يصوغ الشاعر لمحة التكوين منه في مقطوعة "البدء" :

(                  لم يخلقِ الوجودَ

                   من يديهْ

                   إله "ممفيس" . الوجودُ

             كان صورةً

                   لديهْ ،

                   أو عقلَهُ ،

                   أو حُلمَهُ .

                   فقالهُ .

                   فبدءُ ذا الوجودِ

             كان

                   الكلمهْ - ص 124 و125) .

لكن الشعر الشعر يبدأ في قصيدة "عربة النار" حيث ينبري التخييل الشعري لفعله ، وتبدأ الصورة التشبيهية والإستعارية في تحفيز ذهن المتلقي ليشتغل وينفعل بما لم يره من قبل ولم يسمع به ، وحتى إن سمع به "فخير الشعر ما يجعل السمع بصراً " كما كان يقول النقاد العرب القدماء :

(                عربهْ

                 هي

                 قرصُ الشمسِ ، وقد طُليتْ بالذهبِ

        الأحمرِ ، سائقها فرسٌ من ريحٍ .

                والعجلاتُ

                صفراءُ ، مدوّرةٌ ،

                تُدعى : الساعاتْ ،

                تركبها امرأةٌ عاريةٌ تُدعى : النارَ ،

        وقد غطّى قامتها شعرٌ

               جُلناريُّ الخصلاتْ ،

               كي تلتقيَ القمرَ العاشقَ

        في

               قصر الظلماتْ . - ص 126 و127) .

لكننا هنا لسنا في معرض صياغة نصوص شعريّة باهرة جديدة من ثيمات اسطورية فجّة قديمة حسب ، بل في معرض تقديم تلك التصوّرات لتحريك ما هو ساكن في الأعماق ، أعماقنا ، من خلال الإستفزاز . وقد عمد الشاعر إلى "نثر" النصوص لتبدو وكانها بغير رابط في حين أن النظرة الكلّية ستثبت أنها من طراز "المشابهات" . ففي نصّ "الصلاة البابلية" يرتفع صوت مسحوق يبتهل متوسّلاً بأرواح المطر والرعد والريح والنهر ، مضفياً عليها صفاتٍ تناسب طبيعتها وعنفوانها وتناقضاتها (الباكي والغاضب والثائر والطيّب...) طالباً منها الأمان والحب والقوت والبقاء (ص 128 و129) ولكن بعد مسافة قصيرة جدا بمقدار نصّين وثلاث صفحات يكشف الشاعر في قصيدة "القمح الجائع" قساوة ووحشية السلطة الدينية المنافقة في بابل والتي تتستّر زيفاً بطقوس عبادة الإله "مردوخ" أو "مردوك" ، وهو نفس السلوك المنافق والإستغلالي للسلطات الدينية القائمة الآن التي ترهّب الناس وتخيفهم من بطش الله ، في حين يتخمون أنفسهم بكل ما ترغب به من محرّمات تّمرّر تحت أغطية التبريرات الملساء . وهذا الكاهن البابلي "الناعم" الذي يمدّ يديه (كعصفورين يغطّانِ على غصنٍ ساكن) يصرخ بالإنسان المسكين (والمشكينو هم بؤساء بابل الصامتون كما يصفهم الأدب البابلي) من خلال رهبة غلالة البخور وظلمة المعبد ، أن آمن بالإله "مردوك" .. فآمن المسكين ، ووهب ما يملكه للمعبد ، فأصاب الفقرُ المؤمنَ ، وجاع وضاع ، و :

(         ماتَ المؤمنُ . ألقوا لكلابِ المعبدِ

بالمؤمنِ . لا نعشٌ ضمّ المؤمنَ . ما لفقيرٍ

آمنَ نعشٌ ،

          ومدافنْ .

          وبما قدْ حُرمَ المؤمنُ

منهُ ،

          عاش به الكاهنْ . - ص 135) .

وارتباطاً بمخافة الإنسان البابلي من الموت ، وتصوّره للآخرة كاستجابة دفاعية تعويضية كما هو متوقّع ، يأتي هذا التصوّر غريباً صادماً على يدي الشاعر ، فالخيّر والشريرُ يذهبانِ إلى عقابٍ أبديّ في جوف الأرض ، "العالم الأسفل" أو "عالم الظلمات" كما يسمّيه البابليون . وهو تصوّر مخيف ، حيث الظلمة اللامتناهية ، والكل عراة مقيّدون ، والريح الثلجية تقطّع جلودهم ، ولا يجد المؤمنون المساكين من الأحياء ملجأً سوى الإله مردوك يدعونه ليطيل أعمارهم ، أو أن يهبهم الخلود . ومن حقّ الشاعر أن يضع تصوّره الخاص للعالم "الآخر" في بابل ، لكنه في ما هو موثّق في الموروث الاسطوري لتلك البلاد ليس كذلك  . فصحيح أن جميع الأموات (خيّرهم وشريرهم، من عمل صالحاً ومن عمل طالحاً) ، يذهبون إلى العالم السفلي (كور) ، إلّا أن المعاملة العقابية الشرسة لا تُصيب الجميع سواسية ، بل هناك تمييز وفوارق . وليس أدلّ على ذلك من أسطورة (جلجامش وانكيدو والعالم الأسفل) ، والتي يُسائل في ختامها جلجامش روح صديقه أنكيدو عن الأحوال في العالم الأسقل :

(هل رأيتَ الذي لا ولد له ؟

أجل رأيته وطعامه التراب والطين

هل رأيت الذي خلّف وراءه ابناً واحدا؟

أجل لقد رأيته وهو ممدّد أسفل الجدار ويبكي بكاء مرّا

هل رأيت الذي خلف أربعة أبناء ؟

أجل . شاهدته وهو فرِح القلب

وهل رأيت الذي خلّف خمسة أبناء ؟

نعم رأيته وهو كالكلب السعيد ويده مبسوطة ويسمح له بدخول القصر) (28) .

بالإضافة إلى أنّ بعض الملوك السومريين كانوا يدفنون مع زوجاتهم وخدمهم وحليّهم وأدواتهم الموسيقية .

وبطبيعة الحال فإن من حقّ الشاعر أن يصوغ "أسطورته" القائمة على شخصيات وحوادث ومعلومات أساسية من الأسطورة القديمة ، أن يغيّر فيها بما يتناسب مع رؤيا جديدة يحملها . ولكي يصل الإنسان القديم إلى هذه الرؤية : وجود عالم أسفل يُحاسب فيه الجميع بنفس الطريقة ، احتاج إلى آلاف السنين بعد ان كان يعتقد أن الميت يتحوّل إلى شبح ينبغي اتقاء لعناته بأي طريق . فـالإنسان القديم لم يكن يستطيع أن يتصوّر نفسه ميتاً ، ومن هنا فقد ابتدع حلّا وسطاً ، سلّم بحقيقة الموت ، حتى موته هو نفسه ، ولكنه جرّده من معنى الفناء الذي لم يكن لديه دافع للإعتراض عليه حين كان الأمر يتعلق بموت عدوّه . وخلال تأمله جثمان من يحبّه اخترع الأشباح ، وكان شعوره بالذنب إزاء الرضى الممزوج بالحزن هو الذي حوّل هذه الأرواح الحديثة الولادة إلى جنّيات شريرة مفزعة . وقد أوحت إليه التغييرات التي يحدثها الموت بتقسيم الفرد إلى جسد وروح - وقبل كل شيء إلى أرواح عديدة . وبهذه الطريقة فإن سلسلة أفكاره سارت في خطّ موازٍ مع عملية التحلّل التي تبدأ مع الموت . وأصبح تذكّر الميّت لفترة طويلة الأساس لافتراض أنماط أخرى للوجود ، وإعطاء تصوّر الحياة التي تستمر بعد الموت الظاهري .

وفي البداية لم تكن هذه الأنماط التالية للوجود أكثر من ذيول لتلك الحياة التي وضع الموت لها نهاية - كانت ظلّا ، خالية من المضمون ... ولم تبتدع الأديان إلّا بعد وقت متأخر كثيراً النظرة عن هذه الحياة الأخرى باعتبارها الحياة المرغوبة أكثر والحياة الصحيحة حقاً ، وحطّت الأديان من قدر الحياة التي ينهيها الموت فجعلت منها مجرد تمهيد . وعندئذٍ كان من المنطقي مدّ الحياة إلى الماضي ، وتصوّر وجودات سابقة ، وتحولات للروح وعمليات تقمّص ، كلّ ذلك بهدف تجريد الموت من معناه كنهاية للحياة . فمنذ وقت مبكر للغاية نشأ فعلاً إنكار الموت ، الذي هو تقليد من تقاليد الحضارة ) (29) .

وفي المقطع الأول من القصيدة التالية "في الأعماق" ، يطرح الشاعر رؤياه حول إنكار الموت بصورة شاعريّة متحضّرة ، فهو ليس جسماً ، ولا ذاتاً كما هو حال الإنسان العادي الذي يفنى ، كما أنه ليس عقلاً تُحسب عملياته وتُحصر مداركه ، ولا صورة تحدّد شكل تلك الذات ، ثم تشحب بمرور الأزمان . إنه "جوهر" مطلق للروح الكبرى الساكنة في عمقه الأعمق ، هذا العمق الكوني الذي يستعصي على التأطير والتعريف ، فهو أبعد من كل مدارات الكون وكلّ الأفلاك ، فكيف وأين ستلقاه ؟ :

(            لا الجسمُ أنا ، لا الذاتُ ، ولا

  العقلُ ، ولا الصورةُ ، لكنّي

             هذا الكلّ الأعمقْ .

                  هذا

                  المطلقْ .

                  هذا الصامتُ في أعماقي ، حيثُ

  الروحُ الكبرى الساكنةُ الجوهر في ما هو ابعدُ

  من كلّ مداراتِ الكونِ ،

                  وكلّ

                  الأفلاكْ ،

                  فإذا ما أنتَ ذهبتَ لتلقانيْ ،

  فاذهبْ

                  لهُناكْ . - ص 140 و141 ) . 

هذا المطلق يرتدّ إلى أصله المادي الملموس في المقطع الثاني ، ويتوقّع - كأي كيان فانٍ - أن يدهمه الموت ، ويوصي "الآخر" أن يجعل جسده جسد عريس عند الموت ؛ يكحّل عينيه ، ويدهن شفتيه بدهن الورد ، ويلبسه أجمل أثوابه ، بل يزوّده بأثوابٍ للأيام المقبلة في عالمه الآخر ، ويضع معه طعاما وشراباً وسراجاُ ممتلئاً زيتاً كي يبعد تلك الظلمات . إنه درس أي إنسان يموت ، بابلياً كان أو غير بابلي . يوصيه بأن لا يُحرق جسده ، كي ترضى عنه عشتار الربّة ، وأن يدفنه في قبّة ، وليس في التراب . وهو يوصيهُ بأن ينفّذ وصاياه بتقاصيلها ، فالميت المخذول سيلاحقه ، شبحاً أو روحاً ، وفق التصوّر القديم كما قلنا قبل قليل . روح الميّت لن تهدأ وستنقلب حياته جحيماً ، حيث يقوم الأموات بنعذيب الأحياء ، وهكذا كانت حياة الإنسان القديم لآلاف السنين :

(                إفعلْ ما أوصيكَ بهِ . تنطفيء

      الاشياءُ ، جميعُ الأشياءِ ، لدى الموتى ،

                إلاّ

                الشكْ .

                فافعلْ ما أوصيكَ بهِ ، كي لا

      تدخلَ في تعذيب الميّتِ

                           لكْ . - ص 144) .

وبين هذا الجوهر المتعالي الذي يكمن خلف مدارات الكون وكلّ الأفلاك ، والحرص "الطفلي" على رعاية الجسد الميت وتزويقه كدمية وتجهيزه بالطعام في القبر ، يكمن دفاع الذات المنجرحة والمهدّدة ابداً .   

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000