..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية كم بدت السماء قريبة!! لبتول الخضيري (3)

د. حسين سرمك حسن

مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية :

إنّ البنت تبني روايتها العائلية في إتجاه معاكس لما رسمه معلّم فيينا وطوّرته - تطبيقياً - "مارت روبير" في كتابها "رواية الأصول أصول الرواية" ، فالبنت - التي لا نعرف اسمها حتى الآن -  تنتقل من واقع العائلة "الواقعية" المُقلق النابذ لفرص التوافق والتكيّف بين أطراف المثلث الأوديبي ، إلى "واقع" مقابل لعائلة "واقعية" مشتهاة تكون فيها بنتاً لها - وأختاً وقريناً لإبنة العائلة الأصلية : خدّوجة - وتنظر من بعد وبحرقة مكتومة إلى العائلة التي نبذتها والتي تحنّ إليها ، منتظرة الإنقاذ من أبيها ، والإلتمام في أحضان أمّها . وهي في سبيل ذلك لا تتردّد - عن لاوعي - في توريط نفسها بصورة متكرّرة حين تفشي لأمّها المتعنّتة الكارهة لعائلة خدّوجة بعض "الأسرار" الصغيرة لأفعال تقوم بها في بيت خدّوجة ، كما حصل حين أخبرت أمّها بأن بيبي الحجّية - تقصد جدّة خدّوجة - قد سرّحت لها شعرها بمشط الخشب العائد لها :

(أقامت الدنيا وأقعدتها قائلة : jessuss ، القمل" . لم تفرغ من تأنيبها حتى نصحها أحدهم بأن تدخلني الحمّام لتغسل رأسي بالنفط . مُنعتُ على أثرها من زيارتهم لمدة أسبوعين ، قضيت أولهما في محاولات مزعجة للتخلص من رائحة النفط) (ص 25) .

ومن المهم بمكان أن نذكّر أنّ هذه البنت هي الطفلة الوحيدة ، ومن المُعتاد أن الطفل الوحيد يحظى برعاية ملوكيّة من أبويه متربّعاً على عرش قلوبهم ، لكن ما نلاحظه أنّ معاملة الأم لابنتها صارمة في الكثير من الجوانب ، وفي بعض الأحيان تثير المرارة في نفسها إلى الحد الذي أوصلتها فيه إلى أن تعلن أنّ :

(هناك مرّة أولى وأخيرة لكلّ شيء) (ص 25)

وشاءت المصادفة أن يكون ذلك "الشيء" عِقداً من زهر أبيض ؛ عِقد من زهور القدّاح صنعته هي وخدّوجة ، وهرولت به نحو أمّها ، ووضعته على الأريكة المفضّلة لديها ، كي تكون مفاجأة سارّة . ولكن عندما عادت بعد مدّة لترى وقع المفاجأة ، وجدت "ديفيد" - الذي يصر أبوها على تسميته بـ "داوود" ، والذي يزور أمّها مع شقيقته "ميلي" كلما جاء إلى بغداد من البصرة حيث يعملان في شركة نفط البصرة - قد جلس على العقد وسحقه بثقله . كانت الهديّة الأولى من البنت إلى أمّها .. وها هي تُسحق بإهمال وبلا رحمة ، الأمر الذي جعلها تقطع عهداً على نفسها :

(لن أقدّم قلادة قداح النارنج لغير خدّوجة بعد اليوم) (ص 27)

ليمثّل هذا العهد إعلاناً مبرّراً بالإصرار على وضع حلّ لروايتها العائلية بما يتضمنه من تهشيم للآصرة الحبّية بينها وبين أمّها أوّلاً ، وتوسيع دائرة العدوان على أيّ طرف تسبّب في تدمير بادرة مشروع الحلّ - ديفيد مثلا - ثانياً ، ووضع كلّ ثقل الرجاء في كفّة الأب المُنقذ ثالثاً . وقد تمظهر الموقف الأول في حركة رمزيّة قامت بها وهي تتهيّأ لشرب قدح الشاي :

(تناولتُ مكعباً من سكّر أمسكته بطرفي سبابتي والإبهام ، جعلته يلامس سطح الشاي في فنجاني برقة غير متناهية . رحت أرقب تصاعد امتصاص السكّر للشاي من بين أصابعي بلذة ، حتى تحوّل لونه من أبيض إلى بنّي فاتح ، ثم ذاب وتهشّم في يدي ، فلعقتُ الحلاوة المتبقية . حركة لا تحبّها أمّي ) (ص 27) .

إنّها "تُمتص" تماماً إلى أعماق دائرة وجودها الشخصي ، بالرغم من أنّها تجلس بين أمّها وضيفيها الثقيلين بالنسبة لها . لقد التقطت علامة سريعة على الصلة العاطفية الغير شرعيّة بين أمّها وديفيد أو داوود . فقد التقط الأخير قدّاحة من عِقدها الذي سحقه بعجيزته ، ومرّرها على شفتيه ، بحركة سريعة خفيفة لا تكاد تلحظ ، لتنزلق القدّاحة من بين إصبعيه ، وتستقر في جيب أمّها الوردي الذي يعتلي صدرها الأيسر (ص 27) . تملكها شعور غريب بأنها ستركله وتركض ، ولكنها تردّدت ، وقمعت هذا الشعور الذي انسرب في صورة رغبة جارفة في الإنسحاب من عالم المحيطين بها ، وصلت حدودها القصوى في الخطاب المكتوم الذي تحوّلت به من ضمير الغائب إلى المخاطب ، وهو الأب في كل مرّة ، وكما بدأنا الحكاية :

(أبي ، قلتَ إن بُعدكَ لن يطول وها أنا ذا لا أكاد أراك حتى نهاية الأسبوع . انغمستَ في أعمالك ، وأمّي انغمستْ في مرطبات الجلد تعتني ببشرتها . خفّت الأصوات في البيت لقلّة وجودك. لم تعد تضفر لي جديلتي في الصباح ) (ص 30) .

وهنا تتفاقم المحنة النفسية للبنت ، فبعد أن شكّل أهمال العِقد من قبل الأم ، وسَحْقِه من قبل "صديقها" ديفيد ، "الشيء" الذي مثّل نهاية الآصرة الحبّية بينها وبين أمّها ، ووضعت كل ثقل رجائها في كفّة الأب ، ها هي تُخذل من جديد من خلال عدم وجود الأب الذي اعتقدت أنّ حضوره سوف يعوّض كل خساراتها ، وخصوصا الفراغ الأمومي العاطفي الذي نجم عن إهمال أمّها لها وانهمامها بشؤونها الشخصية حسب :
(أمّي تحب نومتها المتأخّرة ، لا داعي لإيقاظها لتربط لي شريط حذائي أو تعدّل ياقة قميصي) .
وبعد أن حُسم الأمر ، واستولى عليها شعور متكرّر بأن (صوت الأّمّهات يأتي دائما من بعيد) (ص 33) ، هذه القناعة امتزجت مع صوت "دلّة" أم خدّوجة الذي كان يأتيهم متوعّداً من بعيد وهم في ذروة لعبهم الطفولي الآسر . لكن لم يصبح صوت الأب - كما كانت تتوقع - هو الحاضر دائماً ، وهو الذي سوف يملأ عالمها الصغير . وليس تأكيد البنت المتكرّر على أن لا ينسى أبوها ضفر جديلتها كل صباح سوى تعبير عن هذا التحوّل في العلاقة الحبّية من ضفّة الأمومة إلى ضفّة الأبوّة ، مع إحالة ما هو من اختصاص الأمومة في رعاية البنت ، كأنثى ، إلى الأب ، كإعلان ختامي عن إزاحة الأنموذج الذي يجب أن تتماهى معه البنت في تلك المرحلة الحسّاسة من تطوّرها النفسجنسي ، لتضمن تحقّق المسار الطبيعي في هذا النمو ، بلا تشوّهات ، ومن دون عقد مستترة . ويبدو حلول الأب محل الأم ، كموضوع حبّ وحيد ، مسوقاً بضغوط حاجات نفسية شديدة تجتاح وجدان البنت الصغيرة حين تتحسّب البنت من أدنى الظروف التي قد تعيق اهتمام الأب بها كشأن وحيد . فها هي تجلس على نهاية السلّم تراقب حركة ضيوف أبويها وأحاديثهم في حفلة العشاء التي أقامها أبوها بمناسبة افتتاح مشروع المطيّبات ، فلا تنسى للحظة النداء الملتهب الذي تحاول تذكير أبيها بالتزاماته "الأمومية" تجاهها :

(أبي ، أنت تخدم الجميع . ستسهرون حتى الصباح لكنك لن تنسى غداً ضفر جديلتي قبل إرسالي إلى المدرسة) (ص 37) .

إنّ قدراً من "التشفّي" كان يسم علاقة البنت بأمّها ، خصوصا في حالات التوتّرات الشديدة بينها وبين أبيها مثل تلك التي حصلت بينهما حين أصرّت الأم على العمل في مكتب شركة النفط الإنكليزية ببغداد بوساطة ميلي وديفيد ، فرفض الأب ذلك بقوّة متعذّراً بضرورة تفرّغها للعناية بابنتهما الصغيرة حتى تكبر :

(فجأة شهقة صغيرة منها ، وسكت النقاش .. لم أرها تبكي في حياتي ، لكنني سمعتها بالتأكيد من خلف الباب . ربما دموعها بيضاء كبشرتها . لمحتَ طرف تنورتي فقمتَ لاستقبالي ومنعتني من الفرصة الوحيدة لأراها تبكي ) (ص 43) .

وروح البنت الصغيرة كانت في الواقع ترزح تحت وطأة مطارق قلق الإنفصال والهجران ؛ الخوف من رحيل الأم وسفرها إلى البعيد ، الرحيل الذي تتوعّد به وهي تتحدّث إلى أصدقائها ، وصار ورقة حمراء تلوّح بها في وجه البنت دون أن تشعر . كان الأب مطمئناً - وفي ذلك قسوة - إلى أن الأم لا أحد لها تلجأ إليه ، ويحاول هدهدة مخاوف ابنته الصغيرة عن هذا الطريق !! ويؤكّد لها أنّ أمّها لن تذهب إلى أيّ مكان غير هذا البيت ، وأنّ الحال سيبقى على ما هو عليه :

(لن يتحرّك أحد من هنا .. ستبقى هي تنتظرك في البيت ، أنتِ ستنجحين كلّ سنة في المدرسة ، أنا سأكون في عملي طوال النهار . سيمكث الجميع في مكانهم .

تركتَ الغرفة ، وقبل أن تغلق الباب قلتَ :

-هذا وعد . ) (ص 47) .

ووعود الآباء بالنسبة للأطفال في مثل عمر هذه البنت ، هي وعود ذات طبيعة "إلهيّة" ، ليست مُتخمة بالمصداقية العالية حسب ، بل بالطابع الحتمي للتحقق وعدم تأثّرها بأي متغيّرات مهما كانت طبيعتها أيضاً . لكن ما سيحصل مستقبلا سيكون مفاجئا للبطانة اللاشعورية التي تتحكم بحياتنا من وراء ستار وتحتفظ بكل هذه العهود المطمئنة وذات الفعل التخديري العظيم ، فالأب هو الذي سيغادر بصورة مفاجئة . لكن قناعات اللاشعور الطفلي تتلاعب بها أذرع وموجات الصراعات والرغبات العاتية التي لا ترحم ، والتي تؤسسها الوقائع اليومية التي تتكسّر على صخورها المسننة التطمينات الأبوية مهما كانت . ولعلّ المنفذ الأشدّ دقة في تصوير مخاوف الروح الصغيرة هي الأحلام ، التي تنسرب عبرها - مصوّرة - تلك الصراعات في هيئة درامية :

(حلمتُ تلك الليلة أنني سمعتُ محرك سيارة داوود عند باب البيت الأمامي الذي صُفق بشدة . عندما نزلتُ السلالم إلى المطبخ في اليوم التالي قلت : "صباح الخير مامي" ، استدارت ، فإذا بها ميلي ! كان فمها الصغير بلا أسنان ، منخرطاً إلى الداخل . شفتاها الرقيقتان مدهونتان بطلاء شفاه بنّي غامق ، فهي تحبّ صرعة الأزياء . قالت لي دون تردّد متقدّمة نحوي : "أنا التي سأعتني بك من الآن فصاعدا" . فمها البنّي المنخرط إلى الداخل كأنه نجمة متشنجة أسفل منخريها ، يشبه ثقب الكلب الصغير النحيل التائه في المزرعة المجاورة . بخطوة واسعة مني إلى الوراء ، تحوّل المشهد إلى سحابة ، لأجالس لحظات ذعر في فراشي عند الفجر) (ص 47) .

وابتداءً ، يشيد الحلم بناءه الصوري عادة على "بقايا" نهارية من اليوم السابق تشتغل كمادة أوّلية لعمليّات تحقيق الرغبات المكبوتة وإشباعها ، التي هي "عمل الحلم - Dream Work" الأول ، من خلال نقلها من مستوى "المضمون العميق المستتر - Latent Content" إلى مستوى "المضمون الظاهر - Manifest Content" ، حيث تتمظهر الرغبات الدفينة - والكثير منها شائن - بصورة محرّفة ومنكّرة . وهذا ما يقوم به "عمل الحلم" الذي يحقق إصابة عدّة عصافير بحجر واحد كما هي عادة اللاشعور في تسوياته الخلّاقة ، فقد غيّب الأم الحقيقية التي اختفت من ساحة مسرحه بعد أن سمعت الطفلة محرّك سيّارة الغريم "داوود" الخائن والمنافس الأبوي كما ترسّخ في نفسها . وكانت إشارة مغادرة الأم الناقمة هي صوت انصفاق باب البيت الخارجي بقوّة ، حيث تعبّر شدّته عن "نوع" الرحيل النهائي والناقم . ثم استبدلت أمّها بميلي التي شوّهها عمل الحلم بقسوة وجعل فمها بلا أسنان ، منخرطاّ كنجمة متشنجة أسفل منخريها ويشبه ثقب الكلب الصغير ، وكأنّ هذا التشويه المُغثي عقاب على الجملة التي قالتها ، وهو عقاب "استباقي" حيث لا يتمسك اللاشعور بالتسلسل الحرفي لعلاقة الأسباب بالنتائج . وهذا - أيضاً - تعبير عن محنة "التضاد العاطفي - Ambivalence" التي تسم علاقة كل إبنة بأمّها في هذه المرحلة العمريّة الهشّة ، وتحت ضغوط هذه العلاقة المتوترة المجافية من أمّها بأبيها ، والباردة المهملة لها والمليئة بالممنوعات بها . لكن تبقى الأمّ أمّاً ، خصوصا حين يكون البديل غير مستساغ نفسيّاً من قبلُ فعليّاً ، ولا يصلح للتعهّد برعاية الإبنة بعد رحيل الأم الاصلية . وهذه الطبيعة المتضادة وجدانياً ، لم تدع الرغبة في الخلاص من الأم تمر دون حساب ، فكانت لحظات الذعر التي يوقعها الأنا الأعلى / الضمير النامي بالبنت مكافئا للعقاب على تلك "الأمنيّات" الصغيرة . ولكن هذا المكوّن الخطير من مكوّنات الجهاز النفسي ليس عصيّاً على التصافق .. أبداً .. بخلاف ما نقرأ ونسمع عنه في كلاسيكيات التحليل النفسي ، فقد مرّ مشهد "الخيانة" الأول الذي تشهده الإبنة الصغيرة بين أمّها وديفيد ، وها هي تقدّمه بنبرة محايدة وبعبارات وصفية وكأنّها تنطلق - فعليّاً - من فم السارد المراقب :

(كانت الشمس تخترق شباكاً صغيراً عند حافة سقف المخزن في مكان اتصاله بالجدار الشرقي للغرفة . أشعّة جانبية اصطدمت بأشياء خلف العمود لتنعكس ظلالها على الجدار المقابل ، من بينها ظلال قنينة الغاز ، والكرسي الهزّاز المكسور ، وخزانة المعدّات . فجأة ! انبثقت ظلال دون زوايا .. ببطء ، ارتفع أمامي على الجدار ظل بكتفين عريضتين ، يحتوي ظلّاً بشعر ملفوف للأعلى على هيئة كعكة .. أين ميلي ؟ الظلال تتقاطع ، الكعكة تتدحرج . الشعر يتهدل . يزداد الإحتواء . الكرسي يضطرب . يتشاركانه ) (ص 52) .

والشعر الملفوف على هيئة كعكة هي علامة فارقة للأم التي نامت تفصيلات مشهد سلوكها الخياني بهدوء وبلا ذيول ساخطة أو معاقبة في أعمق طبقات لاشعور البنت . لم ترجع إليها الذاكرة الحيّة للأخيرة ، الذاكرة التي كانت "تنبض على رصيف شارع" متوهّجة بكل التفاصيل العاديّة ، وعلى الرغم من أنّها تمثل صدمة ساحقة لوعي أي بنت بعمرها ، وتعيش ضغوط تلك العلاقة بأمها ، وبين أمّها وأبيها الذي شكّل موضوع حبّها الأثير . الأب ؛ موضوع الحبّ ، الذي لم يفي بتعهّده "الشهير" بالنسبة لطفلته حيث كان غائباً أكثر أيام الأسبوع ولأكثر من الست سنوات الحاسمة في نموها النفسجنسي .  ولكن حلّ محلّه بديل هو :الرائحة ! رائحة الفاكهة والمطيّبات المُرتبطة بعمله . ولم يكن غياب الأب نفسيّاً مرتبطاً بعمله فقط ، بل بمرضه المفاجىء أيضاً ، حين أُصيب بنوبة قلبيّة ألزمته الفراش فغيّبت رائحته ، وكشطت شيئا من قشرة "الألوهة" المحصّنة والمتعالية المُتخيّلة :

(الدكتور يقول لك : "لا تنسَ . القلب ليس لعبة" ... تسللتُ إلى حيث تستلقي . لم أعتد على فكرة عدم انبعاث رائحة فاكهة من ملابسك . جلستُ على الفراش قريبة من وجهك . ارتعشتْ دمعة في زاوية عينك اليمنى) (ص 55).

ومع اقتحام حقيقة أنّ موضوعات الحب معرّضة للإنكسار وتهديدات الفناء مهما كانت عزيزة ومحصّنة في أعماق اللاوعي ، لأسوار وعي البنت الصغيرة ، بدأت مَلَكة التفكير لديها بالتعمّق والتجوهر - ولو بصورة أوّلية - حول الحقيقة الإنسانية الكبرى والوحيدة في حياتنا ؛ حقيقة الموت ؛ الحي الذي لا يموت . فالشعور بسطوة المُثكل ، كما وصفه جدّنا جلجامش العظيم ، وبدء إرهاصات الإحساس به كمشكلة ، يمكن أن يكون فرصة كبرى لأهم شروط نمو الوعي ونفاذه إلى جوهر الحقائق الوجودية الكبرى ، ومفتاحا أساسيا لنضج الشخصية الإنسانية :

(لأول مرّة اكتشفت أنني أفكّر ! تعلمتُ أن أفكر ببطء مثلما تتعلم أمّي قيادة السيارة . رحتُ أفعل ذلك في غرفتي ، وفي المدرسة ، وحتى في المزرعة . يأتي يوم الجمعة فأخرج بعد الفطور مع اكتشافي الأخير . أحسستُ بأن لمشيتي وقعاً جديداً . أفكر ..) (ص 56) .

وتتسع دائرة هذا الوعي مع زيادة التقييدات الطبّية على حركة أبيها وتحديدات الطبيب على نشاطه الجسدي ورغبته المتأججة في العودة إلى عمله في المشروع الآخذ بالتوسّع :

(ستموت لو واصلت العمل بهذه الكثافة ، حاول أن تشغل نفسك بهواية ما .. حتى يسترد قلبك قوّته) (ص 57) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000