..... 
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
  
.
.
 svenska
  .
.
.
.
 
.
.
 .

.

مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور السادسة للابداع / الترجمة - الفائز الاول

رمضان مهلهل سدخان

 

جائزة النور للابداع دورة الشاعر يحيى السماوي2014

 

 

 

لغة جسدنا الحيّ

  

أنجيلا ألس بيللو

1. الجسد: ثيمة "عصرية"

       لقد أصبحت ثيمة الجسد ثيمة عصرية. لكن ماهي "العصرية" إن لم تكن تعبيراً عن حالة ذهنية تعود لحقبة تاريخية معينة؟ فضلاً عن ذلك، يمكن للمرء أن يؤكد بأنه حتى التحقيب periodization، أي التقسيم الى "حُقب" أو على الأقل الى "لحظات" والذي يؤسس الى كتابة كلاسيكية للتاريخ، يستند، إلى حد كبير، على حساسية واسعة النطاق بالنسبة لبعض الثيمات التي تثير الإنتباه وبالتأكيد يمكن أن تكون أكثر من واحدة، برغم وجود صلة مخفية بينهما في أحايين كثيرة.

      لأنه بالنسبة للغرب وبشكل خاص أوربا، كان القرن العشرون يعدّ فترة ذات "تعديلات" كبيرة ميّالة نحو نوع من اعادة تنظيم غامضة يقوم بها الكائن البشري من تلقاء نفسه، فمن الواضح بأن التجريدات والتعميمات الكبيرة في العصر الحديث قد وقعت في أزمة، كما وقعت أيضاً الأدوات الفكرية التي أُنتجت بها. إنني أشرتُ الى أن إعادة التنظيم هذه بأنها غامضة لأن اتجاه العديد من التيارات الفلسفية كان يهدف الى إخضاع مركزية الكائن البشري إلى النقد، وفي الوقت نفسه إعادة كل شيء مرة أخرى إلى مستوى الذاتية، المستوى الذي يتم فيه، بالفعل، إحالة كل شيء إلى الذات. 

        إن الاتجاه المثير في القرن الماضي كان بلا شك ينطوي على إفساح المجال لبعض جوانب الواقع، بالرغم من خطر إعطائه صفة مطلقة. لكن هذا لم يحدث دائماً بهذا الشكل؛ ففي بانوراما مقترحات قراءة الواقع يبدو لي بأن الظاهراتية، على الرغم من إسهامها بالحد الأدنى من البرنامج، لاسيما برنامج البدء من الأسفل، فإنها نجحت لاحقاً في توسيع البحث، تاركة له المجال اللازم ومنح مكان للمشكلات الجوهرية. 

       لكن بالعودة إلى حساسية لحظتنا الثقافية، بقدر ما نحن ورثة القرن العشرين، فإننا مانزال منغمسين في مناخ التحدي لتوليفات العقل الكبيرة، أي الأنساق الكبيرة، ونحن مثلما نكرّس أنفسنا لزراعة حدائق الخضار الصغيرة - لنفكرْ بالتاريخ المصغر micro-history، على سبيل المثال - وهنا لدينا سبب لماذا دخلت العديد من الثيمات، خاطئة كانت أم صائبة، والتي كتب عليها الإهمال في الماضي [دخلت] وبقوة الى الأضواء، من بينها موضوعة الجسد. ولأنني أعتقد بأنه لا ينبغي الإستخفاف بأي شيء، بل، على العكس تماماً، يجب أن يؤخذ كل شيء على محمل الجد من اجل تحليله وربما إدخاله في سياقه، فإنني أرى بأن هذه الثيمة مهمة ومركزية، ودائماً شريطة أن يتم تحويلها إلى مكان للتحقيق الشامل و[شريطة] أن لا يجعلها هذا مبتذلة. لهذا السبب يبدو لي بأن تيار الفكر هذا الذي جاء بها لأول مرة إلى دائرة اهتمامنا - بالرغم من نسيان كل هذا غالباً أو، ربما يبدو أن يكون أكثر صواباً القول، تجاهله - لاسيما الظاهراتية، يكون [أي تيار الفكر] قادراً على تزويدنا بالأدوات اللازمة لتحليله بطريقة كفوءة. مهما يكن، سأسمح لنفسي الاستئناس به في التوصيفات التي على وشك أن أعطيها. بل الأصحّ من ذلك، سوف يتم تشكيل نقطة مرجعية a point of reference عن طريق تحليل ادموند هوسرل، مؤسس المدرسة، ومريدتَيه إديث شتاين و هيدويغ كونراد - مارتيوس، اللتين كرستا في طروحاتهما صفحات جميلة جداً لوصف عالَم الإنسان وعالَم الحيوان، منطلقتَين بشكل دقيق من الجسمانية corporeity.

       تعترف إجراءاتُهم التحليلية بمركزية استثنائية لبعد الجسمانية بوصفه اللحظة الأولى للحياة وبوصفه مفترق طرق بين الكائن البشري والواقع المحيط، الداخلي والخارجي. لكن من اجل إثبات كل هذا، على المرء أن يبدأ التحقيق مرة اخرى.

2. ماذا يعني "الجسد الحي": نظرة من الداخل 

       إن الإغراء الذي يصعب مقاومته هو أن تضع نفسك أمام الجسد بغية تحليله على الأغلب عن طريق الدوران "حوله"، كما لو انه جسم خارجي. من الواضح أن الفلسفة الغربية وُلدت بفضل إمكانية كونها إنسانية، و تجسيمية ''objectivating'' ، أي معاملة كل شيء يقدّم نفسه على أنه جسم يدعو الى التأمل والتحقيق. من الممكن بالفعل إدراك ذلك. فحتى الكائن البشري قد تمّ تجسيمه صراحة تقريباً؛ فمنذ ذلك الحين جرى إدراك التكهنات الإغريقية بأن المرء ذكراً كان أم أنثى هو في موقف متناقض، إذا ما استعملنا التعبير الذي استخدمه هوسرل في كتاب (أزمة العلوم الأوروبية والظاهراتية المتسامية)، في كونه في آنٍ معاً الشخص الذي يقوم بالتحليل والشخص الذي يعانيه. إن العبارات التي نستخدمها في الوقت الحاضر حيث يتم دعمها تقليدياً للإشارة إلى هذا الموقف، لاسيما الذات والموضوع، لا بد من توضيحها وهذا التوضيح يجعل من الممكن أن نرى بأن الكائن البشري يفهَم على انه شيء ما من الممكن التفكير فيه، وبالتالي على انه جسم ob-jectum ومكان يبدأ منه التفكير، أي الموضع locus العميق الذي يوجد "تحته"، وهذا يكون في أصل جميع قدراته وقراراته، في الحقيقة، اي انه sub-jectum [بمعنى: يضع تحت]. في العرف الفلسفي، وبالأخص منذ بويثيوس فصاعداً، يحمل هذا التعريف معنى الواقع الميتافيزيقي، وبالفعل، يُستخدَم التعبير subjectum لترجمة مصطلح upokeimenon الأرسطي، أي الجوهر العميق الكامن وراء جميع القرارات العرضية. 

       مصطلح "الذات"، الذي هو في الوقت الحاضر جزء لا يتجزأ من اللغة الفلسفية، لا يشير دائماً إلى كيان يمتلك هذه الخصيصة. نجده أيضاً عند كانت وهوسرل، الذين لا ينطلقان من تعريف ميتافيزيقي. إلاّ أنهما مهتمان في الولوج إلى هذه الحقيقة لكي يظهرانها، يحللانها ويقسّمانها اذا جاز التعبير، من اجل إدراك الدور الفعّال الذي تلعبه، لأن ما يكمن وراء كل القرارات هو، حتى بالنسبة للفلسفة الكلاسيكية، ليس لحظة خضوع أو إستسلام، كون المصطلح يجعل المرء يعتقد هذا بسبب السجع الذي يحمله مع كلمة subjected "اي: ما يتم الخضوع له"، بل هو بالأحرى مركز للنشاط. وهذا سوف يؤخذ دائماً في الحسبان ويتم تحديده في التأمل الحديث الذي يشترك، كما قلت سابقاً، في مهمة الولوج التحليلي.

       في هذا السياق ليس من المناسب سوى إدخال موقف الظاهراتية الكلاسيكية، التي تسير مع حفريات فريدة لا تتحرك من السطح، ولكن من الداخل. إن طريق الوصول يتم تحديده اذ يبدأ من النمط نفسه الذي نفهم فيه نحن البشر أنفسَنا والعالمَ المحيط، من أرضية وعينا لأنفسنا ولما هو خارج عنا. لقد سأل هوسرل نفسه كيف يكون ممكناً بأن جزءاً من العالم، كما يبدو أن الحس العام يوحي بذلك، يمكن في الواقع أن يكون مكاناً لاستقبال العالم من حولنا، وهو أمر لايمكن فهمه إلاّ بعد إكمال الفترة epoché و[بعد] اكتشاف البعد المتسامي من وجهة نظر المشاهِد المحايد. هذا هو بُعد الأفعال، العمليات التي نعيها، والتي "نعيشها" في كل لحظة من لحظات وجودنا، هذه هي الأفعال التي نعيشها، "تجاربنا المعاشة"، أي خبراتنا.

       اننا ندرك بشكل واعٍ الأفعال التي نعيشها، مما يعني أننا نعي بأننا نعيشها؛ ولتمثيل ذلك، يمكننا الإشارة إلى فعل التصور،  والتذكر، والخيال، والفكر، وما الى ذلك. وتعلَّق أهمية خاصة على فعل التصور، لأنه يضعنا في اتصال مباشر وفوري مع العالم الخارجي؛ وهكذا، فالتصور هو التجربة المعاشة التي علينا أن ننطلق منها لبدء تحقيقٍ يقودنا بالتالي إلى تفحّص المدى الواسع للتجارب الأخرى المعاشة. التصور، بدوره، يمكن أن يخضع للتحليل وعند هذه النقطة ندرك بأننا نؤدي هذا الفعل عن طريق وسيلة الإحساس وإنه عند هذه النقطة بالذات تصبح موضوعة الجسمانية واضحة.   

       هنا يمكننا الحصول على بعض المساعدة من التحليل الذي قام به هوسرل
في المجلد الثاني من كتاب (أفكار حول ظاهراتية صرفة وظاهراتية فلسفية)، الذي دوّنتْه من ملاحظاته المختصرة إديث شتاين. في الحقيقة، بقدر ما هو فعل نعيشه نحن، فإن التصور يحيلنا الى الأحاسيس التي تشكّله و، من بين هذه [الأحاسيس]، تعلّق أهمية خاصة على الأحاسيس اللمسية والبصرية. ويمكن تمييزهما بقدر ما يتم تحديد موضع الأولى، في حين ليست الحالة هكذا مع الأخيرة. مع ذلك، كلاهما جوهري ليس فقط بالنسبة لمعرفتنا بالأشياء المادية، لكن أيضاً بالنسبة لإشارتها الى جسدنا نحن. هذه الأخيرة تطرح نفسها كشيء مادي من ناحية، ومن ناحية أخرى كجسد حسّاس (Leib)، وأيضاً تكون مختلفةً جداً الأحاسيسُ التي بواسطتها يمكننا فهم شيء بدني (فيزيقي) جامد inanimate وتلك التي تهمّ جسدنا؛ وبهذه الطريقة يقوم جسدنا، الداخل في علاقة فيزيقية مع أشياء مادية أخرى (كالطَرْق، الضغط، الدفع، الخ)، بعرض أحاسيس موضعية localized تكون مختلفة كلياً عما يحدث في الاشتباك clash بين الأشياء المادية.

       والى التصور الخاص بالشيء الفيزيقي علينا إضافة التصور الخاص بجسدنا الذي هو على اتصال مع الشيء الفيزيقي. وهناك بالتالي يرسم لنفسه سلسلة من التصورات الحسية التي تكتسب أهمية استثنائية بقدر ما تشكل السبب الذي من أجله نحن نشعر بجسدنا ونعدّه ملكنا. إن الأحاسيس اللمسية في هذه الحالة تمتلك أسبقية مطلقة على الأحاسيس الأخرى، ومنها البصرية على سبيل المثال، لأنها تمتلك الإشارة المزدوجة double reference التي سبق التطرق اليها؛ وبالفعل، أن جسدنا المرئي ليس شيئاً ما يُرى ويَرى، في حين عندما نلمس جسدنا، فإنه يصبح شيئاً ما يَلمِس ويُلمَس. وهذا يعني بأن دور الإحساس البصري يكون مختلفاً عن ذلك [الدور] الذي يلعبه الإحساس اللمسي؛ فالبصر وحده لا يعطي جسدنا ذلك الشعور، وكذا السمع، فلو لم يكن هناك لمس، لما كان عندنا إحساس بالجسد الذي نملك.

       إن التحليل الذي تمّ القيام به هو ليس سوى الأساس لمزيد من التطورات الهامة جداً. وتعطينا الأحاسيسُ الموضعية localized، جنباً إلى جنب مع تلك التي تنشأ من الحواس الأخرى، [تعطينا] إمكانية إدراك الأشياء في الفضاء، وهي تمارس وظيفة أساسية لتشكيل الأشياء الحسية؛ بينما نحن الآن في المجال sphere الذي يعرّفه هوسرل على انه هيولي hylectic بشكل جوهري، مستخدمين الكلمة اليونانية hylectic في محاولة للإشارة الى بُعدٍ لم يجرِ فحصه في جميع احتمالاته وهو الأساس لتشكيلات ذات مرتبة عليا superior grade بوصفها، فعلاً، أساس الأشياء الفيزيقية. هذا المجال لا يهمّ فقط علاقة جسدنا بما يقع خارجه، بل يشمل أيضاً مجاميع أخرى من الأحاسيس التي تُعرَّف على أنها "المشاعر الحسية"، كالسعادة، والألم، والتوتر والإسترخاء، والرفاهية والمعاناة، التي هي اساس حياتنا بالنسبة للمشاعر والتقييمات.

3. الجسم الحي بوصفه "مفترق طرق" بين الخارج والداخل

       يفهم هوسرل مجالَي الإحساس الخارجي والداخلي على أنهما قاعدة هيولية مشتركة تتألف من منحدرين - احدهما غير أناني non-egologic والآخر أناني egologic - يشكلان ركيزة لحياتنا الواعية كلها، لأن هذه الطبقة stratum تربط الوظائف القصدية لنظام راقٍ والتي تذهب بعيداً حتى المجال الروحي. إن التسجيل الواعي، هو الإنتباه الى أن كل هذا موجود في الخبرة، بمعنى، موجود في تلك الأعمال التي تشهد بمرور passage حياة المرء كلها، وبالتالي "نعيشها" نحن؛ وهكذا فهي تحيلنا الى الجسمانية في حالة التصوّر، وإلى النفس عندما نشعر بالسرور، الألم أو أنها تكون نهبا للتوترات التي تولّد ردود فعل لأمر مختلف عما هو فيزيقي، وأخيرا [تحيلنا] للروح بوصفها مكاناً حيث يتم اتخاذ المواقف الواعية سواء في الميدان الفكري أم في ميدان الإرادة.

       ان الطريق الذي نسلكه يكون على نحو خاص مفيداً وموضِّحاً حينما يتعلق الأمر بفهم أهمية "التجارب المعاشة": في حين يقع الإحساس الموضعي في إصبعٍ، وتسجيله عند المستوى  التصوريٍ لا يملك موقعاً، أي تصورا، ذلك لأن التجربة المعاشة التي تميل نحو الشيء المدرَك وبالتالي تظهر نفسها على أنها قصدية، تخلو من أي موقع، هي الوسيلة التي تمكّننا من الدخول في الواقع الداخلي المعقد، الطريق الرئيس الذي يفتح أفقاً للتحقيق الذي يتحول من ناحية نحو مجال الإحساس والمشاعر الحسية، ونحو مجال المشاعر و التقييمات من ناحية أخرى.

       المجال الهيولي الذي يميز جسدنا ويجعلنا نفهم بأننا نهتم بالجسد الحي (Leib)، فبقدر ما هو حساس و، بفضل كونه "مختلفاً" عن الأشياء المادية الأخرى، يجعلنا أيضا نفهم بأنه مفترق طرق بين ما هو داخلي وما هو خارجي، لأن الإحساس بالمحفزات هو صفة حقيقية تمتلك مصدراً مختلفاً عن الصفات الشاملة للشيء، وهذا هو الأمر بالنسبة للنفس التي تسجل أطر العقل، التي تتطور لاحقاً الى مشاعر (أحاسيس)؛ يمكن للمرء القول بناء على ذلك بأنه ليس فقط النفس تعبّر عن ذاتها من خلال الجسد، ولكن أيضاً بأن النفس لديها جسد خاص بها.

       كما يمتلك الجسد الحي أيضاً خصائص أخرى تمكننا من القول بأنه مختلف عن الأشياء الفيزيقية: انه مركز التوجيه، الذي يعني بأن الأشياء تظهر وتختفي حسب تحرّكي نحوها او بعيداً عنها، وبالنسبة لي فإن جسدي، الذي لا أستطيع مغادرته إلاّ في الخيال، هو نقطة الصفر بالنسبة للتوجه، مثلما عبّر هوسرل عن نفسه. هذا يجعل من الممكن أن نلاحظ بأنه يمتلك كلاً من "الإمكانيات" و "الحدود"، وبالفعل، يمكنه أن يتحرك بشكل عفوي، ويعدّل موقفه، لكنه يخضع أيضاً للحركات الميكانيكية التي تنشأ إما من الخارج أو من الداخل، الحركات التي نواجهها عند المستوى النفسي عندما نمرّ بها.

4. الجسم الحي بوصفه شكلاً أساسياً لإظهار الكائن البشري     

       لقد قادنا هوسرل في التحقيق في الجسد الحي عن طريق تحريك البنية الأساسية، أي الهيولى، والوصول في نهاية المطاف الى النفس والإشارة أيضا الى وجود وظائف روحية. إن التقسيم الثلاثي الأبعاد في الواقع الفريد والمعقّد حيث الكائن البشري يماثل correspond to تسجيل الأفعال التي نعيشها والتي يتم إجراؤها على المستوى الواعي، كما سبق أن أُشير الى ذلك، هو [أي التقسيم الثلاثي] طريق الوصول الرئيسي الذي يجعل من الممكن تطوير التحليل الذي تمّ القيام به في وقت سابق.

       من بين مريدي هوسرل الذين اتّبعوا ملاحظاته المنهجية وطريقته التحليلية في الاتجاه المشار إليه، يمكن للمرء أن يذكر إديث شتاين و هيدويغ كونراد-مورتيوس. وقد تأثرت إديث شتاين بالمجلد  الثاني من كتاب (أفكار حول ظاهراتية محضة)، الذي أنا، أيضاً، قد سرتُ على هديه حتى الآن، وبالتالي شاطرتْ [أي إديث] واستأنفتْ هذا القسم بطريقة مستقلة، مطورة أبحاثها في كتاب (إسهامات في الأساس الفلسفي لعلم النفس والإنسانيات). أما هيدويغ كونراد-مارتيوس فقد طوّرتها بالمساهمة بمعرفتها في مجال البايولوجيا واستئناف الفلسفة الكلاسيكية الأرسطية التي أعيد النظر فيها في ضوء البحث العلمي الأكثر حداثة.

       بدلاً من ملاحظة شرخٍ وبالتالي ابراز التفوق في الإكتشافات المعاصرة - الاكتشافات قيد البحث هي تلك المتعلقة بالنصف الأول من القرن العشرين - أبرَزتْ كونراد-مارتيوس اللحظات العميقة من الإستمرارية التي تشكّلت في المقام الأول عن طريق تحقيق أساسي تكون فيه المسلّمات من النوع الميتافيزيقي و، في المقام الثاني، [تشكّلت] عن طريق التأملات حول الروح في أشكالها المختلفة: النباتي والحيواني-الحساس والعقلاني-الروحي. إن عودتها لأرسطو قبل كل شيء نبعت من الحاجة للتغلب على الرؤية الميكانيكية للطبيعة، لكن دون التغاضي عن التطور الكلي للعلوم الحديثة، وإنما استيعاب اللحظات - على سبيل المثال ظاهرة الكهرومغناطيسية، وتحليل الضوء، ونظرية الكم بالنسبة للطاقة - التي في رأيها تجعل من الممكن التغلب على الرؤية الميكانيكية بإدخال، في دراسة الواقع الطبيعي، لحظات الإنقطاع التي تُبرز العناصر الترانزفيزيقية transphysical، وبذلك توسيع رؤية الكون cosmos وتبرير ظاهرة الحياة والمرور الى ما وراء المادية البسيطة.

       مع هذه الآراء النظرية تصدت كونراد-مارتيوس إلى مسألة الكائنات الحية عن طريق إجراء تحليل مقارن بين عالَم النبات - حيث كتبت كتاباً مكرساً لـ (روح النباتات) الذي [أي الكتاب] انطلق من الملاحظة المباشرة في البستان الذي كانت تزرعه في برغزابيرن، و عالَم الحيوان، وهو موضوع دراستها في البايولوجي، وعالَم الإنسان.

       ما هو مثير للإهتمام لأغراض التحقيق الذي نحن بصدده هو التدرج الذي قامت باتباعه في تحليل تلك العوالم الثلاثة، وهو أكبر توسّع من أي وقت مضى للخصائص المنضمّة بطريقة جوهرية مع الجسد الذي يُفهم على انه جسد حي. لذلك فمن الممكن العيش على مستويات مختلفة، وحتى النباتات تُظهر قدرة على الشعور الذي، مع ذلك، لا يُدرَك على انه حياة نفسية منظمة. ومن خلال تمظهراتها الجسدية يمكن للمرء أن يفهم كيف تُبنى الكائنات الحية، ذلك لأننا مدفوعون نحو ما تعرّفه هي على انه النفس الجوهرية [الانتيليخية] entelechial التي تحدد نفسها في أربع لحظات: جسدية (خاصة بالنباتات)، وجسدية-نفسية (خاصة بالحيوانات)، ووجدانية [عاطفية] affective (خاصة بالكائنات البشرية وبعض الحيوانات (ابتداءاً بالأسماك))، وروحية (خاصة بالكائنات البشرية). إن النفس الجوهرية هي اللوغوس، أي مشروع كل كائن حي يمتلك واحدة أو أكثر من تلك اللحظات، أي خطة الأنواع species، وهذه هي النفس التي تبني جسداً متمكناً من تمظهراته، كما أن جميع العمليات الفيسيولوجية يمكن أن تجري بالضبط بفضل هذا العامل الجوهري الذي يمتلك نظاماً قبل الفيزيقي.   

       الكائن البشري، الذي يمكن إدراكه على أنه متشكّل من جميع العوامل المشار إليها أعلاه، بدءاً بمظاهرها، يتألف [أي الكائن البشري] من الجسد، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح التي بدورها تنقسم الى المجال الوجداني، الذي يتحول نحو ذاته، و المجال الروحي الذي يخرج من ذاته ليعود الىها.

       إن المكسب من هذا الوصف يكمن في حقيقة أن الجسد لا يُفهم على انه جزء من مادة يضيف إليه المرء نفسانية psychicness أو روحانية، بل بالأحرى، على العكس من هذا تماماً، في أن هذا الجزء المادي يتم اختياره بحيث أن الجانب الجوهري قد يعبر عن نفسه، لا يحتاج المرء سوى التفكير في إمكانية أو استحالة الإنتقال المكاني الذي يميّز الحيوانات والنباتات، وهذه الحقيقة تحدد التكوين الفيزيقي لهذه الكائنات الحية. علاوة على ذلك، فإن تمييز المجال الوجداني من حيث النفسانية والروحانية يوضّح جانباً جوهرياً، بحيث عندما ينتقل المرء من عالم الحيوان، يشكل [هذا الجانب] نواة أساسية توجّه العديد من التعبيرات التي يمكن مصادفتها encountered فيزيقياً. وكان هوسرل قد وصف هذا، مؤكداً بأن النفس تمتلك جسماً، كما سبق وأن أشرت الى ذلك، في حين تعطي كونراد - مارتيوس الى هذا الوصف إتساقاً ميتافيزيقياً أنطولوجياً، رادّة القيمة قبل الفيزيقية الى هذا العامل الجوهري.

       الجسد هو بالتالي مكان لإظهار تعقيد اللحظات التي يجد فيها إمكانيةً للتوضيح. وفي هذا السياق يمكن للمرء أن يتتبّع مرجعاً reference مستمراً بدءاً بالتعبير وانتهاءاً بالجوهر المعقد الذي يجعل التعبير ممكناً.

5. الجسد بوصفه وسيلة للتواصل أو إعاقة له   

       عندما يقول المرء بأن الجسد هو مرآة الروح، فإنه يفهم على المستوى البديهي جانباً أساسياً من تركيب الجسمانية ووظيفتها. في الواقع، يُظهر الجسد نفسه دائماً وكأنه يتكلّم، ولغته، التي هي إشارية، إيمائية ، الخ.، تكشف عن مدى تعقيد الكائن البشري، وكذلك تعقيد الحيوانات. ماذا عسى الجسم أن يكشف عندما يقدّم نفسه لنا من خلال بعض الأشكال؟ لنركّزْ اهتمامنا على الكائن البشري.

       إن الجسد "المخلّق" أو "المقنّع" يشير إلى الدفاع، أي  عدم الرغبة في إبراز ما يُشعَر به والرغبة في أن يبدو مختلفاً عما يكون عليه المرء، لأن الجسمانية، عندما لا يتم تغييرها، يمكن أن تكشف بالفعل عن داخلية المرء.

       وغالباً ما يُظهر الجسدُ "المقنّع" ما تخفيه شخصية المرء والرغبة في جذب الإنتباه الى جانب آخر لا يمتلكه المرء، على الأغلب للتعبير عن نوع من العدوانية.

       أما الجسد "المفصِح" فيأخذ على عاتقه "دور" الآخر، يفسّر عن طريق الخداع ما هو ذلك الآخر - هنا لدينا حالة الممثل - أو أي دور لشخص آخر يريد أن يكون فيه المرء؛ في هذه الحالة، مرة أخرى، فإننا نهتم بتورية متعمّدة قبلها الآخرون أم لم يقبلوها، اشترك فيها الآخرون أم لم يشتركوا فيها. 

       الجسد "المستثار" هو جسد النشوة الصوفية الذي يأخذ بعداً مختلفاً عن البعد المعتاد ويفقد حساسيته للحصول على أخرى تكون، حسب شهادة الصوفيين، أكثر اتساعاً وأكثر غزارة.

       الجسد "الشفاف" يسمح بمرور أي شيء يشعر به، ويفكّر به، ويريده، أي انه يسمح بالتواصل مع داخلية الآخرين.  

       هذه المؤشرات المختصرة توحي من ناحية بأن المواقف التي وصفتُها للتو يمكن أن يتبناها الشخص نفسه في أوقات مختلفة وبعضها حتى بشكل متزامن، وهذا لا يعني بأنها دائماً مقيّدة بتصنيف ما، ولو انه من الممكن تحديد مثل هذا التصنيف وجعل الأفراد يقعون ضمنه؛ ومن ناحية أخرى، يلاحظ المرء بأن الجسد يمكن أن يكون وسيلة للتواصل أو عقبة أمامه، ولكن مع مَن يتواصل المرء؟

6. الجسد بوصفه وسيلة  للتواصل بين الأفراد

       لقد علّمنا الظاهراتيون بأنه من بين تجاربنا المعاشة هناك تجربة لها أهمية خاصة، لاسيما التجربة المعاشة للـ  Einfuhlung، أي التعاطف؛ وعن طريق هذا فإننا نميّز الإنسانية المشتركة الموجودة ضمن أنفسنا والآخرين، ونتبنّى موقف الإصغاء إلى الطرف الآخر. ربما نسأل أنفسنا ما هو  الدور الذي يلعبه الجسد في هذا التمييز المتبادل. في المقام الأول علينا أن نلاحظ بأنه عندما يفوق التعاطفُ التصورَ لأنه يدمجه عن طريق تمييز الحياة النفسية والروحية للآخر، بحيث يكون من الممكن مباشرة ترسيخ الإختلاف بين الشيء المادي المرئي والمحسوس وبين الكائن البشري - أو حتى الحيوان الذي يمتلك حياة نفسية ووجدانية، كما تؤكّد كونراد- مارتيوس - من ناحية أخرى يكون تصوّر الجسد أساسياً بوصفه ممراً إلزامياً لفهم الآخر بشكل متناظرanalogically، كما ذكر ذلك هوسرل. عندما المس يدي وأرى الآخر يلمس يده، فإنني  أجعل لمسته حاضرة لنفسي وعلى الفور أبرهن - ليس عن طريق المنطق، ولكن عن طريق الحدس - التناظر مع لمسي يدي أنا؛ حيث أنني أفهم ما يعيشه الآخر، والأحاسيس التي أشعر بها برغم أنني لا اشعر بأحاسيسه بالطريقة التي هو يشعر بها: في هذه الحالة، مرة أخرى، هناك "إمكانيات" التعاطف و "حدوده". الجسمانية إذن هي مكان للتعبير عما يشعر به الآخر أو يريد التواصل بأسلوب "صحيح" أو "خاطيء"، كما نقول غالباً؛ إذ أن الصحة أو الخطأ يمكن أن توجد على وجه التحديد في محاولتنا المستمرة للذهاب وإيجاد الموقف الذي يفصح عن أصالة الآخر. هل هذه محاولة مصيرها الفشل؟ ذلك يعتمد على قدرتنا في إقامة اتصال، وعلى قدرة الآخر في إخفاء أو عدم إخفاء نفسه. إن خدع التعاطف - كما تراها إديث شتاين - تكون كامنة دائماً وتتربص. 

       ربما نسأل أنفسنا ما إذا كان التواصل الروحي الذي يتجاوز الوسائل الجسمانية ممكناً. في الحالة الوجودية البشرية يبدو هذا مستحيلاً؛ حتى الكتابة تكون أثراً فيزيقياً للآخر وفي عصرنا لدينا العديد من الوسائل التي تجعل من الممكن بالنسبة لنا الإتصال حتى عن بُعد، لكن الوسيلة medium​​ تكون دائماً فيزيقية [جسمية] تضع جسدين حيّين أو أكثر في علاقة مع بعضها البعض. من أجل الكمال، على أية حال، فإنه من المناسب أن أذكر بأن أحد مريدي إديث شتاين، وهي جيردا والثر، قامت بإجراء دراسة تفصيلية عن التخاطر في كتابها (ظاهراتية التصوّف)، الإمكانية التي يمكن إدراكها بين كائنين بشريين يشعران في وقت واحد بما يشعر به الآخر؛ حيث وفقاً لتحليلاتها، يحدث هذا لأنهما في الحقيقة يشعران بنفس الشيء في نفس الوقت، بمعنى، لديهما نفس المشاعر. مع ذلك، برغم أن هذه الظواهر ممكنة، فهي ليست معتادة وتقدّم نفسها على أنها إمكانيات بسيطة لأشكال التواصل المختلفة عما يحدث في الحالات الطبيعية.  

       وعليه فإن الجسد الحي هو أداة الإلتقاء بين بني البشر، و[أداة] الإعتراف المتبادل والأساس لإقامة علاقات بين الأشخاص.

       ولكن ما الذي يتم توصيله communicated؟ سوف يكون من المناسب أن نعود إلى موضوعة التواصل التي تمّ التطرّق إليها آنفاً. وإذ أثبتنا كيفية حدوث التواصل، علينا الآن التبحّر أكثر في مسألة "مالذي" يمكن أو يجب أن نوصله.  


7. لغة الجسد

        عندما قلنا بأن الجسد هو وسيلة للتواصل أو عقبة بوجهه، كان من المفترض أن يعبِّر عن محتويات نفسية، أو وجدانية، أو طوعية موجودة في الكائن البشري: فهو بالتالي أداة في طريقة ذات شقين، هما بمعنى "السماح بالمرور" وبمعنى "المعاناة" أو التحمّل. شفافيته مستمدة من حقيقة أن تعابيره هي رُقباء على بواطن الشخص، كما قلت ذلك في وقت سابق، لكن خضوعه يرجع أيضاً إلى حقيقة أنه يمكن استخدامه ليس فقط عن طريق ردود فعل نفسية ووجدانية غير منضبطة، ولكن أيضاً من خلال قرارات اتخذت برويّة وتمّ تنفيذها عن طريق الإرادة، وهنا تنفتح موضوعة التقييم والواجب بمعناها الاخلاقي.

       والذي ربما يكون متوالية متسلسلة في هذه الحالة يمكن تمثيله في النهائية بظواهر ليست مألوفة في حضارتنا، برغم أنه يمكن ادراكها وتعدّها كونراد - مارتيوس، ظواهر تثبت وتؤكد وجود التقسيم الذي سبق وصفه الخاص بالمجالات المختلفة التي تشكّل الكائن البشري والتي لا تستبعد في الواقع الفعلي الإنسجام العميق والمتوالية المتسلسلة. نحن مهتمون هنا بالظواهر التي تتحقق في ممارسات اليوغا والتدريبات الذاتية. إن القيام بهذه الممارسات يعتمد على الاختيار، أي الفعل الطوعي، لكن فيما بعد ينشّط الخيالَ نفسه بطريقة بحيث أن السيطرة على أجزاء الجسد المختلفة تتم عن طريق ظاهرة الإيحاء الذاتي. من ناحية أخرى، يستجيب الجسد عن طريق إرسال رسائله.

       وعند هذه النقطة يصبح من المناسب أن نسأل أنفسنا ما إذا كان بإمكان الجسد، بدوره، أن يمتلك لغة مستقلة بمعنى أن الأعضاء التي تكوّنه والمرتبطة بالبعد البدني -النباتي corporeo-vegetative يمكن أن تعطي إجابتها هي. يلاحظ المرء بأنه في الواقع يكون الأمر على هذه الشاكلة؛ وهكذا يتحدث الجسد بطريقتين: بوصفه أداة لنقل الروح، وبوصفه [اداة] لاتخاذ موقف مستقل، بحيث يمكنه إما أن يقدّم المزيد من المساعدة أو أن يعيق. عندما يكون عائقاً، نواجَه، على سبيل المثال، بنقص أو بمرض. إن العضو أو الأجزاء المختلفة من الجسد ترسل رسالة تشير الى استحالة، أو نقص أو تغيير وهذا يسبّب معاناة تسجّلها النفس، ولكن أيضاً [تشير الى] محدودية محتملة من النشاط الذي يعرّف على انه روحي إلى حد كبير، لدرجة فقدان استقلاليته. وبسبب كونه أداة، يصبح الجسد عائقاً، وعن طريق رسائله السلبية، يسيطر على الشخص ككل ويقلل من قدراته. 

       وهكذا تبدأ بذلك العملية التي عن طريقها يختفي الجسد الحي و، بدلاً من كونه جسداً حياً Leib، يصبح جثة Körper ، بحيث نكون قد دخلنا مجال الموت، حيث يتوقف الجسد عن الحياة و الإحساس ويغدو جثة هامدة. لكن ليس هناك شيء يشبه جثة كهذه، بالمقابل، يمكن أن يرينا وجود الروح.

المصدر:

Angela Ales Bello. (2006). "The Language of our Living Body". In Anna-Teresa Tymieniecka (ed.). Logos of Phenomenology and Phenomenology of the Logos. The Netherland: Springer. Pp. 3-14.

 

 

النص الاصلي

رمضان مهلهل سدخان


التعليقات




5000