.
.
 svenska
  .
.
.
.
 
.
.
 .

.

مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 ...........
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور السادسة للابداع / النقد الادبي - الفائز الثالث

ابراهيم الحجري

 

جائزة النور للابداع دورة الشاعر يحيى السماوي

2014

 

مورفولوجيا الخطاب الشعري العربي الجديد

"نشيد أوروك" للشاعر عدنان الصائغ نموذجا

يعتبر الشاعر عدنان الصائغ واحدا من الأصوات المميزة والطيور المهاجرة في المشهد الشعري العربي،الشاعر استهوته تغريبته، فراح يقتفي شغبها التواق للانعتاق والتحرر، وصار يلتمس لبهاء ريشه عراء بحجم سماء الله التي غممتها طقوس الدم والأغلال في البلاد العربية، ناسجا من اللغة والحلم وتاريخ الجراح سجادة لصلواته الصوفية المترعة بالصراخ والدعاء، الغضب والتمرد، الشوق والعصيان، ومشوارا طويلا من الأغنيات والشجن وحكايات الحنين للأرض والأهل، صوته أنشودة الأرض التي ما عادت تنبتُ غير الزقوم والحنظل، وما عادت سماؤها تمطر غير شآبيب الدم والقذائف وأعاصير من الرمل والرصاص. ظل رغم الجراح والصعاب يتحدى الآلام، ويعْبر بخطى شاعرية الجسور والمتاهات، ويفتق من الحواجز والتخوم جغرافيات من الرؤى العنيدة التي لا تحدها الرؤية ولا تعوزها الخرائط والتصاميم القهرية، لقد تزيى بمنطق الجرأة، نهلا من معين بصيرته المتقدة بالإنسانية، وسيرا على نهج أسلافه الصالحين، وترجمة لمغاوير نفسه المترعة بالتجارب والذكريات، ورسما لسيرة شعرية يعرفها الحصى والحجر، ليس بالكلمات والصور فحسب، بل أيضا بالدم والتاريخ، إنه يخوض تجربة نضال مرير من خلال لسانه الشعري السليط، الذي يقصف به بؤر التوتر في البلدان العربية عموما والعراق خصوصا، ومن خلال ذلك دوائر التصدع في العالم بأسره، وقد يسرت له تجربة المنافي سبل تقصي الفظاعات التي يحفل بها الكون، كما أن تنقله بين بلدان الغرب مهَّد له الطرق لملء الجراب بمتناقضات العصر وسمات وهجه وإخفاقه، فكانت نصوصه تعبق برائحة الإنسان في شموليته وتمثلاته القصوى، ولعل ثقافته الشاسعة وخبرته الكبيرة بأحوال الأمم والشعوب ومعرفته الذكية بتاريخ الحضارات، بشكل منسجم، تكتمل دلالاته وتتناغم لتؤدي وظائف جمالية ومقاصدية قلما نظفر بها لدى غيره، الشيء الذي أهل تجربته الغنية في الكتابة لتكون مثار نقاشات على صعيد عالمي، ومعترك الصراع بين النقاد، وحلبة للتداول والتساؤل على نطاق واسع، وأهل الشاعر كذلك لكي لا يكون فحسب محط شهرة وتميز، بل كذلك


 

هدفا للمطاردة والمتابعة، وعنصرا مثيرا للجدل بسبب شغابة أشعاره وجرأتها على القول، وتركيزه، في بنائه لشعريته الخاصة، على تشريح المسكوت عنه وفضح شرائع الكذب والدجل والخنوع التي تقوم عليها العقلية العربية، شعريا، وتلبيسها بفشل السياسات العربية الزائفة وإخفاق الخطابات التمجيدية التي لا تنبني على رؤى نقدية منطقية[1].  

وتبقى مجموعته الشعرية (نشيد أوروك)[2] مميزة لعدة اعتبارات، فهي نص شعري مفتوح أو قصيدة طويلة[3] تملأ صفحات الكتاب كله، مما يؤهلها لأن تكون ملحمة شعرية عربية جديدة تستضمرالتراث والآلام والحروب والنكسات التي تسم أمة برمتها، وهي أيضا كتاب فضائحي، إلى جانب مميزاته الشعرية، يسعى لكشف النقاب عما يجري ليس في العراق فحسب، بل في الأمة العربية ككل، وكذا تعرية الواقع المزيف وسياسة القهر والقمع التي تعيشها الشعوب الخنوعة، مما جعل الكتاب يحمل تصورا سياسيا إصلاحيا، ورؤية مجتمعية واضحة لا يغلفها أدنى غبار، ومن جهة أخرى قد استطاع الشاعر أن يزيح اللجام عن لسان قلمه ليحقق أقصى ما يعتمر الذات من بوح وبيان، مكسرا بذلك أنماط الكتابة الشعرية المتداولة وباحثا عن الجديد من الأشكال والقوالب والمضامين، وموظفا ما تدخره مزودته ومفكرته من تجارب إنسانية وعواطف جياشة ومعارف أيضا، حاشدا بذلك كل ثقافاته وفكره ولغاته على تعدد مشاربها وتنوع أنماطها، وقد أسعفه طول نفسه على أن يصرف كل أسئلته الهجاسية وقلقه الوجودي على طول النص دون أن يشعر متلقيه بفتور اللحظة الإبداعية في أية باحة من باحات هذا النص الشعري الطويل، لقد ظلت المواويل فيه مصعِّدة من لحونها المجنونة وطقوسها البدائية، من أول ارتعاشة إلى آخر لوثة، وقد أتاح تمكن الشاعر من لغته وهضمه لأحوال عصره وثقافاته من أن يستطيع تصريف المواد الثرة والموضوعات الدسمة في اللحظة التي يريد وبالطريقة التي يشاء دون أن يشكل ذلك تشويشا على انتظام البوح وتدفقه، ودون أن يفتر الصدق أمام أعاصير البلاغات النصية المتعالية والأنيقة، التي تحيد عن السطحية السمجة وتتهرب من كمائن الخطية والتقريرية التي تحف مسارات التجربة، أية تجربة، مما يدل على أن كتابة هذه القصيدة المطولة قد استغرق مدة طويلة من الزمن، عقبتها فترات من التنقيح، ولم يستغل الشاعر الجانب الدلالي فحسب لتوصيل رُطب الكلام، بل اختار أيضا الشكل المعبر والقالب الطافح بالمعنى، جاعلا منهما (أي الشكل والمضمون) لوحة منسجمة يعزز بعضها البعض، ولا تناقض بين عناصرها وأجزائها، كل يخدم الدلالة العامة للنص الشعري المفتوح، وأبعاده المقاصدية، انطلاقا من الإمكانيات الجمالية المتاحة له.

1- شكل الشكل

            ( نشيد أوروك) نص شعري مفتوح يتهرب من جنسه ويتأبى على التصنيف ليرسم لنفسه بهاء متفردا وصوتا خاصا، لذلك تغيب الإشارة التجنيسية على ظهر الغلاف، وغيابها هذا يؤكد عدم اهتمام المبدع بتصنيف النص، وتعمده في إثارة انتباه المتلقي، بل واستفزازه كي يحرك شغفه بمعرفة طبيعة المكتوب بين دفتي هذا المنجز الأنيق. غير أننا إذا ما قلبنا الصفحة الأولى نجد أن الكتاب يقترح إشارة إضافية توحي بالتصنيف أو تؤشر عليه، وهي كالتالي: [قصيدة طويلة][4]، ومع أن القصيدة لا يمكن أن تكون طويلة أو قصيرة أو متوسطة، هي قصيدة فقط، فإن ذلك يوحي بأهمية الحجم داخل المنجز أو بقيمة الامتداد السوادي داخل مسافة البياض ومساحته، والذي لا بد أنه يتخذ شكلا مغايرا مما جعل الناشر يتحدث في إطار تقديمه للكتاب، عن هذه الظاهرة (حجم النص وطوله) بقوله: (فكان هذا النشيد أطول قصيدة كتبت في تاريخ الشعر العربي على الإطلاق)[5]، وسواء اتفقنا مع الناشر أم لا، فإن لطبيعة هذا الامتداد وتدفقه بوتيرة ما كفيل بأن يجعلنا نتحسس قوة هذا التدفق وأهمية أخذه بعين الاعتبار أثناء عملية التلقي، فهذا الحجم الذي سكبت فيه التجربة سيولتها المادية والمعنوية نادرا ما يتحقق على مستوى القصيدة الواحدة، خاصة في الشعر الحديث، بل قد يذهب البعض ممن لم يتنبهوا للإشارة التجنيسية إلى كون العمل يبدو من خلال نظرة أولية، باعتبار الغلاف وحجم الكتيب، عملا روائيا. وهذا ما جعله يتخذ في نظر الكثيرين طبيعة البعد الملحمي الذي يطمح إلى استغلال كل مقومات الشخصية العربية من حالات آنية ملازمة وسياق تراثي وحضاري ومسار تاريخي عريق، ويحرص على توظيف كل ما يمت بصلة لامتداد الدم العربي في الزمان ماضيه وحاضره وآتيه، مختارا من ذلك ما يخدم رمزية الدلالة وطبيعة الرسالة المتوخاة منها، ومنتقيا العناصر الأشد عمقا وحساسية وثراء داخل هذه السياقات المتداخلة التي تغلف الذات العربية في راهنيتها المنتكسة على مستوى كل الأصعدة.

وتنطلق التجربة الشعرية في هذا المنجز، ومن خلال أول عتبة تطل علينا بها، ألا وهي العنونة، بمصوغة ميثولوجية ضخمة( نشيد أوروك)، تتكون من مقولتين اسميتين: نشيد (خبر لمبتدأ محذوف يحيل دلاليا على مفهومي الشعر والغناء اللذين يلحقان معا في بوابة البوح الحزين الذي لا تخلو نغماته من التمرد والصهيل الملتاع واللحون الرافضة، وأوروك الاسم المضاف إليه، المعني بهذا اللحن والمرتبط أساسا بهذه المعزوفات الشقية، وباعتبار العنوان مقدمة خطابية وعتبة من العتبات التي تضيء القراءة وتكشف مساربها الأكثر عتمة، وكذا باعتباره مؤشرا قادرا على أداء وظائف تتعدد بين الإغراء والإيحاء والوصف والتعيين[6]، فإنه هنا يمكن أن يقود إلى التفاصيل المغرقة بالسؤال القلق المغمور بخبايا الذات الإنسانية وخفاياها المقموعة في الدواخل المفجوعة، وعموما فإن هذا النشيد المترع بالتاريخ والفلسفات والميتولوجيات البشرية التي تحفر في ماضي الحضارات، أمجادها ونكساتها، يستطيع أن يجلي طبيعة تشكل فكرها وصراعها مع الطبيعة وقوى الشر، في محاولة لتحيين قضايا الإنسان القديم وصوغها بالأسئلة الآنية، التي تكشف، بشكل أو بآخر أن معاناة البشرية هي نفسها عبر التاريخ، وإن تحولت الصيغ والقوالب، فالجوهر واحد وسر المأساة متجذر لا يموت مادام على الأرض وجود للإنسان بخيره وشره. وقد كتب العنوان بخط مميز ولون مثير يترقرق بين النحاس والذهب دلالة على أهميته، كدأب كل العناوين.

وقد صاحب العنوان على وجه الغلاف تفصيل تشكيلي، مصمم بعناية وصنعة، في الأعلى يرد الجانب العلوي من سور عشتار العريق أو ما شابهه، وفي أسفل اللوحة يثبت مشهد مريع لقدمين مبتورتين تقفان على جثة مدفونة في الرمل لا يبدو منها سوى الرأس العفن الذي يحمل ملامح إنسان عربي، من خلال بؤسه وشقاوته وسمرته وشعره وهلم جرا، وهو على كل حال صوغ تشكيلي يجمع في آن ذاته بين مفارقتين يحبل بهما الواقع العراقي خاصة والواقع العربي عامة، الوجه المشرق واللامع الذي تختزله القلاع والصوامع والحصون في شكل تاريخ وأمجاد غابرة يخفي خلفها الحاضر بؤسه نكساته(وما أكثرها!)، والوجه الثاني الذي يطالعنا بسلبيته المستترة، وشقه السلبي الذي نكره أن نبرزه، لأنه يعري خساراتنا الجمة، وهو مشهد العنف والحرب والقتل والجوع والقمع وانتهاك كرامة الآدمية بشكل بشع في زمن تتغنى فيه المواثيق الدولية بشعارات الديموقراطية والعولمة والتعايش وحرية التعبير والمساواة، مفارقات عديدة تحتضنها فيصعب احتواؤها وتشخيصها لكونها تنهل من التاريخ الواقعي، اللاهوتي والمعيشي، وبين هذه المفارقات كلها ينحفر الجرح ويتضخم الصدع معلنا قوة الشرخ الذي يباعد بين إمكانيات تلاقي الأجزاء وتلاحم العناصر واستمرار الحضاري بنفس الوتيرة، هناك فرق جلي بين المجد العربي الضائع وصورته التي قد تبرزها جمالية الأعلى (الجانب العلوي من اللوحة) والحاضر العربي المغموس في تراب الذل والهزائم وصورته التي توضحها بشاعة المشهد ومأساويته (الجانب السفلي من اللوحة). إن هذا الحرص من الشاعر على تكثيف لوحة الغلاف دليل قاطع على أن التجربة شديدة الشحن، كثيرة الإيحائية، فهي لا تترك فرصة إلا وشحنتها بالمعلومات والرموز والتداخلات، حتى أننا يمكن القول بأنه ليس هناك عنصر ثانوي أو عرضي، إن وضع العناصر والتركيبات والأجزاء والتصاميم مفكر فيها بشكل كبير، ومع سبق الإصرار والترصد.

ومن العناصر المهمة أيضا في الخطاب المقدماتي، نجد تقديم الناشر للعمل، والذي يفضي إلى دلالتين على الأقل:

-الأولى طبيعة العمل وموضوعاته، وميزاته كعمل مثير للتوتر والقيل والقال وكثرة السؤال، وكعمل مطارد من طرف الحكومات والأنظمة لما يحتوي عليه من فضح لبعضها وتعرية لواقع الشعوب العربية خاصة في العراق.

- الثانية إشهارية بالأساس، وتتعلق بإقبال دار أمواج على نشر العمل برغم الحصار المفروض عليه، كتنبيه للقارئ إلى نوعية الأعمال التي تقدم إليه ونضالها الصامد والمصر على إطلاعه على الجديد والجيد والممنوع بناء على التعاقد الذي يربطها به من أجل انتقاء منتوج متميز ومفيد.

وبتأملنا للعنوان البديل الذي أضافه الشاعر(هذيانات داخل جمجمة زرقاء لا علاقة لعدنان الصائغ بها) بغرض استنطاق خباياه ودلالاته وغاياته المقصدية، باعتباره علامة سيميائية تحتوي مدلولات النص أو المؤلف وتوجهها وتجعلها تتناص مع نصوص أخرى ومؤلفات أخرى، ورسالة مسكوكة تقوم بعدة وظائف أساسية: مرجعية وإفهاميةوتناصية تتوجه كلها إلى المتلقي لإثارة رغبته واستجابته للنص أو المؤلف الذي يخاطبه حتى يرتبط به بالقراءة أو الدراسة أو التحليل، وباعتباره رسالة يتبادلها الباث والمتلقي ويسهمان بواسطتها في التواصل المعرفي والجمالي، وباعتباره كذلك رسالة مسننة بشفرة لغوية يفككها المتلقي ويؤولها بلغته الواصفة أو الماورالغوية[7]، لهذه الاعتبارات كلها، نلفي أن هذه المقولة تستحق الوقوف عندها لسبر أغوارها الدفينة وكشف حقائقها المضمرة، فهي من جهة تركز على أن العمل المكتوب يجب أن يعامل معاملة العمل الإبداعي الذي يلتبس فيه الواقعي بالمتخيل ويختلط فيه الحقيقي بالمستعار والحدوس بالكوابيس والتاريخي بالأسطوري بشكل يجعله يتملص من التسجيلية والتقريرية والخطية، وكل تشابه على مستوى الشخوص والأحداث إنما هو من باب الصدف الفنية وتوارد الخواطر، الذي لا يلغي تماما إمكانية وجود رسالة مقاصدية تضمن للعمل الأدبي هذا انسجامه مع الخطاب العام والسياق الحضاري اللذين يحكمان اللحظة الإبداعية في تداخلها وتشابكها مع مكونات شتى. ومن جهة أخرى يروم الشاعر، من خلال هذه الإشارة المقدماتية، وانطلاقا من وعيه النقدي المسبق، التفريق بين ترهينات الكتابة الإبداعية، وبالتالي إثارة الانتباه إلى أن كاتب النص ليس بالضرورة مطابقا لراويه أو سارده[8]، وعليه فهو غير معني بما قد يرد فيه من مضامين، كما أنه غير مهتم بما يريد أن يفهمه من خلاله الآخرون. كما أن هناك أمرا ثالثا نريد الإشارة إليه، وهو ورود كلمة "هذيانات" والهذيان هو الكلام الذي يطلق على عواهنه دون اعتبار للمقصدية أو الوزن أو الشكل، وربما كانت هذه إشارة تمويهية من صاحب المنجز، الغرض منها استفزاز المتلقي وحثه على محاصرة العمل بالتنقيب والحفر في نتوءاته الثرية بحثا وردة المعنى وشهد اللذة النصية.

وفي الوجه الثاني من الغلاف ارتأى عدنان الصائغ أن يدبج تجربته بعطر الكلام، بعض الكلام عنه وعن كتاباته وشخصيته، تلفظ به كتاب كبار من أصدقائه أو كتبوه عنه في شكل شهادات تثمن طلته الإبداعية وتقيِّم انخراطه الإيجابي في قافلة المكتوين بلوعة الشعر، المنصرفين إلى صقل الكلمة وتهذيب البوح والرقي به صوب معالي الإشراق ودوالي الوهج.

وفي نص مواز تستفتح به هذه القصيدة الملحمية، تردُ مقالات معجمية قاسية، متمردة، تعلن أن لا شيء يمكن أن يسدّ الفراغ الذي يتركه الدم لحظة أن يسقي الأرض ويتدفق بعنف، حتى الانتصار نفسه لا يمكنه أن يقوم بذلك مادام هناك شر مستطير يسكن الذات البشرية ويدفعها إلى ارتكاب الآثام في حق ذاتها وفي حق الآخر وفي حق الطبيعة وعناصر الكون. النص المستفتح به، هذا، هو مقطع شعري لنيرودا[9] المعروف بنصرته للحق الإنساني في التواجد والعيش والحياة بعيدا عن الظلم والطغيان والاستبداد، وبعيدا عن اتباع أهواء النفس الشريرة الأمارة بالسوء، كما أنه مشهور بدعوته إلى سيادة السلم والأمان والرفع من قيمة الفرد الآدمي ونشر العدل والمساواة وتفشي القيم الإنسانية والجمالية الإيجابية.

وبتوغلنا أكثر في قالب التجربة، وبإبحارنا جيدا في متنها الشعري المزحوم نجد أن الشاعر قد أقام أثناء تصميم تجربته، علاقات مشوشة مع كائنات عالمه الشعري مصرا، في ذلك، على خلخلة الثوابت وزعزعة الأركان وهندستها بطرق مغايرة، فقد نزع بشكل واضح عن قصيدته هاته تلك النمطية في الهندسة البصرية، إذ أتاح لها أن تملأ الأسطر والصفحات بتدفق بوحها(المداد) متخذة شكل الكتابة النثرية، مانحا إياه، من حين لحين، فرصة العودة إلى الأصل المتعارف عليه[10]، فيخيل إليك كأنما القصيدة هي التي تكتب نفسها، وتصوغ شكل تمددها وتوسعها على بياض الورق، وربما أنها بذلك توحي بالقلق النفسي والأسئلة الوجودية التي تتضخم في الذهن البشري، راسمة بذلك أنواعا من الأشكال والهواجس والتماسات السيكولوجية المتراصة والمتداخلة التي تضغط على النفس الشاعرة وتزحم دواخلها واسمة إياها بالحيرة والتشويش والتداخل، والحقيقة أن العري الدلالي الذي تفضحه القصيدة يتأبى على القبض والحصر، ولا يروم سوى التدفق اللانهائي الذي يتمدد غير آبه بالشكل أو القالب الذي فيه ينفرغ ويولد، وأكثر من ذلك، هو عصي على الحد والاختزال، لذلك التمس الشاعر عناصر جمالية ودلالية أخرى لكي تسعفه على احتضان كونه الشعري كما أنه استعان أحيانا أخرى بنقط الحذف التي، كما نعرف، تشير إلى معطيات دلالية وسيميائية يُستحيى من ذكرها أو يخشى من التصريح بها كي لا يسوء تأويلها وتفسيرها، وحتى تبقى مفتوحة للقارئ كي يملأها تبعا لفهمه وقدراته، وهي مناسبة يسعى من خلالها الشاعر إلى إشراك متلقيه في نسج العمل الأدبي وبناء شعريته، فأكيد أن القارئ لم يعد ذلك العنصر السلبي الذي يتلقى ويستهلك فحسب، بل لقد أضحى جوهرا أساسيا ذا قيمة استثنائية في العمل الإبداعي على الخصوص. كما أن نقط الحذف هاته قد تدل على أشياء معروفة لدى القارئ، أو يفترض فيه معرفتها، لأنها شهيرة ومألوفة لديه، ولن يحتاج إلى مجهود كبير لاكتشافها، فهي من المشترك المعرفي الذي يشكل نسيجا متضامًّا مترابطا بين الذاكرة والحلم والمعيش[11].

 ولعل قارئ (نشيد أوروك) لن يجد صعوبة في اكتشاف العلاقة الحميمية التي ينسجها الشاعر مع علامات الترقيم، فإذا كان أغلب الشعراء المحدثين يهمشون دورها ويتركون، غالبا، كتاباتهم تسبح عارية منها، تاركين الأمر للقارئ ليعيد ترقيم النص وزرعه بهذه المؤشرات، فإن عدنان الصائغ يكثر منها ويمنحها خصبا آخر ودلالات إيحائية جديدة، لتتخذ في هذه القصيدة الطويلة بعدا إضافيا موحيا فضلا عن كونها ملح الكلام والعلامات المنظمة للقراءة، ونلفي أن القصيدة تنغل، خاصة، بالعلامات التي تفيد الاعتراض كالمعقوفتين والفاصلتين والعارضتين والقوسين، مما يدل على التراكم القوي والامتلاء الحشوي اللذين كانا يحصران الشاعر لحظة بوحه، فلم يكن يجد أمامه سوى عنصر التضمين كشرفة يمكن أن ينفِّس، من خلالها، عن الضغط والشحن اللذين يؤطران لحظة الإشراق، حتى لا تهرب منه الفكرة ولا تضيع منه السيولات الإضافية الثرية، وحتى يظل النص (مع طوله) متماسكا ومنسجما وعميقا، وكما هو معلوم فهذه التضمينات قد تفيد استدراك معنى من المعاني المنسية وسط الضغط، أو الإتيان بنقيض الفكرة أو ضدها، للدلالة على المفارقات والتضادات التي تعرفها السياقات الدلالية والجمالية والقيمية الواسمة للمحيط بكل تجلياته وتداخلاته، أحيانا يخيل إليكَ، وأنت تقرأ القصيدة هاته، أنك تقرأ ثلاثة سياقات شعرية أو أكثر، بفعل هذه التداخلات التي تتوازى فيها تجربة عبود (العامل الذات في المنجز) مع تجربة الوطن (الغريق بتفاصيل الخيبات) وكذا مع تجربة التاريخ الحضاري العربي الذي يستنجد طالبا الغوث، مما لحقة ويلحقه من إذلال وهوان وردم وتدمير. كما أننا لا نحتاج إلى جهد كبير للوقوف على بعض العناصر الشكلية المهمة التي يعج بها النص/القصيدة ونوردها كالتالي:

- الحوار كشكل من أشكال المسرحة والسرد وتبادل الأدوار، وقد أفاد البوح كثيرا لأنه يجعل الذوات تفرغ ما في جعبتها دون وسائط، ودون أن ينوب عنها الرواة في ذلك، إنها، عن طريق الحوار، تشعر بأنها أكثر تحررا وجرأة، وهذا الأسلوب الفني تلتمسه التجربة في كثير من الأحيان، وتخول له صفحات كثيرة، حتى أنه يمكننا القول بكون التجربة هذه تقوم عليه أساسا، كعمود استراتيجي يتيح لها فرصا أكبر للتمدد والغوص في التجارب الإنسانية وأعماقها دون أن يشعر المتلقي بأنها مجرد أعماق شاعر نفسه:

(- سيدتي إن ميثم.........

  -أعرف لكنه الآن يطلب ماء لأسقي به نخلة الصلب

                                             - سيدتي، والمدينة؟

                                             - ما بالها؟

                                            - ألم يأتها نبأ؟)[12]

إن الشاعر باعتماده على الحوار، فهو يؤكد أهمية مسرحة الشعر وفتح آفاقه أكثر كي تتسع دلالاته وتشحن أكثر بالحوافز السيكولوجية الإنسانية، ومع أنه ليس أول من ينهج هذه الطريقة في البوح، لكنه قد يكون أفاض عليها الكثير من الأهمية والعديد من الأبعاد والدلالات، فهو ليس حوارا سطحيا خطيا، بل إنه حوار شديد الصنعة والحبك، قوي النسج، بعيد الترميز وعميق الدلالات.

وهناك ملاحظة أخرى لابد من الإشارة إليها بخصوص شكل تنظيم الورقة عن طريق السواد والبياض (توزيع المداد على الورقة)، فالشاعر يلعب على السند البصري كدعامة قرائية تفيد في الارتقاء بالمكتوب إلى آفاق تلقٍّ جديدة تثري الدلالة وتخصب المعاني، إذ نجد أن القصيدة تنوع من شكل انبثاق الرؤية على مستوى التشكيل البصري، فالقارئ يحتاج إلى خبرة تشكيلية لفك طلاسم النص وتفكيك بناه وحل شفراته، فغالبا ما يكون مظهر الكتابة شكلا موحيا، ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن نعتبر هذا التجلي أو التمظهر مسألة اعتباطية، بل على العكس من ذلك فهو عنصر وظيفي استراتيجي في عملية القراءة، وأساس من الأسس الجوهرية التي تعتمل بها سيرورة التلقي، داخل القصيدة[13]. لم تكتف التجربة بهذا، بل إنها أفرغت أيضا ملفوظها وسيولتها الدلالية في قوالب كاليغرافية تجمع بين الخط العربي وفن الكاريكاتير في تناغم تام يمنح للدلالة قوة إضافية على التورط أكثر في الشكل والعناصر البرانية، والأكيد أن استعانة الشاعر بكل هذا الزخم الشكلي، بالموازاة مع الصوغ الفني والدلالي، وانطلاقا من الوعي المسبق بأهمية العناصر هاته ووظائفها الجمالية والسيميوطيقية هو دليل قاطع على انصرافه المطلق إلى ابتكار أبجديات ملغزة وقوالب متجددة لصب خطابه الشعري ورؤيته الخاصة للعالم، أو لعله يعيش حالة استنفار قصوى مع الذات، ومع عالمه الفني، إذ -ربما- يحس أنه كلما توغل في بوحه كلما كان مطالبا بتجديد صياغاته الخطابية وخلخلتها وفتح آفاق تنوعها وتخصيبها لتكون قادرة على استيعاب الفوضى والحيرة اللتين تحبل بهما الذات، ولكي يطوع كونه الشعري على استقبال لبوساته الشعورية التي يزداد تفجرها وتوترها كلما تورطت الذات الشاعرة في متاهات قولها المغرق بالقضايا والأسئلة التي يتوالد بعضها عن بعض.

2- شكل المحتوى:

            في الواقع أنه يستعصي على الدارس للديوان الشعري هذا، أو غيره، فصل الشكل عن المحتوى وعزلهما عن بعضهما، لكونهما وجهين لعملة واحدة، يُلْحم الواحد منهما الآخر في سيرورة بناء مستمرة ومحايثة ، فالشكل يخدم المحتوى ويثريه والمحتوى يمنح للشكل معنى وشرعية وجود. لذا نقول إننا لم تكن غايتنا التفريق بينهما، بل فقط اعتمدناه جسرا ومتكأ لتسهيل التناول مؤمنين بأن (الشكل والمحتوى) لا يدلان إلا في كليتهما وانسجامهما وتفاعلهما. ولابد من القول أيضا بكون التجربة قد اشتغلت بشكل كبير على شحن الشكل بالرموز والدلالات والسيمياء لكي يدعم الدلالات التي يلفظها المحتوى ويعززها، ويتمم ما عجز عن قوله المتن.

إن المتن الذي يستضمره المقول الشعري هنا، يلبس زي القضية والسؤال: قضية الذات وقضية الوطن وقضية الكتابة، وسؤال الهوية والمصير والجدوى والكينونة. لذلك فهو (أي المتن الشعري) يتشح بوشاحات السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتأبط معول الفضح والكشف عن المستور(الذي يخشى الكثير من محاولة كشفه) ليراه العالم واضحا وضوح القمر في كبد السماء الليلكية، وليكذب نفاق وسائل الإعلام التي تناور من أجل طمس الحقيقة مقابل الشرط المادي أو خوفا من عصا الجنرال التي لا ترحم صغيرا ولا كبيرا. فقد سعى الشاعر، بكل ما يتاح له من عناصر فنية وأساليب جمالية، لتعرية الواقع العربي الذي ينغل بالتناقض والهزائم والخيبات سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في ظل حكام يسعون لبناء أمجادهم الشخصية على حساب دماء الشعوب دون مراعاة لأدنى قيم الإنسانية والآدمية التي تبنتها ودافعت عنها المواثيق الدولية، وتبرز التجربة، بشكل ساخر، وجه العفن الذي يلوث العقلية العربية في علاقتها بمفاهيم وقيم العيش الكريم كالحرية والديمقراطية والشورى وغير ذلك، وتُوَضح كيف أن القمع الذي تتعامل به الحكومات مع الشعوب والرموز الوطنية حجب عن الأمة العربية ضوء الشمس ونور القمر وربيع الرفاهية التي تنعم بها الدول الديمقراطية في الغرب، وتسخر أيضا، بل وتتعجب كيف يستطيع شعب بكامله أن يعيش في القهر وطاحونة الاستغلال منبوذا ومقموعا ليس بينه وبين الحياة صلة، لا من بعيد ولا من قريب، هكذا إذاً تؤسس التجربة الشعرية في الديوان المنشود رهانها على الفضح والشكوى كرسالتين تتمظهران دلاليا وتمارسان تجلياتهما بشكل مكشوف عبر ثنايا النصوص، لكن هذا لا يعني أن الجوانب الأخرى التي تتشكل منها الشعرية متوارية أو ضعيفة أمام وهج الإرسالية (الخطاب المقاصدي)، بل لعلها تتوحد كلها في شكل عناصر تدعم هذا الوهج والإشراق، فيحصل بالتالي انسجام الخطاب الشعري ككل. وعموما يمكن أن نحصر دعامات الإرسالية المضمونية وتضاريس السيولة الدلالية في عناوين كبرى يمكن أن تتفرع عنها عناصر صغرى، إنْ حقَّ لنا أن نختزل تيمات النص وطفحه السيميائي:

* فضح ما يعج في العراق خاصة، من دوس للقيم الإنسانية وانتحار للآدمية على يد حُكم عاض يحول الشعب إلى مادة خام لتحقيق أهدافه الاستعمارية والعسكرية وتوسعاته الطاغية على حساب حق الناس في العيش والرفاه، وسلطة ديكتاتورية تحتكر الغلل لمصالحها من دون الجماهير، وتستثمر دماء البشر لتحقيق أمجاد شخصية، أمام سكوت عالمي وخنوع شعبي فظيع، إن التجربة في هذه القصيدة تطمح بكل الوسائل والاستراتيجيات إلى تعرية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في بلد يزخر بالخيرات والتاريخ والحضارة، بلد ينْظر، بعيون حكامه الحمقى، إلى امتلاك الخارج وتناسي فظائع الداخل وبؤسه، وسيناريوهات الدم والاغتيال والقمع التي يفوح رعبها مع كل مهب.

(الجراد...

الطواغيت

ماذا صنعت بنا أيها الجنرال الموله بالتيه؟

ماذا فعلت بهذي البلاد التي لم تجد شجرا تتوكأه غير سيفك أو مطرا تستقي زرعها غير بولك.

من تحت أنقاض الطواغيت ينهض قلبي يغني لعاشقة رحلت كذبول قرنفلة على شطآن أينون فانتحب الكورس[14]).

* كتابة سيرة الذات شعرا تبكي من أحزانها الأشجار والصخر، الذات التي عشقت وطنها فكان مآلها النفي والغربة ورحيل مجهول الأطوار لا ينتهي، الذات الكسيرة التي جربت أن تبكي بكل لغات الصمت دون أن يجد إلى بابها الهزيم والاستسلام من سبيل، الذات التي لا تملك سوى دمها الحر الأصيل وقلمها الطاهر العفيف زاديْن لمواصلة ما يشبه الحياة أو رسم حدود لخريطة أحلام مشوهة لا تسعها القواميس.

إن الشاعر وهو يكتب، كان يصوغ لنفسه الحياة المأساة التي لم يعشها وحده، بل عاشها معه جيل من المثقفين العراقيين، الذين لم يجدوا بُدا من الرحيل هربا من المقصلة التي نصبها لهم الحجاجات في هذه الأرض العريقة على مر العصور، ولم يجدوا مناصا من اختيار الغياب القاسي كتعويض عن حضور هو أقسى وأشد مرارة ( انظر ص39 من الكتاب)، فقد فضلت الذات، بدل أن تهدر عمرها في الولاء الزائف والقمع المقنع الآبد، أن تناضل من بعيد من أجل إعادة الاعتبار للهوية المقدسة والانتماء المطلق، ومن أجل تأسيس بديل للأحلام المغتالة هناك في نهارات الوطن (العراق) ولياليه.

"أطوي ورائي بلادا من الملح، أطوي التقارير، أطوي النساء وأضرحة الشهداء. الغناء مناحة من سيمرون بعدي على سجف الطين. ما بين موت وموت نشيد طويل نكرسه لمديح الحياة. وأهمس تكفي لنا نصف مصطبة في الحديقة كي نلتقي[15].

وتبرز التجربة الشعرية في (نشيد أوروك) هذا الرحيل الفيزيولوجي، الذي لا يلغي الحضور الروحي، بكون الذات تعجز عن الإبداع في جو الاختناق والحصار المفروضين داخل الوطن وتكميم الأفواه السائد، وبرك من الدماء أمام التصفيق والتعتيم ومباركة الطغيان، يقول الشاعر ساخرا وحانقا:

"- .......... [لو زدتني الأجر أسرجت خيل القوافي إليك خفافا أحث ركائبهن لأستبق الريح والشعراء. أنا أول المادحين فكن آخر الحاكمين يطشون أموالهم خمرة ونساء. أنا الطبل فكن ضاربي والمدائح كن داهني لينزلق الآخرون إليك...][16]"

* توصيف أحوال العراق الممزق، المذبوح بمُدى أهله، وتصوير العوامل التي تفترسه ببشاعة في سيادة الصمت الرهيب والموت المتربص كل حين، وتجلي التجربة على الأقل ست تيمات:

1 - الحرب:

([على أي قبر ستبكي أراملنا فالقبور سواسية في الحروب ... (صرخت بهم احملوني إلى أيما حائط غير أن أزيز الرصاص...)])[17].

2- الظلم والطغيان:

(كفاي يا بستان على الأفق شمسا يجففها الجنرال على عرشه الصدفي أعد ضلوعي بباب الحصار. هنالك مقصلة في الطريق إلى طاق كسرى وذئب يعد العشاء لحزن الغريب.)[18].

3- موت الهمم:

(هل قادني اللغويون للشائع الشاسع. الكلمات تسمرني أنظري كم أنا هادئ، هادئ مثل نبض قتيل أمامك)[19].

  *******

(مرحى لمن حقنوه بمصل المعاش فعاش ليهتف: " عاش" لمن ينصبون فخاخ الشعارات تلصقها ثم نسقطُ...

كي يصعد الجنرال إلى مجده، جثة، جثة

ويحيي الجموع التي أجلت موتها كي تصفق...)[20]

4- تكالب الغزاة:

( يجيء المغول على خيلنا الضامرات تخوض في دمنا: أزرق كالمحابر أو أحمر في المحاجر، تأتي المدافع، يأتي الوشاة فتنسل جندرمة الانكليز إلى بيت شعلان، تأتي جيوش أمية من سورة الفتح)[21].

•5-      البؤس والجوع:

(قال السياسي:

 نبني الوطن.

فرُحنا نشد البلاد على جوع أمعائنا

ونهوِّس في الطرقات

يطاردنا الشرطة الملكيون والفقر

أسمالنا والرياح)[22]

         *******

 

•6-      معاناة تاريخية:

(إلى م يظلل نخل العراق عروش الطغاة بأعذاقه المائلة

وينشر أمعاء أطفاله بين كفيه ضارعتين إلى الله والغيمة الهاطلة

إلى م يظل بكل العصور يجوع العراق

وتلك روابيه تطفو على النفط

تلك سوابيطه المثقلة

تتعفن في سفن الشحن رابضة في الخليج

إلى م يجف الفرات

وفي بنك جداوله تترقرق

في كل صك نرى دمعة ثاكله)[23]

* تحميس الجماهير واستنفارهدوئها وصوتها الغريبين قصد نفض غبار الذل والهبوب إلى معانقة الحياة بعيدا عن المهادنة والتصفيق والسكوت المنافق:

( فأسدلت جفني ونمت عميقا. رأيت الكواكب تسجد لي والقيامة ذات البروق تضج بحشد العرايا تفوح بسيل الخطايا... وإسرافيل ينفخ في بوقه: انهضوا يا نيام القرون الكسيحة...)[24]

وغير ذلك من الموضوعات التي يستعصي حصرها، فأحيانا يستضمر السطر الواحد العديد من التيمات المتداخلة والمتعالقة مع بعضها البعض. إلا أن العنصر الذي يلمُّ شتات هذه الموضوعات كلها هو كونها برمتها تدور في فلك الذات المتشظية والوطن الغريق، كلها تصرخ وتبكي وتولول وترثي وتحمس وتلهب وتتساءل وتشكو وتبوح وتعاتب وتسخر وتهجو وتتأمل... كل هذه الأشياء تفعلها هذه القصيدة دفعة واحدة وبلغة قاسية لا ترحم، وقد التمس الشاعر عدة وسائل فنية وأسلوبية ليستفرغ ما بجعبته من معاني ويصرف ما يختلج بقرارة نفسه من الأحاسيس والمشاعر، ونذكر من هذه العناصر الفنية المساعدة:

•1-      التضمين:

 وقد استعان به الشاعر في مناسبات عديدة كي يضَمِّن تجربته تجارب أخرى مشابهة أو مقاربة لتجربته، تعزيزا لخصوبتها وإثراءً لرمزيتها وحضورها في ذهنية المتلقي، وقد ساعد هذا العنصر الجمالي الشاعرَ في خلق مساحات وفضاءات إضافية لتصريف فحوى خطابه ومضمون مقصديته الشعرية، فكان كلما فتح قوسين أتيحت له فرصةُ أن يوسع كونه الشعري وأن يجعله يتمدد متداركا ما فاته ومنقبا عن مهاوٍ جديدة وفخاخٍ جوانية للإيقاع بالمتلقي وتحفيزه على الغوص أكثر في التجربة ومساءلة مضامينها ومحاورة مستغوارات تفاصيلها الطافحة.

وهكذا أصبح لزاما علينا، ونحن نقرأ القصيدة، أن نتمثل مقولات شعرية برانية قد تحضر بين الحين والحين، لها علاقة من بعيد أو من قريب بعنصر من عناصر التجربة هاته، كما أنه علينا أيضا أن نعيد تركيب المقولات والمحكيات الواردة بشكل يضمن انسجام الخطاب الشعري ويخلق تطبيعا بين مكوناته المتنافرة ويمنح المقصدية معناها الاستراتيجي الذي يتمظهر وينجلي انطلاقا من تفاعل هذه العناصر كلها، ولا يمكن حصر المتضمنات في هذه القصيدة التي تعَدُّ تركيبا هائلا للمقولات المتنوعة ونسيجا فوضويا لا يحده التأويل، مما يدل على سعة ثقافة الشاعر وكثرة إطلاعه على التجارب والمعارف المتعددة والمتنوعة من جهة، ومن جهة أخرى على انفتاح الدلالة في هذا الخطاب الشعري وتنوعها بما يلتبس على القارئ ويتمنع عليه.

•2-                  ازدواجية الصوت:

أثارنا في هذه القصيدة المطولة، تعدد الأصوات وتداخلها واختلاط نغماتها التي تتصاعد حينا وتفتر حينا وتقسو أحيانا أخرى، مما يخيل معه للمتلقي للعمل أنه بصدد قراءة عملين أو أكثر بشكل متساوق ومتوازٍ، فهناك الخط الأصلي الذي تسير عليه القصيدة ككل وفق مسارات ترسمها التجربة، من جهة، ثم هناك خط آخر مفتوح على التحميل، يستقبل كل مرة صوتا معينا يقحم خطابات اعتراضية قد تفيد الخط الأول تعزيزا وإثراء، لكن غالبا ما يستقبل هذا الخط الموازي الثانوي خطابا أشبه ما يكون سردا لسيرة "عبود"، الشخصية التي ترمز للفرد العربي عامة والإنسان العراقي السيزيفي الذي يرزح تحت نير المعاناة ويحمل الصخرة بصبر وعناد دون أن تكون له قوة على الرفض ونفض الغبار. وقد عقدت هذه الوسيلة الفنية من مأمورية القارئ نوعا ما وعددت مهامه وجعلته يتورط أكثر في الفعل القرائي مفسرا ومنقبا ومركبا ومعيدا للتركيب بين الأجزاء وحابكا للدلالات ومُصيغا لتوتراتها وتعالقاتها، ونورد هذا المقطع الذي يوضح تعدد الأصوات في هذا الخطاب الشعري:

(نهضت تفتح الباب في عجل فرأت بين حشد الرجال جنازته تتوقف في بابها وعويل النساء، فشقت ملابسها (... فوق حبل ستترك أثوابها السود كيما تجف فتلبسها الريح ثم تطير إلى سطح جارتها...) والمدينة لم تنتبه- بعد عشر سنين- لحبل السواد الذي كان يمتد فوق السطوح سماء سخامية:

 [- أين أخفيت عبود؟

 - قلت في الريح ... ياسيدي

- يا ابن بلاعة ال"....." قل أي شيء سوى الريح..

- .......

علقني من ذراعي بكلابة السقف... ثم مضى...])[25].

•3- التناص:

 من جملة الوسائط الفنية التي التمسها عدنان الصائغ ليغْني تجربته ويخصبها ويثريها بالتجارب التي تغويه وتستهويه، نجد التناص باعتباره تلاقحا للنصوص وتناسلا بين التجارب على امتداد العصور والحضارات، وباعتباره ذلك السند الذي يتيح للشاعر إقحام مقروئه في تجربته الشعرية وتفجير محتواها بشكل جديد يحييها ويحينها ويمنحها دلالات مستحدثة تكتسبها من خلال تفاعلها مع العناصر الأخرى في القصيدة، على اعتبار أن كل نص يتشكل كفسيفساء من الاستشهادات، وأن كل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر[26]. بمعنى آخر أن كل نص هو مجال تناصي بامتياز، أي بؤرة لتفاعل مجموعة من النصوص (السابقة عليه والمتزامنة معه) التي يستدعيها ويستحضرها في سياقه.

وتنغل القصيدة بالتناصات والإحالات والتعالقات التي تؤكد الحضور القوي للنصوص الغائبة، إذ يحضر النص الديني بقوة متمثلا في القرآن الكريم والحديث النبوي وبعض النصوص من الإنجيل والتوراة، غير أن هذا الحضور ليس حضورا حرفيا، بل إن الشاعر يتصرف في الملفوظ، ويفرغه من معناه الأصلي ثم يشحنه بمعنى جديد فتذوب الخطابات المستوردة، سواء كانت بنصها أو متصرفا فيها، في الخطاب العام الذي تؤسسه التجربة، فتتناغم العلائق بين المكونات وتنسجم دون أن تحس بكونها ملفقة أو دخيلة أو نشازا كما يعتقد البعض، فقد تفانى الشاعر واجتهد كي يجعل النصوص المحال عليها والمقتبسة والمشار إليها، على كثرتها، متضامنة في إطار منظومة منسجمة ومنتظمة من العلائق[27] التي تتواشج محدثة ذلك التناغم الذي يليق بشعريتها الفاتنة. ولم تكتف القصيدة بالتناص مع النص المقدس بل إنها أيضا تحيل القارئ على الأسطوري والفلسفي والتاريخي وتشير إلى التصوف والسيرة والسياسة وعلم الاجتماع كما تستدعي الخطابات المسكوكة من أمثال وأشعار ومحكي شعبي، تاركة مداها الشعري الشاسع مهبا لزوابع التفاعل الإيجابي وعواصف التجاذب العنيف من أجل إنتاج المعنى، ليكون همُّ القراءة المتمركز في التآلف والتضامن، إيمانا منا أن مشروع قراءة الشعر العربي الحديث هو بحاجة لاستنطاق الممارسة الشعرية في علاقتها بالمعيش المحدق بنا، فيما هو مدعو لعدم نسيان ما يعتمل في مناطق متباعدة جغرافيًّا، ولكنها تلتقي في تجاربها وأسئلتها الشعرية مع بعضها بعضا[28].

•4- تلبيس المعنى:

تحب التجربة الشعرية في هذه القصيدة الملحمية أن تغلف دوالَّها بين الحين والحين بإزار التلويح والتمليح والغمز واللمز بدل الإيضاح المكشوف والبيان الفاضح، إذ يعمد الشاعر في كثير من الأوقات، إلى استدعاء نصوص بحذافيرها من كتب تراثية في علم التنجيم أو ضرب الرمل أو علم الأبراج[29]، وهي في غالب الأمر إشارة ساخرة من التجربة موجهة بشكل معاتب لكيفية تلقي شعوب الأرض للإهانة والذل دون أن تلتهب حماستهم لمناهضة قوى الظلم التي تسعى إلى انتزاع آدمية الناس، وكأنما هم يضعون لهم التنويم المغناطيسي أو ترياق ذبابة التسيتسي، كما أننا نلتقط أحيانا طرقا أخرى لتوليد المعنى بالتكرار وترديد مقولات حشْوية متنافرة أو متجانسة مثل الذي يحصل في هذا المقطع:

 ( ... ودال، دم ليس يغسله البحر..

 خاء: خراء

 ولام، وتاء إلى آخر الذكريات، الأليف التي علمتني البكاء على صدرها..

 لام وحاء وراء:" رحل الذين أحبهم.. وبقيت...: مثل أشلاء

 دبابة تركوا جرحها فاغرا في العراء وفروا...

 وباء: بلاد العرب أوطاني)[30].

وأيضا مثل الذي نجده في هذا المقطع، إذ تتجاور المتنافرات والمتناقضات في إيقاع متناغم:

         (كل البلاد الوسيعة، كل المضايق، كل الحدائق، كل المخاوف

         كل المصارف، كل الخرائط، كل المطابع، كل التواشيح

         كل الخواتيم، كل الأقاسيم، كل الرطانات، كل

         الشروخات، كل الشروحات، كل الحضارات

         كل الشعارات كل المزادات كل المرارات

         كل السفارات، كل السفالات

         كل السماوات، كل البدايات

         كل النهايات،

         كل ال...)[31]

            ويبين هذا المقطع الشعري أيضا، بجلاء، كيف أن الشاعر يعزف بشكل متساوق على أوتار متعددة تجمع بين الدلالة والإيقاع والمعجم والتركيب والتنغيم والتجنيس والصراع، تتضامُّ كل هذه العناصر لتكسب التجربة طابع التداخل والتعايش والانفتاح والكثافة، وليكون لها في الأخير طابع اللحن الموحد الذي تشتهيه.

•5-                  السند البصري:

            يستغل الشاعر وعيه النظري والنقدي ليمنح تجربته في الكتابة طابع التعدد والتنوع والشمولية وليشَغل كل عناصر ومكونات عمله بشكل منسجم، ولم يفته أن يولي عنايته للجانب البصري إيمانا منه بقوة الصورة وهيمنتها على الخطابات وشدة تأثيرها على المتلقي، لذلك فهو، وفي محطات متعددة من هذه القصيدة، يحرص على توطيد لغة العين وتهذيبها وتفعيل سيرورتها لتخدم الدلالة سيميولوجيا وتمنحها التعزيز المطلوب، وقد لاحظنا كيف اختار الشاعر أن يركب صورة الغلاف تركيبا يراهن على المفارقات والمقارنات والتناقض وكيف أنه يوجه المتلقي للارتقاء بقراءته صوب سيميولوجية الخطاب في شموليته، كما لاحظنا أنه، وداخل القصيدة نفسها، يلعب على الكاليغراف والبياض والكاريكاتور ويستثمر هذه العناصر لبناء شعريته المتفردة.

•6-             الخطاب الساخر:

 يسخر الشاعر من الذات ومن جماعته وينتقد ما آلت إليه أوضاع الناس من ابتذال وكسل وخنوع ويرثى موت النفوس التي غادرت الأبدان خائبة ترتجي في فسحات الكون ملاذا كريما، يعري الشاعر هذه الذات المستكينة ويقشر عنها أقنعة الزيف لتتبدى واهية جوفاء أمام خَصْم قاهر ساخر اسمه الذل:

(الرجل المتمرس بالعادة القمرية، في راحه شعرة قيل جدته

ضاجعت قردها فنما في الأنابيب طفلا سيذهب للصف

                 يخفي بثنية بنطاله ذيله. دهشا من بلاهتها. فسروا صمتها

     بــ [ضنوط تشتت نظرتها بين ضغم تسوفه بالعفلق فهرا

     وشلباقيمحت هكا ليشتبكا بأصياد الظباء بأدغالها بين

     ثقبين كانا يحكانها ويداها تلمع أطماعه حول سرتها العسجدية

     ماسكة رأس ثعبانه لتذرذر أنغامه في بخار التهدج تلطع ما يتبدد

     من كأسه طافحا باشتقاق اللغات التي ساقها ركب رامبو إلى هرر])[32]

إن التجربة لا تسخر من أجل السخرية ولا تسخر لترضي سخط الذات، بل تسخر لتستنفر جيوش الذات الغافية قصد بلورة وعي جمعي ونفض بواعث الخوف والاستسلام والخنوع. إن خطاب السخرية يندرج في صميم السياق الدلالي الذي تصممه القصيدة وتختاره لنفسها وتدافع عن مقصديته وبُناه الخطابية.

•7-             الترميز والتلميح:

 بلا شك أن هذه الخصيصة الجمالية مهيمنة بشكل واضح ضمن التجربة هذه، فهي بقدر ما تباشر التصريح فهي تعتمد أيضا التلميح والتلويح، انطلاقا من وعي الشاعر بطبيعة متلقيه وسيكوسوسيولوجياته، فهو يستغل المتراكم المعرفي لدى القارئ العربي من أجل أن يعمق التواصل ويبلغ المراد ويحقق الرسالة النصية، لذلك فهو يستدعي شخوصا شهيرة من التاريخ وأحداثا من الذاكرة الجمعية، كما يسَخر الأساطير والمحكيات التي راكمتها الإنسانية منذ بدء الخلق الأول خاصة على مستوى العراق وبلاد الرافدين، وكأنما تريد الذات الشاعرة أن تهيئ للقارئ، بهذا الزخم من الإحالات والرموز والإشارات، فهْم مقاصد الرسالة النصية بالطريقة التي يريد وبالقنوات التي يختار:

         (في النص كان المؤرخ يدخل من ثقب إبرته جملا أعرجا كلما صاح فيه الخليفة: أين وصلت بتدوين سيرتنا قال ما قاله المتنبي سوى الروم خلفك روم وما خلف تاريخنا حرج فإن نسي المستعين ببغداد دفع رواتب حراسه أكلوه وخروه في الطرقات. ومستنصر باسمه أم عليه سيحكم في الأرض ستين عاما [إلهي ابتلينا بهذي الملوك التي لا تقوم من العرش إلا لتقضي حاجتها])[33].

•8-                  الحوار:

 ليستكشف الشاعر أكثر أغوار نفسية شخوصه التي هي مرايا متعددة للذات، بشكل ما، يستعين كثيرا بصيغة الحوار المتعدد سواء أكان مونولوغا داخليا أو خارجيا، بين شخصيتين أو أكثر، ولعل هذه الطريقة قد أتاحت للشاعر من جهة توسيع اتجاهات محكيه الشعري، كما أنها وسعت من آفاق تعميق أثر المقول في المتلقي من جهة أخرى، وبهذا تحول الحوار من عنصر جمالي إلى عنصر دلالي يثري العمل ويخصب مجاري معانيه:

     (.. كان لعاب السباب يسيل على شفتيه فيمسح في كمه المتآكل شاربه الكث متسخا مثل طيز الخنازير...

     - أين أخفيت عبود...؟

     - في الريح...

     - أيها الكلب، هل تتجرأ تسخر منا؟

     - يا سيدي، الرياح الرياحالرياحالرياح ح ححح حو حو

     - ما بالك؟

     - .....)[34].

•9-   الإضاءات:

 ختم الشاعر كتابه بملحق توضيحي يضيء للمتلقي سبل القبض على ما استعصى عليه من دلالات، خاصة على مستوى المرجعيات التي تعامل معها وتناص معها واستقى منها استشهاداته وخطاباته البولوفونية (بتعبير باختين)، ويغنينا هذا الملحق الختامي عن كل حيرة يمكن أن تطال اكتشافنا لخيوط المعنى.

            إن هذا الاحتفاء بشكليْ الشكل والمحتوى دليل على حرص الشاعر على تدبيج تجربته وتنقيحها وإثرائها بالجيد والجديد ومدِّ جسورها بما يسبقها ويجايلها من تجارب، ودليل أيضا على انشغاله العميق بالكتابة ورهاناتها وجدواها حتى داخل شعره[35].

عموما يمكن القول إن عوالم (نشيد أوروك) عوالم تعج بحركيتها وانفتاحها وشموليتها وتضج بكائناتها الآسرة المستعصية على الترويض والقبض.

الهوامش:  

-[1]نتيجة أفكاره ومواقفه، والتي تنم عنها تجاربه الإبداعية، عانى وقاسى الشاعر "عدنان الصائغ" الأمرين، إذ بات مستهدفا من طرف بعض الحكومات والقيادات.

[2]- عدنان الصائغ، نشيد أوروك، دار أمواج بيروت، الطبعة الأولى 1996م.

-[3] لم ترد الإشارة التجنيسية على ظهر الغلاف، بل فضل الشاعر أن يضمنها في الصفحات الداخلية، وبالضبط الصفحة الثانية من الكتاب، وفي هذا نوع من التملص من مأزق التجنيس، إذ الكتابة، هنا في هذا المنجز، تنزع غالبا نحو الانفتاح وتتمرد على النقاء الأجناسي.

-[4] تنظر الصفحة الثانية من "نشيد أوروك".

-[5] تنظر الكلمة التقديمية التي يستفتح بها الناشر الكتاب.

-[6] حمداوي جميل: "السيميوطيقا والعنونة"، عالم الفكر، مج 25، ع3، يناير/مارس 1997م، ص96.

[7]- عسو عمو: ( المنهاج البلاغية والنقدية العربية إبان الغزو المغولي) مطبعة تانسيفت ص104 :دراسة وتحليل ونقد" ط 1 نونبر 2001 مراكش.

[8]- يميز "لانتفيلت" عبر ترهيناته السردية، بين الكاتب الفعلي والكاتب الضمني، وبين الراوي والمروي له، حتى لا يحصل هناك خلط بين هذه المكونات خاصة حينما تكون الكتابة بضمير المتكلم وتستلهم عناصر من الواقع ومن الأحداث التي لها علاقة بالذات الكاتبة سواء من بعيد أو من قريب.

 من "نشيد أوروك".3 تنظر الصفحة-[9]

-انظر،على سبيل المثال لا الحصر، الصفحات:156-157-158-190-198 من الديوان.[10]

[11]- استغل المنجز (نشيد أوروك) نقط الحذف في مناسبات عديدة تتوزع عبر أغلب الصفحات تقريبا: تنظر الصفحتين:131-198 (على سبيل المثال).

- عدنان الصائغ: (نشيد أوروك) ص71. فقط لا الحصر:132،133،164،165....إلخ).[12]

 تنظر الصفحة 166 مثلا، وكذلك الجداول الواردة في الصفحة ( إطار) ص 194.-[13]

(الصائغ (عدنان): (نشيد أوروك) ص:55.-[14]

- (نشيد أوروك) ص: 25.[15]

- ( نشيد أوروك) ص:70،71.[16]

- ( نشيد أوروك) ص:37.[17]

- ( نشيد أوروك) ص: 27.[18]

نشيد أوروك) ص:27. )-[19]

- ( نشيد أوروك)ص: 56.[20]

[21]ص25.- ( نشيد أوروك)

-( نشيد أوروك) ص39.[22]

[23] - ( نشيد أوروك) ص42.

.- ( نشيد أوروك) ص:44[24]

- ( نشيد أوروك) ص: 23، 24.[25]

[26]- Julia Kristeva:Sémeiotiké (Recherche pour une sémanalyse), coll. Tel Quel, éd. seuil, 1969. P. 52.

[27]- لقد أعفانا الشاعر من أن نمثل بنصوص من القصيدة على أنواع التناصات الكثيرة التي تخصب بها، ومن أن نجلي مواقع تمظهر هذهالظاهرة الفنية، وذلك بإيراده لملحق يضم جردا تفصيليا وتوثيقيا لكل ما تعامل معه الشاعر من مرجعيات، وهذا يبرز انشغاله الواعي.

- العيد (يمنى): ( في القول الشعري)، دار توبقال للنشر، ط1، 1987، البيضاء، ص8.[28]

- تنظر الصفحة 112 مثلا، حيث يورد الشاعر وصفة جاهزة من إحدى كتب الطب الشعبي القديم.[29]

- ( نشيد أوروك) ص 162.[30]

- ( نشيد أوروك) ص 166.[31]

32- ( نشيد أوروك) ص 35.

(نشيد أوروك) ص 80. [33]

[34]  - (شيد أوروك) ص 23.

أنظر على سبيل المثال الصفحات:( 41، 43، 56، 59، 70،...) من (نشيد أوروك). -[35

ابراهيم الحجري


التعليقات




5000