.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مظفر النواب : (17) حداثة النهد المباركة

د. حسين سرمك حسن

مع النواب دشّنت القصيدة العامية بدء مرحلة المعالجة الفنية الباهرة جماليا ورمزيا وحسّيا . وكانت الخطوة الأولى في هذه القصيدة ؛ قصيدة " للريل وحمد " التي صدمت ، كما قلنا ، المرتكزات التقليدية " الباردة " لذائقة المتلقي العراقي .يقول النواب في المقطع السابع :

 ( گضبة دفو ، يا نهد ... 

لملمك ... برد الصبح

ويرجّفنك ، فراگين الهوه ... يا سرح ...                                                                       

  يا ريل ...

  لا .. لا تفزّزهن ...

  تهيج الجرح ... 

خلّيهن يهودرن ...

حدر الحراير گطه ... ) 

ستلاحظ أولا الإرباك في تحديد جنس المتكلّم ، وهل هو ذكر أم أنثى ، رغم أن التدقيق المتأني للضمائر المستخدمة في المقاطع الستة السابقة سيكشف تناوب الضمائر التي استخدمها الشاعر وكأن القصيدة عبارة عن محاورة " مقطعية " بين الحبيبة العاشقة وحبيبها " حمد " ، حيث يأتي هذا المقطع بعد المقطعين الخامس : " آنه ارد ألوگ الـ - حمد - " والسادس : " چن حمد فضة عرس .. " وهما بضمير المتكلم الأنثى - الحبيبة ، وبذلك نتوقع أن يأتي هذا المقطع بلسان الحبيب " حمد " الذي يخاطب النهد ولأول مرّة غير منسوب إلى " صاحبه " أو " صاحبته " ، إنه السبق الفريد الذي يضع النهد ككيان خارج مرجعيته الجسدية . لم تشهد القصيدة العامية مثل هذا الفعل من قبل وهو أن يؤنسن هذا العضو العظيم المهمل بصورة عامة ويُخاطب . كما أن الشاعر " القديم " لم يكن يستثمر الإيحاءات المركبة والمنفتحة الدلالات عند تشبيه ما هو مادي ( النهد ) بما هو مجرد ( قبضة الدفء ) التي لملمها وكوّرها عامل تجريدي ثان ( برد الصبح ) . وهذه السلسلة من العلاقات بين الحسّي واللاحسّي غير مسبوقة أبدا. وهي صورة لا تُضاهى ومشتعلة جماليا وحسّيا . فالمشابهة بين كرة النهد وتكويرة قبضة الدفء هو تشبيه خلّاب ودقيق جماليا ، لكنه حسّي وفي غاية الإثارة ومحمّل بالإيحاءات الجنسية ، فالدفء المشع من النهد المتماسك يسري في قبضة العاشق المتخيلة التي تطبق على موضوع لذتها بعنف وإحكام .قارن بين الحبيبة وهي تشكو - قبل مقطع واحد - وتقول : " يرجّفني برد الصبح " حيث يجعل الشاعر البرد يرجّفها ككيان أنثوي كلّي يتناسب مع الحبيب " حمد " من الناحية الجسدية والنفسية ، لكنه ، مع النهد الصغير ، يجعل البرد " يلملمه " ، فوق توتّره الأصلي بفعل الحرمان ، ليصبح كرة شهوة دافئة تناسب حجم إداة القطاف .وتكوّر الموضوع الدافيء وتراصّه يتصعّد بفعل نقيضه ؛ برد الصبح ، وتعايش الأضداد ليس سلميا أبدا . إنه تصارع عنيف يتأجج أكثر من خلال الكلمة الإفتتاحية في البيت :" گضبة " الفاعلة بعزم رغم أنها اسم مؤنث ، وهذا ما يؤكد ما قلناه سابقا من أن الصورة النوابية عنيفة ، لكن عنفها محبّب وآسر . إنه العنف الذي يرتبط بإشباع غريزة الحياة لا الموت كما يحصل في قصائد الجواهري والسياب .فـ " الگضبة " هذه گضبة حياة وانتشاء ومحبة ،مدروسة حّد اللعنة . فمادام هناك برد يجب أن تكون هناك رجفة ، لكن الشاعر لا يجعل مصدر الرجفة البرد الذي أصبح يلم ويكوّر وكان مصدر رجفان العاشقة سابقا ، ولكن الفراگين - مقطورات قطار الهجر الراحلة ، قطار الانفصال الذي لا يرحم والذي يتوسل به المتكلم - الحبيب - وحتى الحبيبة ، بأن لا يوقظهن - وقد تحولنا الآن من ضمير المخاطب المفرد - النهد إلى ضمير المخاطب الغائب الجمعي المؤنث :                                                   ( يا ريل ...

 لا ... لا تفزّزهن ...

  تهيج الجرح ... )   

  ويرجو بحركة مشوشة لكن منعشة أن يتركهـ (ن) مستكينات فقط - وليس غافيات كما يوحي الطلب " لا تفزّزهن " - تحت الحراير مثل القطا ، وهنا يبقى التحفّز الذي غرسه في أذهاننا التوتر المتكوّر في الصورة الافتتاحية :   

 ( خلّيهن يهودرن ...

حدر الحراير گطه )   

  هذه النقلة الحادة والمتوسعة في طبيعة الضمير المخاطب جعلت الكثيرين من القراء مقتنعين أن الشاعر لا يقصد برمز القطا المستكين ، النهدين ، في هذا البيت حسب بل هذا هو المعنى المقصود من رمزية القطا المهودر في أفياء السنابل في اللازمات جميعا ومنذ المقطع الأول في القصيدة . وهذه سمة أخرى من سمات الثورة النوّابية والتي تتمثل في " الانفتاح التأويلي " . في قصيدة : " عشاير سعود " من ديوانه " للريل وحمد " يقول النواب في المقطع الرابع منها : 

   ( كحلنا لك ، ألف مشحوف ...

  يمشي بهيبه ... للدولة

  علگنا لك عله الصوبين ...

علگه ...

  عيون مشتعله )

وفي خاتمة الديوان يضع الشاعر هامشا تفسيريا يوضح فيه معنى كلمة " المشحوف " يقول فيه : المشحوف زورق من الخشب والقير على شكل جفن العين يُستعمل في أهوار العراق !! . وحين تتأمل البيت الأول يمكن أن تعتقد أن الشاعر يقصد بعملية " التكحيل " هو إعداد أرضية الزورق بالقار تمهيدا لمواجهة الدولة ، لكنه جعل العملية تشبه سحبة المرود الرشيقة في عين الأنثى ، وبذلك يمكن أن يدلّ الفعل على الدقة والاقتدار ، ويمكن أن يدلّ أيضا على السرعة المتناسبة مع العدد ( ألف مشحوف ) ، لكن وصف المشية المهيبة المتحدّية للدولة تتيح لك تصوّر قصديّة أخرى لا تخل بتماسك الصورة ورمزيتها وهو أن المقصود بناء صورة موازية للعين الناقمة التي تصبح " سوداء " في حالات أقصى الغضب ، أو لنقل حالة " ما بعد الغضب " ، يعزّز هذا الاستنتاج أن البيت الثاني يشير إلى احتشاد العيون " الحمراء " المشتعلة على جانبي النهر ، لكن لو عدت إلى الجملة الفصيحة التي قدّم بها الشاعر لقصيدته وهي : " 1961- الدولة مدانة لأنها قتلت سعود ... "  وهي جملة أساسية في التأويل لأن الشاعر يوقعك في مصيدة إيهام أن سعود الذي يوجّه الخطاب إليه طوال القصيدة ، مازال حيا ، خصوصا في المقطع الثالث :

 ( سعد يا سعود ...

  يمصنگر ...

عله الحومه ...

غضب أرگط ...

صيحاتك تهز الموت ...

  كل صيحه ...

بألف أمعط ... )  

فستتشكل لديك قناعة مهمة مفادها أن الخطاب هو خطاب انتظار ، وأن العملية هي عملية ( تمّوزية ) ، موت وانبعاث منقذ ، وبذلك ينفتح باب تأويلي مضاف هو أن كل هذه العيون ، عيون البشر وعيون المشاحيف هي عيون تنتظر عودة الغائب المخلّص ، ناقمة تنتظر ساعة الإنعتاق . وهذه التأويلات لا تقيّد حرية القاريء في الـتأويل المضاف المنضبط . مع الصورة النوابية هناك حرّية مؤنسة يمنحها للمتلقي كي " يؤوّل " ما يرسمه المبدع وفق أكثر من فهم ويفسر رموزه حسب استعداده النفسي الذي تحكمه العوامل الثقافية والاجتماعية . قبل النواب كان إطار الصورة الدلالي " حديديا " إذا جاز التعبير " يُفرض " من الخارج ، على الشاعر بفعل قيوده المعرفية عندما يرسم " التعبير" - والتعبير بالنسبة للشاعر القديم أدق من التصوير - عمّا يشاهده من حوادث ويشعر به من أحاسيس ، وعلى المتلقي عندما يقرأ " التعبير " بفعل القيود الثقافية والتزمت النفسي . وكلا الطرفين لم يكونا مقتدرين و " مدرّبين " ذائقيا للتعامل مع رموز الصورة وتأويلها . ولنقل ، وهو الأصح من ناحية ثوابت اللاشعور ، أن تلك القدرة كانت محتبسة ومنزوية غير مستثمرة كقوة عظيمة من قوى اللاشعور ، فجاء النواب وفجّرها . لقد بدأ الانفتاح التأويلي - دلاليا وصوريا ورمزيا - في القصيدة العامية مع النواب . وقد قام بذلك بصورة مدروسة وقصدية ولم تكن " صرعة " شعرية عابرة . فحينما سألت المبدع النواب عن مغزى الصورة الشعرية التي رسمها في قصيدته " گالولي " وهي : 

  " مگطوعة مثل خيط السمچ روحي "     

 سألني هو بدوره : ماذا تعتقد أنت ؟    

  أجبت : إن التفسيرات قد تعدّدت بشأنها .    

  قال : وكيف ؟  

   قلت : إن قسما من القراء يرى أن المقصود هو " الخيط " الذي يُصطاد به السمك ، والذي إذا انقطع وتم وصله من جديد فإنه لن يكون بنفس القدرة والحساسية على التقاط السمكة أبدا ، مثلما كان من قبل . وقسم آخر يرى أن السمك حين يتنقل في أعماق النهر فإنه يسير في خط مستقيم ، الواحدة خلف الأخرى ، فإذا حصل أن أربك مساره شيء تحل فيه الفوضى ويصبح من الصعب جدا عليه العودة إلى المسار المنتظم . قال : وبعد ؟

  قلت : وهناك قسم ثالث يقول أن المقصود بخيط السمك هو الحبل الشوكي للسمكة   وهو الخيط الرفيع جدا والرقيق الذي يمر في عمودها الفقري ويسيطر على حركتها ، وهذا حين ينقطع لا يعود إلى سابق عهده ولا يمكن إصلاحه مهما حاولنا وستُشل حركة السمكة . وسألته أخيرا : فأي التفسيرات تراها أكثر صحة ؟   

 فقال بابتسامة ظافرة : أتركها على حالها كلّها ، لأنني أعتقد أنه كلّما انفتح التأويل ، المنضبط طبعا ، كلّما كانت متعة القاريء أكبر .  

أي أن الشاعر كان " واعيا " لتأثيرات الحركة التلاعبية التي قام بها على الضمائر وهو يتحدث عن النهد كـ " گضبة دفو " ،هذا النهد الذي يعود إليه النواب في المقطع التاسع والأخير فيقول :

  ( توّ العيون امتلن ...

  ضحچات ... وسواليف ...   

 ونهودي زمّن ...  

والطيور الزغيره ...

   تزيف .. ) 

وهذا خطاب جسور أن يجعل الشاعر أنثى في القصيدة تتحدث عن النهدين ، حيث لم يكن أي شاعر عامي قديم يتجاسر على خرق ثوابت الخطاب الشعري وتابواته القائمة آنذاك في الحديث " المكشوف عن النهدين " ، لم يكن يتحدث عنهما إلا بحدود الكتلة الحجمية التي تبرز منهما من وراء العباءة السوداء ، والمقدار الذي يُتاح للبصر التبصصي التحرّشي أن يراه من خلال " الزيق - فتحة الثوب عند الرقبة " . لكن الروح التعرضي لمظفر أقوى من ذلك بكثير ، لأنه لم يتحدث عن النهدين كرجل شاعر ولم يجعل هذا الحديث عنهما يجري على لسان أنثى تتحدث " عن ممتلكاتها " المحرّمة حسب ، بل جعلها ، أي الأنثى ، تتحدّث عن مواصفاتهما الجنسية - لا التناسلية - المثيرة وكأننا أمام حركة " استعرائية " لفظية نمرّرها إلى حركة صورية بفعل ما جُبل عليه لاشعورنا من مكر " شعري " . وحركة " الزمّ " في النهدين هي حركة أقصى الامتلاء والتكوّر العضوي والتحفّز النفسي للهجمة الحسّية النهمة ' وهي تتفق مع حالة " الامتلاء " بالضحكات والسوالف الطافحة في العيون - العيون التي من أجل التوافق التكثيري الذي يغوي الغريزة أكثر جعل الشاعر أنثاه تقول " نهودي " بصيغة الجمع لا " نهديّ " بصيغة المثنى - . لكن هذا الفعل التكثيري المعاند وغير المسبوق عن " النهد " يتناوله الشاعر بصورة أكثر عنفا محببا ، وأشد إشاعة للغبطة ، من جديد في قصيدته : " نگضني " المكتوبة سنة 1959، والتي يقول في مقطعها الأول : 

 ( نگّضني النهد ...

  شايل ثگل ...                                        

  شامه ...

  وبمي الورد ...

غرگان ...

شمّامه ...

  شنهي الخصر هذا ابحبس خزّامه !!! ... 

 نگّضني النهد ...

   نگّضني ...

  نگّضني ... )  

وفي البيت الأول ، وبعد أن يبلغك الشاعر بشكواه من الإنهاك الذي سبّبه له النهد ، تُفاجأ بأن سبب هذا الإعياء الذي أصابه واستلب طاقته ، هو أن هذا النهد الطري يحمل ثقلا هو عبارة عن خال - شامة ، وبذلك يواجه الشاعر ثقل كيانين ( كتلتين ) تراكب أحدهما وهو " الناعم " الأصغر حجما على الآخر الأكبر حجما وأثقل وزنا . وهذا ليس ذما من الشاعر ولا تذمّرا . يمكن القول أن هذه حالة " ما بعد المديح " . وعدم التناسب الكتلي المنطقي كان هو الموقف المتسيّد على رؤية الشاعر القديم ، أي أن أي كيان هش كي يكون عبءا على من يحمله ، فإن عليه أن يضاعف ثقله بكيان آخر أعظم منه وزنا وحجما . ثم أن لا أحد منهم يمكنه أن يتصور أن " النهد " يمكن أن يكون حملا مضنيا على العاشق !! ثم أين يضعه كي يحمله ؟ هذه هي سلسلة " السبب والنتيجة " و" العلة والمعلول " التي تتوالد " ميكانيكيا " في ذهنية الشاعر القديم . يمكنه أن يقول أن غرامك قتلني ، وأن سهام عينيك قد ذبحتني .. لكنه لم يكن يجسر على أن يتصور أن النهد يمكن أن يُنهك حامله ،ويفضي حمله إلى التعب المفرط حدّ الإنهاك لأن شامة - خالا صغيرا يتربع على هذا النهد . النواب وحده هو الذي فتح الأبواب على مصاريعها للّعب المدهش المتعالي على كل المعطيات المؤسسة ماديا والترابطات العلّية الراسخة وقلبها جذريا . فالشاعر لم يرهقه النهد إلا لأنه يحمل خالا صغيرا !! إن هذه الكتلة الصغيرة السوداء المدورة هي التي ضاعفت إنسحاره بالكتلة اللحمية الكروية اللدنة المهيّجة لأن جمالها ضاعف جمال النهد و " أغلق " دائرة الكمال المفترس الذي فتك بالشاعر . لأول مرّة يوزن الثقل بالعين ، الميزان البصري العاشق ، والأصح هو أن الإحساس بوطأة كتلة الخال قد نبع من الروح التي كتم أنفاسها الجمال . مرّة شاهدت الملحن " الياس رحباني " وهو يقول لمتسابقة جميلة جدا في برنامج غنائي : " جمالك بيوجع " .. هذا ما نشعر به ونحن نقف بمهابة وخشوع أمام حالة " ما بعد الجمال " حيث يتجلى كمال الله في مخلوقه . يصل الجمال حدا أنه قد يثير الألم الشديد ..بل حتى البكاء ، وحدّ الرغبة في التخلّص من هذا العبء الذي لم يعد محتملا . تقول مقطوعة شعرية من رباعيات " الهايكو " اليابانية :

 ( القمر رائع ...

أخيرا جاءت ... والحمد لله ..

الغيوم السوداء ...

كي تريح أعناقنا )

لكن النواب لا يكتفي بصدمة جمال واحدة ، إنه يوغل في مضاعفتها وزيادة ( ثقلها ) ، و( ثقل ) سحر الشيء المحبوب ، فقد أصبح السحر يوزن على يديه ، فيجعل النهد المثقل بالخال غارقا في ماء الورد ليجهز علينا تماما ، ونهتف معه : 

 ( نگضني النهد .. نگضني .. نگضني )   يجهز علينا بـ " التخمة " الجمالية " القاضية الشعرية مخترقا حساسيتنا الجمالية من منافذ ذائقتنا كلها تقريبا ؛ فيتلاعب بحاسة ذوقنا معيدا إلى ذاكرتنا ذكرى الإشباع الفمي الطفلي الذي تتزاوج فيه الاستجابة لنداء الجوع ونداء الغريزة الجنسية - وأعيد التأكيد : الجنسية ، لا التناسلية - : 

( شهگة عرس ... يا أسمر ...

يا منابع طيب ... 

كشمش عجم ...

مطّگ ... 

                              يا شراب زبيب )

وعلى حاسة اللمس الباحثة عن الدفء والمتراكبة مع حاسة الشم التي سحرها عطر العنبر الذي ختل في طيّات دفئه هذا النهد منذ صغر

( فهمه ) لا ( منذ صغر سنّه ) ، فلاحظ كم أصبح هذا النهد ، مع مرور سنوات الرخاء الدافئة - نهدا عنبريا طازجا ( يفهم ) حكمة الجمال  :

 ( لابِد من زغر فِهمه ...

بدفو العنبر ...  

ضيفي الهيل ...

وضيفيني ...

بشيم شمّر ... )

إن مثل هذا النهد وقد بدأ الشاعر بلعبة " التصغير التكثيرية " حيث صغّر فهم النهد ، وجعل الهيل الصغير مكافئا للمحب ، لابد أن يكون فعله المميت بطعنات دقيقة جدا " رگش " تتناسب مع حجمه :

( شَگ الزيج ..

يرگشني ... رگش خنجر... )                                                       وحين ينوجد مثل هذا النهد الذي تركز فيه ليس ريق الورد : ( ريگ الورد ... ندّاك ... وفحت عالريگ ... ) ، بل ريق الطبيعة العسلي المدوّخ بأسره ، عندها سنصيح كلنا مع الشاعر وبأعلى أرواحنا :

 ( موّتني النهد ... موّتني ... موّتني ... )                                                   

د. حسين سرمك حسن


التعليقات

الاسم: حسين سرمك حسن
التاريخ: 01/11/2014 09:02:31
شكرا أخي الأعز دكتور حميد على هذا التوضيح المهم الذي يؤكد عبقرية النواب "المحلّية" وإخلاصه لبيئته .

الاسم: د. حميد نعمة عبد
التاريخ: 31/10/2014 16:56:18
توّ العيون امتلن ...

ضحچات ... وسواليف ...

ونهودي زمّن ...

والطيور الزغيره ...

تزيف .. )
-

د . حسين سرمك المحترم
تحياتي القلبية ....
لقد اهملت كلمة مهمة في المقطع الشعري اعلاه
وهي كلمة (تزيف)
وتلك هي الكلمة التي اعطت للقصيدة بعدا اكبر وبينت ان الشاعر اكثر معرفة بتفاصيل تلك الكلمة فهذه الكلمة في لغة(المطيرجية) تعني ان (الطيرة )الانثى ابدت موافقة كاملة للذكر لذا فهي تبدي امامه حركات اغرائية كان تفتح جناحيها وذيلها وتتحرك امام الذكر حركات توحي بالقبول والرغبة فيطمئت الذكر على انثاه التي سقطت في شراكه ...مع امنياتي لك بالتقدم




5000