..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في سرّ الرّواية: بتصريحٍ عسكريّ أم برقم وطني!

رجاء بكريّة

" يقولُ اليَهُودُ، إنّ سلمِة ككلِّ القرى والمُدُن الّتي رُحِّلَ عنها آهلوها أضاعت ذاكرتها. عُد لِتَفجَأَهُم بِعودةِ الذّاكرة لشيبِ رأسها نكايةً بما سيشيخُ في قُلُوبهم. 


1

ولأنّ الأمكنة غير كلّ النّساء والرّجال غير قادرة على الموت فجفناها منذ ما يزيد على ستّ وستّين عاما في انتفاخ دائم، واحمرارٍ يرعِبُ الأطفال حينَ يمرّون بِها. عليكَ أن تأتي خصّيصاً لتحسَّكَ، ولو مُهَرَّبا إلى وطنك في ثلاجةِ موتى! همستُ بإصرارٍ أزعجك، وأضفتُ، "لعلّ الذّاكرة تضربُهَا بالشّوقِ وتتهاوى حصىً على كلّ شيء، وأيّ شيء" يقولُ اليَهُودُ إنّ سلمِة ككلِّ القرى والمُدُن الّتي رُحِّلَ عنها آهلوها أضاعت ذاكرتها. عُد لِتَفجَأَهُم بِعودةِ الذّاكرة لشيبِ رأسها نكايةً بما سيشيخُ في قُلُوبهم. 

"هل آتي إلى بلدي بتصريحِ عسكري؟"عَتِبْتَ في عينيَّ. سَقطتَ حَارقاً في العينِ والحنجرة. حُرقةً لا يمكِنُ لمن لم يفكّ الحرفَ في علمِ المَنافي أن يُفسِّرَها. أمطر العتاب جسدي ثلجا ثقبْت ضَراوتُهُ عِظَامي. وكأنّك قصدتَ أنْ أُغلقَ فَمِي على اجتهاداتي حينَ تمرُّ يافا مِن حُنجرتِكَ إلى قلبك! صَخِبتَ بسُؤالِكَ، "هل أعودُ إلى وطني بتصريح عسكري؟"، ثمّ بنبرةٍ مهزومة في المرّة الثّالثة، ونصف ابتسامة لا أنسى ما حييتُ لسعَها، غارت في محاجرِ جُدرانٍ أعرفُ أنّها بحثت عنك. خَرِسَ قلبي تماما، ولم أعثر على طرف خيطٍ لرتق نسيج حديث يتفرفط كحبّ رمّان حاقد في عينيك. كانت رغبتي لا تُقهَر لرؤيتك في سلمة، ولو على أنقاض بوت استوت بالأرضِ والذّاكرة، وكانَ صدُّكَ قاطعا، من صفائح خلٍّ تقنّعت بصلافتِهِ سُمرةُ وجهِكَ، أخْرَسْتَنِي تماما.

 تهتُ، وأنا أقلِّبُ السُّؤالَ بينَ يديَّ كعجينة لا تختمر، لِمَ يتشوّقُ جمال، وترفضُ أنت؟ أكنتَ تخافُ من حقيقة ما وقع عليهِ جمال يونس قبلك حين زار حيفا؟ كتبَ إليَّ في حينِهِ يقول،"دخلتُ حيفا بعد غياب، ولكنّني لم أشعر بمذاق العودة!" لم ألحّ عليه بتفسير ما يعني، ولكنّي فهمتُ أنَّهُ لن يعود بسهولة إليها. وأنّه بعد تصريحه مباشرة لجأ إلى غرفته السريّة في أطراف رام الله وجالسَ مُهرتَهُ طويلا كي يتحلّل من شظايا الزّجاج الّتي أفرزها ارتفاعُ نسبة الملوحة في ماء عينيهِ. ظلّ يدّعي الفرحَ على عادتِه، فحيفا الجديدة قد هزمت حيفا الصّغيرة الّتي يقفل عليها شأنَ سلَمَتِكَ في جيبِ سُترتِه، والغريب أنّكما كليكما، لفّعتما السرّ بنوباتِ ضحك. حين يلعبُ حجر الزّهر حول قلبيكما تستضيء بكما ذاكرة العينين، فلها عناوين لا تُنسى مهما تقادم عليها القهر. هزَمَتهُ الغربة أيضا، فغرت فاها كغولةٍ جشعة، والتهمت بعض فَرحِه وبعض أقلامِ أصابعهِ، وبعض حمرة البرقوق المتنابت في خدّيه. قيلَ أنّه كان أكثر وردا وألقا.

 فمنذ لقائي الأوّل به لاحظتُ أنّهُ  يُخبّىء جزءاً من أصابعهِ، يضمّها بقوّةٍ كأنّما يُدافعُ بغيابِها عن الأجزاء المبتورةِ في روحه حين يدافعُ عن حقّهِ الشّرعي في مُلوحةِ البحرِ الميِّت. أُمازِحُهُ، "وفق أطروحتكِ هذه نُدافِعُ نحنُ بلا آخر عن أجزائنا الميّتة، يا صديقي، قل عكّا.. قُل حيفا..!" ردّ بعد حقلٍ طويلٍ من الصّمت، وبئرٍ من الذّعر، وقطراتِ همس، "أكلتني حيفا" لم أسألهُ أن يفسر. تجاوزتُ تعليقهُ شأن المرّة الأولى، لأنّني توقّفتُ عن استحضارِ مهرته الّتي جلسَتْ بيننا فوق الطّاولة البلّوطيّة تَعُدُّ الأيّامَ الّتي رأت فيها جمال يبكي، ويهرُّ الكلامُ من فمِهِ هرّ الحصى، وحينَ تُحرِّكُ ذيْلَهَا ذُعراً يسقُطُ اسمُ حيفا عنيفاً من تُربةِ عينيه.     

عالم ليس لنا!   

يوم استقلالهم على شفا انتهاء. عبر نافذتي العصبيّة ألاحظ قوافل العربات العائدة من الجليل إلى حيفا. بلا شكّ طووا خرائطهم على المواقع الّتي أحاطوها بدوائر كإشارة ضمنيّة لامتلاكِ سروِها وزيتونها، وأعشاشها. وأن ينتقل عشٌّ لم يُفقِّسُ بيضُهُ لملكيّة لم يخترها، يعني أن ينتقل تاريخهُ أيضا مدمّى بارتباكاتِ خارطتهِ الجديدة، وقد يُلغي ما سبقَهُ من أبجديّة كتبها بمنفى العين. ملأوا الدّنيا منافٍ، ما أبشع كانتوناتِ هزائمهم! وملأوا منافينا بعالم ليس لنا، فأينَ سنلتقي بنا، أفي أجساد استنسختها الغربة لنا وحدنا؟

2

رقم وطني

أستحضرُ الآنَ صورة جمال في  قبره. كانتا لعينيهِ براءة ملائكة على شقائها، فهل حقا يغسلنا الشقاء ويحيلنا إلى مرايا بعد أن يستنفذ قوانا؟ لم أسمع شكواهُ مرّة واحدة، والملائكة لا تعرف الشّكوى أيضا. وإذا فعلت، يقولون، يسخطُها الله إلى شياطينَ. لكنّ الغريب أنّ ملائكة جمال لم تشفع له عند أحد، ولا وزارة الدّاخليّة الفلسطينيّة الّتي تردّد عليها ما يزيد عن عمره المعروم أرقاما في سيّدة الغربة رامالله. ذهب جمال مجرّدا من هويّتهِ، بدون رقم وطني!

سألتُكَ، هل ستعودُ إذن إلى رامالله؟ أخافُ عليك!. لا أريد للوطنِ الجديد أن يدوّخك بين دوائر وأرقامَ لم تُجِد عدّها لأنّها ضدّ عقيدتك. أخافُ عليكَ من الموت، هي مدينة لا أثقُ بشوارع سمائها. تعالَ إلى سلمة، تعالَ، وتأكّد أنّني سأسطحُ جدران البرلمان الإسرائيلي باسمِكَ، وسأهدّده بالنّسفِ إذما تأخَّرَ عن منحكَ مواطنة لجوء تاريخي. ما أجمل أن نطالب بتطويب أسمائنا تحت جغرافيا التّاريخ المكتوب بدم شهدائنا. هل اقترحه عليك أحدٌ قبلي؟ عليكَ أن تعرف أنّ هذين النّقيضين يلتقيان في مكانين، حيثُ المستحيلُ وفلسطين.

إنّها صدفة الكلام تُجمّعُ دلالات عكسيّة لإدانتِها عند منعطف تاريخي ما.والحقيقة أنّ مواطنة لجوئكَ ستفتنك أكثر ممّا تتخيّل. هي، على الأقل، أفضل من وطن المواطنة، لأنّهُ سيفرضُ عليكَ مشاغبات لن تجدها في وطن عربي واسع. ستكون بمساحة بحر، وعلى مقاسه الوطن الّذي ستحب، أنت من سيعرّفهُ لأنّه على مقاس قدمين لقدميك، وسوف تخدم في سلك ذاكرة تحفرُ فيها شكلك وعمرك، لا يقاتلك عليها سوى حذائك الباقي فوق عشبِ سلَمِه الأخضر. ما أصعب أن تكون فلسطينيّا!  ظلّ جمال في غيتو رامالله، يجرّب حظّهُ مع الدّوائر الملغومة ببساطير جنود الإحتلال، كما سمّاهم. عملَ بفيزا مؤقّتة، جدّدها بين الفينة والأخرى، لم يحظَ بسواعد طويلة تحرِّكُ رُكبَ الكراسي العالية. هكذا ذهب، وهو يزاحم على تجديد إقامة.. عاش وذهب داخل ورقة مؤقّتة سحبها معه إلى قبره. أخاف من الذّهاب عليك! فالحشائش المحشوّة في قدميك تحكي تفاصيل مدينة عليها أن تُحكَى ذاتَ يوم، وعلينا أن نصرّ هذه المرّة كما يصرّ اليهودُ على حكاية المحرقة وتفاصيلها، حتّى أنهم يحفظون رقم الكورون الّذي ركبوه. ألم يحفظ والدك نمرة حذاء الجندي الّذي ركلهُ، وصَادرِ زيتَ عينِهِ، ومونةِ بيتِه؟

وأنا للآن لا أفهم كيف عاش سنينَ داخل ورقة مربّعة. لا أفهمُ، وسدّدّ حسابات  الكهرباء والماء! أخاف عليكَ! ذاكرة جيل مقهور تلتصقُ الآن في قاعِ قدميك، وعليكَ أن تصونَها صونكَ عينيك. لا حاجة الآن لرقم وطني، ولا حتّى لنشيدٍ وطني، ستنشدُ نشيدنا القديم الّذي تعلّمنا كلماتِهِ صغاراً ونحنُ على مقاعِد الصّف الثّاني. حفظناهُ عن  ظهر قلب مرغمين، وواصلنا نشيدهُ دونَ خجلٍ عشر سنين كاملة، "بلادي بلادي" كلُّ صباح عند السّابعة والنّصف نصطفُّ في طوابير طويلة أختار أقصرها، وأرحبها مساحة لأتنفّس جيّدا، ومعلّم الموسيقى يلوّنُ الصّباح بأوتارهِ الشّاردة. 

ذهب جمال بلا رقم وطني. حين زرتُ رامالله لم أصدّق كلام أصدقائه. ذهبتُ أبحثُ عن مُهرتِه في أطراف المدينة، والغريبُ أنّني، كما توقّعتُ تماما، وجدتُ بابَ حجرتها مفتوحا. غادَرَتْهُ لتبحث عنه حين تأخّر عن موعد زيارته الأٍسبوعيّ. لم يصدّقني من أصدقائه سوى زياد، عرفهُ جيّدا. وكانَ حزيناً لأنّهُ يفقدَ الّذين يحبّهم، دون أن يسيطرَ على مسألة اختفائهم المُفاجئة.

لم يبقَ الآن من جمال غير أوراق يتيمة، هكذا أَسْماها، أرسلها إليّ عبرَ الفاكس يرافقها مُزَعَ ضَحِكات أبحَّهَا الحزن، أو الثّرثرة عن مياه البحرِ الميّت ربّما. كتبَ إليّ ستّة شهور قبل رحيلِهِ شيئا غريباً على هيئةِ تعليقاتٍ أَسماها، "الرّسم الّذي كان" على قصيدةٍ عُنوانُها، "عِتابٌ منَ القبرِ" للشّاعر فاروق جويدة. أحببتُ الشّاعر، ولم أستظرف قبرَهُ، ولسبب ما استنكرت العلاقة الّتي قد تربط القبرَ بجمال. أذكر أنّني حاولتُ التخلّص من لعنةِ ذلك القبرِ عبر رسالة قصيرة دفعتُها إليه، "يا صديقي، عُد إلى صحرائكِ، فرملُها بكَ أرحم". يومها رفع إليّ هاتفا شكّت بحاتُهُ لطولها أعشاشا بين ثقوبه. أكُنتُ أخافُ من فألِهِ أم من لعنةِ المفردة؟ لا أعرف، رغم مرور سنوات على تلك الحادثة، لكنّني استأتُ يومَ وجدتُهُ يهجسُ بأيّامٍ ستمضي بدونِه. أرهقتني تلك السّطور، وأيقنتُ أنّها لن تأتي بخير، كتب قائلا:

"نحنُ يا امرأة الحضورِ والغياب من زرعَ المسافة السّوداء، ومزّق اخضرار الياسمين، ونحنُ من شتّتَ شملَ رحيقه. ضيّعنا رسماً عن الغد، وخُنّا وعد أيّامنا، فطافت بشوارعِ العشقِ أشباحٌ وذئاب، وهذا مصيرُنا. مصيرُ من ضيَّعَ الرّسم الّذي كان"  

هكذا انتهت الأسطورة، أسطورةُ جمال، يوم صادفتك بعد مضيّ سنة على غيابه، وشكَوتُ محبّتهِ لك. يومها صمتّ، وأنت تُحاوِلُ إشعالَ سيجارك، طويلا صمتّ، وأنت تغالبُ وجعاً مُمِضّاً بينَ أسنانك، ثمَّ علّقتْكَ ابتسامة حيرى بصورتِهِ الأخيرة في رامالله، وهمست، "جمعنا زمن الصّحراء، ولعنتِهِ ذاتَ يوم!" خلف الزّمن، وصمت شاربيك تسلّقت دوائر التّبغِ  لولبيّة درج العتمة!      


رجاء بكريّة


التعليقات




5000