.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (7)

د. حسين سرمك حسن

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع "جوزف حرب"

      بغداد المحروسة

      2012 - 2013

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً . 

وهذا الخراب المميت الذي يترتب على تجريد البحر من ملحه ، يجرّده من رؤياه .. من قدرته على كتابة الموجودات .. ويحيله إلى مقبرة بسعة الكون . وحين تحدّثنا عن وجود بلا نقاط ؛ وجود توشّحه الفواصل الشفيفة لأن كل ما فيه يتعشق بعضه ببعض ، فإن هذا لا يعني عدم وجود "نقاط" بنيوية في داخل كل مكوّن ، توفّر له شخصيّته وحدود علاقاته الداخلية ، بخلاف ذلك نكون كمن يطلب من القلب أن يعمل بطريقة عمل عضلة الذراع مثلا ! إن شفافية فواصل حدود الموجودات لا تعني تضييع شخصيّتها الوظيفية وبنيتها الأدائية . بالعكس ، إن "النقاط" الداخلية هي التي تحفظ للعالم تنوّعه الجميل ضمن إطار الوحدة ، وإلا فإن كل شيء سوف يساوي ويشبه أي شيء ، وسوف نبدأ بفوضى اختلال الهويّات ، وننتهي بالعودة إلى سديم الغمر الجنيني اللامحدّد . وحين تسمع شاعرنا يتحدّث عن الفوضى التي سوف تصيب الكون من حيث سطوة العفونة والتفسّخ عندما نجرّد البحر من ملحه ، تقفز إلى أذهاننا عبارة السيد المسيح "ع" التي خاطب بها حوارييه : "أنتم ملح الأرض فاذا فسد الملح فأي شيء يملّحه" ، فجعل الملح مقابلا للحكمة التي بفقدانها تفسد الأرض وتتلوّث الروح ، ويصبح عالمنا الداخلي مملكة للموت والعدوان .. مقبرة :

(وسوابحُ الأعماقِ تطفو مثلَ مذبحةٍ

على وجه المياهٍ ، فتكتسي بروائح القتلى

الجهاتُ ، ولا تُرى ذي الأرض إلّا كوكباً

           صدِئت دماهْ

البحرُ أعطى ملحهُ لمياههِ ، لم يُعطهِ

للغيمِ ، هذا سرُّ أنّ الأرضَ

           أختُ المحبرهْ

           لا

           المقبرهْ . - ص 24) .

هكذا يفتح الشعر عيوننا على سعتها على هذه العلاقات الجديدة ، فكلنا نعرف أن ماء البحر مالح ، لكن أن يتحوّل الكون إلى عالم متفسّخ ، ويتعفّن الهواء ، ويصيب داء المماحي (الموت) محابر الحياة ، ونهار الخلق يكفّنه مساؤه ، ولنصل إلى نتيجة تترتب على هذه الفرضية وهي أنَ هذا هو السرّ الذي يجعل الأرض أخت المحبرة (الحياة والرؤيا وكتابة الخلق) لا المقبرة (الموت والتفسّخ والعفن) ، فهذه علاقات نواجهها لأول مرّة ، وهذا جانب مهم مما يجعل الشعر شعراً ، ومما يؤسس استجابة المتلقّي المتفاعلة معه ، ويرتبط بهذا العامل إدراك حقيقة أن الإبداع هو وليد الحزن لا الفرح . وإذا كان من المتداول القول "أن الأمم السعيدة لا روايات عظيمة لها" ، فإن هذه القاعدة تنطبق على الشعر بدرجة اكبر : "الأمم السعيدة لا قصائد عظيمة لها" .. وحتى عندما تُكتب قصيدة عظيمة مبهجة ومتفائلة - وأنا اشك في ذلك وفق هذا الشرط - فإنها تكتسب عظمتها من شعور المتلقّي بأن هذا الجمال مهدّد وملاحق بغيلان الفناء ، أعظم اشكال الجمال هو الجمال المذعور . ولهذا يبدأ المقطع السادس بوصية من البحر لريحه ، وهو - أي البحر - يحمّل سحابه صور جميع المخلوقات ، يدعوه فيها إلى أن يرسم صور الخليقة كلها في السحاب ، ليوزّعها بطريقته المطريّة حسب مناطقها المقدّرة . وهي خطوة مهمة في عملية خلق تتم ، من جديد ، بطريقة "شعرية" مسالمة وهادئة يتولّاها الفن :

(وُلدَ الجميع من المياهْ .

وعندما يعلو السحابُ ، يحمّلُ البحرُ

العظيمُ سحابَهُ صورَ الجميعِ .

يقولُ للريحِ :

ارسمي صورَ الخليقةِ كلّها في ذا

السًحابِ . منَ الجيادِ الهوجِ ، والعملاقِ ، والبطلِ

المجنّحِ ، والقرى اشتعلتْ وهاجَ دُخانُها . من ريشةِ

العصفورِ ، والشيخِ المبلّلِ بالغروبِ ، إلى الغزالةِ

                                            والشجرْ . - ص 25) .

وسأسألكَ سيّدي القاريء فوراً : أين ستجد الشعر في هذا المقطع ؟

المقطع في استهلاله تقرير حقيقة ، يبزغ الشعر بسيطاً أولاً حين يطرح الشاعر أمامك مفارقة أن البحر يحمّل السحاب المتعالي صور "الجميع" ، أي عندما "يؤنسن" البحر ، فالشعر يبدأ من الإنسان وينمو في تربة روحه ويموت - إذا مات - بين يدي قلبه . ولكن الشعر ، والشعر كلّه ، يكمن قي صورة "الشيخ المبلل بالغروب" حيث تتضاعف سطوة الموت بجمال تفاعل المرحلة العمرية الانحطاطية من عمر الإنسان ، بالغروب الذي يمثل المرحلة الإحتضارية من طور النهار في حركة الزمان ، لكن الوصف "المبلل" هو الذي أشعل فتيل حركة التفاعل "الكيمياوي" الإبداعية الباذخة بين الشيخ والغروب ، فبلّل أرواحنا بالإحساس الكاوي بالنهاية الكسيرة المنخذلة ، وسط زحام صور بداية الخلق (الجياد الهوج ، العملاق ، البطل المجنّح .. والغزالة والشجر) ، وكلّها "صور" مترعة بالحيوية والجموح الحركي ، عدانا نحن ، نمر وسط زحامها مبللين بعتمة الغروب ، وكأننا نلوذ من شبح الفناء أو كأن "صورتنا" نُسجت من خيوط عتمة الوحدة .  أما الحجر .. والقلاع والقرى المشتعلة والسجاب والريح .. فكلها رسمها بحر الخليقة من مادة أكثر عصيانا على الإنجراح ووحشة العزلة وبلل الغروب المنذر :

(          لا شيءَ إلّا وارسميهِ بذا     

السحابِ . من القلاعِ إلى المآتم . مِنْ مَسَا

الرّاعي إلى نايٍ على

               شفةِ الحجرْ . - ص 25) .

وحتى حين يأمر البحرُ الريحَ ببدء دورة الخلق بشارة "المماحي"  التي هي علامة امتياز ورهاوة سلطة بحر الغمر ، أصل الخلائق ، فإنها ، بالنسبة لنا ، المماحي التي لا ترحم  ؛ يفتتح البحر العظيم قصّة الخليقة بدورة تمحو بها الريح الصور التي سبق أن رسمتها في رحم السحاب ، لتبدء سِفراً جديداً من رحلة الخلق السرمدية التي سوف تبدأ من الأزل إلى الأبد ، وتحوّل كلّ السحاب إلى مطر سيكون النطفة التي ستكمن في رحم الكون ، لتبعث الخليقة التي محتها المماحي من جديد :

(  وخُذي المماحيَ بعدها ،

   وامحي الصورْ .

   ثمّ استعدي

         للسفرْ    

   عبرَ السماءِ ، وحوّلي كلّ

   السحابِ

          إلى مطر ،

قطراتُهُ هي نطفةُ الرحمِ

التي

فيها أعيدْ

بعثَ الخليقةِ

من جديدْ . - ص 26) .

وبحر الغمر العظيم ، وهو يصوّر بدء دورة بعث الخليقة من نطفة الرحم ، ومن ورائه الشاعر طبعاً ، يشتقّ مكوّنات الفعل من مرجعية الفاعلية الإنسانية .. الإنسان هو الصورة الأولى التي رسمتها ريح الله في أحشاء السحاب .. ولعله خُلق قبل أن يخلق بحر الغمر العظيم الخليقة ، وتوازي ذلك النظرة إلى دور الشاعر الخالق الذي عبر عنه "رسول حمزاتوف" أحسن تعبير بقوله :

"في قبيلتي الأفارية تردد مقولة مفادها أن الشاعر قد خُلق قبل خلق العالم بمائة عام !! وكأنهم يريدون أن يقولوا : لو لم يشترك الشاعر في خلق العالم لما كان في مثل هذا الجمال" (11) .

ويمتد هذا الإستخدام بالإحالة المضمرة إلى المرجعية الإنسانية في المقطع السابع حين يطلب البحر من الشمس أن تزوّج ماءه لنورها :

(ألبحرُ نادى الشمسَ

ذاتَ مساً :

           "تعالي زوّجي مائي لنوركِ ،

يُنجبا غيماً سأرسلهُ إلى

                       وادٍ

                      عميقٍ .."

وفي كل مرحلة يكون البطل هو الماء ممثلا بالبحر والغمر ... والسحاب .. والآن الغيم . ولاحظ ذكاء الشاعر حين يستخدم مترادفات السحاب ، حيث لكل مرادف سماته ، ولهذا اتكأ في المقطع الأول على قزحي سحابة ، وليس قوسي قزح غيمة ، وجعل البحر العظيم - في المقطع السابع - يحمّل صور الجميع / مكوّنات الخليقة على السحاب لا الغيم ، مثلما جعل الريح تسوق السحاب وتحوّله إلى مطر ليتم بعث الخليقة من جديد . دائما يكون السحاب مسوقاً بقوة الريح أداة المهمات الكبرى .. وهو هنا لسعته وتعاليه وقدرته الحركيّة أداة التخليق والإنشاء الأساسية ، في حين أن الغيم هو واسطة المهمات المحدّدة المستعجلة .

وهنا وبمزاوجة ماء البحر ونور الشمس ، وهي خلطة غريبة لا يصمّمها إلّا شاعر ، غيم الشاعر مولود من نور وماء ، ينطلق الغيم لنجدة الأم وطفلها الرضيع اللذين هجرهما نبي في وادٍ غير ذي زرع تنفيذاً لرغبة زوجة غيور ومتجبرة وكارهة ، الأمّ قتلها اليباس ، والطفل اختلط تاثير العطش والإرهاق في جسمه الغضّ ، فعلا وجهه "نيليّ النعاس" :

(زوّجا

    ماءً

    ونوراً

أنجبا غيماً .

فقالَ البحرُ للريحِ :

             احمليهِ لأرضِ وادٍ

فيهِ أمٌّ قد توفّاها اليباسُ ، وقربها طفلٌ

رضيعٌ ، وجههُ يعلوه نيليّ النُعاسِ ،

           فأسرعتْ بالغيمِ ريحُ البحر حتّى

أوصلتهُ لذلكَ الواديْ ، فأمطرَ فوقَ وجهِ الطفلِ

حتّى

اخضرّ .

وسّد أمّهُ قبراً له شكل الجناحِ ، وقالَ

للريحِ : اهدئيْ .

         هدأتْ . - ص 28) .

الغيم طفل السحاب ، وها هو يحنو على جسد الطفل الذي سيصير عشباً ، ثم يزداد اخضراراً .. وينتشي رقصاً .. فيغفو . وهذه هي الإستجابات النفسية والسلوكية المتوقّعة لدى من يحصل على الإنقاذ من الموت ، والتي يكون الشاعر أكثر قدرة وواقعية على رصدها بعيداً عن التخريجات الأسطورية واللاهوتية حيث يتسيّد التفكير العملي ، فالأولوية هنا للأحياء ؛ للطفل ثم يأتي دور الأم المتوفاة .

ومن السمات الأسلوبية لجوزف حرب هي هذه الدقّة التي تصل حد الصرامة الشديدة في حساب حركات وتحوّلات القصيدة من ناحية ، وفي التركيز على المكوّن المحوري وضمان وحدته من ناحية أخرى . وفي هذا المقطع ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، كانت علامة تدهور صحة الطفل هي وجهه الذي ازرقّ بقوةّ بفعل العطش والجوع والإرهاق ، فجاء الغيم ليحييه فيمطر على "الوجه" المحتضَر لينعشه حد الإخضرار . وكمثال آخر يتعلق برفاة الأم الميّتة ؛ فقد وسّدها ، وهو تعبير أكثر رقّة من "دفنها" يتناسب مع جثة أمّ ، في قبر له شكل "الجناح" ليتسق مع الحضور الطاغي للريح ، وبدفن الأم يعرى الطفل من حنانها الحامي ، فيتصدى الغيم لهذا الدور ، كبديل ، فيضمّ جسم الطفل ويحنو عليه حتى يصبح عشباً ويزداد اخضراراً لأنه صار ابن الغيم ونبتة الأرض - وكأن الشاعر يضع بذرة أسطورة الإله الإبن -  وبالتالي فهو ابن ماء البحر ونور الشمس اللذين انسربا في جسد الغيمة المولود حديثاّ .

والآن وقد غفا الطفل فقد انتهت أوّل مهمّة "أرضية" للريح ، أنجزتها عن طريق الغيم ، منفّذاً إرادة البحر العظيم ، وصار على الريح العودة بانتظار قرار جديد من البحر العظيم :

(       ألريحُ

        عادتْ وحدها للبحرِ ، أمّا

الغيمُ

        فامتصته أفواهُ السواقي ،

        واختفى . - ص 28 ) . 

وفي هذه المهمة الأرضية الأولى دلالات ودروس عميقة ومكر قد لا يكون مقصودا بصورة واعية . فبالنسبة لي ، ولأسباب تناولتها في دراسات كثيرة وهي مثار صراع فكري وفلسفي منذ عقود ، من المستحيل فصل النص عن مرجعياته الثقافية أبداً ، لأنّ - وهذا واحد من الاسباب وأخطرها - الكلمة بحد ذاتها تنشأ ليست من حروف مفردة جامدة بل من حروف حيّة تنطلق مغمسة بمحبرة اللاشعور حيث تتفاعل دهشة تخليق المفردة بالخبرة وتنعجن بها للتعبير عن المعنى . فحين يقول البحر العظيم - مثلاً - للريح أن تحمل الغيم لأرض وادٍ فيه أمٌ قد توفّاها اليباسُ وقربها طفل رضيع موشك على الموت ، سوف تنبثق بلا وعي الخبرة الجمعية المرتبطة بتلك الأم "الغريبة" المنفيّة ظلماً وابنها وقد نُبذا في وادٍ غير ذي زرع . وستتلوّن هذه الخبرة الجمعية بمخزونات الذاكرة الفردية ومكبوتات اللاشعور الفردي التي صبغتها أصلا في مرحلة كمونها واختمارها طويلا .

ثم أن هذه المهمة الأرضية هي أولّ مهمة "خارجية" ؛ خارج إطار عملية الخليقة ، جاءت تحمل طابعا إنسانياً آسراً يتمثل في المسارعة لنجدة أم وطفلها ممتحنين بوطأة يباس وقحل وعطش . ولو راجعنا قصص الخليقة الأخرى سنجد أن المهمة الأولى التي تلي خلق الإنسان غالبا ما تأخذ طابعا عنيفا وانشقاقيا .

وحتى الآن يبدو لنا أن جوزف حرب يستخدم محبرة خليقته أو "بياضها" لتصحيح وتشذيب قصص الخليقة السابقة مما علق بها من تناقضات وتحاملات وأولويات غير مفهومة . ففي مقطع المهمة الأرضية هذا ، وإذ يقفز إلى الذهن - كما قلت - ليس نبذ هاجر المجحف مع ابنها إلى وادٍ قاحل مميت ، بل - وهذا ما يشذّبه جوزف حرب بفعل لاوعيه الخلّاق عبر الإستفزاز المضاد - نبذها خارج الثقافة المؤسسة وخصوصا الإسلامية التي لم يكن لها أن تتأسس - حسب الوصف الدقيق لأحد المحللين النفسيين - لولا اعترافها بصدمة "الترك - abandonment" في قصّة هاجر واسماعيل . فـ (لاشك أوّلا أن الترك .. هو تجربة كل إنسان تُرك لذاته في الوجود . فالوجود باعتباره هبة يفترض الترك ، فهذه الكلمة تعني اشتقاقا "الهبة السفليّة" أي الولادة . ولا شكّ أن ترك الأم وطفلها وانقاذهما من خلال انفتاح المكان بسماع الله ، هما المعطيان اللذان يسندان حركة الإعتراف بالترك باعتباره الصدمة الأصلية للموجود . 0ولنذكّر بان محمّداً الطفل عاش هذه التجربة عندما ماتت والدته أثناء رحلة في ثنايا الصحراء ) (12) .

ولعلّ تضافر عوامل الترك في هذه القصّة أوجد في الإسلام تجذيراً لإشكالية الترك التي هي إلى ذلك مشتركة بين كل الأديان . ويمكن أن نذهب إلى أن شأن الخلاص (الإنقاذ) في الإسلام غير شأنه خارج الإسلام . إنه لا ينبثق مباشرة من الترك ، كما في المسيحية التي تُمشهد انبعاث المسيح إثر تركه وموته على صليبه . فنحن لا نجد في الإسلام هذا التجاوز الجدلي ، وهذه الرغبة في السيطرة على الموت بنقيض الموت ، كما هو الحال في كامل الفكر النظري الأوروبي . ليس الموت في الإسلام تركاً مأساوياً ، إنه ليس تركاً إلاّ من حيث هو ترك الإنسان نفسه تركاً لانهائياً بين يدي الله . هذا القول يعني أن الأمر يتعلق في الإسلام بتصوّرٍ للترك قوامه الحداد على التجاوز .

فهاجر المتروكة ، وطفلها ، تَرَكا ، ولا شكّ ، بصمتهما على تجربة الإسلام الروحانية ، بقطع النظر عن وعينا بذلك اليوم ) (13) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000