.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محبرة الخليقة (6)

د. حسين سرمك حسن

محبرة الخليقة (6)

---------------------

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير "جوزف حرب"

   د. حسين سرمك حسن

      بغداد المحروسة

      2012 - 2013

ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً . 

وثمة سمة أخرى في قصّة الخلق هذه تجعلها تختلف عن الكثير من قصص الخليقة التي ألفناها من قبل وهي لا عنفيّتها .. وهدوءها .. وروحها المسالمة . ففي الكثير من قصص الخليقة يتم تكوين الكون وإنشاؤه بدراما عنيفة ودمويّة تتضمن على الأكثر تمزيق جسد الأم الذي ينطوي في بعده العميق على تخييل مترتّب على الطاقة الكلّية الطفلية ببعدها السحري الذي مزّق جسد الأم عند الولادة . وما هي إلا مضاعفة خرافية لحركة "التمزيق" العادية التي تحصل مع كل ولادة طبيعية . ففي أسطورة التكوين البابلية يشن الأولاد الذكور حرباً شعواء على الأم الأولى "تعامة" (ومنها اسم صحراء تهامة) التي ولدتهم من رحمها المائي ، بقيادة كبيرهم مردوخ الذي يقتلها ويشطر جسدها إلى قسمين ، واحد يرفعه فيجعله سماء ، وثان يبسطه فيصير أرضا وبحاراً . ونفس الدراما العنيفة تتكرر عند خلق الإنسان ، حيث تأتي حياته من الموت مثلما تمت تنشئة الكون بالموت أيضا . ففي الأسطورة الأغريقية يخلق زيوس الإنسان من رماد آلهة التيتان الذين ضربهم بصواعقه . وفي أسطورة التكوين البابلية يأمر الإله مردوخ بعد قتله الأم تعامة وتقطيع جسدها ، أن يُصنع الإنسان من دماء زوجها كينغو الأسير :

(فلمّا انتهى مردوخ من سماع حديث الآلهة

حفزه قلبه لخلقٍ مبدع :

سأخلق دماءً وعظاماً

منها أصنع (لالو) وسيكون اسمه الإنسان )

ثم يطلب أن يحضر أمامه كينغو ويطلب إلى الإله "إيا" أن يتعهد خلق البشر من دمائه :

(ثمّ قيّدوه ووضعوه أمام إيا

أنزلوا به العقاب فقطعوا شرايين دمائه

ومن دمائه تمّ خلق البشر) (8)

في حين تأتي اسطورة خليقة جوزف حرب هادئة ومنسابة ، ومحكومة أيضا بجوانب من ثقافته :

(في البدء خلق الربّ السماوات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الربّ يرفّ على وجه المياه . وقال الربّ ليكن نور فكان نور . ورأى الربّ أنه حسن ، وفصل الربّ بين النورِ والظلمة . ودعا الربّ النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً . وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً . وقال الربّ ليكن جلد في وسط المياه ، وليكن فاصلا بين مياه ومياه . فعمل الربّ الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد ، وكان كذلك . ودعا الربّ الجلد سماءً ، وكان مساءٌ وكان صباح يوما ثانياً ، وقال الربّ لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة ، وكان كذلك . ودعا الربّ اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بخاراً ) (9) .

ومن الواضح لذوي العقول الشاعرية التي تحترم ذواتها إن "إستحالة" الجلدة إلى البياض الذي صار (بياضين بينهما نول غزلِ خيوطِ الكلامِ قبيل نسيجِ الدواةِ (..) ولمّا رأى الله فُسحة فصل البياض بياضين ذات بهاءٍ ، دعاها : سماء) هي من أعظم عطايا الخيال الشعري ، فهو يشعرنا - حسب قول أحد النقّاد - برجفة أمام هذا التصوير الجديد الغير مفكّر به ، وكأننا أمام حالة الخلق من جديد .. من نقطة الصفر .. من عماء الغمر والظلام والفراغ ومهاية روح الله التي ترفّ . لكن الشاعر جعلها أكثر أناقة وشاعرية من خلال وضعنا أمام حالة خلق مفهومة ومعيشة ، معقولة ، هي ولادة الروح الكلمة من بياض الرؤيا ، عملية الخلق الأصيلة التي لم نعد ننفعل بها ولا تثير فينا ارتجافة الدهشة ، وهي تتكرّر آلاف المرّات في حياتنا . والأخطر هو أننا لم نعد نعتقد أنها عملية خلق أصلا بل فعل ميكانيكي لا إرادي . وحين نستمع للشاعر وهو يقول إن (ما فسحة الفصل بينهما غيرُ ما يأخذُ الوحيُ من لحظاتِ التكوّن قبل النزولِ) تتشوّش محاولات تأويلنا لأن عملياتنا العقلية لا تستطيع التخلّص من دبق خيوط النسيج العنكبوتي الـتأويلي الديني اللزجة . في حين أن ما يكافيء وصف الشاعر المبدع هذا ، وبدقة شديدة ، هي ولادة "الفكرة" الخلق ، حين تنتقل من وضعها السديمي المرتجف في أعماق اللاشعور لـ "تستحيل" عبر الحاجز القبلشعوري ، حيث الرقابة وحيث ضرورة تحوّل الرغبة إلى "لغة" ثمّ إلى إرادة وفعل . وهذه "الفُسحة" ، الفُسحة القبلشعورية ، التي تفصل بين اللاشعور والشعور ، بين الرغبة والفكرة واللغة ، هي في الحقيقة فسحة (ما يأخذ الوحي من لحظات التكوّن قبل النزول) . ولكن صياغة الشاعر هي التي تعيدنا إلى بداءة فعل الخلق المغدور بالرتابة ، وبراءته . وتزرع في نفوسنا رجفة أننا ، والأشياء كلّها ، يمكن أن تُخلق من جديد ، أو أن تضعنا أمام صور للغمر الأصلي المُقلق حتى لو كان جزئيّاً ، ولعل أبدع تعبيرات هذه الإرتجاعات المترعة بالجمال المقلق هي حين تحدّث عن المعصرة الخاوية إلا من خابية :

(... سوى خابيهْ ،

تنامُ بفخّارها

عَتمةُ الزاويهْ ، - ص 16) .

وهذا النزوع التجدّدي هو أعظم ما يقدّمه الشعر للإنسان الكسير في حربه الوجودية ضد الفناء المحتّم ، وترتبط به القدرة التخييلية العظيمة التي تُتيح للإنسان التلاعب بمقدرات الموجودات ، ووضعها في صور خَلْقية فريدة وغير مطروقة بإطلاق ، الأمر الذي يُتخم ذاته ، ولو بمقدار صورة أو بيت شعر أو قصيدة أو ديوان "محبرة" ، بمشاعر التحكّم بمصائر ووجودات كائنات أخرى ، بعد أن حُكمَ عليه أن يكون أبداً موضوعا لتلاعبات المقادير . وإلا فمن يفكّر في أن العتمة قد تنام في فخّار الخابية المنسيّة . وأي طريق باهر لتركيب الجمال في مخبر الشعر . الإنهجار هو عتمة الحضور وتلاشي الدور .. والنسيان هو عتمة الذاكرة .. والمعصرة خالية خاوية ، لا أثر لعاتق الخمر فيها ، فهي في حالة عتمة من تعطّل الدور والوظيفة ، في غيبوبة من الخواء ، ولا أعظم من مزج النسيان بالغيبوبة للتعبير عن غياب مكوّن هو الخمر دوره أصلاً هو تغييب الوعي والذكريات ، من أن تجعل العتمة تنام نوماً عميقاً ، وعميقاً جدّاً ، محصورة في صلابة الفخّار . ومثل هذه القدرة التخيلية الخالقة هي التي تُفزع الآلهة من الشعراء ، وهي التي تغرس الجفلة منهم في نفوس الناس العاديين . ولعلّ صورة عتمة الزاوية التي تنام في صلابة فخّار الخابية ، تعيد أذهاننا إلى التحام مكوّنات الوجود في الشعر ، وفي الواقع المادي الصلب حين يقع تحت نظرة شاعر ، إلتحامٌ بلا نقط حادة قاطعة .. إلتحام تؤشّر الحدود فيه فواصل غير محسوسة . 

لكن جوزف في أسطورته قام بحلّ الإشكال جذريّاً حين جعل الله شاعراً . وصاغ سلسلة من الأدوار الشعرية المتراكبة : فالله كتب قصيدة خلق الكون ، والكون كتب قصيدة يصف فيها جهد الله الفذّ في كتابة تلك القصيدة العظيمة ، وأرسلها مخطوطة على صفحات ستّ غيمات إلى شاعر أكبر هو الإنسان كي يقوم بمراجعتها ونقدها وتصحيحها . وقراءة الشاعر ليست كقراءتنا ، فهي القراءة الأنموذج التي تصلح للشعر ، وتوفّر الأداة والوسيلة المناسبة التي من جنس مادّته ، خصوصا أن شاعرنا قد أعلن حبّه للنصّ ، ومن النادرِ أن يحبَ شاعرٌ شاعراً ، ويخلي له فسحة من دائرة نرجسيّته :

(          أحببتُ كلّ النصّ ، عُدتُ إليهِ

مرّاتٍ بروحي لا بعيني . إنّما ما قد تراهُ

الرّوحُ ،

          عينُكَ لا تراهْ .

          كالزهرِ تقرأُ لا تفتّحَ زرّهِ ،

          لكنْ شذاهْ .

          ورجَعتُ أقرأُ في النهارِ ، وفي

الرياحِ ، وفي الكواكبِ والتُرابِ ،

          رجَعتُ أقرأُ في المياهْ . - ص 21 و22) .

ومن هذه الخطوة الأولى نكتشف أن تقييم شاعرنا إيجابي جداً لقصائد الكون الشاعر التي وصف فيها قصيدة خلق الله الشاعر ، فقد أحبّ هذا النص ، كلّ النصّ ، وعاد إليه مراراً ، يقرأ مكوّناته ، وكان لا بدّ أن تكون أطول قراءاته في نصّ : الماء . وحتى الحدس "العلمي" لم يخذل الإنسان البدائي كثيرا عندما اعتبر الماء أصل الوجود ، ففي كل الأساطير وقصص الخليقة يأتي الماء في المقام الأول ، الماء الذي لم يمنحه نص الكون الشاعر المساحة الشعرية والأسطورية التي تناسب دوره الحيوي الكوني ، في وصف عملية الخلق ، في المقطع الرابع ، بالرغم من أنه ، أي الكون ، قد أرسل قصائده مكتوبة على مشتق من مشتقات الماء هو : الغيم . لكن يبدو أن شاعرنا يقرأ الآن نصّ المياه الذي ستتعدّ أوزانه و"بحوره" بتعدّد المظاهر الحيوية التي ينسرب الماء في ثناياها ويحكم فاعليتها . وفي الحقيقة ، فإن "بحور" شاعرية الكون تعود إلى الماء الذي يتمظهر في مكوّنات الكون عبر أشكاله المختلفة لكن روحها تبقى "مائية" موحّدة ، وكأن حضور الماء فيها يقابل "تفعيلة" البحور الشعرية .. بل هو تفعيلة بحور موسيقى الأداء الكوني كلّها . هذا ما اثبته العلم الطبيعي بتجاربه وبحوثه ، وهذا ما يقرّره الكون الشاعر بحدسه لأنه يعرف بحساسية لاشعوره أن العماء المقدّس الأول كان عماء الرحم الأمومي الذي طفونا فيه أجنةً ، وترتجف ذكراه في أعماقنا كلّما هفت غيمة على زرقة السماء الحيية ، أو عانقت قطرة مطر خدّ التراب ، أو عدنا طافين في رحم ساقية صغيرة يوما ما :

(                ونصّ المياهِ قصيدةٌ تتعدّد الأوزانُ

فيها ، وزنُ بحرٍ ، وزنُ غيمٍ ، وزنُ ساقيةٍ ، ووزنا

جُملتي مطرٍ ونبعٍ . كلّ وزنٍ داخلٌ في آخر ، حتى

غدا الإيقاعُ أكثر دقّةً وتنوّعاً . فالرعدُ ، والمطرُ

الغريفُ ، وزمهريرُ الريحُ ، والبرقُ البهيُّ الومضِ ،

إيقاعاتُ حالاتٍ بروحِ الماءِ ، - ص 22) .   

وقد أبرزتُ البيت الذي يقول فيه الكون الشاعر : (كلّ وزنٍ داخلٌ في آخرٍ) لأنه شديد الدقّة في التعبير عن فعل الماء في تأسيس إيقاعية الكون وضبطها ، وهذا الفعل يجري أيضا بصورة حيّة متعشّقة الحدود لا تؤشّر حدود كياناتها سوى الفواصل ، لا النقاط الختامية العازلة :

(كلُّ وزنٍ داخلٌ في آخرٍ ....

................................

إيقاعاتُ حالاتٍ بروحِ الماءِ ، قد ظهرتْ بوزنِ الغيمِ .

وزنُ البحرِ تلقى منه إيقاعاً لهمهمةٍ بوزنِ النبعِ . 

والتفعيلةُ الخضراءُ في وزنِ السواقي استُعمِلتْ في

بعضِ وزنِ النهرِ ذي التفعيلةِ الشجريّةِ الإيقاعِ .

                      لا إيقاعَ

                      لمْ

                      يدخُلْ سواهْ . - ص 22) .

لن تجدَ مكوّناً في الكون لا تدخل في إيقاعاته تفعيلات الماء ، والبحر هو في الحقيقة جماع هذه التفعيلات ، هو "طويل" بحور الماء . وقد قيل أن عروض الشعر وأوزانه قد سُمّي بحراً ، لأنه يوزن به ما لا يتناهى من الشعر ، كالبحر لا يتناهى بما يُغرف منه . لكن البحر كان أصلا هو الأوقيانوس .. هو الغمر الذي رفرف عليه روح الله والذي منه بدأ الخلق .. فبسعته اللانهائية يشكّل الأصل "المطلق" الذي يتناسب مع لانهائية الكون الذي اشتق منه ، مثلما يتضمن عماء الغمر الواقعي الذي كان يطفو فيه الإنسان في الرحم الأمومي والذي احتفظ بذكراه البعيدة الضبابية لاشعوره في أعمق طبقاته .. وحسب أسطورة جوزف "الشعرية" ، وهي مفهومة ومتناسبة نسبياً أكثر من كلّ الأساطير السابقة - فإن البحر كما نشاهد في حياتنا ، هو الغمر الذي تُشتق منه روح وإيقاعات وأوزان أغلب مكونات الوجود ، فبعد أن تقوم الشمس بتنقيح الغمر الذي بدأ منه بمحبرتها المطهّرة ، يتسامى شيء من روح تفعيلته في روح ووزن الغمام الأكثر هدوءا وانسيابية ، ولأن وجود خليقة جوزف لا تحكمه "نقاط" بل "تربط" أجزاءه "فواصل" شفيفة ، فإن روح معنى البحر يتنقّل عبر تمظهرات متسلسلة "متناسخة" ، فغمام الأفق يحمل أبعاد معنى البحر بعيداً إلى الأقاصي التي لا يستطيع الوصول إليها وتنتظر عطايا "رسالة" رؤياه ، ونبت الأرض يمثل معنى أخضراً للنهر الذي تمتد روح معناه (الماء) في عروق رحم الأرض  ، فلا يستقل أي منها بمعنى خاص محاصر لأن في هذا الإنطواء ضمور معناه ، وفناؤه ، إنها مكوّنات هي نتاج كائن حي يشتغل ، ويُبدع ، و "يكتب" رؤيا الله :

(       والبحرُ كان الغمرُ ، نُقِّح بالشموسِ

فصارَ بحراً حاملاً معناهُ أبعاداً تراها في غمامِ الأفقِ ،

حيثُ النهرُ معنى للغمامِ ، وحيثُ نبتُ الأرضِ

معنىٍ أخضراً للنهرِ . وهي جميعها أبعاد شيءٍ

واحدٍ يدعونهُ :

                   بحراً

                   له نولٌ ، عليهِ غمائماً بيضاءَ

             قد غزلتْ

                   يداهْ . - ص 22 و23) . 

وحين نقول أن لاشعور الإنسان يحتفظ بأوقيانوسه الرحمي الخاص ، أي بغمره الخليقي الخاص ، وأن من هذا "التكوين" تُشتق كل قصص التكوين "الراشدة" الأخرى ، بالتوسيع التفسيري الخرافي الهائل الذي يفرضه استيعاب العقل البشري للغز هذا الكون اللانهائي المحيّر والصادم ، فإن اللغة تسعفنا كثيرا في هذا الإتجاه . فكلمة "الأوقيانوس - oceanus " الغامضة الأصل ، يميل جون ألليغرو إلى الإعتقاد بأنها قد تكون مشتقة من المقاطع السومرية A-US+KI-A+AN+NA وتعني بالحرف الواحد "المياه المنويّة لمشارف السماء" . ويذهب ألليغرو إلى القول أيضاً بأن أصل كلمة (يم) ، أي بحر ، السامية ، قد يكون من المقطعين السومريين IA-AMA (عصير الأم) بمعنى "مياه الرحم" (10) .

لكن هناك تجزئة للمعنى بسبب ثرائه وتعقّد محتواه ، فمعنى البحر المائي رحل في احشاء غمام الأفق ليتمظهر في معنى النهر ، وهذا بدوره سيتمظهر في أخضر النبت الأرضي .. ولكن تبقى كلّها ذات مرجع واحد هو ماء البحر (والشاعر يقصد البحر الأصل/ الغمر) . فما العمل بالنسبة لمعنى الملح ؟ وكيف سيُكتب بياض رؤياه من محبرة البحر ؟

الكون الشاعر ، أو شاعرنا الذي موّه مرجعية النص حين قال : عدتُ أقرأ في .. إلخ ، فلم يدعنا نقرّر هل يقرأ في نص الكون الشاعر أم في شعر نص الكون المخلوق ، يرى أن الملح هو سرّ طهارة البحر وعنوان نقائه ، وأن تجريد البحر من ملحه يعني فساده والقضاء على روح معناه ، بل فساد أغلب مكوّنات الكون التي أخذت معناها من معنى دواته الخارقة ، وتمظهرت في تعبيرات النماء المتنوّعة غصناً ونبعاً وريحاً وناساً وعصافير :

(            والملحُ سرُّ البحرِ ، يبقى فيهِ مخفيّاً ،

فإن أخرجتهُ منهُ استحالَ البحرُ قبراً ، والهواءُ عفونةً ،

وبداءِ ممحاةٍ ، أُصيبتْ في محابرها

                               الحياهْ !

             والغصنُ أنحلهُ الخريفُ ، النبعُ أسلمَ

ماءَهُ . العصفور ضرّجَ نايهَ بدمِ الجناح .

الريحُ فاح الموتُ منها . الناسُ جُثمانٌ

وأضرحةٌ ، نهارُ الخلقِ

             كفّنهُ مساهْ . - ص 24) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000