..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عن سرّ الرّواية: الغزو الأحمر!

رجاء بكريّة

قالوا، " لملموا ما في الخزانة، وخذوا حذاء واحدا". صرخنا، "لا يكفي!" سَمِعْنَا، "لا مَدارِسَ في طريقِ الذّهاب". أختي فاطمة فهمت أنَّها ليست أكثر من ساعات! "إذن لن أصطحب الحذاء، سأكتفي ببابوج البيت". لكنّ السّاعة سالت، وأغرقت جبالا وتلالا، وبقي الحذاء ينتظر أن تعودَ فاطمة إليهِ! تنهّد أخوك غبارَهُ."

 

صبرا وشاتيلا أوّلا!

الأعلام الحمراء، وربطات العنق المصبوغة بغضب شقيق النّعمان، وقلوبنا الملوّنة بالحزن!

جاب الحزن طرقات القرى، وقلوب النّاس. سيناريو القتل العشوائي في المخيّمات قصف الأبدان. شلخ ذاكرة النّكبة الأولى من قصاصات الهزيمة، وأنطقها. ذاب الخرَسُ تماما في عمق الرّكب والقلوب. تقلّب الوجع، ولم يبقَ الحدادُ مُصطلَحاً يقبل التصرّف في أفواه الصّغار والكبار. ولا زلت للآن، أختنق بمذاقِ الدّم صبيحة ذكرى المجزرة. تتداخل البلطات والسّكاكين بكافة أفعال الحقد الممكنة الّتي ابتكرها القاتل بهمجيّة عالية، لترسم ما عشناه تلك الصّبيحة البعيدة، وأذكر صوت أبي المُرّ، "لَعنُوا عرضهن، ذبّحوهن بالسّكاكين، وشقّفوهن بالبلطات أولاد هالميتة" لم أر وجهه مكفهرّا، وبلا لون، كما كان عليهِ ذلكَ اليوم المغبر بالنّقمة. 

  أذكر جيّداً أثَرَ مجزرةَ مخيّمي صبرا وشاتيلا على حياتِنِا بمجملها. لقد كانَ السكّين الّذي ذبح أفكارنا المتوَهَّمَة عن دولتنا الفتيّة. فمنذ الغزو الأحمر لمدارسنا فهمنا أنّ الدّم الأحمر تحديدا يراق في كلّ مكان يخصّ ذاكرتنا. كنّا نسمعُ صدى المعارك عبر المدى الأرجواني الممتدّ شَمالَ جَليلِنا، فيخيّل إلينا أنّه يغرَقُ بالدّم. هكذا تشكّلت بطاقة تعارفنا الأولى مع أناس الأرجوانِ، بالرّسمِ والإسم حين يذيّلهُ شِعَارُ المخيّم. نرتعبُ، نحنُ الصِّغارِ، لِهولِ ما نَسمع، ونُخَبِّىءُ رؤوسَنَا تحت الأغطية، في عزّ الحرّ، خشيَةَ أن يَطَالَها اللّهب. لكنِّي، وخلافا للمتوقّعِ، بدأتُ أتساءلُ تحتَ الغِطَاءِ أين ينامُ الأطفالُ في مخيّمات تحيّرتُ في هندسة شكلها، حتّى انتقلت صُور النّحر الجماعي إلى الشّاشات، ورأيتُ بالصّوتِ والصّورة كلّ ما شرحَتْ لي عمّتي أنّه فلسطيني مختوم بإشارةِ قُبَّة. لم أناقش في حينِهِ دِقّة ما نقلتهُ إلي، ولكنَّه شكّل في تلك الجيل الصّغيرة وعيا فكريّا ناجزا لكلّ ما افتقدناه. وهكذا بدأنا، أنا وأبناء صفّي، نُعِدُّ خارطةً متخيَّلَة للجيش الأحمر الّذي زحف إلى مدرستنا الخوّيفة، وسائر مدارس القرى المجاورة. وسط اتّساعِ ملجأ خليّة سريّة في رأسِ كلٍّ منا، لمواقعِ محصّنة أسمتها عمّتي ملاجىء الفِدائيّين الحمر!

لا أعرف كيف ابتكرت عمّتي هذه التّسمية، لكنَّهَا أتخمتني حُلُماً، حدّ أنِّي بدأتُ أُعِدّ جيشا من النّملِ الأحمر في زجاجات الكوكا الفارغة كي أغزو بهِ العالم لأعيدُ وطنا مسَافِراً، مَتناسيةً أنّ النّمل قد يختنق داخل الزّجاجات الّتي أغلقتُهَا بالشّاش، وختمتها بالشّمعِ الأحمر. نَسَبتُ لنفسي معاجِزَ ما سحر سليمان به عالما رحبا بمخلوقاته وكائناتهِ، واعتقدتُ أنّي انتصرت!

الغزو الأحمر

صار الحلم أكبر منّي، وصورة الفدائي بربطة الشّقيقِ تزداد سبيا لمخيّلتي. أفنتز تقاسيمه كأنّني أستعد لمواجهة حقيقيّة مع وطن. يخطرُ ببالي سيناريو النّزوح الّذي ألقيتَهُ أنتَ في عينيّ، فتُغرِقُ سَلَمة وجهي رملا، وينتشر جيش من النّمل الأحمر في بدني، وأبدأ احتلال المدينة. تَشرُقُني اللّهفة في صوتِ عمّتي البعيد، " لهيك راحوا يا عمتي، حتّى الرّمل سحَبوه!" وطفولتي الحيرى لا تستوعبُ معنى أن يُسحبَ رملٌ من السّاحل، حتّى حلّفْتَنِي أن آتيكَ بزجاجة رمل من شاطىء يافا. ضحكتُ يومها، "وأنا سأسحب الرّمل الّذي سحبوه". ضحكتا عينيك، وقفز عفريتي الأخضر عبركَ، "للشّقاء معنى آخر حين تتمارى في عينيّ نازح، ولو عبر صورة، همستُ لك. هناك تنام فتنة التّاريخ قاتلة، حدّ أنّك لا تملكُ نقاشها، ولا النّشوبِ فيها. هل أفسّر نفسي الآن حين أعلنُ أنّني لم أقوَ عَلى فُراقِك؟؟"

صورة الزوجة والأولاد لم يمنعاني من التورّط بماركة حذائك الّذي لا يستقيم أبدا مهما تبدّلت مقاساته. كانا يكبران بموازاة عشقي الجارف لظهورك في حياتي، وربّما أحببتُ النّزوح لأجلك! رسمتهُ شعرا ونثرا، لونا ولحنا، وأحببتك بصمت. حينَ أُطلّ على البئرِ في عينيك أرى مليون سلمة على عشبها قدميك. صرتَ الفدائي الّذي انتظرْتُهُ صغيرة أن يقتحمَ بيتَنا أواخرَ ليلٍ، ويخطفني على فرَسِه. كلّ الفدائيّين لمعوا في عينيَّ على فرس تَشُكُّ أَذْرُعَهُم بُندُقِيَّة. وكنتُ ألهثُ انفعالا كلّما شعرتُ أصابِعَكَ تلكُزُ كتِفِي، وأتسكّعُ في الممرّ المؤدّي للنّوم بانتظاركَ. كلّ ليلة أتوقّع اقتحامك الوشيك لبيتنا، وحين تأخرت لُمتُكَ! عاتبتك. لكنّي تراجعت إذ غاب عن بالي أن أحتاط لهجوم قوّات حرس الحدود. وبأسرع ممّا تتوقع عثرتُ على حلّ سحريّ، "أخبّئكُ فوق العليّة، هناك ستكون في مأمن من القنص والأسر" لكنّني أتراجع إذ أدرك أنّ الفدائيّين يعتنقون المواجهة كجيفارا، فأزداد ارتباكا، وينغلقُ المشهد عليّ وأنا أعبّىء الرّمل في قارورة أُهديها إليك بدل الوطن الضّائع، كما فعلتُ بروايتي ذات يوم.   

 

"قالوا لَمْلِمُوا.."

عيد استقلال آخر مقيت يتزامن مع ذكرى النّكبة. فوجئنا برفع عدد من المتديّنين اليهود لعلم فلسطين في مدخل باب العامود في القدس تحرّشا بوجعِنا. فضّلتُ لمرّة أولى أن أكون في يافا، أتأمّل فلافل أبو العافية عن بعد. تركتُ قميصي الأسود ممزّقا على حبل الغسيل، وهربت. فكّرتُ أن أتذكّر حكايتك في مكانك الأوّل، لكن أين أعثر على الحمار الّذي رأيتُهُ في الصّورة، وقد استحلفتني أن أبحث عنه؟ وقد استحالت الحمير كلّها إلى مركبات تسير على عجلات؟

وأبو العافية هو كلمة السر الّتي تربط بين اليهودِ ونحنُ حين يجوعون، ومطعمه الصّغير يتواطأُ مع ناحر تاريخِهِ ليعيش بكرامة! هي مُفارقة عجيبة أن يستحيلَ يوم سلبِ الكَرامة الرّوحيّة مُكافِئاً موضوعيّاً ليومِ استردادِ الكرامة الماديّة. كلّها معطياتٍ خارج تَمَهُّنِ الذّاكرة. يركّزُ عينيهِ بمقلاةِ الزّيتِ ويتحاشى صاجها اللّميع لئلا تعثر عليهِ ذاكرته. يعرفُ جيّدا أنّها تدورُ حولهُ، وتباغته. مقلاة الزيتُ تصير عالمه كما تصير غرفتي عالماً خارج التسميات في كلّ نكبة، أنكفىء هربا من رقم جعل خانات ذاكرتي خوابٍ للدّمع. أستعيدك على مهل، وأنت تحكي، وقدمكَ تتململ في عُمقِ حِذاء.

  قالوا، " لملموا ما في الخزانة، وخذوا حذاء واحدا". صرخنا، "لا يكفي!" سَمِعْنَا، "لا مَدارِسَ في طريقِ الذّهاب". أختي فاطمة فهمت، ليس أكثر من ساعات! "إذن لن أصطحب الحذاء، سأكتفي ببابوج البيت". لكنّ السّاعة سالت، وأغرقت جبالا وتلالا، وبقي الحذاء ينتظر أن تعودَ فاطمة إليهِ! تنهّد أخوك غبارَهُ. " إنّهُ الإنقِطاعُ" قلتْ.   

 

 

زمنُ الصّحراء

حين كتب جمال يونس إليّ عن انقطاعه في ليبيا ملأ السّطور بالرّمالِ والحجارة، أحيانا تذكّر أن يحفرَ وسطِ السّطرِ واحة. كنتُ أُصغي لسرسكةِ حبيبات الرّمالِ عبر الفاكس، وأضحك من ابتكاراتِهِ الخارقة للعادة. وبعد أن تتخلّص الورقة من الحواجز الأمنيّة، وتصلُ إليّ أرفعُها إلى أنفي لأتأكّد من العلاقةِ الوُجدانيّة الّتي تربطُ الغبارَ بصحرائهِ. لرائحةِ الغُبار في غرفة مقفلة على ورق وكلمات أثر، كجريمة صائدِ الفراشات مع طرائده، حين يملّ الجري خلفها في مغارة رطبة، يفتّتها بدل أن يصطادها. تخيّل شكلها، تَنَشّق رائحتها، وهي تتفتّت دقيقاً بين يديهِ، تشبهُ لِحدٍّ بعيد رائحة الغبار بعد زخّات المطر الأوّل.

وغالبا أُعيدُ إليهِ ورقة مخططة بألوان البحر المتوسّط مُعنونة إلى زَمنِ الصّحراء، مغموسة بعطرِ التّوكاديلّي بذريعة أن ألخَمَ حِيادَهُ، فتزدادُ بحّة صوتِهِ عمقاً. لم أقابل رجلا خجولا كخدّيهِ حين تضيئان بما لا يتصوّره عقل، وتزدحم شقائق النّعمان حمراء بلونِ الدّم في عُرُوقِها. يربكهُ أن يعرف أنّ امرأة خلف بحر تعرفُ ما يسجّله عن الصّحراء. والصّحراء كلّ عالمه وذهبها الأصفر سرّ غُباره. أتلاحظُ أنّ كلّ ما نحبُّهُ في أصدِقائِنَا يذهبُ معهم، ودون أن نتمكّن من القبض عليه صُدفة بملابسِ صداقَةٍ جديدة؟ ظلّ الغبار يخالطُ عطره على نحو لم أنجح بتفسيره، كما يخالط سيجارك ابتسامتك.

 

أَحَبَّكَ جداً، وكان يتحدث عنك حديثهِ عن أنبياء، ألأجل سلَمِة، أم لأجل يافا، أم لوبالِ زمنِ الصّحراء؟ لم أحدّد حتّى رأيتكما معا، ففهمتُ أنّهُ كان يصافح تاريخهُ في عينيك! هذه حقيقة،  ككل الّذين يقتنصهم رمل الصّحراء ويظلّون على قيد وطن. لا يمكن أن تصافح يده ولا يفرّ من صوتك طيرُ حَمام.، وأن تنكسر في عينيهِ ولا يرتطمُ في قعركَ كوبَ ماء. دمّرتني أكياس الملحِ المحشورة بين جفنيهِ حكايا لا تُقَصُّ على قدَمٍ وساق. لم أحتمل غرق المراكب في عينيه، وهربت بعد أقلّ من ساعة. دعوته إلى حيفا، فحكّ حبّة التّوت الّتي صار إليها أنفه، وهمس كمن أغفل حَلَقة من سيرة وُجودِه، "كيف يافا الآن، أما زال لشُطآنها رمل؟" ووعدتُهُ، "إذا أتيتَ سأُعبّىءُ جيوبكـ وحافظة نقودك بالرّمل". ذهب جمال قبل أن أراه في زمنه. وبقي سؤاله معلّقا في أزمة سؤال، متى تعود قطعة من البحر الميّت إلى سرير يقظتها؟

سلمة، وجمال يونس وأنت تحضرون بذات الحدّة، فَغالِباً يُوَلِّدُ الإنقطاع ديناميّة التّواصل بين الأشخاص والأمكنة. وجمال كان الحبرُ الّذي كتبتُ بِهِ رسالتي الأولى إليك. ظلّت سلَمِة تدور كخاتمِ زواجٍ مُؤجّل حول إصبَعِهِ. ذات يوم كتب إليّ بعد أن انقطعتُ لشهور عنه، وفقدتُ الأمل من صحرائهِ..

"ثمّة امرأة تحضُرُ ولا تغيب، بحرٌ تلكَ المرأة، وأمواجٌ متجدّدة..ووعدٌ هي الأيّام، وأسئلة تَفِرّ إلى الأسئلة. قد كنتِ، فهل تكونين؟"

وأجبتهُ بحزن: "أكون حيثُ يكونُ هوَ، عزَّ جلاله، عثراتي تحرسها ملائكتهُ. خدعني الموجُ يا جمال، ظننتُهُ شيئا من رمل صحرائكِ.حين حاذيته انزلقت قدمي، ارتطمت بصخرة، وكسرت، أدعُ لي بالشّفاء". 

حيفا، يونيو 014      

    

 

 

                        

 

رجاء بكريّة


التعليقات




5000