.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نص في المكان

عباس خلف علي

محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة
تراءت لى عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا على النهر .
هذه القنطرة ظل شكلها النازح من مسافات قصية فصل من حكاية قديمة / حديثة لم يعزل الزمن فيها اللب عن القشور ، غامضة ، وإن أزيل ركامها المبعثر بعد إن أنهد كليا وإلى الأبد عن الأنظار صورتها ، أعمدتها الحديدية ، ركائزها الكونكريتية ، الاسطوانات المخروطية القصيرة ذات الألوان اللاصفة الممتدة على جانبي القنطرة فوق النهر ، فأن عين الراصد لن تتوقف ولو لحظة عن طرح الأسئلة حول الشكوك التي زرعها السلطان بفطنته الهمروسية .
صحيح إن النظر بعين الخيال يكتنز طاقته من الحلم ، حينما يمتد بأفقه إلى مديات بعيدة ، وعلى مساحة هذه الرؤى يراقب الحالم عشرات الصور وهى تخرج تواً من مخابئها السرية في دأب واحد لتعريف ذاتها بدون رتوش .
فيأخذ نمط تعريف حياتها أشكالاً متعددة ، تعدد الرسائل المبثوثة في بلاغاتها وحمولاتها لتمنحنا فرصة تهذيب تصوراتنا المؤجلة في صراعها غير الملتحم وغير المكتمل الذي تخوضه تساؤلاتنا الحافلة بالملامح .
عند هذه اللحظة تستدر كنى - القنطرة - وهى تجدد اتصالها بعد غيابها عن النهر الذي أطلقت جناحيها على ضفتيه حين من الدهر لتعود الحكاية من جديد ، تستفيق من الحلم حتى تأخذ حيز من تداعيات الأسئلة السابقة تخطيطاً لمحاولة قادمة تضيء على الأقل شيئاً من مسالك الظنون التي تخصبت ونضجت بفعل- حكاية الباب - .
ثمة حكايات تستعير المكان مثلما تستعير المتون بعض هوامشها بكلمات تخفى رموزها الأصلية على نموذجها الحامل ولكي تضمن استمرارها تفتح صفحات الظاهر منها على إيقاع الباطن الذي
يشد السامع إلى التوغل في مفاوز - الحكاية- لأقصى نقطة ممكنة تتيح له الإطلالة منها على الأثر ذهنياً .
تحاول التصورات أن تشف : إن كان الباب مكمن التماهى في لغة الناس بين الشك واليقين ، حقيقة أم وهم .
جارتنا قالت لأمي ، إنها تتأهب لإيفاء نذرها وتأتى ب ( خبز العباس ) قبل طلوع الشمس ( إذ تقصد -القنطرة - في الهزع الأخير من الليل، مسرى الظلام ، تحمل في ثناياها رغبة مجللة بالثواب لعل وحشة الطريق وفزعة تشعباته التي لا يعلمها إلا الله مناسبة طيبة لتعويض المشقة بالأجر ) .
وأخرى حطت الرحال الى جوار - باب العروة -كنت ألاحظها كيف تمددت على الفور محاذاة الباب وأسندت رأسها بلا شعور على حافة طلائه المعدني بعد إن تنفست الصعداء من أشواط الظهيرة اللاهب ، كان هواء الرواق يهب برودة منعشة يمكن أن يكون اكثر ذوقا وطعما إن استلقت على نعومة سريانه الهادئ ولو بإغفاءة قصيرة ، تتوسدها من عناء قد لا ينتحر عند أبواب جسدها النحيف الضامر أبدا.
ثم أمتصها الحرم الأثير كما تمتص الحالمين بالطواف لحظاتهم المعلقة :
بعد برهة رفعت رأسها : ارتسمت على محياها ابتسامة ممزوجة بالحياء لأنها اكتشفت من أسند رأسها هو كتف أمي وليس الطلاء ، ثم همست بأذنها ( بنت أوادم ) وقبل أن تسرد حكاية القنطرة ونذرها وشواظ الحصى البارز الحواف كالأنصال في الشارع العتيق .. سألت أمي عن البهاق الذي طفح على جلدة وجهي الغض .. ربما أجابتها أو لم تنبس ببنت شفة ، لم أسمع سوى إن المرأة أخذت تروى حكايتها وأنا أصغى من داخل حضنها الذي أتخيله دائماً ولا أريد أن أنتهي منه ، مثل رسالة حب ممتعة .. كل جزء فيها يقرأ بإحساس له مذاق خاص .
إن الحكاية لم تتنته أو تتلاشى عند حدود الأمكنة التي غادرت أزمنتها بل تظل تشكلاتها عالقة فى الأذهان ، تتناسخ ، تعيد دورتها بأي شكل من الأشكال لتواصل ارتباطها بكينونتنا الذاتية مهما قربت أو بعدت المسافة عن الحقيقة.
فالقنطرة وباب العروة والعلقمى والراية والدرع والقلنسوة كلها ( محاور للذاكرة في مشهد المدينة الدامي ) لم تبدأ بالقنطرة ولا تنتهي بباب العروة وإنما تمتد فواصلها في أحداث قائمة وأخرى لم تزل في طور الأعداد وربما يأتى دورها من غير أن نتوقعه .
مثلما لم أتوقع في يوم من الأيام أن تصبح هذه المرأة جدتي بعد ذلك اللقاء - القنطرى - إن جاز لى تسميته ،لقد كانت حكواتى من طراز خاص تجيد لغة الهور والبردي وأجمات القصب التي حاورت ضفيرتاها حتى المشيب .
زرتها في الحرب عدة مرات ... كل مرة تسألني عن أمي الطيبة على حد تعبيرها ثم تحدثني عن رغبتها الملحة في تكرار رحلة - المشي - وهذه المرة لا تختصرها من القنطرة كما حدث في السابق، إذ تبدأ من ظلال القصب الممتد على الهور نقطة إنطلاق لارجعة فيها ، إذا ما تحقق حلمها وخبت أصوات المدافع التي ترسل عناقيد الإبادة كل يوم في محرقة الحرث والنسل على حد سواء .
وفى آخر زيارة لها لاحت لى القنطرة من بعيد بملامحها العثمانية وهى تحمل جثمان (جدتي )
إلى مثواها الأخير ... قبل أن تحقق أمنيتها المفجوعة بإطالة أمد الحرب .
وعلى ضوء تلقى الأثر تتصفح الأخيلة وجوه الحكاية من ثيمتها الأصلية قبل أن تصل إلى المتن ، فيزعم الراوي إن الأفعال قد شرعت تخط أحداثها وإن الذاكرة جامعة لمكونات الروي ووحداته السردية والشعور إحساس ثم خيال يتحرك بحرية تامة في رحلة الزمان ، بينما الأمكنة مجرد ذوق تعيد للافتراض صورته المثالية : كما أرى في - رند القنطرة - هذه العبارة عنوان أزلي وضع على واجهة محل عطارية الأعشاب القديم ،لم يزل يحمل جوهر وصايا لقمان في ثنايا تركيبة دواءه الجديد ويستمر( صاحب المحل ) ادعائه على توكيد أرجحية هذا الدواء عن بعضه المستخلص من نباتات قيعان الأنهر ، يؤخذ من نبات أرض رمضاء ... شجرة بدوية لها رائحة المسك طيبة وفواحة ، تزيل ملوحة الجداول النتنة عن غشاء العين .
يتذكر القدامى الذين أصيبوا بالرمد مفعوله الخارق الذي لا يتعد ملامسة المناطق المتضررة في العين في غضون ثلاثة أيام تختفي بعدها الأعراض وتمحى .
يحاول العنوان أن يستعيد نظارته بتفعيل خصائصه السابقة على محلات - البوتيك - العصرية بعد إن انسحبت الأعشاب عن الأضواء وانحسرت بضاعتها في وقت من الأوقات ، ثم يدخل الظرف مجدداً ليعيد لها الحياة بثوب آخر ...
فى السوق المسقف المكتظ برائحة جلود الأحذية، يستثمر العنوان تصريحه وتلميحه بشكل واضح ، حيث تلمس في الأداء المزدوج لصاحب المحل حين يقودك إليه العنوان الذي يتصدر واجهته ( رند القنطرة ) قدرته على إعادة صياغته بشكل ملفت و مغاير أصلا لما علق بأذهان الناس ،التصاقه بالعلاج ، ومع ذلك فبإمكانك لما تبتاع منه زوج من الخف أن تسأله عن دهن الخروع ، وهذا ما يتنافى مع قول الصيدلي الجديد الذي أتخذ من العنوان مبرراً لشرعية تداولية الدواء فى (شارع الأطباء ) وإن التسمية جاءت لترثها الممارسة أصلاً وحصراً كما ورث الغير أسماء كالرازى وأبن سيناء والكندي والفارابي وأبن حيان ،لما تختار البلدية أسماء شوارعها لا تنسى إن للتاريخ مرايا عاكسة منصوبة في كل مكان تلقى بملامح الزمان على ذاكرة المواقع لتمتحن كفاءتها ، وهكذا نكتشف إن زراعة العنوان في حالات مترابطة أخرى كالمدارس والمستشفيات التي تكوُُن من دلالته ما ينطوي على الجانب الحسي الذي فيه ملامح وخصوصية الأسماء التي تستعيرها بعدا رمزيا واضحا في التعبير عن مدلولها القيمى والانسانى .
بقى الصيدلي مولها بضرب الأمثلة ومحاولة تقريب المعنى بين الامتهان والمهنة والحرفة والممارسة مثلما يفترضه الاسم / العنوان ، على أغلفة البضائع المتنوعة .
إنه يحاول أن يؤكد لى ما يصح أو لا يصح في سياق استعادة الأسماء المأثورة تنافسها مع الواقع وراهنيتها على الخلود ،وأنا أصغى لكلماته بتصورات الراوي الذي وضع نصب عينيه قيمة الأثر / القنطرة على تعدد الوجوه واستنزاف الملامح لأقصى حد ممكن .
سبع القنطرة :
استوقفني قول النفرى ، أثناء تلك الألتفاتة المتأخرة إلى باب العروة .. حين خاطب أقرانه بصور وكلمات من شأنها تقريب رؤيته إليهم .. وإلا ماذا تعنى تلك الصور الباهرة فى سفر يوحنا وبلقيس وسبأ ويعقوب والجب ، ألم تكن أفكارها موردا حقيقيا للنصوص اللاحقة بعد إن غربلتها النصوص السابقة مئات المرات ، إن لملامحها تأثير في إذكاء الأسئلة ومهما توطدت الألفة لمعالمها تظل تلك الأواصر مجرد إغراء المولد والمنتج بجاهزيتها لأن حلولها لاتنتهى مثل حياتنا نجهل مصيرها ولكن وجودنا فيها حقيقة .
كنت أتطلع في تلك المقولة أو التساؤل سمها ما شئت وأنا أجر ب ملاحقتي للقنطرة على طريقة - التاو - الذين يبحثون في فلسفتهم عن الفراغ الذي يصلح للسكن .. يقول باولو كويلو ، كل منا يحتاج إلى تعويذات أخرى أقوى ..ويقول هنري مور ، اقطع من الحجر ما هو ليس فيلا تحصل على ما هو فيل ، وأقوال أخرى لم تكتمل دورتها قبل إنهاء جولة الرحالة في عكد
أبو ادباغ وباب السدرة وباب الطاق وباب الخان وباب السور وباب السلالمة وتل الزينبية والعباسية وخان صيهود ومقهى عباس منسي ومقهىدنفش وسيدعلي والهيابي واكتفى بالإصغاء إلى القيم القديم الذي تحدث عن بعض قطع الزمرد المنسوبة للرحالة والمودعة داخل ( كشوانية ) المخيم ، وأنصت لثلاث سنين عاشها بين ظهرانى الناس يمارس فيها حتى طقوسهم المعتادة وأتوقع استعداده لأكثر من ذلك ، هكذا تقول السرائر والأسرار ،في خاصية المدن جذب صوفي غريب ، تستدركها لحظة التجلي أنى تكون ، وإلا ماالذى جعله يتحمل عبأ المشاهد والطقوس الملتهبة فى قافلة الذكرى الحسينية وهو يملك - الزمرد - ويعكف جل الوقت على استدراج الملامح المتخفية الآن بظلال المدينة الحديثة ، ويضيف القيَم أيضا ، إن البلدية تحتفظ له بنسخة نادرة عن مواقع الأماكن وأظن إنها أول خارطة لجغرافية المدينة مسجلة باسمه ومؤيدة من أحد الأعيان المهمين آنذاك السيد كاظم الرشتى صاحب باب - البهائية - المعروف ، ولكنى فوجئت بعدئذ لا أحد يعرف شيء عن هذه الخارطة ومحتوياتها إلا ملحق مدرسي ،ظهر في بداية الخمسينات من القرن الماضي ، يتناول بإسهاب سيرة الرحالة الأدبية الموزعة بين تحقيق الكتب التاريخية ورحلاته في مدن الأساطير والأحلام القوقازية التي ما يزال السحر يشكل رئتها الحقيقية في تكوين عوالمها على أرض الواقع ،وإنه طاف في تلك المدن بصفة منقب آثاري متنقلا بين الأحجار والصخور و المعاقل والحصون باحثا عن مغاليقها وأسرارها دونما تحسب إنه يفتح أفاق لمرحلة أخرى لاحقة تأخذ عنه التصورات والرؤى التي دونها بشفافية كاتب رحلة وليس منقب ، هذه العوالم أغرته وألبسته ثوب الترحال الدائم في مشوار لا تنقطع أسئلته وتتوقف عند عتبات تلك المدن وحدها، بل أخذ يخترق الحواجز والأسوار التي كانت في يوم ما عصية على غير أصحاب الطرابيش الحمر اجتيازها ، ليحلق نهاية المطاف مترنما بإيقاع تخيلات ألف ليلية وليلة .
كأني به على أديم العراق الساحر ينقش عبارة السواح والرحالة وكل من شغفته لعبة التجوال :
أرض السواد مملكة الحكايا والأساطير لم أشعر فيها إنى غريب ووحيد مادامت ملامحها لا تجهل القادمين إليها .
هذا الرحال أو المنقب أسمه - بوريس دانتسيغ -أوكراني الأصل ، عرف بحبه الشديد وولعه بتتبع الحكايا من منابعها الأصلية ، أي من الأمكنة التي صارت مهدا لانبعاثها وإنعتاقها ولذا كتب بأشياء ملفتة عن أغلب المدن العراقية القديمة والعصرية التي امتازت من وجهة نظره بنكهة خاصة في تعريف طقوسها وأساطيرها للآخرين على الرغم من وطأة الاحتلال العثماني الذي أستمر لقرون عدة ..
قرأت كتابين مستنسخين له - الفن من الشرق إلى الغرب وحكاية رحال - واحتلتا موقعيهما في ذاكرتي ، حيث كانت مفرداتهما تزاحم صور ، القباب ، المآذن ، مشاهد الزيارة ، لوحات الطقوس الدينية ، ولم يكن التخلص من تأثيرها سهلا . -هو لم يؤلف من أجل هذه الرموز كتب منفردة ومخصصة ، وإنما لجأت مراجعه إلى دمج ما تذره أفلاك الكتابة في الوعي والإحساس والذاكرة ، وحتى لا تنفصل وحداتها عن الفكرة الأساسية (لحكاية رحال أو الفن من الشرق إلى الغرب ) تجسدت الرؤى في مرايا الخيال ملامح ظاهرة، وبمستطاعة تلك الملامح أن تواصل معي التعرف على لوحتي _سبع القنطرة و- بطل القنطرة - هما لم يكونا بالطبع لوحة غرونيكا أو لوحة يوحنا المعمدان بل انهما ينفردان بميزتيهما البصرية والرئوية في حدث المدينة التي استباحها ابن زياد ،شكلتا هاتان اللوحتان تأثيرهما المضاعف لماجرى في السبي الذي مهد لمحرقة - المخيم - أي إنهما يمثلان جزءاً من تراجيديا الحكايا التي يتقاسم الناس روايتها على ظهر القلب كلما أذنت لهم الظروف بذلك .
تنتصب لوحة سبع القنطرة عند مدخل سوق - الصفارين- ، أقدم سوق عرفته المدينة ،ظل لوقت متأخر يمثل نشاطا مهما لحركتها السياحية والدينية ، إنه عصب الحرفة المحلية بنقوشها ألا سلامية المميزة والمطرزة بجماليات المدينة بمختلف تكويناتها وتشكيلاتها ، ولذا يحرص الوافدون الجدد على زيارته واقتناء بعض التحف الأثرية المصاغة بهندسة دقيقة وفريدة لمعالم الأسوار والأبواب والقباب والحارات ، تجتمع كلها بمهارة فنية على قطعة دائرية أو مستطيلة من النحاس تملأ حواشيها آيات من الذكر الحكيم .
أما لوحة بطل القنطرة تميزت بألوانها المائية الصارخة لأبراز علامات( العلقمى ) ، نبض في سياق الرسائل التي حملها هذا النهر لزمن طويل ، لم تزل حافته المسكونة بليل الشموع والآس والتمائم تتوهج قبل وبعد ملحمة العطش بحكايا العطش ذاتها .
يلتقطها حدس -رسام الطقوس -في نصف ظلام يتداخل بنصفه الباقي من النهر ، بلمسة فنية أخاذة تتماهى فيها الألوان مع بعضها على اللوحة ، فتبدو استدارة وجه الحصان بعينيه الشاخصتين صوب القربة التي أخترقها السهم قبل أن يلامس عنقها الغَرفَة الأخيرة ،حائرة في صمت الماء ، لعل سؤاله بعد ضربة الفرشاة الأخيرة يعيد للناس لحظة الاقتراب من حدود النهر ، النهر الذي لم أراه ولكن أتخيله يتناسل على شفاه حملة - القرًب - وهم ينادون بين الحرمين (( عطشان يا سبيل)) أو (( أشرب الماء وأذكر عطش .... )) .
ومن أمام واجهة -حسينية الهنود- تكون هذه اللوحة مركز إنطلاق المواكب بأسرابها الطويلة ، إذ يحتشد حولها الناس بدأب متواصل ، يصغون ويتحسسون إيقاع الصنوج والدمام وهى تغلى بوقع سياط الزنجيل على الظهر العاري ، مثلما تغلى المشاعر عند نشوب الأحزان لتعيد لحظة اتصالها ..
هذه اللحظة هي ذاتها التي تعيد دورتها الآن عبر فواصل حكاية القنطرة ، مذ تماهيها بباب العروة ، تسأل :
من أي الحكايا نبدأ ؟



النسق السردى فى الخطاب السينمائى
عباس خلف على
عندما نلقى نظرة متفحصة لمستوى الأنتاج السينمائى العربى قياسا الى ماينتج فى العالم ، يتضح الفرق جليا فى طرق أستخدام التكنيك والتقنية والمهارة التى صارت تلعب دورا هاما فى تشكلات المقطع ، التركيب ، المونتاج لأبراز قدرة الفلم على تكوين وحدات ترابطية تهىء حيثيات للمعنى أن يولد أو ينتج شبكة من العلاقات داخل نظام وقواعد الصورة (المدلول ) ، هذه الصورة تتشكل شروطها من وجود المعنى فى سياق التعبير النصى ( الدال ) ، وبهذا الترابط المفهومى يمكن أن نميز من خلال النسق المعنى الظاهر من المعنى الكامن فى مستوى الشريط / الخطاب .
أن المحافظة على نمط الصورة - الفوتغرافية - بمحاولة نسخ النص ( بعد غياب الرؤية الأخراجية )على الشاشة كما نراه فى واقع الحال للفلم العربى يؤدى بالتالى الى أهتزاز موقعىالأفتراض والتصور عن تلبية دورالأنعكاس أ و الرصد عند التلقى / المشاهد نتيجة تشابه نسق الوحدات تحت ضغط مساحة النمطية والتكرار - المشاهد ، اللوحات ، اللقطة ، الزاوية - وهذا مايعتبره الناقد السينمائى - فريد سمير - : البعد الذى يجسد بطريقة ما مشاغلة الذاكرة بين الواقعى والمتخيل الذى تفتقر لأدائه السينما العربية .
كان الأعتقاد السائد ينحسر بالأدب ( الدال ) وحده بالمسؤولية عن مكونات الصورة السينمائية ( المدلول ) وأعتبار أن المتن الحكائى هو المرتكز الأساسى لبنى الشريط / الخطاب فنيا وآليا على حد سواء .
هذا المفهوم صعد من إشكالية الفلم العربى وخصوصا أمام حضوره فى المحافل الدولية والمهرجانات الفنية المتخصصة بحداثية السينما كصناعة قائمة على مهارة التكنيك وفن الصورة .
فالمد التناسخى الذى أفتقد الى - الرؤية الأخراجية - جعل من الفلم / بنى الشريط ، ثيمات منغلقة على مسار ثابت من الأداء ، بدليل ما أن يتم الأنتقال من وحدة زمنية الى أ خرى ، لانشعر أزاء هذا الأنتقال بالمعنى الظاهر أو الباطن الذى يمكن أن يحدث فى عملية التقطيع / المونتاج لمشاغلة الذهن ، فأن هذا الأنتقال يتم عن طريق الأمساك منذ البدأ بضم الثيمات بعضها البعض لأنتاج المحتوى النصى / الفلم ( بوصفها قائمة على منطق التوافق والأقناع ) .
ولذا لم يكن لهذا الأنتقال أى جدوى لمقترحنا فى التوقع ، أو لأى أفتراض يمكن أن يتبلور أو يتشكل من خلال النص ( الدال ) عندها نشعر برتابة الفلم / المحتوىوأفتقاره إلى أدوات تعبير مضافة تساعد على الأقل فى كسر حالة مثل هذه ( صنمية الأداء والوظيفة ) إلى فعل حركى يقوم على تغيرالمواقع داخل نسق الخطاب / الشريط .
وعلى هذا الأساس يقول الكاتب - أدورالخراط - : إن الفلم الفنى هو المنطلق الجديد لفاعلية الضوء فى التكثيف والاختزال ، أى إن إندماج السمات الأبداعية فى الأعمال السينمائية يستدعى وجود لغة مشتركة تنجز فيها مكونات الدوال وظائفها فى التعبير ، وإن البحث عن الظواهر السردية داخل النسق يشكل فى المقام الأول - مشاغلة ذهنية التلقى / المشاهد - الذى يعتبر عصب السرد فى إنتاج الممكن والمحتمل من الرؤى .
وهنا تأخذ الصورة السينمائية بعدين من القصد على حد قول د. محمد مفتاح ، الأول يتم عن طريق تحديث حركة الكاميرا ، صعوداً وهبوطاً أو فى الأمتداد الأفقى والعمودى ، فترة بقاء اللقطة (المقصود هنا نسبة الثابت والمتغير فى لحظة أقتناص الملامح ) أو لون الضوء المنسكب على الوحدة الصورية لايفسر على أساس الزمن وعلاقته بإيحاء اللقطة كما هو دارج ومفهوم وإنما صار يكشف عن معان عدة ، تتحرك على السطح / الظاهر بعملية تتطلب رصد العمق أيضا ، أى عمق نشك فى ترتيب موضوعته .
فالمهارة المتميزة لأستعمال آلية الكاميرا ، يفوق أحيانا تأهيل الأشياء على الورق ، وإن الاستخدام الأمثل المبنى على فعل الآلة ( العدسة وحساسيتها ) يعطى تقنية مضافة للمادة الحكائية ، وهكذا يستفيد النسق العامل فى الشريط / الخطاب على التشاكل مع المفاهيم الأدبية وخصوصاً فى موضعىالاستعارة والتعويض .
فكل ماهو غير ظاهر فى ( الصورة ) يمكن أن يكون فاعل فى الحقيقة ( التوارى ) ، وعلى هذا التدرج والتنامى فى ( الشكل والمضمون ) نرى المحفزات والمثيرات تأتى مخلقة بواسطة - الحيل ، الخدع البصرية - التى تدخل نظام الفن من زاوية الأتقان الفلمى الذى منحته - الرؤية الأخراجية - تصوراتها / معيارها فى رصد معانى النص .
وبهذا السياق تكتسب الصورة تأثيرها وفعلها التحسسى بعد أن تتقولب بقالب اللغة المرئية ، ما أن نستدل باللون أو الضوء على مستوى فاعلية اللقطة حتى تنتقل المؤثرات من نظامها الذى تكونت فيه ألى نظام آخر ، هذا التغير يخلق لدينا إحساس بفنية الأنساق وقدرتها على التعبير بنفس الطاقة التى تمثلها الأنساق النصية فى مواجهة التلقى من حيث تحميل الدلالة أو تشكيل المعنى المتوارى بين السطور وجعلها فاعلة فى رسم الملامح ذهنيا .
أما البعد الثانى من عملية الرصد التى أشرنا إليها آنفاً : هو أدب الفلم ( النص ) حيث بالأمكان قراءته وتحديد قيمته من خلال الوسيط - التلقى ، المشاهدة - بالنظر الى الوسيلة والأداء ( التماثل والتقارب ) بغية تحليل التداول الحاصل بين النص ( الدال ) لتقنيات الفيلم ( المدلول ) بعملية أطلق د. محمد عياشى - أطروحة النص - فمن خلال هذه الفعالية ، نستنتج مدى عمق هذه الأستجابة بين الثنائتين ( النص والفلم ) .
فالشعور بضم الخصائص ( تركيب الصورة وتداخلاتها فى النص ) أوتضافرها لايعطى حكم نهائى عما نريد إظهاره من تقيم ،بل تبقى العملية محصورة بالأداء والمهارة لبلورة هذا الشعور أو الأحساس .
وفى ضوء هذا الأفتراض تكون - الكيفية - للمتلقى لها تصورات مسبقة ، ربما تكون قادرة على تحليل أوفهم ماهية - الدال ( النص ) والمدلول ( الفلم ) ، أى إن النظر إلى الفيلم من زاوية النص تتيح بنفس الوقت النظر إلى النص عبر أنساق الفيلم ، بحيث إن هاتين النظرتان فيهما ترجيح ومفاضلة وكل مشهد / لوحة ، هو وجه من وجوه الأحتمال ومستوى من مستويات الدلالة والمعنى ، وبذالك نحصل على خلاصات تتيح مزيد من الضوء على فعالية الصورة وتركيب النص .
يقول الكاتب اليابانى - كونزو بورو أُوى - : بعد إن عرضت روايتى - الشجرة ذات الأخضرار الملتهب - فى السينما ، وصفت المخرج المخضرم - كيروساوا - بأزولينى - الذى جاء عالم السينما من عالم الشعر ، لأنه كان يقوم على تصوير الرواية برؤية - الواقعية السحرية - ويحرص على مزج أو ربط الأشياء الحقيقية بمغزاها الرمزى والخيالى ، فشعرت بأن الرواية تتحول عبر الكاميرا إلى كلمات شعر وإن إيقاعها داخل الشريط ( يقصد مكونات الصورة الحسية / الجمالية ) لايسمع رنينها الصافى الا عبر الأحاسيس والمشاعر المتدفقة عن المشاهد .
بهذه الحقيقة نلمس إن عناصر السردالسينمائى ( مكونات النص / الفلم ) لها فاعلية التجانس والتوافق فى تشكيل الصورة عبر آلية ( التركيب / المعنى ) التى تضم محتوى الدالين ( النص ، الفلم ) ودمجهما فى سياق واحد لاتخلو أنساقه من المثيرات المنتجة عن البؤر ، الباطن ، الطوطم ، التوارى ، التماهى ، هذه العناصر لايمكن لها أن تظهر فى الفلم إلا بعد إرتباطها بتصورات -الرؤية الاخراجية -لما لها من خصوصية المعالجة ( تقنية + المهارة ) وأيضاً لها قدرة على التحكم بقوانين التراكم داخل الخطاب السينمائى من لحظة المشهد الأول الى الأنجاز .
فكلما يتأسس مشهد من المشاهد يتمثل فيه البعد الفلسفى والتأويلى لأن - الأخراج - لم يعد مغلق محدد الدلالة ، كما إن التأليف لم يكن كالسابق (يهمش ) أى دور للمتلقى .
وهكذا نكتشف إن النص لايمكن أن يكوُن بمفرده مستوى الفيلم ولاالفلم يمكن له تجاوز سياقات النص ، وبذالك نجد إن المنجز / الشريط يتوقف تخليقه على رؤيتين ساندة أحدهما الاخرى ( التأليف ، الأخراج ) بغية تكريسهما - المعنى والتعبير - على وفق آلية تجربتهما الذاتية والفكرية فى المواقع الفاعلة ضمن الأدب أو السينما .

 

عباس خلف علي


التعليقات




5000