.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إنانا الحكاية العربية الجديدة (11) (الأخيرة)

د. حسين سرمك حسن

 مشروع تحليل خمسين رواية عربيّة نسوية :
بثينة العيسى في رواية (عائشة تنزل إلى العالم السفلي) :
                       إنانا الحكاية العربية الجديدة  (11) (الأخيرة)
------------------------------------------------------------------

وإذا عدنا إلى مراجعة طبيعة التحوّلات التي صاحبت عبور عائشة كلّ بوّابة من بوابات عالمها السفلي ، فسنجد أنّ الكاتبة قد صمّمت تحوّلات الضوء بعين سينمائية ، مثلما صمّمت تطوّر خطاب إنانا عند كل بوابة ليعكس الرؤيا الجديدة التي استنتجتها من قراءتها للأسطورة :
# فعند بوابة الموت الأولى كانت عائشة عند عتبة العالم الأسفل ، وأبوابه مغلقة ، ولذلك لن ترى ما في هذا العالم قبل فتح بوابة مدخله الأولى . وهنا ستكون إنانا حارسة كما هي دائما عند كل البوّابات ، لكنها – من الناحية المعنوية -  ستكون "ممراً" و"طريقا" في هذه المرحلة .
# أما عند بوابة الموت الثانية فقد أصبحت عائشة "في" هذا العالم حيث عرائش العَتَمة وأحراش الغياب . أما إنانا فهي وإن كانت حارسة إلّأ أنها سترافق هذه المرأة في رحلة هبوطها ، فتكون عابرة إلى أرض الرحيل أيضا ، هي التي عبرت هذه الأرض من قبل كما نعرف . صارت هي الرحيل ودليل "العبور" (ص 219) .
# مع دخول عائشة البوابة الثالثة تزداد العتمة ذات البريق (يزداد البريق في العتمة تمهيدا لإشراقة الضوء الروحية) .. يزداد الغامض المُلتبس الذي يناديها فتشتهيه تمهيداً للمصالحة المُنتظرة في العالم الداخلي . وتصبح إنانا تركيبا حُلميا يرنو إلى الغياب لأنّ الفدائية النازلة يجب أن تتصدّى لمهمتها .. إنانا عند هذه العتبة هي الغياب ذاته (ص 219) .
# وحينما تعبر عائشة البوابة الرابعة تصبح العتمة بيضاء ، وترى بصيص نور فتتجه نحوه .. هو بصيصٌ من نورها الداخلي الذي بحثت عنه طويلا . ولأنه نورها فهي الوحيدة التي تعرفه وتستدل عليه بـ "حدسها" . ليست بحاجة لمُرشد أو دليل الآن . هنا تسمع أغنية العالم التي هي إنانا الرمز الكوني للعبور الداخلي والتكامل . تمضي إنانا في هذه المرحلة إلى حتفها رقصاً .. وتصبح أغنية .. أغنية العالم الروحي الذي سينبعث متكاملا قريبا ، والذي سيخطو خطوة حاسمة بعد عبورها البوابة الخامسة
# عند البوابة الخامسة تبدأ العَتَمة بالتناقص ، وترى الهابطة فراشات الضوء الملوّنة تسبح أمامها .. وتتحوّل "الأغنية" من "الخارج" إلى "الداخل" ؛ يعلو الغناء في باطنها وتتحفّز لتطلق أغنيتها الخاصة .. أغنية تكاملها النفسي وصفائها الروحي المُرتقب . إنانا الآن مطمئنة إلى المسار الذي ثبّتت عائشة في أرضه أقدامها ، لقد سارت بعزم على طريق التكامل والإستقلال الذي سارت عليه إنانا من قبل ، فضربت عليه المثال والأنموذج ، وهي الآن "الضوء الطليق" ..
# ضوء عائشة الذي – مع عبورها بوابة الموت السادسة – صار يكبر ويكبر ، والكوّة تتّسع ، وتتّسع . تتساءل ما الذي ستواجهه في نهاية النفق ؟ وأنانا عند هذه البوابة هي أنموذجها الذي ينبغي أن يتقدّمها بمرحلة ليتحقّق الإقتداء الناجز . إنانا ، الآن ، هي الناموس المسدّد إلى قدرها ، هي موتها الخاص .. (ص 221) .
# وفي ذروة اللحظة الصوفية الفائقة ، اللحظة التي تعبر فيها بوّابة الموت السابعة تختفي العتمة نهائياً ، فقد اكتسحها بريق العدم المبهج الذي يمتص روحها بإلفة محبّبة وتهفو إليه بصمت مهيب . صارت فراشة – والعراقيون القدماء كانوا يرمزون للروح بهيئة الفراشة – منطلقة تحتفي بخفّتها . إنّها النور ، الآن ، مثل سيّدتها ورفيقة نزولها ومعلّمتها إنانا التي تلخّص وجودها لعائشة في مرحلة الإلتحام النهائي بأنها : "الحجاب الأخير الذي يحول بيني وبين النور ، أنا النور) (ص 222) .
وحين نتأمّل مراحل "التخفّف" السبع التي مرّت بها عائشة ، ونمعن النظر في سيناريو المشهد الذروة ، ووصايا إنانا عند البوابة السابعة ، فسنجد أنها مداورة نفسية أوّلا ، وفلسفية وجودية ثانيا ، للموقف من الموت/ المثكل ، وتعبير عن النضج في التعامل مع طعنة العدم ومفهومه ، أكثر مما هي محاولة للغوص في الأعماق الذاتية ومصالحة الأجهزة النفسية الثلاثة : الهو ، والأنا ، والأنا الأعلى ، بالرغم من أن عائشة مازالت مقتنعة بأن الهبوط قد فتح مغاليق علّة مزمنة أخرى تعانيها ممثلة بشروخ الداخل العميقة وتنافرات مكوّناته . في الواقع هي شروخ النكوصات التي سببتها ضغوط الإنثكال وقلق الموت المرعب ، الذي ينسرب وسط التعبيرات الواعية ، بالرغم من قوّى الضبط الشعوري الغوي والتصويري :
(مثلما خلعتْ إنانا صولجانها وتاجها وثيابها ، في كلّ بوّابة من بوّابات العالم السفلي ، لتكتشف ذاتها عارية وخفيفة ، كنتُ أقوّض كلّ جسرٍ يربطني بهذا العالم .. كنتُ أتخفّف من كلّ شيء ، كنتُ أكونني . كنتُ أنا .. روحٌ محضة . إحساسي بحقيقتي الروحيّة قويّ جداً ، ولستُ بحاجة لأن أموت لكي أشعر بذلك .
أحسّ بأنني أخفّ ، أخطو فوق الهواء ، وأستطيع الركض لساعاتٍ في فراغ اللحظة ، إنّني أدلف يوم الميعاد ، وهذه قيامتي قد حانت وأنا أراها .. تعركُ عينيها . الساعة الآن تجاوزت الثانية عشرة صباحا (هي ساعة الصفر بالنسبة لرحيلها – الناقد) بدقائق قليلة ، واليوم هو الثامن عشر من أبريل للعام 2011 ، وأنا لا أعرف ماذا سيحصل لي : أموتٌ أم بعث ؟ سأكتشف ذلك قريباً) (ص 224) .
لقد كانت تنظر إلى الموت على أنّه شرّ .. وشيء غريب عن الحياة ومضاد لها .. قاتل مأجور يأتي من "البعيد" المجهول أو من "الفوق" اللّامعرّف ـ ليسدّ فم حياتنا الجميلة ويخطفها . اقتنعت الآن أنّه لكي تكون النظرة إلى الموت – وهو موت عزيزها تحديدا – صحيحة يجب أن تجعل الموت جزءا من الحياة ؛ إنّه جزء من جوهر الوجود ، بل مكوّن جوهري من مكوّناته . ولكي تكون النظرة إلى الموت صحيحة يجب أن نجعل الموت جزءا من الحياة ، وهذا ما فعلته فلسفة الحياة على لسان أشهر ممثليها "نيتشه" حين قال : (حذار بأن تقول إن الموت مضادٌ للحياة) . فلا يوجد شيء خارج الحياة .. الحياة هي الكلّ ومعنى هذا أن الموت يجب أن يُفسّر بالحياة ، وأن تُفسّر الحياة بدورها بالموت كما كان يقول الفيلسوف زمل "إن الحياة تقتضي بطبيعتها الموت ، بحسبانه الشيء الآخر الذي بالنسبة إليه تصير شيئا ، والذي بدونه لن يكون لهذا الشيء معناه وصورته" .
إن الحياة هي التي تقتضي الموت إذاً ، وما هو حي هو وحده الذي يموت ، وما الموت إلّا حدّ للحياة ، هو الصورة التي تلبسها الحياة وتحطّمها من بعد ، وهذه الصورة لا توجد في اللحظة الاخيرة فحسب ، بل توجد في كلّ لحظة من لحظات الحياة ، وتعيّن مضمون هذه اللحظات . هي صورة باطنة إذ توجد منذ بدء الحياة ، وبدونها ستكون الحياة منذ البدء شيئا آخر . الموت باطن في الحياة ومحايث immanent لها إذاً ، وليس متعالياً transcendent عليها ، لأن الموت المتعالي على الحياة حادث عرضي صرف فـ "منذ أن يأتي الإنسان إلى الحياة ، يكون بالفعل في شيخوخة الموت") (31). .. فالنهاية إذاً في حالة الموت ليست إشارة حمراء عند نهاية الطريق .. ولا صافرة حكم تختم مباراة الحياة . إنها كانتهاء النضج بالنسبة إلى الثمرة ، فنحن في هذه الحالة لا نستطيع القول إنّ الثمرة قد نضجت في الساعة الفلانية ، وكأن النضج شيء منفصل قد أُلصق بالثمرة أو ختمٌ يوضع عليها ، إنّما هي عملية مستمرة منذ أن كانت بذرة .. بل وقبل ذلك منذ أن كانت مكوّناتها تتشكّل في العالم السديمي الأول .. النضج فعل مستمر ابتدأ منذ ميلاد الثمرة واستمر يساير حياتها لحظة بعد لحظة حتى أتت نهايتها ، وهي تمام النضج الذي هو قطافها وموتها . ومثل هذا يُقال عن الموت ، فهو موجود متطوّر منذ بداية الحياة ، وهو مباطن للحياة لا ينفصل عنها أبداً (32). لكن الموت يمكن أن يقطف الثمرة قبل أن تتم إمكانات نضجها وهذا ما حصل لعزيز ابن عائشة مثلا . فالموت تارة يطيل حياة الناس حتى لتكون قد استنفدت كلّ إمكانياتها وزيادة ؛ وطورا آخر – لعله يكون الأكثر حدوثا – يقصّر حياة الناس حتى لا تكاد هذه الحياة أن تكون قد حقّقت غير جزء ضئيل من إمكانياتها ، ومعنى هذا أن النهاية يجب أن تُفسّر تفسيراً آخر غير تفسيرها بأنها نضوج ؛ تفسيراً لا يفترض وجود الموت في الحياة على صورة تطوّر نحو غاية ، بل أن يُفسّر الوجود على أنّه يقتضي من حيث جوهره الفناء ، وأن الفناء حالة وجوديّة يكون فيها هو الوجود منذ الكينونة . وهذا أعظم عطايا "هيدغر" ثم "يسبرز" حين بيّنا أن الموت هو الإمكانية المطلقة للّا إمكانية المطلقة وهي الوجود المؤجّل . فالموت ليس "نهاية" بمعنى نهاية بناء أو تعبيد طريق أو توقّف المطر أو إكمال لوحة .. لأنه لا يوجد من بين هذه المعاني للنهاية ما يفترض في الشيء المُنتهي أن الأشياء موجودة فيه منذ أن كان ، عدا الموت الذي هو موجود في الوجود منذ كينونة هذا الوجود .. ولهذا يجب أن تُفهم النهاية بالنسبة إلى الموت بمعنى أن الوجود منذ كينونته هو "وجود لفناء" (33).  
وإذا كان بعض السادة القرّأء لم يستوعبوا هذه الأطروحات الفلسفية العميقة والشائكة من قبل ، فأنا على يقين الآن أنهم قد أدركوا أبعادها الجوهرية ، لأنهم "عاشوها" من خلال تجربة عائشة العظيمة ومعها ، والفارق هائل بين أن "تفهم" أو "تتعلم" فكرة ما ،  وبين أن تعيشها ، وهذه واحدة من أعظم نعم الإبداع . ومع "عيش" عائشة لتجربتها الولادية الإنبعاثية عادت لـ "تعيش" حياتها ، وببساطة ، وبلا تعقيدات وعقد ومخاوف .. قرّرت أن تضع القلم الآن ، فقد قطعت الشوط المطلوب ووفت بوعودها تجاهنا والأهم تجاه ذاتها ، وآن لها أن ترتاح ، وإذا كان هذا اليوم (18 أبريل .. اليوم السابع) هو آخر أيامها فلن تقضيه كتابة .. قررت أن تفي بوعدها لزوجها عدنان بأن تجلس معه .. وأن تتصل بعائلتها : أمّها وأخيها وأختيها .. وأن تعيش ممتنة للحياة (ص 217) . لقد قال جلجامش لسيّدة الحانة وقد سألته عن سرّ (الحزن الذي يغمر قلبه وعن خدّيه الغائرين ، ووجهه الذي هو كوجه مسافرٍ آتٍ من بعيد ، يعاني البرد والحر في ملامحه ؟!) :
(صديقي ،
الذي أحبّه تحوّل إلى طين ،
فهلّا يكون عليّ أيضاً أن أرقد مثله ،
بحيث لا أقوم بعد ذلك إلى الأبد وأبد الأبد ؟ (...)
منذ أن ذهب لم أجد الحياة،
فرحتُ اتجوّل كصيادٍ وسط السهوب .
والآن أيتها السيّدة ، وقد رأيتُ وجهكِ ،
لا تدعيني أرى الموت الذي أرتاع منه)
ومثل جلجامش الذي انرعب من مصيره الشخصي وهو يرى الدود يخرج من أنف "أنكيدو" ، خلّه وصاحبه ، كانت عائشة مرعوبة من الفناء الذي ينتظرها بعد أن شاهدته مجسّداً في موت ولدها عزيز .
وتجيبه المرأة الساقية ، واسمها كما هو معروف "سيدوري" (أي "الشباب الدائم" ولاحظ عبقرية المؤلّف) ، تجيب جلجامش :
(إلى أين تهيم يا جلجامش ؟
فالحياة التي تبحث عنها لن تجدها .
لأن عندما خلقت الآلهة جنس البشر ،  
وضعوا إلى جانب البشر الموت ،
وأبقوا الحياة في أيديهم لهم هم ،
أمّا أنتَ يا جلجامش فاملأ أحشاءك ،
إجعل كلّ يوم من أيّأمك عيد فرح .
إغسل رأسك ، ونظّف بدنك بالماء .
أعطِ اهتمامك للطفل الممسك بيدك .
واجعل زوجتك تتمتع في أحضانك .
ذلك هو قدر الجنس البشري )
وهو (طرح فلسفي عميق ، يصلح لكل العصور والمجتمعات ، فهل هناك خلاص من عبثية الموت ، عبثية الموت كقدر لكل الناس ؟ لقد أجابت المرأة بحكمة وواقعية . وجوابها كان لسان حضارة كاملة ينطق من فم وعي التجربة الإنسانية . وقد ضخّم مؤلّف الملحمة – مثلما فعلت بثينة العيسى في روايتها – المشاق والدوافع التي واجهت جلجامش ليبرز أهمية هذا الجواب البسيط الذي يكون بمتناول كل إنسان على السواء : "إنّه قدر الجنس البشري") (35).
ولكن عدم قناعة جلجامش ورفضه المصير المقدّر عليه من الآلهة ، كان علامة على نضج الشخصية وعلى ميلاد وسمو حضارة .. ليس بسيطا أبداً أن يتساءل شخص آنذاك ويصرخ : لماذا أموت ؟ والبشر يسوقهم ملك الموت إلى مصيرهم المرسوم كالقطعان . لقد كان رفض عائشة ضرورة وعلامة .. ضرورة لخوض التجربة وتحمّل تبعاتها الجسيمة من ناحية ، وحصد ثمارها المغنية المثرية من ناحية أخرى ، وعلامة على النضج والإقتدار الشخصي والمعرفي .. وهكذا جاء الختام .. ختام التجربة الهائلة في آخر صفحة من الحكاية العظيمة :
(هذه هي آخر صفحة من حياتي الكتابية ، وأنا مستعدة لطيّها الآن ، وأفعل ذلك بامتنان ومحبّة . إنّني أمضي صوب المجهول ، شأني شأن جميع الناس ، وإذا كان المجهول يعني رحيلي فقد كانت حياتي في الأيام السبعة الأخيرة جديرة بالعيش . مَنْ يدري ؟ ربّما أنقذني حلمي ، ربّما أكون إنانا هذا العصر ، إنّ روحي متوهّجة .
فلأكفّ عن الكتابة إذن ، وأذهب لتجربة العالم) (ص 225 / الصفحة الأخيرة من الرواية) .
فمرحباً بإنانا الحكاية العربية الجديدة ..

ملاحظات إضافية بسيطة :
-------------------------
# من المؤكّد أن الفن الروائي بحاجة إلى ثراء معرفي هائل . وقد قلتُ مرارا "إنّ القصة القصيرة فن ، أمّا الرواية فهي علم" . لكن الثراء المعرفي والثقافة الموسوعية قد تكون سلاحا ذا حدّين خصوصا عندما تتصاعد مشاعر الإقتدار وتحتدم وتدغدغ نرجسية الكاتب فالرواية طريق للخلود كما قلنا . تأتي إشارات "ثقافية" ضمن مسار الحكي فأشعر بثقلها وتأثيرها على تلقائية السرد مثل :
يقول لوركا : "في الخامسة بعد الظهر ، وضع الموت بيوضاً في الجرح" . الساعة الآن تجاوزت التاسعة مساءً . أظلمت الأرض ، ويبدو أن البيوض قد فقست) (ص 109) .
(عاد عدنان (...) فهل ستبكيني ؟ أو ربّما تنزل إلى العالم السفلي لاستنقاذي كما فعل أورفيوس لزوجته ؟) (ص 166)
(نعم .. أن تعرف بأن كل ما عليك فعله ، بعد المعرفة ، هو أن تصفح ، تي . أس . إليوت يتساءل : أي صفحٍ بعد كلّ هذه المعرفة ؟) (ص 194)   
(غادر عدنان وجاءت إنانا ، ... "الحياة فكرة مغرية ولكن الموت يرفّ من فوقي" كما يقول أخيل) (ص 62) .
(أقرأُ قصيدة لوكريشيوس وأنا أفكّر بالفكرة إيّاها : أنا وحدي الآن . وأعود أدمدم : أن تستيقظ ثانية ..) (ص 202)
إنّني أعتقد أنّ الروائي يجب أن يشعر دائما بإحساس عميق بأنه "حكّاء" في الجانب الرئيسي من دوره ؛ دور الحكّاء هذا قضت عليه الإتجاهات الحداثوية تقريبا . على الروائي أن يتخيّل نفسه - على طريقة الحكّاء القديم – وهو يجلس أمام "مستمعيه" ويحكي لهم حكايته . وعليه ، يجب أن لا يُباغِت هذا المستمع بمقولات ثقيلة ومفسّرة من خارج الحكاية . هذا من الممكن أن يقوم به الناقد لأنه "يفسّر" ، وليس الروائي لأنه "يصوّر" ، والتصوير يُفسده التفسير ، مثل حال المصوّر الذي يُكمل لوحةً ثم يكتب عليها عبارة لأحد الفلاسفة . هنا تتصارع الكلمة ضد اللون مثلما ستتصارع الفكرة الفلسفية والنظرية ضد الإنسيابية الحكائية . إنّ إتخام الرواية بالأسماء والمقولات جعل الجرح في بعض المواضع يبدو كأنه جرح "ثقافي" ذهني أكثر منه جرح "روحي" عميق .  
# في أكثر من موضع وظّفت الكاتبة الموروث الديني ؛ آيات قرآنية وأحاديث نبويّة ، بصورة محسوبة تماما وليست مفرطة ، وجاءت هذه التضمينات متلألئة بارقة في مسار الجملة ، ومحدّدة للدلالات بإيجاز بليغ ، وكأنها الضربة الأخيرة لمطرقة قاضٍ في محكمة . في الموقف الذي تتناول الطعام الذي أعدته أمّها ووسط عائلتها لأول مرّة بشهية عجيبة بعد أربع سنوات من العزلة والإنفصال عنهم :
(آه أيّها العزيز ، مسّنا وأهلنا الضرّ ، وأنا الثكول أتفجّع بك منذ أربع سنوات)
(يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ . نحن أسرة منكوبة وصدعها فادح ، ولا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه الأوقات إلّا بالكتابة) (ص 44) (سورة يوسف/88)
ولعلّ وجود قاسم مشترك بين الموقفين : القرآني والسردي ممثلا في مفردة (العزيز) الذي هو أيضا اسم طفل عائشة الراحل الغائب يضفي على استغاثتها مهابة وجلالاً ، ويوسّع حضوره ، مثلما يلغز هذا الحضور بدرجة أكبر .
(كدتُ أنسى بيت الطفولة ، شعرتُ بكهرباء غرائبية تجتاحني ، وصرتُ أحسّ بنفسي صغيرة وضئيلة وبيضاء من غير سوء) (ص 150) (سور: طه والنمل والقصص)
أو في الموقف الذي يكشف فيه أخوها معاذ واقعها النفسي بصراحة ويقول لها (فاقد الحب لا يعطيه) ، فتشعر بالعري النفسي والإنكشاف الصارخ :
(لقد اشهرتُ إفلاسي ، وأقمتُ الحجة عليّ ، وأكّدتُ جميع الإتهامات المسدّدة صوبي ، رُفعتْ الأقلام ، وجفّت الصحف) (ص 159) (حديث نبوي) .
ولكن في الحلم الذي تشاهد فيه أهلها وهالات ملوّنة تحيط بهم تقول :
(معاذ أزرق ذهبي ، مريم خضراء من غير سوء) (ص 206)
لم يكن هذا استثمارا موفّقاً لأنّه إقحام لوصف شديد الغنى دلالةً وسعةً في موقف ستاتيكي محدّد إذا جاز الوصف . فنحن لا نعرف تحوّلات مريم السابقة لتكون الآن "من غير سوء" ، ولو عرفناها فستكون أحوال يومية مُبتذلة لا ترقى إلى أحوال عائشة ولا تستحق هذا الوصف البليغ ، في حين أن أحوال عائشة قد تابعناها وكانت جسيمة بحيث أن وجبة الطعام تلك – بعد خمس سنوات من العزلة – يمكن أن تعيدها "بيضاء من غير سوء" نفسيّاً ولو نسبيّاً .
# حاشية : هبوط إنانا لا يمكن فصله عن نظرة العراقي القديم إلى معضلة الموت :
------------------------------------------------------------------------------
لو تابعنا بالفحـص والتحلـيل معتقدات ونظرة الأنسان الرافديني الى محنة الموت ، وتصوّره لما سيحصل بعده ، وإلى سـبل مواجهـته ، لوجـدنا أنّ طـرازاً خاصـاً وحـاكماً مـن طرزالخلود الرمزي كان هو المسيطر في حياته وفعله في مواجهة الموت ، ألا وهو الخلود الأسطوري إذا جاز التعبير ، وأنّ تصوراته وتخييلاته عن طبيعة المـوت وأسبابـه ومـا يعقبه هي مزيج تـفرضـه طبيعـة العقليـة الرافدينـيّـة ، وهـذا مـا تـكشفه أسطـورة هبـوط (إنـانا/عشـتار) والأساطير المكمّلة لها والملحقة بهـا عـن مقتل الإله (دموزي) بشكل خاص ، وأغلب الأساطير الرافدينيّة الأخرى ، من أعظـمها كأسـطورة الخـليقة مثـلاً ، الـى أبسطها شأناً مثل تعويذة السوس ووجع الأسنان بشكل عام .
لقد إعتقدت العقلية الرافدينّية بأنّ الآلهة قد خصّت نفسها بالخلود في حين جعلت الموت نصيباً للبشر ، أي أنّ الموت حتمي ، وأنّ الخلود مستحيل . لـقد ورد فـي ملحـمة (جلجامش) أنّ الآلهة وحدها هي التي تعلم موعد الموت لأنها هي التي قدرت مصيره وقسمت الـحياة والـموت ، أمـّا الـذي كـان يعـرفه الـعراقـي القـديم ، الإنسان ، فـلم يكـن أكـثر من أنّ :
(الحياة تُقطع كالقصبة
وأنّ الذي يكون حيّاَ في المساء قد يـموت فـي الصبـاح)
ولكـن هـذا الأعـتقـاد الظـاهر بقـوّة علـى سـطـح الأسطـورة الرافـدينـيّة وفـي مـظاهر الممارسات الطقوسيّة في الحياة اليوميّة قد أوقع أغلب الباحثـين فـي استنـتاج خاطـىء مفاده أنّه أمام هذه الأستحالة في الحصـول علـى الخـلود أصـبحت حتمـية المـوت مـن الأمور المسلّم بها ، وكانت نظرة العـراقيين القـدماء إليـها نظـرتهم الى أيّ من مسلّمات الحيـاة وبديهيـاتـها ، ولـذا صـار مـن المُعتـاد أن يَخْلَـد أيّ فـرد منـهـم - بعـد دخـوله سـن الشيخوخة - الى السكينة في أحضان عائلته ، ويبـدأ بتحديـد مـا سيورثـه لأبنـه الأكـبر .. ثم يمكث بانتظار الموت بهدوء ، وحتى أنّه كان يعرف مسبقاً الموضع الذي سـيدفن فيه ، أو أنّه كان يختاره بنفسه ، ويهيّء فيه القبر الذي سيوضع فيه بعد مماته ، كما يدل القول الـوارد فـي أحد النصوص السومريّة :
(أيامه ستطول
إنّه سيُدفن في الضريح الذي هيّأه بنفسه)
ولاحظ أنّ الكثير من العراقيين يشترون قطع أراض في المقابرالرئيسـيّة (سراديب) مسبقا لدفن موتاهم ، كما أنهم يهيّئون أكفانهم وهم احياء حتى يومـنا هـذا ، هذا بالرغم من أنّ هذا الإنسان كان يكره الموت وقسوة الحياة الأخرى وكآبتـها فـي العـالم الأسـفل (عـالم الأمـوات) . ويمكن للباحث أن يخلص مـن دلالات الـعديد مـن النصـوص الأدبـية لحضـارة وادي الرافديـن القديـمة الى أنّ العراقيين القدماء - على وجه العموم - ركنوا الى التسليم بحتمية الموت ، فلم يتذمّروا مـمّا فرضته الآلهة . ولكن هذا الأستنتاج لا يعكس الحقيقة كاملة ، ويلتصـق بالمضـمون الظـاهر للأسـطورة ، لا مضـمونها الكـامن ، مثـلما يتـعلق البـعض بالمضمون الظاهر الساذج للحلم ، تاركين المضمون الكامـن العميـق الزاخـر بالمعانـي الغنّية المعاكسة .
    إنّ الأسـاطير الرافدينـيّة ــ أسطـورة إنانـا ودمـوزي بشـكل خـاص ــ تثـبت خلاف ذلك ، فقد عاش الأنسان الرافديني في صـراع دائـم مـع المـوت مـن جـهة ، وفـي بحـث دائب ومضنٍ عن سبل تؤمّن له الخـلود حـتى لـو كـان رمزياً من جهة أخرى . إنّ كثرة أساطير العراقي القديم وخرافاته عن الموت تثبت أنّ الـموت عنـده لـيس مجـرد (مـشكلة) بل هو (سرّ) تلبس وجوده . لقد كانت فكرة الموت ليست هي الأصل في كل تساؤل ميتافيزيقي واجهه العراقي فـحسب ، بل أنّ هـذه الفكرة هـي التي خلعت على شعوره بالحياة كل ما له من قيمة وأهمية وحيويّة ، وآية ذلك أنـّه مـا تكـاد فـكرة المـوت تغيب عن ذهنه حتى تستحيل حياته الى مجرد عادة أوملهاة أو تسلية ، ومعنى هذا أنّه لولا (حضرة الموت) لما وجد نفسه مضـطراً لأن ينـظر الى الحياة وجهاً لوجـه . ومـن هـنا فـإنّ العراقي القديم الذي ينصرف عن الموت لكي يستمتع بالحياة على خير وجه ، إنّما ينصـرف في الحقيقة عن الحياة أيضاً ، لأنّه إذ يريد أن يتناسى الموت ، إنما ينتـهي الى نسـيان كـل من الموت والحياة على حدّ تعبير(بسكال) . وقـد أدرك الرافدينـي القديـم الأمـر لا علـى طريقة (لاروشيفوكو) الذي يقـول : )إنّ ثمـة شيئـين لا يمـكن أن يحّـدق فيهما المرء : الشمس والموت) ، بل على طريقة الفيلسوف الرواقي (سنيـكا) : (إذا أردت ألّا تخـشى المـوت فإن عليك ألاّ تكف لحظة واحدة عن التفكير فيه)(36) ، ولكن هذا التفكير الذي هو سبب كل تحضّر وانطلاق قد غُـلّـف بأردية آليات دفاعّيـة نفسيّـة تضمنهـا الفعـل الأسطوري الخلاق . ولكي يسيطر الإنسان الرافديني على قلـق المـوت المُشتعـل ، والـذي لا مفــرّ منه ، فإنّـه إتجه الى ممارستـه عبـر فعلـه الأسطوري الباهــر ــ مثـل الفعاليات الـتي يقـوم بـها الجنود المحـاربون فــي تدريبـات (تطعيـم المعـركة) - فعلـى سـاحـة هـذا الفـعــل يمـكن للـفـرد ذي الوجود الهـش أن يمـوت أكثـر من مـرّة ، ثـم يعود بعدها الـى الحيــاة ظـافراً منتـصراً فـي شخص بطـلـه ، وفي كـل ميتــه أو (قتـلـة) هـنـاك حـلاوة الظـفـر و(الأنبـعـاث) بـعـد أهــوال ومـرارات الأنكســار و(المـوت) . ونحـن نجـد فـي هـــذا تـفسـيراً للغــز هبـوط الإلهــة الأم الى العالـم الأسفـل ، وحتـى تهديداتـهـا المتكـرّرة فـي عزمـها على إطلاق المـوتى مـن هــذا العـالــم إلى العالم الأعلى هـي تعبيـرات عــن دافع ذاتـي لتعزيز السيطرة على مقـدّرات الفـرد ، وتجريد إلهة الموت من امتيازاتها ، والعذر الـذي قدّمتـه (إنانـا) لـبـوّاب العـالــم الأسـفل بعـد إستجـوابه لـها عـن سبب هبوطها ، وهـو أنّـهـا جـاءت مـن أجـل الأشـتـراك فـي شعـائـر الـدفـن الـخاصّـة بـزوج الإلهـة (إيرشكيجال) المسمّى ((كوــ كال ــ أنا) والذي قُتـِل فـي ظـروف لا نعرفـها هو عـذر مشوّش ومربـك : إذ كيـف يمـوت إلـه المـوت ؟  وإذا كـانت (إنـانا) قـد نـزلت بسـائق هـذه النـيّة الحسـنة ، فكـيف نفسّر رد الفعل السلبي والرعب الذي اجتاح إلهة العالم الأسفل (أريشكيجال) ، وقيامها بتعذيب أختها (إنانا) وعـزمـها علـى إبـقائـها فـي ذلك العـالـم ؟ كمـا لا يمكـننـا القـول إنّ هبـوط عشـتار وخروجها تجسيد وتشخيص لفعل الطبيعة المتجدّدة التي تموت وتجف ولكنها ما تلبث أن تنبعث بشكل مذهل غير مبرّر بالنسبة لعقلية الإنسان أوانذاك ، فهذا الإنسان كان قد اكتشف الزراعة (أو اخترعها) ، وعرف أن الموت في الطبيعة هو خطوة فـي حلقـة مغلقة ، في حين إنّ موته كإنسان هو خطوة نهائيّة وخـاتمة حاسـمة مدمّـرة تـطيح بكـل أمل ورجاء . وأمام مصيرٍ مرعبٍ مهدّد لا خـلاص منـه كهذا ، يمـكن تعزيز سيطرة الفرد وإطفاء قلقه من خلال ممارسة هذا المصير رمزيّاً ؛ موت وانبعاث ، موت وانبعاث .. وهكذا .. فإن علاج "ضيق الصدور هو زيارة القبور" كما تقول الحكمــة العراقية القديمة أيضا . وفي النصين (السومري والبابلي ــ الآشوري) على حـدّ سواء يكون نزول الإلهة – وهو في حقيقته "اقتحام" جسور وليس "نزولا" مسترخيا - بقرار ذاتي مستقل دون تأثير خارجي ؛ نزلت بكامل عدّتها ، لـوحـات الأقدار السبع والصولجان وأثواب السيادة والسلطان - بتخطيط مسبق ونوايا مدروسة مبيّتة :
(من الأعلى العظيم تاقت إنانا الى الأسفل العظيم
 إنانا هجرت السماء وتركت الأرض
 الى العالم الأسفل قد هبطت                
شدّت الى وسطها لوحات الأقدار القدس السبع)
كان نزولاً محارباً محصناً بأدوات دورها المعروف الـى سـاحة مواجهة مناقضة ، كان فعلاً تعرّضيّاً خطيراً ومتحسّباً ، ويثبت هذا التحسب إنّ الإلهة قد خطّـطت للـنزول من أجل ممارسة ومواجهة الموت ــ بنِيّة مسبقة صمّمها مؤلف الأسطورة المجهول ــ هو أنّها قد رسمت لمساعدتها ( ننشابور) دوراً تقوم به في حالـة عـدم رجوعها إلى الحياة بعد ثلاثة أيام (37) حسب القصّة المعروفة التي تعرّضنا لها سابقاً .  


د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000