.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مشروع تحليل خمسين رواية عربيّة نسوية :

د. حسين سرمك حسن

بثينة العيسى في رواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" :

                       إنانا الحكاية العربية الجديدة  (6)

------------------------------------------------------------------

                    

وكانت النتيجة المتوقّعة التي تتأسّس على مثل هذه البنية النفسية ومثل هذه العلاقة بين الأم وطفلها هو : "النبذ" ؛ نبذ الأم اللاواعي لطفلها والرغبة اللاشعورية في الخلاص منه .

ولكنّها الآن نضجت لأنها غير مستعدّة لنسيان الموت ، لا موت عزيزها حسب ، بل موتها هي أيضاً . وصرنا ندرك من خلال استجابتها الحادّة هذه (إن فكرة الموت هي التي تخلع على شعورنا بالحياة كل ما له من قيمة وأهمية وحيوية . وآية ذلك أنه ما تكاد فكرة الموت تغيب عن أذهاننا حتى تستحيل الحياة في نظرنا إلى مجرد عادة أو ملهاة أو تسلية . ومعنى هذا أنه لولا "حضرة الموت" لما وجدنا أنفسنا مضطرّين إلى أن ننظر إلى الحياة وجها لوجه . ومن هنا فإن الشخص الذي ينصرف عن الموت ، لكي يستمتع بالحياة على خير وجه ، إنما ينصرف في الحقيقة عن الحياة ايضا ، لأنه إذ يريد أن يتناسى الموت إنما ينتهي إلى نسيان كل من الموت والحياة) (11).

صارت الآن - وبفعل ثراء هذه المواجهة وحفرها في الجانب الآخر مما هو قائم ومُقرّ- "تكتشف" و "تتوصّل" إلى نتائج وفروض مهمّة جدا حتى لو كانت هذه الكشوفات والتوصّلات في مدارات وعيها الشخصي . وهذا جانب مما توصلت إليه في بحثها المعرفي في شؤون الموت الذي قلّبته على كل وجه من وجوهه وستعتصره حتى ثمالته الدلالية :

(خرجتُ من تلك القراءات بمحصلة واحدة : الموت هو السبب ، والفنّ هو النتيجة . كل إنتاج أدبي وجمالي كُتب بتحريض صريح من الموت . كل الشعراء يكتبون موتهم الخاص ، إما خوفا من الرحيل أو استعجالا له (...) الموت هو الصديق الأول لكل مشروع معرفي . أول نص فلسفي عرفه الإنسان كان شذرة "أنكسماندر" (من الفلاسفة الأغريق القبلسقراطيين - الناقد) ، وكان عن الموت ...

كل إنتاج معرفي ، أو جمالي ، أو فني ، أو أدبي ، أو ثقافي هو إبن شرعي مُعلن للمخصّب الأول لمخيّلة البشرية ، لغريزة الموت كما يسمّيها فرويد ، لعذاب الزوال كما يسمّيه ريلكه ، للوعي بهشاشة الوجود كما يقول يسبرز ، وغيرهم ، وغيرهم ..) (ص 63 و64) .

إنّ هذا الإسترسال الوصفي الرائع يعيد الأمور إلى نصابها ، فالفضل الأساسي على كون الحياة حياةً هو للموت !! ولاحظ كيف تتصاعد درجات النضج في وعي ورؤية عائشة للحياة والكون كلّما تعمّق فهمها للموت كجزء أصيل من الحياة وليس خاتمة دخيلة مخيفة . إنّ تحوّلات جذرية كبيرة في شخصيتها وسلوكها ووعيها الحياة والوجود وغاياته سنلمسها بقوّة في مسار الرواية وتصاعد وقائعها . وفي كل فصل منها ستصدمنا عائشة بأفكار ومقولات مدهشة وفذّة ، وبأطروحات تصلح أن تكون نوى لفرضيات ونظريات ومواقف فلسفية كبيرة وحاسمة ومتفرّدة . أتمنى على السادة القرّاء أن لا يدعو بثينة العيسى - وهذه من نقاط قوّة أسلوبيتها في هذه الرواية - أن تسحبهم خلف حكاية عائشة ومعاناتها الشخصية لاهثين لا يستطيعون التقاط أنفاسهم ، وأن يعيدوا قراءة الرواية مرّتين كما فعلت أنا : مرّة لاهثين راكضين يشرقون بالدمع حتى يكاد يشرق بهم ، ومرّة هادئين متأملّين هذا المدّ الطافح من الأفكار العميقة والتأمّلات الفلسفية التي تشتمل عليها موجات الحكاية العالية . فقد صمّمت بثينة روايتها على أساس الجمل القصيرة ذات المفردات الحادة والإيقاع السريع . بناء يتفق مع شهيق المثكول وتلاحق أنفاس المحتضر . لا وقت لديها - إلّا في مواضع بسيطة - للإستفاضات السردية والترهّلات الوصفية . وتتجلى القصدية العالية لهذا البناء في أن هذه السمة الأسلوبية ثابتة منذ أول سطر في الرواية حتى آخر سطر منها . كما كانت السمة الشعرية منضبطة - عدا مواضع بسيطة أيضا - بالرغم من أن صورها تأتي كضربات خنجر صغير ينغرز في سويداء القلب .

إنّ توسّع آفاق وعي عائشة وعمق رؤاها النافذة في صميم الوجود يعبّر عن نضجٍ مُبهر في شخصيتها . هذا النضج هي مدينة به للموت . مثلما نحن - حسب رؤياها - مدينون له بكل ثراء حياتنا وعطاياها المتجدّدة في شتى الحقول والمجالات :

(نحن ندين للموت بكل اختراع علمي ، وشذرة فلسفية ، ورواية جميلة ، وأغنية شجيّة . ندين للموت بالكهرباء ، ووحدات التكييف ، ومدينة أفلاطون ، وروايات دستويفسكي ، وجدارية درويش . لا معنى للحياة بدون نصفها السفلي ، بدون "قوّة العدم القاهرة" كما يسميها أخيل . يقول هيغل : إنّ القمّة التي ينبغي تجاوزها هي الموت ! ولكن لماذا - بحق الله - سأرغب بتجاوز الوطن الوحيد الذي حظيت به طوال حياتي ؟

فويرباخ يقول بأن الموت يجعل الإنسان أكثر محبّة ، لأن إدراك المرء لفنائه يجعله يتخلّى عن هوسه بوجوده ويذوب في الأسمى ؛ في حبّ الآخرين .

أصبح لدينا سبب جديد للرغبة في الموت على أقل تقدير ، وللإنتحار على أقصى تقدير ، سبب اسمه : الحب ) (ص 65) .

ويمكننا القول الآن باطمئنان وثقة أن الدليل العملي والإجرائي على ما تطرحه بثينة العيسى عن أن كل إنتاج معرفي ، أو جمالي ، أو فني ، أو أدبي ، أو ثقافي هو إبن شرعي مُعلن للموت ، المخصّب الأول لمخيّلة البشرية ، هو روايتها هذه التي بين أيدينا . ففي اعتقادي أنّ بثينة العيسى ما كان لها أن تكتب هذا المنجز الحكائي ويأتي على هذا المستوى الرفيع مبنى ومعنى إلّا بعد أدركت أن الموت مشكلة بالمعنى الفلسفي والوجودي . فمتى يكون الموت مشكلة ؟

(يكون الموت مشكلة حينما يشعر الإنسان شعورا قويّاً واضحاً بهذا الإشكال [= إشكال الموت] ) ..

وعلينا التفريق بين الإشكال - problematic ، والمشكلة - problem . (فالإشكال هو صفة تُطلق على كلّ شيء يحتوي في داخل ذاته على تناقض ، وعلى تقابل في الإتجاهات ، وعلى تعارض عملي . أما المشكلة فهي طلب هذه الإشكالية بوصفها شيئا يُحاوَل القضاء عليه ، هي الشعور بالألم الذي يحدثه هذا الطابع الإشكالي ، وبوجوب رفع هذا الطابع وإزالته ؛ هي تتبُّع هذه الإشكالية كما هي في ذاتها أولا ، ثم محاولة تفسيرها تفسيرا يصدر عن طبيعة الشيء المُشكِل وجوهره ، فكأن المشكلة تتضمن إذاً شيئين : الشعور بالإشكال ، ومحاولة تفسير هذا الإشكال . فالحياة مثلا تتصف بصفة الإشكال بطبيعتها ، لأنها نسيج من الأضداد والمتناقضات ، ولكنها ليست مشكلة بالنسبة إلى الرجل الساذج الذي ينساق في تيارها دون شعور منه بما فيها من إشكال ، ودون محاولة - بالتالي - للقضاء على هذا الإشكال . وذلك لأنّ الشعور بالإشكال يقتضي من صاحبه أن يكون على درجة عليا من التطوّر الروحي ، وأن يكون ذا فكر ممتاز على اتصال مباشر بالينبوع الأصلي للوجود والحياة ، وأن يكون إلى جانب هذا كلّه على حظّ عظيم من التعمّق الباطن الذي تستحيل معه المعرفة إلى معرفة وحياة معا ؛ وبقدر هذا الحظ تكون درجة الإدراك . هذا إلى جانب ما يقتضيه الموضوع المشكل من شروط صادرة عن طبيعته هو الخاصة ، دون غيره من الموضوعات المشكلة الأخرى .

فإذا أردنا أن نطبق ذلك على الموت ، وجدنا أنه يتصف أولا بصفة الإشكال . فمن الناحية الوجودية يُلاحظ أولا أن الموت فعل فيه قضاء على كل فعل ؛ وثانيا أنه نهاية للحياة بمعنى مشترك (سواء بمعنى انتهاء االإمكانيات ببلوغ النضج ، أو بمعنى وقف الإمكانيات عند حدّها وقطعها) . وثالثا هو إمكانية معلّقة (لابد أن يحصل في يوم ما كيقين مطلق لكنني أجهل هذا اليوم جهلا مطلقا) ، ورابعا هو حادث كلي كلّية مطلقة (الكل فانون) وجزئي شخصي جزئية مطلقة (كل منّا يموت وحده) (12). 

وكإشكال وفق التعارضات الداخلية (البنيوية) السابقة أدركت عائشة الموت بقوة وعنف طوال حكايتها الملتهبة هذه . خذ مثلا هذا الخطاب الذي توجّهه إلينا ثمّ إلى "العالم" وهي "تمرّ" بالساعة 5:42 صباحا من يوم 12 أبريل 2010 وهي على مرمى خمسة أيام من يوم الرحيل المنتظر :

(أرى العدم يحدق في كل شيء بقدر ما تتربّص الأبدية بكل شيء . أرى النهاية تلمع في بؤبؤ البدايات ، أرى حتميّة الموت في سرّة الطفل الوليد . أرى الحياة تتدفق من جثة العصفور ديدانا ديدان ، ولا يمرّ يوم ، ولا تمرّ دقيقة ، دون أن أمحّص في قانون الوجود هذا ، موقنة بزوالي . لا يمر يوم إلا وأنا أزداد إيمانا بموتي ، بأنني مشروع ميّتٍ حي ، على عتبة الإكتمال .

أقول لك ذلك ، أيها العالم ، أهدهدك وأرعبك ، وأنا جالسة على يمين النافذة ، والشمس قد أشرقت ، يوم آخر يطل على الوجود ، أموات آخرون ، ومواليد جدد ، وكل شيء يتدفّق باتجاه نقيضه في توق فيّاض إلى الإنقلاب إلى الضد . كم يبدو العالم واضحا ومفهوما وبسيطا هذا الصباح ، في هذا اليوم الجديد . وأنا ، مطعونة في خاصرة يوم جديد ، مقذوفة في زيف الحياة ، مختنقة تحت ثقل أطنان من الوجود) (ص 89) .

إنّ الإحساس بالموت كإشكال - وهذا من الدروس التمهيدية العظيمة التي نستقيها من محنة عائشة - قد أشعلت فتيل الإنفعال الحارق به من ناحية المحنة ذاتها ؛ محنة فَقْد عزيز المُنتظر الذي جاء عاجزا عن إنقاذ الأم المُنتظِرة (حاله حال الإله دموزي الذي ألبسه الباحثون الذكور قسرا ثياب بطولة الخصب والإنقاذ) ، والتفكير في أبعاده الشائكة من ناحية ثانية مكمّلة قدحت حجرَه المحنةُ ، لكن "القراءة" و"الكتابة" تكفّلت بهذا التوسيع الهائل الذي جاء من الداخل ، ولهذا وضعت مفردتي القراءة والكتابة بين أقواس صغيرة . فالقراءة - والوعي يُدَكّ تحت مطارق المحنة بلا هوادة - ليست كأيّ قراءة أخرى ، والكتابة - واليد مرتعشة والروح ممزقة في حضرة المثكل - ليست كأيّ كتابة أخرى . وقد جاء أكثر الأمثلة نصاعة وإشراقا على هذا الموقف - كما صممت ذلك الروائية بذكاء - هو "قراءة" عائشة لأسطورة نزول الإلهة الأم العظيمة إنانا / عشتار إلى العالم الأسفل ، و "إعادة كتابتها" كما سنتوقف عند هذا الأمر بعد خطوات . إن رؤية عائشة العدم يحدق في كل شيء بقدر ما تتربّص الأبدية بكل شيء هو أمر لا تفكر فيه هذه القطعان البشرية - مع احترامنا الكامل لها - التي تنطلق صباحا لتعود منهكة مساء مستميتة في سبيل تثبيت تعريفها المشين وهو أنها "أنابيب تربط بين المطبخ والمرحاض" ! إنّ الإلتفات إلى فكرة أن الموت حتمي في سرّة الوليد مثلا هي صورة "شيطانية" لا ينبشها من تحت طبقات الواقع البليد الثقيلة إلّا العقل المبدع والقَلِق في لحمة واحدة . وهذان الشرطان : الإبداع والقلق ، هما المرتكز الصلب للمعرفة الروحية العميقة التي تجعل المعرفة حياة ومعرفة . هنا - وهنا فحسب - يصبح إدراك الموت مفتاحا لإدراك الحياة .. والواقع والكون . يتحوّل فهم ابعاد الموت فهما حيّا وحقيقيا للغاية من الحياة نفسها . هنا يمتزج إدراك الموت كإشكال بفهمه كمشكلة . ويبدو أن الأمر لا يمكن إلّا أن يكون كذلك ممتزجا ملتحما ، أي أن تعبر إلى إدراك الموت كمشكلة حين تدركه كإشكال . فمتى يكون الموت مشكلة إذاً ؟

(يكون الموت مشكلة حينما يشعر الإنسان شعورا قويّا واضحا بهذا الإشكال ، وحينما يحيا هذا الإشكال في نفسه بطريقة عميقة ، وحينما ينظر إلى الموت كما هو ومن حيث إشكاليته هذه ؛ ويحاول أن ينفذ إلى سرّه العميق ومعناه الدقيق من حيث ذاته المستقلة . وهذا كلّه يقتضي أشياء من الناحية الذاتية ، وأخرى من الناحية الموضوعية) (13).

ولعل هذا الإدراك المركّب المتمازج للإشكال بالمشكلة ، العابر من التأمّل إلى "الفعل" ، وكلاهما فريد ويهزّ أركان وجود الإنسان الآمن المطمئن لمصيره المقدّر ، يمثّل قفزة كبرى في حياة الفرد إلى الحدّ الذي يصبح بمثابة "صدمة" لوعي الآخرين المغطّى بطبقات من الإيمان المرسوم ، هذه الصدمة تؤذن بانبثاق ينبوع التفلسف المقلق والمتناشز مع الواقع الآسن :

(.. ليس ثمة ما يُغري في هذه الحياة ، أنا أعترف ، واعتراف كهذا من شأنه أن يُفزع بلادا بكاملها ، وليس عدنان فقط .

عدنان يخاف من الكتب أكثر من الألغام ، فهي قادرة على تفجير ألف سؤال في ثانية واحدة .

خلاصة القول : البلاد مغبرة والحياة مقبرة ، وأنا ميّتة منذ زمن ، وحياتي الحقيقية لم تبدأ إلّا بعد أن عرفتُ بأن لي وطنا خارج اللحم ، خارج المادة . بأن الروح ، لحظة تُعتق خارج قفص الصدر ، تطفو بحياد فوق آلامها الخاصة ، فكيف لا يكون الموت هو أرضُ ميعادي ؟ ) (ص 66)    

عبثاً تقوم امرأة حصلت لها - بفعل التحوّل الفكري والروحي العميق في إدراك مغزى الموت وبالتالي معاني الحياة - طفرة في الوعي بمثل هذه القوّة ، تطويع زوجها "عدنان" الذي رسمت أطر وعيه مسلّمات اجتماعية ودينية وتواطؤ جمعي ترسّخ في سلوك وعقول الجمع . لقد حدّثته طويلا - وهما يتناولان الطعام في مطعم بعد شهر من "موتها" بصعقة الكهرباء - عن تجربتها في حالة الموت الوشيك التي "جرّبتها" ثلاث مرات ، عمّا شعرت به عندما ماتت ، وكيف أحسّت براحة غير معهودة ، كيف شعرت بأن الموت هو وطن الروح ، وإنه المكان الذي أتينا منه قبل أن نكون ، وأنّ عودتنا إليه ميمونة وحميدة :

(الحياة دائرة يا عدنان ، وهذه الدائرة عندما تكتمل ، عندما تنغلق على ذاتها ، تشعر بأنك في سلام .. وأنا لم أنتم إلى مكان قط ... لم اشعر قط بالإنتماء إلّا لموتي الخاص) (ص 68) .

هكذا تكلّمت مثل المسرنمة .. مثل المجنونة .. مثل الكاهنة .. تحدّثت مثل مؤمن يدعو إلى ديانته الجديدة التي يستعد للإستشهاد من أجلها . فما الذي حصل ؟

أثارت الرعب في أوصال زوجها وأمسك بيديها وراح يغرقها بالتبريرات اليومية القطيعية بالرغم من أنّها عملّية لحياتهما الزوجية فعلا . لكنها أفلتت من هذه الدائرة الترابية الممسكة بأرجلنا ونغوص فيها كلّما تحرّكنا للخلاص ، ولا ينفع معها سوى الطيران .. وعائشة طارت وحلّقت بعيدا . عدنان لم يكن قادرا حتى على فهم المواقف المتفرّدة في دينه من مشكلة الموت رغم أنها تعبّر عن فهم فذّ ونادر للموت كمشكلة . لقد حدّثته عن الموقف القرآني الذي يصف عملية الموت الناشبة في لحم الوجود الحي :

(إنك ميّتٌ وإنّهم ميّتون) (الزمر : 30)

وتشرحها له :

(ولكنك يا عدنان ميّت الآن ، كلنا أموات ، هذه إحدى حقاقئنا الدينية . فلماذا نولي كل هذا القدر من الإهتمام الزائف بما هو زائل وفان ، عوضا عن أن نهتم بالحتمية الوحيدة الممكنة في هذا العالم ؟ ) (ص 69)

فينرعب .. ولا يجد مخرجا غير أن يتهمها بالجنون ، وبأن كتبها وعزلتها سوف تفقدها عقلها ! .. ويجد البديل في العودة إلى تناول الطعام ومناقشة شؤون الحياة الزوجية الهادئة والسعيدة متناسين أو ناسين أن الحياة تضحك كل لحظة على قدرتنا على التصديق . ففي كل لحظة تسلب شيئا منّا ونحن نكتفي بالتساؤل المعاد : كيف يمكن للحياة أن تكون قاسية هكذا (ص 71) .

الفارق شاسع وهائل بين وعيي عائشة وزوجها الآن . لقد أحدثت تجربة الفقد والإنثكال شرخا مريعا بين الإثنين . بالنسبة لعائشة فقد انتقلت - وإلى الأبد كما سنرى - من إدراك الموت كإشكال ، وهو موقف عظيم ، إلى إدراك الموت كمشكلة وهو موقف .. بل تجربة روحية ومعرفية انقلابية أعظم . وإدراكنا للموت كمشكلة والنفاذ إلى سرّه العميق المحيّر يتطلب شروطا من الناحية الذاتية ، وأخرى من الناحية الموضوعية كما قلنا :

(فمن الناحية الذاتية يقتضي بالنسبة لمن يمكن أن يصير الموت عنده مشكلة ، الشعور بالشخصية والذاتية أولا ، لأنه بدون هذا الشعور لا يستطيع الإنسان إدراك الطابع الأصلي الجوهري للموت ، وهو أنه شخصي صرف ، ولا سبيل لإدراكه إدراكا حقيقيا إلّا من حيث أنه موتي أنا الخاص . ولا يبلغ الشعور بالشخصية والوحدة درجة أقوى وأعلى مما هو في هذه اللحظة ، لحظة الموت ، لأنني أنا الذي أموت وحدي ، ولا يمكن مطلقا أن يحل غيري محلي في هذا الموت . ولهذا نجد أنه كلّما كان الشعور بالشخصية أقوى وأوضح ، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت ، وبالتالي على أن يكون الموت عنده مشكلة ؛ ولهذا أيضا لا يمكن أن يكون الموت مشكلة بالنسبة إلى من يكون ضعيف الشعور بالشخصية . والنتيجة لهذا هي أن البدائي والساذج ، نظرا إلى ضعف شعورهما بالشخصية ، لا يمكن أن يصير الموت بالنسبة لهما مشكلة ؛ واللحظة التي يبدأ فيها الموت بأن يكون مشكلة بالنسبة إلى إنسان ما ، هي اللحظة التي تؤذن بأن هذا الإنسان قد بلغ درجة قوية من الشعور بالشخصية ، وبالتالي قد بدأ يتحضّر . ولهذا نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائما ميلاد حضارة جديدة ، فإن ما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات . وهذه فكرة قد فصّل القول فيها إشبنجلر وأوضحها تمام التوضيح) (14).  

وإذا لاحقنا تطوّر شخصية عائشة بعد الفقدان المرير ، وبعد أن بدأت تتبحّر في موضوعة الموت ، وتتسع آفاق وعيها به ، فسنجد أنّها قد تعزّز شعورها بفرديتها . صارت جسورة في طرح أفكارها في حين لم تُبدِ رأيا في أخطر تحوّل مصيري في حياتها وهو زواجها ؛ أصبحت تطرح قناعاتها في الموت والحياة أمام زوجها عدنان وشقيقها معاذ بالرغم من كل المحظورات الدينية التي يحملانها حول القدر والمرسوم والتي كانت قناعاتها تخالفها بصورة واضحة .. صارت تخرج بمفردها .. ويبات زوجها خارج البيت من دون أن تهتم أوتنرعب من وحدتها بصفته "ولي أمرها" . وهذا أمر خطير جدا لأن أي إضعاف للشخصية من شأنه تشويه حقيقة الموت . ترى أي درس عظيم تحيلنا إليه هذه الرواية حين تدفعنا للتفكير في حال هذه الجموع التي تحيط بنا من ممسوخي الشخصية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر . مرّة قال أحد المثقفين العرب أنه لا توجد وظيفة للمُحلّل النفسي في الوطن العربي لأن واجب المُحلّل هو تحليل الشخصية والمواطن العربي لا توجد لديه شخصية ! وإذا علمنا أن إضعاف الشخصية أظهر ما يكون في حالتين : حالة إفناء الشخصية في روح كلّية ، وحالة إفناء الشخصية في "الناس" (15) ، فهل نحن بحاجة إلى تعليق والحياة العربية تقوم على الحالتين ؟!  وفوق ذلك فإن هاتين الحالتين تقوّضان الحرّية ، وفكرة الشخصية تقتضي بدورها فكرة الحرية ، فلا شخصية حيث لا حرّية ، ولا حرّية حيث لا شخصيّة ، وذلك من ناحيتين : الأولى أنه لا مسؤولية إذا لم توجد الشخصيّة ، ولا مسؤولية إذا لم توجد الحرية ، فلا وجود للشخصية إذن إلا مع الحرية ؛ والثانية أن الحرية هي الإختيار ، ولا اختيار إلا بالنسبة لشخصية تُميّز . فإذا كانت الشخصية تقتضي الحرية ، والموت يقتضي الشخصية ، فإن الموت يقتضي الحرية . فنرى حينئذ أن الحرية هي الإمكانية وأن الموت هو الإمكانية بل هو الإمكانية المطلقة . فقدرة الإنسان على أن يموت هي أعلى درجة من درجات الحرّية) (16). 

لقد تفرّدت عائشة وتحرّرت . لم تعد تشبه أمّها ولا أختيها "السياميّتين" - كما تصفهما - ولا أخاها "معاذ" ، بل لم تعد تشبه ذاتها هي قبل التجربة الفاصلة .

لقد قضينا في عالمنا المعاصر على الجانب السرّاني في الحياة والكون كما قلنا ، هذا الجانب الذي هو العامل المحرّك لإحساسنا بالقلق الضروري للبحث والإنجاز وبالتالي لشعورنا بأننا نتحرّك في الحياة وبأننا مطالبون بأن نستكشف أبعاد وجودنا وطبيعة شبكة علاقات هذا الوجود بالواقع وبالكون .. وبالله . إنّ هذا الجانب الذي قضينا عليه بلا تحسّب هو الجانب الوحيد الذي ظلّ مستغلقا على عقولنا في الموت فقط . هنا لا يصبح الموت مشكلة حسب بل "سرّاً" أيضا حسبما يقول (جابريل مارسيل) . (والفارق بين المشكلة والسر أن الأولى منهما شيء يلتقي به المرء من الخارج فيقف حجر عثرة في سبيل تقدّمه ، في حين أن الثاني منهما يتلبّس بنا ، ويغلّف غموضه صميم وجودنا ، فلا نملك أن ننظر إليه من الخارج ، لأننا مرتبطون به مندمجون فيه . وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الموت سرٌّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا مادام وجودنا وجودا زمنيا متناهيا يسير حتما نحو الفناء . وعلى الرغم من أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يرقى إليها الشك ، إلا أنه في الوقت نفسه السرّ الوحيد الذي هيهات للعقل البشري أن يتمكن يوما من إماطة اللثام عنه ) (17). 

هذا السرّ هي الأنثى الكائن المهيّأ لاستكشاف كنهه وكشف "طبقات" الأستار الثقيلة عنه .. هي "سيّدة الأسرار" - وهذا واحد من ألقاب إنانا - منذ فجر التاريخ .. استكشفت وكشفت أسرار الظواهر الحاسمة في الحياة البشرية . وحين أقول كشف الأسرار فلا اقصد هنا البتة مهارات العقل العلمي الذكائية التي فعلت كل شيء مُعجز على السطح لكنها تركت أعماق الإنسان مظلمة وملغزة ، إنها - مثلا - تبذل المستحيل على الطريقة الدارونية لتثبت للإنسان أنه "حيوان" في حين تريد الميتافيزيقا والأديان - مثلا والتي شنّ عليها فلاسفة الغرب الماديون حملة هوجاء مُنكَرة - أن تُثبت أنه من أصل إلهي وتسري فيه روح الله . لم يبق سرّ في حياتنا حسب زعم العلم لم يحصل على مفاتيحه . أداروا وجهنا عن الموت ، وجعلونا نتناساه ، فنسينا الموت والحياة دفعة واحدة . بقى هذا السرّ المستعصي المستغلق : الموت . كان بانتظار سيّدة الأسرار : الأنثى ، كما تقول عائشة :

(إنساننا القديم يعرف ، بحدسه ، بأن الأنوثة هي أقرب المفاهيم التي يملكها لفهم الحياة وتعرّف الموت ، الحضارات الأولى جعلت للحياة ربّة ، وللموت ربّة ايضا .. لماذا ؟ لأن الحياة إذا ما كانت تتدفق من رحم الأنثى ، إذا ما كانت الأنثى هي الكوّة الكونية لتكوين العالم ، فإنّ شرفةً تطلّ على الوجود لا بدّ أن تطلّ على العدم ، وأنّ أقرب الخلائق إلى سرّ الخلق لا بدّ أن يكون أقربها إلى حقيقة الفناء .. فالمرأة أكثر حسّاً بالخفيّ والماورائي من الرجل) (ص 89) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000