..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بثينة العيسى في رواية (عائشة تنزل إلى العالم السفلي)

د. حسين سرمك حسن

 مشروع تحليل خمسين رواية عربيّة نسوية :
بثينة العيسى في رواية (عائشة تنزل إلى العالم السفلي) :
                       إنانا الحكاية العربية الجديدة  (2)


جملة الإذعان هذه تُطلق حين يتحجّر القلب ويتصخّر بعد مرحلة الإنكار – denial التي تأتي في مقدّمة مراحل صدمة المثكول بموت الأحبة ، والتي تتمظهر في أشكال سلوكية متضاربة وهائلة التنوّع مثل التي حصلت للراوية لحظة انثكلت بطفلها الوحيد : عزيز – ولاحظ وقع اسمه النفسي ومعانيه - :
(ورغم أنني فعلتُ يومها كل ما يمكن فعله من صياح وهستيريا ، عندما حملته بين ذراعي وركضتُ كالمجنونة دون أن أعرف أين سأذهب به ، وكيف سأنقذه ، أو أنقذ نفسي ، من رحيله المباغت (...) كان عدنان [= زوجها] يركض خلفي : ارجعي .. أعطني الولد يا مجنونة . هل يمكن أن أكون قد ركضت بهذه السرعة ؟ لا أدري ، قيل بأنني ، وعدنان، قد تشاجرنا على جثّته ، قيل بأنني قد نشبتُ أطفاري في ساعديه ، وصرختُ بأعلى صوتي ، كما لو أنه لصٌ يريد أن يسرق جثمان ابني .. ولكنهم نجحوا في انتزاعه من ذراعي ، أدخلوه في سيارة أبيه ، وماذا كنتُ أفعل وقتها ؟ هل كنت أصرخ وأمد يدي صوب الفراغ وأستجدي جثته ؟ وما الذي كنت أريده بأي حال ؟ أن أخبئه في حديقة المنزل ؟) (ص 16)
كل هذه الأفعال، إنكاريّة ، ممزوجة بتأثيرات مرحلة الصدمة والذهول . وكلّما تطاولت مرحلة الإنكار، واستفحلت الأواليات الدفاعيّة التي يلجأ إليها اللاشعور الجريح ، كلّما صار نمط الأسى عصابيّاً ماحقاً ، وكلّما تضمّن صراعات أخرى بعيدة عن الإنفعال السويّ . وفي الغالب يكون الشعور بالذنب، المتأجّج واللائب في أعماق الذات، سببا أصيلا لهذا التطاول . وقد طال إنكار الراوية لرحيل ابنها عزيز أربع سنوات . وها هي تصف القدر الذي تتحمّل فيه مسؤولية الحدث المروّع الذي أودى بحياة ابنها :
(مات عزيز .. بين عينيّ ؛ أقصد : من وراء ظهري . لماذا لم أكن أنظر إليه ؟ تركته وسط الشارع وانشغلت ، بأي شيء ؟ بالشيء الوحيد الذي أفعله في تلك الأيام ، بالشجار ، ورغم أنّه ألح عليّ : ماما لُعَبي سقطت ، لم أفعل شيئا .. وهو ذو الخمس سنوات (...) قلتُ له : عزيز ، أقسم بالله إذا لم تتحرك إلى هنا سوف أضربك . سوف أرمي لعبك في زبالة الشارع . هذه كلماتي الأخيرة لولدي قبل موته) (ص 16 و17).
أي أمّ هذه التي لم تكلّف نفسها أن تلتفت - للحظات - وترى ما الذي يجري لطفلها الوحيد، وهو وسط الشارع ؟!
كان مرتبكا وسط الشارع الضاج ، كلّما التقط لُعبةً، سقطت أخرى من ألعابه الثلاث التي كان يحاول حملها بكفيه الصغيرتين . هكذا دهسته السيارة، وهو منحنٍ على لُعبه يحاول جمعها . لم يتخلّ عن لُعبه أبدا ، مثلما تخلّت أمّه عنه، وهو "لُعبتها" الوحيدة والأعظم في حياتها .
تخلّت عن طفلها (عبد العزيز) ذي الخمس سنوات والنصف باستهتار عجيب يحمل كل معاني العبثية واللاإكتراث، وذلك في اليوم "الثامن عشر من أبريل للعام 2007" . ومنذ هذا اليوم حصل التحوّل الفاصل في حياتها . كانت حياة زائفة وفارغة ، والآن امتلأت بالخطايا، فانتفض الضمير المُعاقِب الراصد الذي كان غافيا :
(وفي ذلك اليوم بدأت ذاكرتي ترصد أيامي ، وبدأ قلبي ينبض ألما ، وبدأت عيناي تفيضان ، وصارت عندي خطايا تنهش روحي ، وآثار عضّات ندم على كفّي ، وساعدي ، وزنديّ .. و.. صار للحياة لونٌ ومعنى) (ص 18) .
إن الموت يُثقّف، ويُثري، ويُغنِي، ويملأ الحيوات الفارغة بالمعنى، ويفرك عن وجه الوجود الصدأ . قرب جثمان الإنسان الحبيب الميّت ابتكر الإنسان أول فلسفة، وأول دين، وأول إله .. وأول قصيدة . في كلّ هذا يعود الفضل للموت على الحياة . بعد الثامن عشر من أبريل ؛ يوم الشدّة الفاجعة ، انقلبت وتائر حياة عائشة – الآن عرفنا اسمها وأنها هي المعنية بالعنوان – وإيقاعاتها . أصبحت – أوّلا – ذات "قضيّة" .. ذات خسارة، تُحاسب نفسها عليها بضراوة . ثم صارت – ثانيا – وهذا أخطر وأعظم – تستعد للموت .. تنتظره، وتحسب له أياماً وساعات . صارت تستطيع أن تقول : لقد متُّ . وهو فعل لا يمكن أن يحصل في الممارسة الوجودية أبداً . فالموت لا يُجرّب . ولكي تعيش تجربة الموت وتحكيها لنا يجب عليك أن تموت . وبهذا تنتهي إلى الأبد إمكانية "تجريب" الموت . الموت تجربة فردية ورحلة نهائيّة لا يمكن العودة منها لغرض "سردها" . حكاية الموت هي الحكاية الوحيدة العصيّة على "السرد" . لكن عائشة – وهذا ما يوفّره لنا الإبداع الصادق العظيم – صارت تموت، ثم تعود من الموت، لتحكي لنا تجربتها في الموت وتقول لنا : لقد متُّ :
(لون الحياة أسود مشعّ ، معناها الوحيد هو الموت . بمجرد ما أدركتُ ذلك ؛ أعني لون الحياة ومعناها ، صار جسدي يستجيب لحقيقته الوحيدة ؛ حقيقة الفناء ، وصار بوسعي أن أموت ، وأن أعود ، أن أتأرجح بين العالمين ؛ عالم الغيب والشهادة ، وكأنني محكوم عليّ بالتردّد الأبدي بينهما ، معلّقة بخطاطيف ألمي ، في برزخ لا ينتهي أو يكاد) (ص 18) .
لقد ماتت عائشة ، منذ وفاة ولدها ، ثلاث مرات ، وعادت إلى الحياة ثلاث مرّات ، وكل الميتات الثلاث كانت تتزامن مع ذكرى وفاة ولدها الحبيب عزيز ، أي في الثامن عشر من أبريل للأعوام 2008، 2009، 2010 ؛ بالكهرباء ، وبالتسمم الغذائي ، وبحادث سيارة على التوالي . وها هي ذكرى وفاة ولدها الآن تحين بعد اسبوع ، وعليه – كما تتوقّع هي – ستحين ميتتها الرابعة التي تعتقد أنها ستكون الأخيرة في هذا الموعد نفسه (ص 18) .     
ومع كل ميتة كانت عزلتها ووحشة حياتها الخانقة تتصاعد وتشتد . فقد صار أقرب الناس ينفضّ عنها حتى أمها وأختيها وأخيها الوحيد .. بل زوجها أيضا . صارت هذه الظاهرة في حياتها تخيفهم . إنّها الميّت الحي الذي يعيش بينهم . إن ما يستطيعون تحمّله وانتظاره هو أن تموت عائشة ويدفنوها مثلما يتوقعون لكلّ واحد منهم . إن الأوالية التي يسير عليها لاشعورهم ولاشعور أيّ واحد منّا هي أن لاشعورنا خالد وعصيّ على الفناء . ولكن عائشة تذكّرهم جميعا بـ "يقينهم المُفتعل" هذا وتقلقله : معرفتهم القاطعة بكل ما يخصّ الحياة والموت والعالم الآخر (ص 20) .
إنّ من يمارس المدنس يصبح هو بدوره مدنّسا ومخيفا .. هذه قاعدة تحليلية نفسية . يصبح هو حراما . ومن "يمارس" الموت يصبح هو بدوره "موتاً" ! فلماذا لا تموت عائشة وننتهي .. ولماذا لعبها الدائم هذا بين العوالم ؟! :
(لقد جرّب عدنان فقدي ثلاثا ، واستعادني ثلاثاً ، والأرجح أن خوض تجربة رابعة من هذا النوع أمرٌ يروّعه هو أيضا . من يريد أن يعيش تحت تهديد الزوال ؟ كلنا نموت ، ولكننا لا نفكّر بالموت مهما حثّتنا الأحاديث النبوية على ذلك ، نحن نحيا ممتنين إلى حقيقة الحياة ، والموت هو نهايتنا المؤجلة دائما) (ص 23)
ولاوعينا المجرّح بالإثم يصمّم أشد أشكال العقاب تنكيلا بنا ، وفي مواعيد "جرائمنا" السابقة حين تحلّ أو قريباً منها . هذه الأشكال هي بعض مما نسمّيه بالميول الإنتحارية أو "تدمير الذات الغير مباشر – indirect self destructive behaviore" كالإنقطاع عن الطعام والشراب والحزن المديد بعد الفقد .. والإدمانات بكل أشكالها .. والكثير من حوادث البيوت والمطابخ والسيارات .. وغيرها الكثير الكثير . حتى المرض العضوي هناك من الباحثين من يرى أننا نمرض بـ "اختيارنا" ونشفى بـ "إرادتنا" . إن الشعور بالذنب مبحثٌ هائل .. بل علمٌ ضخم جدا ، والوجدان الآثم وكالة قضائية تشكّل ما لا يُفهم بصورة مباشرة من الأفعال المدمّرة للذات والتصرفات "العرضيّة" المميتة . أقول "عرضيّة" لأنها تصيب الفرد المعني عرضا وبصورة تصادفية ، ولكن في جانب منها - وأمام عين المراقب المحايد أو "المتأثر" بشكل ما من نتائج هذه الحوادث مثل عدنان - يلمح فيها "شيئا" من آثار الإرادة الفردية . ولهذا كان عدنان محقّاً - بشكل ما - حين كان يشكّك في طبيعة الحوادث "الإنتحارية" الثلاث التي كان يظن أن عائشة من الممكن أن تكون قد أمسكت بأسلاك الكهرباء متعمّدة أو قذفت نفسها أمام السيارة قصدا . وكيف يمكن أن يأكل شخصان من نفس الطبق ويتعرّض أحدهما للتسمّم الغذائي والآخر لا ؟ (ص 22) . لقد التقط عدنان جانبا مهما من فعل تلك العوامل الخفية في حوادث "موت" عائشة الثلاث ، وكلّها مرتبطة بشعورها بالذنب تجاه موت ولدها العزيز :
(نظرية عدنان هي الآتي :
بما أن إحساسي بالذنب يدفعني إلى الإنتحار ، وشريعتي السماوية تحرّم عليّ ذلك ، يُهرع عقلي الباطن ، لاشعوريا ، إلى تحقيق أمنيتي بقتلي ، لكي أموت مثل ولدي ، وهو الأمر الذي يحدثُ عندما يبلغ إحساسي بالذنب أوجه ، في الثامن عشر من أبريل من كل عام ، في ذكرى وفاة عزيز) (ص 23 و24) .
ولكن أرواحنا الجريحة مستعدة للدوس على أكثر التفسيرات والنظريات العلمية إحكاما من أجل مداراة نرجسيتنا المهدّدة التي يجب أن تُصان - مهما كان الثمن - حتى من الموت المؤكّد . وها هي عائشة ترفض "نظرية" عدنان بالرغم من أنها تعدها مُحكمة ومُتماسكة، وتتكيء على أسس علمية جدا . إنّها ترفض حتى مراجعة عيادة للطب النفسي ، وتسطّح مجهودات الأطباء النفسيين الذين كان من الممكن أن يقدّموا لها خدمة كبيرة في تفسير حالتها من خلال نقل العوامل الفاعلة من ظلمات اللاوعي إلى نور الوعي، لتُحاكم ، وتُفسّر ، وقد تُحلّ . وهي تؤكّد عدم حاجتها إلى غوص مثل هؤلاء الأطباء في أغوار عقلها الباطن ؛ عالمها السفلي ، الملتبس الزاخر بالأفكار الشاذة ، لاستخراج الأسباب التي دفعتها إلى الإنتحار . فهي كما ترى لم تنتحر :
(أنا لم انتحر ، لو أردت الموت فسأختار طرائق أكثر لطفا . سأبتلع مائة قرص منوّم وأتمدّد دافئة في سريري وأحلم بابني) (ص 23)
لكن هذه الميتة الإختيارية المرتّبة هي آخر ما يريده عقلها الباطن . هي لا تعلم بذلك ، ولا تريد لأحد أن يخبرها به . كان عقلها الباطن يريد ميتة درامية مثل تلك الميتات الثلاث المرعبة التي تماثل في جوهرها ميتة عزيز الدامية تقريبا . ولكن تدخّل وعيها المتنفّج يجعلها تُنكر أن تكون الأغذية الفاسدة ، وحوادث المرور ، وصعق الكهرباء من صنعها .
وفي أغلب الحوادث "العرضيّة" - المميتة أو شبه المميتة - ينبغي علينا أن نضع في حسابنا "مصلحة" لاشعور الفرد في الفناء ، وهذا الرأي قد يصدم شعورنا المباشر الذي لا يمكن أن يتحمّل مصيرا من هذا النوع ، فنحن ، جميعاً ، نخضع - على مستوى لاوعينا - لما يسمّى بقانون "التناقض الأوّلي – primary paradox" وفيه نقرّ بفناء الآخرين وقابليتهم على الإنجراح ، ونُنكر فناءنا الشخصي إلى الأبد . على المستوى النفسي ، فلا أحد منّا يقرّ بفنائه الشخصي أبداً . لاشعورنا مُتخم بمشاعر الخلود المخدّرة والبقاء العصي على الموت ، في حين يقرّ في الوقت نفسه ، ويسلّم بحقيقة أن البشر الآخرين فانون وقابلون للموت . نحن لا يمكن أن نتصوّر موتنا الشخصي برغم أننا نعرف حتمية الموت. عبّر عن ذلك "تولستوي" – مثلاً - في قصته "موت إيفان إيليتش" حيث قال إن إيفان إيليتش كان يرى بأنه يُحتضر .. في أعماق فلبه كان يعرف بأنه يُحتضر ويموت ، ولكنه لم يكن غير مهيأ لتقبّل هذه الفكرة حسب ، بل ما كان ، ولن يكون ، قادرا على استيعابها . والمبدعون الجسورون هم الذين ابتكروا لنا طرقا وآليات وألعاب للإلتفاف على هذا الشعور المُرعب . وفي الإبداع فقط تتوفّر لنا فرصة للمماطلة أو اختيار طريقة موتنا ، وحتى عدم الموت ، بل التلاعب بالمثكل . الإبداع هو بلسم أرواحنا الجريحة المفزوعة . ولكن هذا قد يضعنا في موقع ننظر منه إلى الموت كعملية "خارجية" فقط .
ونخطيء كثيرا حين ننظر إلى الحوادث بعواملها الخارجية فقط . إن نوايا الموت لائبة وثابتة في أعماقنا منذ ولادتنا وحتى موتنا . ما وجودنا إلّا نتاج صراع غريزتين : غريزة حياة تبني وتُنمي وتركّب ، وغريزة موت تهدّم وتهير وتحلّل من الحالة العضوية إلى الحالة اللاعضوية بالطريقة التي يُعبر عنها اللاهوتيون (من التراب جئنا وإلى التراب نعود) . ومن الأفضل أن نقول أنه "تظافر" غريزتين متكاملتين يكون الظفر النهائي في الشوط الأخير لدوافع الموت . وعليه علينا حين نراجع الحوادث المميتة وشبه المميتة (الميول الإنتحارية) التي تصيب الآخرين ، أن نتأمل ونغوص عميقا للإمساك بقبضة الموت من "الداخل" ، بقدر أكبر من التفاتنا لضربته الساحقة من "الخارج" ، خصوصا حينما يكون في التاريخ النفسي الشخصي للشخص المعني ما يشي أو يلمح لتجارب صادمة ومُفزعة تثبت "قلق الموت – death anxiety" وتؤجج ألسنة لهيبه في النفس البشرية . ولدى عائشة مثل هذا التاريخ "السرّي" مع الموت . فقد "رأت" الموت أول مرة كما تقول عندما كان عمرها إثنتى عشرة سنة . كانت مع والدتها واثنتين من خالاتها يتناولن العشاء في أحد المطاعم ، وأرادت أن تذهب إلى الحمّام :
 (فعبرتُ ممرا مظلما وهزيلا بواجهة زجاجية يطل على مقبرة الصالحية التي ترامت أمامي بشواهد قبورها التي ملأت الأرض حتى اقصى أقاصيها ، تملأ الساحات وتفيض من وجه المكان ممعنة في تأكيد الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الدحض : حقيقة الزوال . لم أكن أعرف بأن الموتى كثرٌ هكذا !) (ص 26 و27) .
وقد يرى السادة القرّأء إن طفلة في الثانية عشرة من عمرها من الصعب أن يتوفّر لديها مثل هذا الإدراك المعرفي لشمولية الموت وسطوته الساحقة التي تخضّ وجودها بعنف حدّ أن تجعلها تبلّل نفسها :
(شعرتُ بتشنجّ في ساقي ، عجزتُ عن الحراك ، أغمضتُ عيني ، وسددتُ أذني بيدي ، وجلستُ على الأرض أمام الحائظ الزجاجي المطلّ على المقبرة ، وأخذتُ أئنُ في ظلام الممر الوحيد .. بلّلتُ ملابسي . هذا ما أتذكرّه . أنا ، أمّي تقول بأن تلك إضافة من خيالي) (ص 27) .
 وينبغي القول أنّ مفهومنا عن الموت يستمر في التطوّر من الناحية المعرفية والأنفعالية خـلال الحياة. ويساعدنا كثيراً العمل مع الأطفال على معرفة كيف يفكّرون حول الموت ، وارتـباط ذلـك بنموهم العقلي. والأطفال الصغار يفكّرون تفكيراً (إحيائياً ــ Animistic ) (كل شئ حي) ، وتفكيراً (سحـرياً ــ Magical ) (تعـادل الرغبـات والأفكار مع الفعل) ـ. وكمثل علـى الأخـير حالـة الطـفلة التـي تـرغب فـي إقتـناء كلـب وتشعر بالذنب الشديد عنـدما تمـوت قطّتـها الوحيـدة لأنـّها تعـتقد أنّ رغبتها في الكلب أدّت الى وفاة قطّتها . وفي هاتين الصفتين يشترك الطفل مع الأنسـان البـدائي ومـع العقلية الأسطوريّة رغم وجود إخـتلافات مهـمّة ليس هنا أوانها. ويمّر مفهوم الأطفال عن الموت بثلاث مراحل متميزة (2) :
اــ المرحلة الأولى ــ وتمـتد حتـى السنـة الخـامسة من العمر تقريباً ، وفيها لا ينظر الطفل الى الموت كنهاية بل كأنفصال مؤقت ، وأحياناً كحالة تشبه النوم .
ــ قال (أوتونبشتم ) لـ (جلجامش) :
ياما أعظم الشبه بين النائم والميت
ألا تبدو عليهما هيئة الموت ؟!)
ب- المرحلة الثانية ــ وتمتد من الخامسة وحـتى التاسـعة مـن العمر ، وفيها يميل الطفل ألى (تشخيص) الموت ، أي يعتبـره وكأنـّه بـشر أو كأنّـه ذو قـوّة بشـرية أي (تجـسيده) مادياً . لايـزال المـوت خارجياً ويمكن تجنّبه شخصياً : يستطيع الفرد الهرب من رجل الموت أو يغلق الباب بوجه (بعبع الأطفال) .
ــ قص (أنكيدو) على (جلجامش) رؤياه عن الموت في أثناء مرضه :
( كانت السماء ترعد فأستجابت لها الأرض  
وكنت واقفاً وحدي فظهر أمامي
مخلوق مخيف مكفهر الوجه  
كان وجهه مثل وجه طير الصاعقة ( زو)
ومخالبه كأظفار النسر  
لقد عرّاني من لباسي وأمسك بي بمخالبه )
ــ وفي رؤيا الأمير الآشوري (كمايا) عن العالم الأسفل نقرأ :
(رقد (كمايا) فشاهد رؤيا في منامه :
لأله الموت رأس تنين وكانت يداه مثل
البشر وقدماه .. إلخ)
جـ ـ المرحلة الثالثة ــ مع نهايــة السنــة التاسعـــة من العمر يبدأ الطفل بحيازة فكــرة                               الراشدين عن الموت وخصوصاً حتميته ونهائيــّته . وفي المفهوم المعرفي فأن عبارة بسيطـة مثل (سوف أموت) تتضمن إدراكا ذاتـياً ، وعملـيات فـكريـّة مـنطقية وفـهم الأحتمـالية والضرورة والسببية والزمن الشخصي (طول مدة حياة الشـخص) والـزمن الفيزيائي (الزمـن الـموجود بصـورة مستقـلة عـن الشـخص) والنهائية والأنفصال .


د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000