.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مشروع تحليل خمسين رواية عربيّة نسوية

د. حسين سرمك حسن

 

بثينة العيسى في رواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" :

                       إنانا الحكاية العربية الجديدة  (1)

------------------------------------------------------------------

              

( لقد اعتاد أن يقول لي ، وعيناه الفاحمتان المدورتان غارقتان في الظلمة ومليئتان بالدموع : "أحسّ كأنني سأفعل ما يتحدّث عنه برجسون - الذهاب إلى ناصية الشارع ومدّ يدي كمتسوّل من العابرين : صدقة يا أخوان ، ربع ساعة من كلّ منكم )

                                           "هيلين كازنتزاكي"

                             عن مشاعر كازنتزاكي وهو على فراش الموت

(إلى أين أوجّه وجهي ؟

وها أنّ (المُثكل) قد تمكّن من لبّي وجوارحي

أجل ..

في مضجعي يقيم الموت

وحيثما أضع قدمي يربض الموت)

                                                       "جلجامش"

(إنّ اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت قد لا يقلّ شأناً عن اهتمامهم بدفن موتاهم)

                                                       "بوسويه"

 

 

 

 

(سأصير مثله قريبا ، سوف أشبهه وأشبه موته . سوف أرى جسدي ممدّداً في نفس المكان وملقىً في نفس البياض .
سوف يحين موتي قريبا ، وستكون لي تلك الهيئة العدميّة البيضاء ؛ القطن في المنخرين ، في الفم ، في الأذنين .. في كل ثقب يمكن أن يكون ، جسدٌ محشوٌ بالبياض . تساءلتُ يومها لماذا يدسّون القطن في كلّ مكان تصله أيديهم ؟ كنتُ أتساءل وأنا واقفة أمام جثمانه الصغير إلى حدّ الفجيعة ، الصغير بما يتناقض مع فكرة النهايات والقبور والرحيل . قالوا لي يومها بأنني أستطيع أن أدخل لأراه ، لمرّة اخيرة . دخلتُ . لم تكن المرّة الأخيرة . كلّ أحلامي وكوابيسي تحمل وجهه .

ماذا عساي أن أقول أكثر ؟

لقد مات ولدي أيها العالم .)

  

(لون الحياة أسود مشعّ ، معناها الوحيد هو الموت . بمجرد ما أدركتُ ذلك ؛ أعني لون الحياة ومعناها ، صار جسدي يستجيب لحقيقته الوحيدة ؛ حقيقة الفناء ، وصار بوسعي أن أموت ، وأن أعود ، أن أتأرجح بين العالمين ؛ عالم الغيب والشهادة ، وكأنني محكوم عليّ بالتردّد الأبدي بينهما ، معلّقة بخطاطيف ألمي ، في برزخ لا ينتهي أو يكاد)

  

(هذه الكتابة لا تداوي ، بل تُميت ، الموت جيّد ، ؛ الموت جيّد ، وأنا أريده من كل قلبي)

                                                "بثينة العيسى"

                                  رواية (عائشة تنزل إلى العالم السفلي)

 

قد تكون هذه الرواية : "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" للروائية "بثينة العيسى" (1) ، هي رواية الرثاء الأولى ، وبلا منازع ، في الأدب السردي العربي . لا تنافسها حرقةً وبراعةً والتهاباً ومحنةً ، سوى رواية الراحل الكبير "عبد الرحمن منيف" "قصّة حب مجوسية" . ولكن الأخيرة كانت مرثاة في خسارات الحب الباهضة وحرقة الإنسحار والوجد ، وليس في الرثاء بسبب الموت . ولكن أي رثاء ؟ّ! إنّه الرثاء "العربي" "الحديث" بكل ما في الكلمة من معنى . فهو ليس رثاء مستوردا ، فقد تأثرنا بالمنجز الغربي حتى في طريقة بكائنا على أحبّتنا الراحلين ، ونعيهم ، والكتابة عن تأثير فقدهم ، إنّه نصّ "عربي الوجه واليد واللسان" .. وغريبٌ أيضا ، لأنني لم أواجه مثله في كل قراءاتي للنتاجات الروائية العربية . وهو "حديثٌ" بكل ما في كلمة "الحداثة" من معنى ؛ عرضا وأسلوبا وتقنيات ، كما سنرى ، ولو أن سموم الحداثة - الغير محسوبة - خدشت - بعض الشيء - تكاملية هذا العمل العظيم في بعض المواضع . وفوق ذلك كلّه يأتي هذا الموقف الفذّ عن الموضوعة الأولى - والأخيرة - في الكون والوجود والحياة ، موضوعة الحيّ الذي لا يموت : الموت . وأعتقد أن الحداثة بدأت حين صار الإنسان يتأمل وينفعل - فكرا وعاطفة وبعمق - ويتساءل : لماذا أموت ؟ لهذا فإن الموضوعات الكبيرة و"الحداثوية" هي التي قدمت رؤىً عظيمة وفريدة ومبتكرة عن الموت / المُثكل كما سمّاه جدّنا العظيم الممتحن جلجامش في ملحمة البشرية الأولى والأخيرة : ملحمة جلجامش التي يقول عنها العلّامة الراحل "طه باقر" إنك لو وضعتَ ملحمة جلجامش في كفّة ميزان ، ووضعت كل نتاج البشرية الأدبي في الكفة الأخرى ، لثقلت كفة ملحمة جلجامش ، ورجحت .

ثمّ أنّ هذا العمل "ذاتي" ، مخلوقٌ من طينة روح الكاتبة أو الراوية ، ليس لأن الكاتبة ذكرت على صفحة "تنويه" :

(هذه الرواية مستوحاة من قصّة حقيقية ، وقد كُتبت بتواطؤ صريح بين شراسة الواقع ومجاز المخيلة) (ص 7)

فحسب ، بل لأن حرائق الذات ولهيبها يلفح وجهك وروحك ويحرق أصابعك مع كل صفحة . ولا تحدثوني عن أدب جماعي ورواية جمعية وإبداع جماهيري . فالإبداع مشروع فردي ، ذاتي ، وجودي ، تحكم عليه بالخراب والدمار حين تحاول أن تُضفي عليه صفة الجماعية (يقولون أن جدانوف أعدم ست مئة من رفاقة الأدباء كي يجعل الأدب جماعيا باهتا في الإتحاد السوفيتي السابق !!) . وكم كان مقصّراً مؤلف ملحمة جلجامش حين لم يكتب اسمه عليها ، فصرنا ننسبها إلى شاعر مجهول !

ورواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" هي رواية من نار، وجمر، وصراخ، وأنين مواد قلب متشطٍ ، وقطع روح ممزقة. هي روح الراوية / الساردة / الكاتبة . نصٌّ كُتب بالجمر على ورق الروح المكلومة المنثكلة فتشمّ دخان احتراقاتها وأنت تقرأ . لكنها ليست "بكائية" سردية . هي رؤيا ورؤية : "رؤيا" لأن الكاتبة عرفت فيها : "لماذا" تكتب هذا النص (الفلسفة ، الموقف الوجودي ، والجدوى من الحكاية ...) ، و "رؤية" لأنها عرفت : "كيف" تكتب هذا النص (التقنيات والأسلوب...) . على تلك المحاور سوف نتحرك ، وهذا ما سنحاول استكشافه في هذا النص الخطير والمدمّر .. فلنمضي معا .

بعد صفحة من التنويه نطالع فقرة عنوانها (ضوء في آخر الممر) ، نقرأ فيها "بيت" شعر للكاتب "أورفيل دوغلاس" يقول فيه :

لئن متّ ليكونن ذلك مجداً

ولئن عشتُ لتكونن رحمة

وسنجد أنه - مع أغلب باقي الأقوال والكلمات المأثورة التي تفتتح بها الكاتبة فصولها - بيت شعر باهت لا يصمد أمام حرائق الرواية ولا يضيف إليها وقوداً ، بل يُضعف استجابة القاريء في بعض المقبوسات بالرغم من أن عواصف السرد الكاسحة ستحاول اقتلاع المتلقي من مكانه، ولا تتأثر بهذه المفتتحات الباردة و"الحكيمة" . وتبدأ العواصف الحارقة من السطر الأول للرواية :

(أنا عائشة . سأموت خلال سبعة أيام) (ص 11) . 

وهذا استهلال صادم يشدّ المتلقي من تلابيب انتباهته القرائية، ويسحبه معه، ليتساءل عن الكيفية التي عرفت فيها عائشة أنها سوف تموت خلال هذه المدّة المقرّرة . لكن الكاتبة - وهذا ما يجب أن يتوفّر عليه الكاتب المُقتدر - لا تباشر في الإجابة عن فضول القاريء وإشباعه بل تستدرجه في طريق فرعي آخر ، شديد الأهمية ، حين تقول مباشرة :

(وحتى ذلك الحين قررتُ أن أكتب)

فتأتي الكتابة - حسب تصميم الراوية في الظاهر - كوسيلة لتيسير الموت .. لتخفيف وقعه .. وكأداة تساعدها على الإنتقال إلى شاطئه الأسود الذي لا عودة منه . فقد جرّدتها المحنة من كل ممكناتها ، وصارت الكتابة (الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله) (ص 11) فهي تريد أن تضع نقطة أخيرة في السطر الأخير قبل أن يبتلعها الغياب (ص 11) ؛ نقطة ليست على شكل طلقة كما قال مايكوفسكي في قصيدته الأخيرة قبل انتحاره ؛ تريد نقطة ختامية من هذا الكائن الهش والمتهافت - مثلها وهي في أيامها الأخيرة - الذي اسمه اللغة . هي ، الراوية ، تريد الكتابة أداةً للخلاص وختاما ليأس مديد ، ولا تريدها توثيقا لحياتها كما يبغي البعض وهو يستميت في خلق أثر للبقاء ، فحياتها السابقة لم تكن جديرة بالإهتمام .. فكل شيء سبق وانتهى ، ولم تعش حياة تستحق أن تؤرّخ . والخلاصة أن :

(هذه الكتابة لا تداوي ، بل تُميت ، الموت جيّد ، ؛ الموت جيّد ، وأنا أريده من كل قلبي) (ص 11) .

لكن لماذا ؟

سوف تصفعنا الآن الراوية بالجواب المدوّي/النداء الكوني الصاعق :

(سأصير مثله قريبا ، سوف أشبهه وأشبه موته . سوف أرى جسدي ممدّداً في نفس المكان وملقىً في نفس البياض .
سوف يحين موتي قريبا ، وستكون لي تلك الهيئة العدميّة البيضاء ؛ القطن في المنخرين ، في الفم ، في الأذنين .. في كل ثقب يمكن أن يكون ، جسدٌ محشوٌ بالبياض . تساءلتُ يومها لماذا يدسّون القطن في كلّ مكان تصله أيديهم ؟ كنتُ أتساءل وأنا واقفة أمام جثمانه الصغير إلى حدّ الفجيعة ، الصغير بما يتناقض مع فكرة النهايات والقبور والرحيل . قالوا لي يومها بأنني أستطيع أن أدخل لأراه ، لمرّة اخيرة . دخلتُ . لم تكن المرّة الأخيرة . كلّ أحلامي وكوابيسي تحمل وجهه .

ماذا عساي أن أقول أكثر ؟

لقد مات ولدي أيها العالم .) (ص 12) .

وهذا النداء المرير الموجّه إلى العالم يقابله التحليل النفسي بهدوء مغثٍ - فالتحليل النفسي في أحوال كثيرة يُفسد المِحَن بإرجاعها إلى اصول دافعية وغريزية أكثر مما يمنحها بهاء وأثرا جماليا - فهو ؛ أي هذا النداء - والمشكلة أن هذه حقيقة - نداءٌ مفرطٌ وتُشم منه رائحة عصابية . فما علاقة العالم بطفل الراوية الذي مات ؟ لكن الإبداع هو المُحلل الأكبر ، وهو الذي سيتكفل بجعل هذا الطفل الفقيد طفل كلّ واحد منّا ، بل طفل العالم كلّه . وطبعا ، هذه العطايا لا تتم من دون الشعور الحامي بالتماهي مع الراوية المنثكلة واستدخال محنتها ، وهذه من نعم التحليل النفسي التفسيرية . الإبداع هنا - وكمُدخل مموّه - يجعل كتابة الراوية في أسبوعها الأخير من حياتها - كما تتوقع هي ، وبحق - "تلويحة الغريق" ، كما وصفتها :

(إنني أكتب تلويحات للغريق ، وفي الوقت ذاته أجد روحي مشدوهة أمام فداحة المشهد وعمق السؤال : تُرى ... لماذا يلوّح الغريق بيديه ؟

الغريق الذي وضعوه في كيس ، وقيّدوا قدميه بحجر ، وألقوه على عمق آلاف الأمتار من الماء والملح ، حيث الظلمات سوداء مشعّة . هذا الغريق ؛ غريقي أنا ، لماذا يلوّح ولمن يلوّح ؟) (ص 13) .

إنّ الكتابة هي تلويحةُ أي غريق منّا . مرّة سمعت بدويّاً يُحتضر قرب إحدى العيادات الطبّية ، وهو يصرخ :
(إشتروني .. إشتروني !!) .
هذه الصرخة .. بهشاشة اللغة هي الدفاع ضدّ الفزع الأعظم . ومن المؤكّد أن هذا الإنسان لا يعلم أنّ أجداده السومريون كانوا يؤمنون بإمكانية أن يحل روح بديل محل من تقرّر شياطين العالم الأسفل خطفه إلى تلك الظلمات ! هذه الصرخة ونظائرها الإستغاثية التي لا تُحدّ ، هي "تلويحة" ثابتة للبشر الذين ينتظرهم مصير ثابت على مدى العصور والأزمان، وهو الغرق في محيط الموت . فمع قرب أن يتأبطنا المثكل ويرحل بنا برغم أنوفنا ، لا تبقى سوى الكتابة ، أو الكلمة "الهشّة" ، كبديلٍ للخلاص البائس . وتلويحة الكاتبة هذه ؛ كتابة أسبوعها الأخير ، تنطوي في باطنها - حتى دون أن تدري - على نداء "البقاء" والمقاومة ، إنّها السبيل الوحيد، والمخادع، للوصول إلى نقطة الضوء اليتيمة :

(أكتب لأغرق ، أغرق لأموت .. وأعتزم ، ولسبب لا أفهمه ، أن أكتب موتي/غرقي ، وهذه الكتابة التي هي الآن ، وهنا ، لا إسم لها ... إلّا تلويحات الغريق ، الوداع الذي لن يشهده أحد .

العالم اختفى في نقطة الضوء اليتيمة ، التي هي آخر ما يراه الغريق ، قبل أن يعبّيء الماء رئتيه ، قبل أن يصير بحراً) (ص 14) .

وتحوّل الغريق إلى بحر هو توسيع لاشعوري لفنائه بما يشي بعكسه ؛ هو ، في واقعه الرمزي اللاشعوري ، امتداد خلودي هائل . نحن نلهج باسم الحياة في زفرات الإحتضار وجباهنا على ركبة الموت .

(لقد مات ولدي فعلا) (ص 15)

ولا يعتقدنّ أحدٌ من السادة القرّاء أن هذا الإعتراف عملية بسيطة كان على الراوية المنكوبة أن تعلنها منذ لحظة الإنثكال . إن هذا الإعلان يأتي بعد صراع مدمّر بين الإقبال والإدبار ، الإقبال على الفجيعة والإقرار بسطوتها الماحقة ، والإدبار من مواجهتها لأنها لا تعني الغياب النهائي للعزيز الذي ثُكلنا به حسب، بل - وهذا هو الأدهى والأمرّ - الإقرار بأننا مثله ، وقريبا سيُجتث وجودنا كما اجتُث وجوده بلا رحمة بمنجل المثكل الباشط .

(لقد مات ولدي فعلا)

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000